الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع
في النظر والدليل والأمارة
قال الرازي: أما النظر فهو ترتيب تصديقات في الذهن؛ ليتوصل بها إلى تصديقات أخر،
والمراد من التصديق: إسناد الذهن أمرا إلى أمر بالنفي أو بالإثبات إسنادا جازما، أو ظاهرا
ثم تلك التصديقات التي هي الوسائل، إن كانت مطابقة لمتعلقاتها، فهو النظر الصحيح وإلا فهو النظر الفاسد.
ثم تلك التصديقات المطابقة: إما أن تكون بأسرها علوما؛ فيكون اللازم عنها أيضا علما، وإما أن تكون بأسرها ظنونا، فيكون اللازم عنها أيضا ظنا، وإما أن يكون بعضها ظنونا، وبعضها علوما؛ فيكون اللازم عنها أيضا ظنا؛ لأن حصول النتيجة موقوف على حصول جميع المقدمات، فإذا كان بعضها ظنا، كانت النتيجة موقوفة على الظن، والموقوف على الظن ظن، فالنتيجة ظنية؛ لا محالة.
وأما الدليل، فهو الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم.
وأما: الأمارة، فهي التي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيها، إلى الظن.
قال القرافي: تقريره: يتحصل بالإيراد عليه
، فلا حاجة للتَكرا وعليه تسعة أسئلة:
الأول: على قوله: ((ترتيب تصديقات)) هو صيغة جمع، مع أن البرهان
القاطع قد قام على أن الدليل يستحيل أن يتركب من أكثر من مقدمتين تامتين، وحيث احتاج الدليل أو المطلوب إلى مقدمات كثيرة فإنما ذلك لعدم تمام المقدمتين أو إحداهما، والمقدمات الزائدة لتمامها أو لتمام إحداهما.
وبيانه: أن المحكوم به إذا كان مجهول الثبوت للمحكوم عليه فلا بد من واسطة بينهما، يكون ثبوتها لأحدهما معلوما، وثبوت الآخر لها معلوما، فيلزم ثبوت المجهول للمعلوم، كما إذا جهلنا ثبوت الحدوث للعالم، فيتوسط بينهما التغير.
فنقول التغير ثابت للعالم، والحدوث ثابت للمتغير، فالحدوث ثابت للعالم؛ لأن لازم اللازم لازم، فمن المحال أن تعلم هاتان الملازمتان ولا
.......................................................................
......................................................................
..................................................................
..................................................................
....................................................................
..................................................................
............................................................................
............................................................................
...........................................................................
يحصل العلم، نعم قد لا تعلمان، فنحتاج في كل مقدمة إلى دليل مركب من مقدمتين، وقد يحتاج الدليل الثاني لذلك أيضا، فتكثر المقدمات، فظهر أنه يستحيل الزيادة في الديل على مقدمتين تامتين، ويستحيل أن تحصل النتيجة بأقل منهما، فإنه لو انقطعت الواسطة عن المحكوم عليه أو المحكون به لم يحصل ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه، ونقل عن بعض الفضلاء أنه أنكر هذا، وقال: بل تكفي مقدمة واحدة فإنا نقول:
الحكم ثابت بالإجماع، ولقوله تعالى كذا، والإجماع مقدمة واحدة، وحكاية النص كذلك.
وجوابه: أن إحدى المقدمتين قد تكون معلومة فسكت عنها؛ لأنها معلومة.
وتقريره هاهنا: هذا ثابت بالإجماع، وكل ما ثبت بالإجماع، فهو حق فهذا حق.
فقولنا: ((وكل ما ثبت بالإجماع حق)) أمر معلوم لنا فسكتنا عنه، إنما الذي نشك فيه وجود الإجماع في هذه الصورة فذكرناه، وكذلك أصل المثال الآخر هذا ورد فيه القرآن، وكل ما ورد فيه القرآن فهو حق، وهذه الثانية معلومة، إنما المجهول الأول، فذكرنا المجهول دون المعلوم لعدم الفائدة في ذكره، فظهر أنه لا بد من مقدمتين، وأنهما كافيتان، فاشتراط الجمع لا يصح، فإن قلت: هذا بناء على أن الجمع اثنان، فلا يرد السؤال.
قلت: سلمنا أنها مسألة خلاف، لكن المتبارد إلى الفهم من حقيقة الجمع الثلاث، والبيان بالحدود لايكون بالخفيات وإن كانت حقائق، وهذا السؤال قال بعضهم: ترتب تصديقين.
الثاني: على قوله: ((ترتيب تصديقات)) فإن الترتيب قد يكون صحيحا، وقد يكون فاسدا مختل الشروط، فإنا لو قلنا: كل إنسان حيوان، وكل حجر جماد، صدق أنه ترتيب، ولكنه فاسد، ولا يقع مثل هذا في النظر لعدم اتحاد الوسط بين المقدمتين، أو يتحد الوسط لكن تفقد بعض الشروط الأشكال الأربعة المقررة في المنطق، ننحو قولنا: لا شيء من الإنسان بفرس، وكل فرس حيوان، فإن النتيجة لاشيء من الإنسان بحيوان، وهي باطلة؛ لأن من شرط الشكل الأول أن صغراه موجبة وهذه سالبة، وكذلك: كل إنسان حيوان، وبعض الحيوان فرس، لاينتج بعض الإنسان فرس، لأن من شرط كبراه أن تكون كلية، وهذه جزئية، وهذا كثير لا يضبطه إلا المنطق، فعلم أن الترتيب لا بد وأن يكون على صورة خاصة في النظر، وهو أحد مطلق الترتيب فلا يستقيم.
فإن قلت: قصد أن يكون الحد جماعا للنظر الصحيح والفاسد.
قلت: ليس كذلك؛ لأنه قد خصص الفاسد بعدم مطابقة المقدمات، فلم يرد الفاسد من جهة الترتيب.
الثالث: أن النظر كما يقع في ترتيب التصديقات في البراهين لاكتساب التصديقات يقع أيصا في ترتيب التصورات في الحدود لاكتساب التصورات، فقد خرج من الحد بعض النظر، فلهذا السؤال قال بعضهم: ترتيب معلومات ليعم التصديقات والتصورات.
الرابع: أن النظر قد لا يفضي إلى ترتيب ألبتة، كما إذا كان في طلب التصورات ولم يوجد تعريفها إلا بالرسم الناقص، وهو لازم واحد خارجي مساو للماهية، كقولنا في الإنسان: الضاحك أو الكاتب، فإن الترتيب فرع
التعدد، والمعرف به واحد، فلهذا السؤال قال إمام الحرمين: النظر الفكر، ولم يرد على هذا الوصف.
الخامس: على قوله: ((ليتوصل بها إلى تصديقات أخر)) من أن ماهية النظر من حيث هي هي إنما تفضي في البراهين إلى تصديق واحد، فاشتراط التصديقات يخرج حقيقة النظر من الحد.
فإن قلت: النظر له أفراد، ويقع في كل فرد تصديق، ففي أفراد النظر تصديقات.
قلت: نحن إنما نقصد بالحدود الماهيات الكليات من حيث هي هي، فإذا حددنا الحيوان بأنه الجسم الحساس، لا نتعرض لأنواعه ولا لأفراده، بل للماهية من حيث هي هي، وماهية النظر من حيث هي هي لا تستلزم عددا في النتائج، بل تصديق نتيجة واحدة، فاشتراطه العدد في الناتج يخرج كل صورة ليس فيها إلا نتيجة واحدة.
السادس: سلمنا صحة القيود، لكنه ينتقض بنظر العين، فإنه نظر وليس فيه ما ذكره، ولفظ النظر صالح لنظر العين كما هو صالح لنظر العقل، فإذا قلنا:((فلان ينظر)) احتمل الأمرين، فكان يجب أن يقول: النظر العقلي ترتيب تصديقات إلى آخره، حتى يخرج نظر العين.
السابع: على قوله: ((إن كانت التصديقات مطابقة لمتعلقاتها فهو النظر الصحيح)) إنه لا يكفي في صحة النظر المطابقة، كقولنا: كل إنسان حيوان، وبعض الحيوان فرس، ينتج بعض الإنسان فرس، وهو باطل، لأنه نظر فاسد مع الطابقة وصدق المقدمات، فحينئذ الفساد قد يكون لعدم المطابقة، وقد يكون لفوات شرط من شرائط الإنتاج، فإن شرط الشكل الأول كلية المقدمة الثانية، وها هنا هي جزئية، وقد يكون الفساد لطرق كثيرة غير عدم المطابقة في المقدمات وتجويز ذلك في علم المنطق؛ فلا يكون تقييده للنظر الصحيح مانعا لدخول بعض الفاسد فيه.