الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بل هو إمّا نهي محض نحو قوله تعالى: ((فهل ترى لهم من باقية)) الحاقة: 8 معناه: لا ترى لهم من باقية.
أو ثبوت محض نحو قوله تعالى: ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر)) الإنسان: 1 أي: قد أتى، ومنه الامتنان نحو قوله تعالى:((ألم نشرح لك صدرك)) الشرح: 1 فهي كلها إخبارات حرجت بقوله على وجه الاقتضاء وكذلك التهديد نحو ((ما منعك أن تسجد)) ص: 75 وأما قوله تعالى: (أم له البنات ولكم البنون)) الطور: 39 فوعيد معناه النهي، فيندرج في الحكم لأنه تحريم، فإنا لا نخص التحريم بصيغة النهي، بل بأي دليل كان.
والترجي والتمني محالان على الله تعالى، لأنهاما لا يكونان إلا من جاهل بالعواقب، لأن المعلوم لا يترجى ولا يتمنى، بل هما من الله - تعالى - إما مجاز في الأمر فيندرجان من باب التعبير بالملزوم عن اللازم، لأن الطلب من لوازهما، أو بتصرفات المخاطب، أي: عمل عمل من يرجو، كما في قوله تعالى:((لعله يتذكر أو يخشى)) طه: 44 أي عظاه موعظة الراجي، أي بالغا في ذلك، فيندرج في الحكم لأنه طلب او مجاز منصرف إلى الله تعالى نحو قوله تعالى:((ثم بعثناكم من بعد موتكم)) البقرة: 56 أي: بالغنا في هذا مبالغة من يرجو هذا منكم، والضابط: متى كان الفعل من الله - تعالى - فالمبالغة منه، ويكون خبرا عن المبالغة، فيخرج تقيد الطلب، ومتى كان الفعل للعبد كانت المبالغة طلبا من العبد للمبالغة، فيكون حكما، وأما الندائ والقسم فنوقل: إنهما حكمان؛ لأنهما طلبان من الله تعالى.
((سؤال))
المخاطبة مفاعلة لا تكون إلا من اثنين
، فتكون مختصة بالحادث،
فمخاطبة الله - تعالى - حادثة، وكلامه قديم، والحكم عندنا قديم، فتسيره بالحادث لا يصح، فيجب على هذا أن نقول في الحد:((هو كلام الله القديم ..)) إلى آخره، فالكلام احترازا من الخطاب الحادث، ((والكلام القديم)) احترازا من الكلام الحادث الذي هو آيات القرآن، فإنها أصوات حادثة، وهي الأدلة، وأما الحكم فمدلول قديم قائم بذات الله تعالى.
قوله: ((الحكم صفة فعل العبد تقول: وطء حلال، وصفة الحادثة حادثة، ثم أجاب عنه بأنه متعلق الخطاب)).
تقريره: أن الشيء يوصف بما هو قائم به، نحو: عالم وقادر، وبما ليس قائم به كقولك: الشمس تغرب غدا، فغروب الشمس يصدق عليه أنه معلوم، ولكن بعلم قام بك، وكذلك هو مذكور ومخبر عنه، ولكن بذكر قام بك، وخبر قام بك لا به، وكذلك إذا قلت لعبدك: أسرج الدابة، فالإسراج مأمور به، وواجب على العبد بأمر وإيجاب قام بك، لا بإسراجه، فظهر أن الشيء قد يوصف بما ليس قائما به، ففي القسم الأول، إذا وصف بما هو قائم به يلزم من نحدوث الموصو ف حدوث الصفة، [وفي الثاني إذا وصف بما ليس قائما به لا يلزم من حدوث الموصوف حدوث الصفة لأن الصفة إذا لم] تقم به أمكن تقديمها عليه، فجاز أن تكون قديمة والموصوف حادث، فوصف الأفعال بالأحكام من هذا القبيل، فقولنا: حلال وحرام مثل قولك: في إسراج لادابة وغروب الشمس.
فقوله: ((لا نسلم أن الحرمة من صفات الأفعال)) مراده صفات قائمة بالموصوف، وإلا فهي صفة قطعا كقولك: فعل حلال وحرام، فهذا التفصيل خير من المنع، ثم إنه قال:((لا معنى لكونه حراما إلا كونه مقولا فيه: لو فعلته لعاقبتك)) مشكل، لأن هذه صيغة خبر، وهو مشكل، وتفسير الحرمة بالخبر لا يصح، لأن الخبر يدخله التصديق والتكذيب،
والأحكام لا يدخلها ذلك، ولأن الخبر لاينسخ على الصحيح، الأحكام تنسخ، فهذا التفسير باطل، بل لا معنى للحرمة إلا طلب قائم بذات الله تعالى، متعلق بدرك العقل لا ما قاله.
قوله: ((المراد من السبب المعرف لا الموجب)).
تقريره: أن الحادث يجوز أن يعرف بالقديم، كما عرفنا الله تعالى بصنعته المحدثة، وأما الموجب فهو المؤثر بالذات، والموجد هو المؤثر بالاختيار، والأثر من الموجد أو م الموجب متأخر عنهما بالضرورة، فإذا كانا حادثين كان حادثا جزما.
قوله: ((المراد من كون الدلوك سببا أنا متى شاهدنا الدلوك علمنا أن الله - تعالى - أمرنا بالصلاة)).
تقريره: أن خطاب الشارع قسمان:
خطاب تكليف أو إذان يشترط فيه علم المخاطب وقدرته، وهو الاحكام المتعلقة بالاقتضاء أو التخيير، فلا بد من علم المكلف بما طلب منه، أو أذن له فيه، ولا بد من كونه مقدورا له، فالنازل من شاهق قهرا لا يؤمر بالنزل، ولا يباح له، بل لاتتعلق به هذه الاحكام، ويكون في هذا الحال كالنائم والجنون.
وخطاب وضع: وهو نصب الأسباب، والشروط، والموانع، والتقديرات.
فالأول: كالنصاب في الزكاة،
........................................................................
............................................................
وأوقات الصلوات.
........................................................
والثانى: كالحول في الزكاة، والطهارة في الصلاة.
والثالث: كالدين في الزكاة، والنجاسة في الصلاة.
والرابع: هو إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود.
فالأول: كالنجاسة المعفو عنها، فإنها موجودة، وهي في حكم الشرع كالمعدومة، وكذلك كل رخصة.
والثاني: كتقدير الملك للمعتق عنه، إذا قال لك: أعتق عبدك عني، فإن الولاء له، فيقدر له الملك حتى يثبت ولاء العتق له، وكذلك تقدير الأعيان في الذمم في السلم وغيره، فإنك تقول: في ذمته جمل أو حنطة، أو دين إلى أجل ونحو ذلك، مع أ، هذه الأشياء معدومة، لكن الشرع يقدرها موجودة لصحة إيراد المعقود، فإن العقد بدون المعقود عليه محال، ولا يكاد باب من أبواب الفقه يعرى عن التقدير، وقد ثبت ذلك في كتاب ((الأمنية في إدراك النية)).
فهذا القسم من الخطاب الذي هو خطاب الوضع للأربعة، لايشترط فيه قدرة المكلف، ولا علمه، فيورث بالنسب، ويطلق بالضرر ونحو ذلك، وإن كان الوارث والمطلق عليه غير عالمين وعاجزين كمالمجنون والغائب وونحوهما، هذا هو الغالب في خطاب الوضع، وقد استنثى صاحب الشرع منه أشياء كالجنايات، فإنها أسباب العقوبات ولا يعاقب عاجز، ولا غير عالم، فمن شرب خمرا يظنه جلابا لا يحد، ومن وطيء أجنبيه يظنها أمته لا يحد، لأن عقوبة العاجز ولاذي لم يقصد الفساد لم يرد به الشرع، وكذلك طلاق الصبي وبيعه لا ينفذان، مع أنهما سببان كالنسب الموجب للإرث، ومقتضى القاعدة أن ينفذا من الصبي، وتخريج هذه المستثنيات مبسوط في الفقه.
غير أن هذا هو شأن هذه القاعدة، إذا تقرر هذا، فجعل الشارع الزوال سببا هو نصبه سببا، وإذا جعله سببا ترتب على هذا الجعل علمنا بوجوب الظهر عنده، فتفسير الإمام نصب الأسباب بعلمنا لا يستقيم، وهو كتفسير السرقة بالقطع، وأنه غير مستقيم، ثم قوله:((لا معنى لهذه السببية إلا الإيجاب)) لا يصح؛ لأن الإيجاب حقيقة معلومة، وهي أعم من كونها مرتبطة بالزوال، فالزوال بالزوال أمر زائد عليها، والزائد على الشيء لا يكون نفسه، وهذا الارتباط هو السببية، وليس هو حقيقة الإيجاب قطعا، وكذلك الشرطية في المشروط هو ربط عدم الحكم بحالة عدم الشرط، ومانعية المانع هي ربط عدم الحكم بحالة وجود المانع، فإن المعتبر من الشروط عدمه في عدم الحكم، ومن المانع وجوده في عدم الحكم، ومن السبب وجوده وعدمه، وسيأتي بسط هذا إن شاء الله تعالى عند الكلام على الشروط
في تخصيص العام، وكذلك التقديرات ربط الشرع الولاء بتقدير الملك في المحل، وقرر الشرع صحة الصلاة مع وجود النجاسة المعفو عنها، فهذه أحكام سابقة على علمنا، ويترتب عليها علمنا، فلا يستقيم تفسيرها بعلمنا، وما من حكم إلا وله سبب في الشريعة، وتحرير ذلك في الفقه، إذا تقرر هذا ظهر أن خطاب الوضع أحكام، لأنه أمر قرره الشرع، ولم يعلم إلا من قبله، وليس من باب الإخبارات بل إنشاءات كالتكاليف.
وتقريره: أنه ربط بين الحكم التكليفي وغيره من الأسباب، والشروط، والموانع، والتقديرات، وأن ذلك الربط غير علمنا بالثبوت عند حدوث الأسباب ونحوها، وغير الحكم المرتبط، فيتعين حينئذ بطلان جوابه، وصحة السؤال، وبطلان الحد بأنه غير جامع لجميع أنواع الأحكام، وأنه يتعين أن يزيد في الحد نوعا آخر بصيغة أو فيقول: الحكم الشرعي كلام الله تعالى القديم المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء أو التخيير أو ما يتبعه هذا التعلق وجودا أو عدما، فبقولنا:((وجودا دخلت الأسباب))، وبقولنا:((أو عدما)) تندرج الشروط والموانع، فإن الحكم ينعدم عند عدم الشرط ووجود المانع، فيجتمع في الحد لفظة أو ثلاثة لفظات، ويصير الحد جامعا مانعا.
((تنبيه))
قد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف في شيء واحد، كالزنا حرام، وهو سبب الحد، وقد ينفرد خطاب الوضع كأوقات الصلاة، وقد ينفرد التكليف كصلاة الظهر، وإن كان لا بد في كل واحد منهما من وقوع الآخر في الوجود، إلا أنهما قد لا يجتمعان في الشيء الواحد.
((تنبيه))
ينبغي أن يفهم من السبب ما يلزم من وجوده وجود الحكم، ومن عدمه