الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما نص يشمل ذلك الباب، وغيره، فلا عبرة به؛ لأن هذه المصلحة أخص منها، والأخص مقدم على الأعم - لاسيما - إذا كان النص يشمل جميع الشريعة، فقد كثر تخصيصه، فضعف التمسك به.
(سؤال)
ما الفرق بين المصلحة المرسلة، والاستحسان
، فقد جعلتموهما مدركين مع أنه لا معنى للاستحسان إلا مصلحة خالصة، أو راجحة تقع في نفس الناظر؟
جوابه: الاستحسان أخص؛ لأنا نشترط فيه أن يكون له معارض مرجوح، ويرجح الاستحسان عليه، وكذلك قلنا فيه: هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد لوجه أقوى منه.
والمصلحة المرسلة لا يشترط فيها معارض؛ بل قد يقع تسليمه عن المعارض؛ لأن المعارض - هاهنا - يريد به الخاص بذلك الباب، وهو متعين في - الاستحسان دون المصلحة المرسلة.
(تنبيه)
يحكى أن المصلحة المرسلة من خصائص مذهب مالك.
وليس كذلك، بل المذاهب كلها مشتركة فيها؛ فإنهم يعلقون، ويفرقون في صور النقوض، وغيرها، ولا يطالبون أنفسهم بأصل يشهد لذلك الفارق بالاعتبار؛ بل يعتمدون على مجرد المناسبة، وهذا هو عين المصلحة المرسلة.
ثم إن الشافعية يدعون أنهم أبعد الناس عنها، وأقربهم إلى مراعاة الأصول، والنصوص، وقد أخذوا من المصلحة المرسلة أو في نصيب، وحظ، حتى لم يجاوز فيها.
هذا إمام الحرمين: قيم مذهبهم، وصاحب (نهاية مطلبهم) ، واضع كتابه (الغياثي) ضمنه أمورًا من المصالح المرسلة التي لم نجد لها في الشرع أصلاً يشهد بخصوصها، بل بجنسها، وهذا هو المصلحة المرسلة.
فمن ذلك: أنه قال: إذا ضاق بيت المال يجوز أن يجعل على الزرع، والثمار مال دار مستقر، يجبي على الدوام، يستعين به الإمام على حماية الإسلام من غير أن يتوسع فيه، ببنائه القصور، والزخارف، والشهوات.
وهذا ليس له أصل في الشرع؛ بل النصوص دالة على نفيه، كقوله عليه السلام:(لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيب نفسٍ منه)، (ولا ضرر، ولا ضرار)، وغير ذلك.
وقال عليه السلام: (ليس في المال حق سوى الزكاة).
وقد ترك هذه الأصول كلها؛ لأجل هذه المناسبة التي لم يتقدم في الإسلام اعتبارها.
وقال: (قد يستعين الإمام بمال أهل الفسوق والعدوان في بعض الأحوال؛ ليكون ذلك نفعًا للمسلمين، وردعًا للفاسقين إذا دعت الحاجة إليه).
وقال: (يجوز إقامة إمام ليس بقرشي عند تعذر القرشي، وليس في هذا نص، بل هو على خلاف قوله عليه السلام: (الأئمة من قريشٍ).
وقال: (وإذا ولينا غير قرشي، ثم وجدنا قرشيا، أو نشأ قرشي
صالح، فإن أمكن عزل الأول عزلناه؛ ليعطي الأمر أهله، وإن تعذر لامتناعه تركناه إمامًا، وأعرضنا عن القرشي، وينفذ من إحكامه ما ينفذ من أحكام القرشي.
وقال: وكذلك إذا تعذر المجتهد أقيم من ليس بمجتهد، وينفذ من أحكامه ما ينفذه من أحكام المجتهدين.
قال: وإذا لم نجد إلا فاسقًا متبعًا للشهوات، وأنواع الفسوق، واللذات، فإن أمنا عائلته على الإسلام، وليناه الإمامة الكبرى، وإلا فلا، وإذا وليناه مكناه من شهوته؛ لأن مفسدة بقاء المسلمين بغير راعٍ أعظم من مفسدة شهوته.
وإذا تعارض قرشي غير كافٍ، وغير قرشي كافٍ، قدم الكافي، ثم فرع في (الغياثي) على هذا الباب أشياء كثيرة جدا، لم توجد للمالكية، ولو سئلوا عنها ما جسروا على كثير منها.
وكذلك فعل المارودي في (الأحكام السلطانية) وكف ولاية المظالم، وجعل ولايتها مخالفة لولاية القضاء، والإمامة، والوزارة، والحسبة، ونوع ولاية الوزارة إلى أنواع: وزارة التفويض، وزارة التنفيذ، وجعل لكل ولاية شروطًا تخالف الأخرى، وأباح في ولاية المظالم ما لم يبحه للقضاة، والأئمة، من الأخذ بالتهم، والتعزير بالعقوبات، عند نظر الأمارات، وتوسع في هذا الباب وسعات كبيرة لم يوجد للمالكية منها إلا اليسير جدا.
وكل هذه التفاريع، غير أنها مصلحة شهد الشرع باعتبار جنسها فقط، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك.
فلو قيل للشافعية: هم أهل المصالح المرسلة، دون غيرهم، لكان ذلك هو الصواب، والإنصاف.
************************