الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكذلك أشار سيف الدين إلى ذلك في (الإحكام)، وإلى الفرق بين مذهب العنبري والجاحظ.
(مسألة)
اختلفوا في تصويب المجتهدين
قوله: (إن لم يكن في الواقعة حكم معين لله - تعالى - فهذا قول من يقول: كل مجتهدٍ مصيب):
تقريره: أن الإجماع منعقد على أن ما ظهر على ألسنة المجتهدين هو حكم الله - تعالى - حتى حكى الغزالي في (المستصفى): أن المجتهد إذا غلب على ظنه ما هو خلاف الإجماع وجب عليه أن يعمل بذلك، حتى يطلع على الإجماع.
ونظير هذه المسألة المجتهدون في القبلة إذا أدى اجتهادهم إلى عشر جهات، كل واحد إلى جهة؛ فإن كل واحد منهم يجب عليه أن يصلى إلى ما غلب على ظنه من الجهات، وإن كان مخطئًا؛ فإن الكعبة من المحال أن تكون في عشر جهات، بل ولا في جهتين، ولو قال أحدهم لبقيتهم: يجوز لي أن أترك اجتهادي، وأتبع جهتك التي اجتهدت فيها أنت، لقال له الكل: بل يحرم عليك أن تتبعنا، وتترك ما أدي إليه اجتهادك.
فالكل من هؤلاء يجمع على أن كل واحد منهم يحرم عليه الرجوع عما أدى إليه اجتهاده، والرجوع إلى غيره.
كذلك العلماء في الأحكام: يفتي كل واحدٍ منهم الآخر بوجوب اتباعه، لما أدي إليه اجتهاده، وأنه يحرم عليه اتباع غيره، فإذا كان كل واحدٍ منهم يجب عليهم اتباع ما غلب على ظنه من الحكم، فهو مصيب باعتبار ما غلب على ظنه، وليس مخطئًا باعتبار عين ذلك الحكم.
إذًا التفريغ على أنه ليس في نفس الأمر حكم آخر، فانتفي عنه الخطأ مطلقًا، وثبت له الإصابة مطلقًا.
فهو معنى قوله: (إنه على التقديرين: كل مجتهدٍ مصيب).
أما إذا قلنا في نفس الأمر: حكم الله - تعالى - معين، والمجتهدون يطلبون، فبعضهم في مسائل الخلاف أخطأه قطعًا، ولا يمكن أن يقال: الكل أصابوه؛ لأن التقدير أنهم أفتوا بأحكام مختلفة، والواحد لا يكون أحكامًا مختلفة، ولا يمكن أن يقال: الكل أخطأه؛ لدلالة القاطع على أن الحق لا يفوت الأمة، وأنها معصومة عن فوات الصواب.
فحينئذ يتصور أن يقال: إن بعض المجتهدين مخطئ، وإن المصيب واحد، أما على الطريق الأول فلا.
قوله: (إن وجد في نفس الأمر ما لو حكم الله - تعالى - لما حكم إلا به، وهو القول بالأشبه):
تقريره: أن في زماننا نقطع بأنه لا نبي لله - تعالى - في الأرض، ولا يجوز أن يكون، ومع ذلك فنقول: لو أن الله - تعالى - ترك باب النبوة مفتوحًا، وأراد أن يبعث منا نبيًا إلينا، بعد النبي صلى الله عليه وسلم فلانًا ونشير إلى أن من يعتقد أنه خير أهل زماننا مفتوحا، وأراد أن يبعث منا نبيًا إلينا بعد النبي صلى الله عليه وسلم كذلك هاهنا: إذا فرعنا على أنه - لا حكم لله - تعالى - في نفس الأمر، فهل في نفس الأمر ما هو راجح في المصلحة، أو دارئ للمفسدة؛ بحيث لو أن لله - تعالى - حكمًا لعينه، والأحوال مستوية، فليس فيها أرجح.
والاستواء هو مذهب من لم يقل بالأشبه، ولا بالحكم بالتصويب مطلقًا، فالقول بالأشبه هو حكم بالفرض والتقدير، لا بالتحقيق كما تقرر.
قوله: (والثاني: في قول الخلص من المصوبين):
تقريره: أن الخلص جمع خالص، أي أخلصوا كما في التصويب؛ فإن القول بالأشبه فيه شائبة عدم التصويب المطلق، وشبه التخطئة باعتقاد الأشبه.
قوله: (كون الحكم لا دلالة عليه، ولا أمارة، هو قول طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وقد نقل عن الشافعي رحمه الله أن في كل واقعة ظاهرًا وإحاطة، ونحن ما كلفنا بالإحاطة، وهؤلاء زعموا أن ذلك الحكم مثل دفين يعثر عليه الطالب بالاتفاق):
قلنا: هذا النقل غير ملخص في ظاهر العبارة؛ فإنه ذكر القول بعدم الدلالة والأمارة، وحكى عن الشافعي ما حكاه، ثم قال: وهؤلاء قالوا: إنه كدفينٍ يعثر عليه، وذلك يقتضي أن الشافعي من جملة من قال بعدم الدلالة والأمارة، مع أنه حكى عنه الظاهر والإحاطة، وهما أمارتان، فبقي في النقل مناقضة، وتدفاع.
وقال التبريزي: في هذا الموضع قال بعض المصوبة: لله - تعالى - حكم معين، لكن منهم من قال: لا أمارة عليه، ولا دليل؛ بل هو كدفين يعثر عليه، ومنهم من قال: عليه أمارة ظنية، ما كلفنا بها لخفائها، وهو قول كافة الفقهاء، والمنسوب إلى الشافعي، وأبي حنيفة.
وقد نقل عن الشافعي أنه قال: في كل واقعة ظاهر وإحاطة، وإنا كلفنا بالإحاطة، ومنهم من قال: كلفنا بها أولاً، وعند الخطأ يتعين التكليف.
فجعل التبريزي قول الشافعي قولاً مخالفًا للقول بأن الحكم لا أمارة عليه، وحكى عنه الأمارة، وحكى عنه في التكليف بها قولين.
فهذا نقل مستقيم؛ فإنه لم يدخل الشافعي فيمن قال بعدم الأمارة، بل جعله قسيمًا لهم.
وقال سيف الدين: من قال: عليه دليل ظني ومنهم من قال: فمن ظفر به، فله أجران، وهو مصيب، ومن لم يصبه فهو مخطئ،
وله أجر واحد، وهو مذهب ابن فورك، والأستاذ أبي إسحاق، ومنهم من نقل عنه القولان في التخطئة والتصويب، كالشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد ابن حنبلٍ، والأشعرى.
وهذا أيضًا نقل حسن؛ لأنه نقل مذهب الشافعي في القسم الذي قال: عليه أمارة.
وكذلك قال: سراج الدين في اختصاره غير لفظ الأصل.
فقال: قال بعض الفقهاء والمتكلمين: لله - تعالى - في كل واقعة حكم معين، لكن ليس عليه أمارة، ولا دلالة، والطالب يعثر عليه اتفاقًا، فله أجران، وللخائب أجر واحد للمشقة.
وقال كافة الفقهاء: عليه أمارة فقط، لكن لم يكلف بإصابتها لخفائها، وكان المخطئ معذورًا، مأجورًا.
وينسب للشافعي، وابي حنيفة.
وقيل: مكلف، وعند الخطأ يتغير التكليف.
وهذا نقل لا شبهة فيه.
وإذا اتضحت هذه النقول، فيتعين أن الشافعي رحمه الله ليس من القائلين بعدم الأمارة، بل من القائلين بها، وأن المصنف أراد بحكايته أنه قسيم للذين يقولون بعدم الأمارة لا قسم منهم، ومراده بالظاهر دليل لفظي في دلالته ظهور، وبالإحاطة ضابط من جهة القواعد يرشد إليه، فلا يخلو الحكم عن نص أو قياس. هذا تلخيص كلامه.
قال أبو الحسين في (المعتمد): من الناس من قال: المصيب واحد، وغيره مصيب في اجتهاده، مخطئ في الحكم، وهم القائلون بالأشبه؛ لأنهم جعلوه مطلوب المجتهد، ولم يكلف به.
قال: وعن الشافعي أن في كل مسألة ظاهرًا وإحاطة، وكلف المجتهد الظاهر، ولم يكلف الإحاطة.
فنقل الإحاطة بصيغة (أو) كما في (المحصول)، والذي وجدته للتبريزي - (بالواو)، وبينهما فرق كبير.
ثم إنه صرح بالتكليف بالظاهر، دون الإحاطة، وفي (المحصول) لم يتعرض للظاهر.
ثم قال: لم يختف المصوبة القائلون بالأشبه أنه ما كلف إصابته، ولم يقل أحد: إن المجتهد مخطئ في اجتهاده مصيب في الحكم، لكن اختلفوا، فقيل: اجتهاد المجتهدين صواب.
وقيل: الصواب منه واحد، والقائل بأن الكل صواب اختلفوا، فمنهم من قال: أحكام تلك الاجتهادات كلها صواب.
وقيل: واحد منها صواب، وهو الأشبه، والقائلون بأن الأحكام كلها صواب؛ قالوا: الاجتهادات كلها صواب، والقائلون بأن بعض الأحكام خطأ اختلفوا، فقيل: الاجتهادات كلها صواب، أو واحد منها فقط.
والظاهر أن هذا معنى كلام المصنف: إن الإصابة في الأمارة هو أحد صور النزاع.
قوله: (قال الأصم: ينقض قضاء القاضي إذا خالفه):
قلنا: هذا الموضع مشكل؛ لأجل أن الحكم المعين - في نفس الأمر - غير معلوم للبشر، فدليله - أيضًا - القطعي يكون غير معلوم.
فإن كان الأصم يقول: إن دليل هذا الحكم ظاهر للناس، ظهورًا جليا، يلزم أن يقول: الحكم المعين - أيضًا - ظاهر ظهورًا جليًا، وهو خلاف الضرورة. وإن قال: إنه غير ظاهر للناس، فكيف ينقض قضاء القاضي؟
ونقض الحكم إنما يكون مع العلم بوجود موجب نقضه، وغير المعلوم كيف ينقض به، فعلى التقديرين هذا المذهب مشكل.
غير أن أبا الحسين في (المعتمد)، حكى عنهم أنهم قالوا: على الحق دليل يعلم به المستدل أنه قد وصل إلى الحق.
فإن أراد أنه إذا لم يعلم الوصول إلى الحق ينقض، فلاشك أن هذا معلوم، وهذه لفظة لم ينقلها صاحب "المحصول".
غير أنه يلزم على هذا نقض كل حكم مظنون، وهو أكثر الشريعة، فهو وإن يخرج من هذا الوجه أشكل من الوجه الآخر.
وقد يلتزمون نقض أكثر الشريعة، فيندفع الإشكال مطلقًا.
قوله: (وهذه إحدى صور الخلاف):
قلنا: لم يخالف أحد في أن كل مجتهد مصيب؛ للرجحان في الأمارة في نفس الأمر، كما أنهم لم يقولوا: إن كل مجتهد مصيب باعتبار الحكم الصادر عن اجتهاده، لا باعتبار الحكم المعين في نفس الأمر.
والصواب: باعتبار نفس الأمر، لم يقل به أحد - فيما علمت - لا في أمارة، ولا في حكم.
وكيف يمكن القول به، مع أن أحد المتنافيين متى كان راجحًا، كان الآخر مرجوحًا بالضرورة؟
قوله: (فإن اكتفينا بهذا القدر جاز):
قلنا: لا يمكن الاكتفاء به؛ فإنكم إنما بنيتم الخطأ باعتبار ما في نفس الأمر، وهو لم ينازع فيه أحد؛ بل قالوا به باعتبار الراجح من الأمارات، إنما اختلفوا في الخطأ في الحكم.
والفرق: أن الحكم قد نوزع في وجوده في نفس الأمر، فالخطأ فيه فرع ثبوته، فإذا لم يثبت، فلا خطأ، وأما الأمارتان فموجودتان قطعًا، فيتعين الخطأ باعتبار نفس الأمر في حق أحد المجتهدين ضرورة.
قوله: (الاعتقاد الذي ليس بمطابق جهل، والجهل بإجماع الأمة غير مأمور به):
قلنا: لا نسلم أن الجهل غير مأمور به إجماعًا، بل الجهل المركب باعتبار رجحان الأمارة في نفس الأمر، لا باعتبار ظن المجتهد متفق على الأمر به.
كما اتفق الناس على وجوب العمل بالظن في الأحكام، مع القطع بأن الأمارتين ليستا موصوفتين، يكون كل واحد منهما هي الأرجح، وكذلك في المجتهدين في القبلة، والمياه، والأثواب الملتبسة نجسها بطاهرها، والتقويم في أروش الجنايات، وقيم المتلفات، وجزاء الصيد، وغير ذلك من الصور.
يحكم في كل واحدة بما غلب على ظنه، وإن حكم الآخر بضد ما حكم به، مع القطع بعدم اشتراك تلك المدارك في أن كل واحد منها أرجح من الآخر، بل الراجح منها متعين في نفس الأمر قطعًا، فالجهل المركب مأمور به في كثير من الصور بالإجماع.
فكيف يدعى الإجماع على عدم الأمر به؟.
غايته: أنه لم يقل: المكلف اتبع الجهل؛ بل قيل له: اتبع ما غلب على ظنك وإن كان في نفس الأمر جهلاً، فذلك لا يلزمك.
وعلى هذا التقدير: يكون الجميع مصيبين آتين بما أمروا به، وإصابتهم باعتبار ما في ظنونهم، والأحكام المتوجهة عليهم.
قوله: (الرجحان في الذهن، إما أن يكون نفس اعتقاد رجحانه في الخارج، أو أمرًا لا يثبت إلا معه):
تقريره: أن المجتهد إذا اعتقد رجحان الأمارة في ذهنه، إنما ثبت له ذلك الاعتقاد؛ لأنه يعتقد رجحانها في نفس الأمر؛ فإنه إنما يجتهد في ذلك، ويطلب ما هو الراجح عند الله - تعالى - في شرعه، وكذلك - أيضًا - المجتهدون في أمور الدنيا، إنما يطلب الراجح في نفس الأمر.
فصح أن اعتقاد الرجحان في الذهن هو نفس الرجحان في نفس الأمر، ولما كان السائل أورد السؤال على هذا المقام، وظهر منه الشك في صحته، ادعى المصنف أحد أمرين، فقال: إما أن يكون نفسه، أو أمرًا لا يتم إلا به، يعني: لازمًا له.
ومعنى قوله: (إذا اعتقدنا المساواة امتنع رجحان الوجود على العدم)، أي في نفس الأمر - فاعتقاد الرجحان في نفس الأمر مع اعتقاد المساواة في الذهن، لا يجتمعان أبدًا.
فدل ذلك على أن المجتهد، إنما يطلب ويعتقد ما في نفس الأمر لذلك، نعم قد يكون مطابقًا، وقد لا يكون.
قوله: (اعتقاد المجتهد جازم؛ لأن اعتقاد كون الشيء أولى بالوجود، غير اعتقاد كونه موجودً):
قلنا: هاهنا اعتقادان:
أحدهما: اعتقاد كون حكم الله - تعالى - هو الحرمة مثلاً.
والثاني: كون أمارته راجحة، فهو يقطع برجحان الأمارة، ولا يقطع بأن الحكم الحرمة.
والسائل: إنما أورد السؤال في اعتقاد الحكم لا في اعتقاد رجحان أمارته. ونظيره أن الشاك يقطع بأنه شاك، ولا يمنع ذلك الشك فيما هو شاك فيه. فالجواب حائد عن موضع السؤال، والخصم يسلم الجزم باعتبار الأمارة. قوله:(إن كان الدليل خاليًا عن المعارض، تعين ذلك الحكم بالإجماع، فيكون تاركه مخطئًا):
قلنا: إما أن تريدوا بالدليل القاطع، أو الظني: فإن أردتم القاطع، لم تكن التسمية منحصرة؛ لخروج الظن عن القسمة، وهو الذي يغلب وقوعه في مدارك المجتهدين:
وإن أردتم الظنى، فنحن نلتزمه.
ثم نقول: إن أردتم سلامته عن المعارض في نفس الأمر، أو في ظن المجتهد إن أردتم في نفس الأمر - لا يفيدكم بعينه، ولا بعين حكمه؛ لاحتمال وقوع التعارض في ظن المجتهد، لا في نفس الأمر.
فنقول للمعارض في ظن ذلك المجتهد، ويعمل به مرسله في ظن عن المعارض، وعلى هذا يكون كل مجتهد مصيبًا؛ لأن كلامهم إنما عمل بالسالم عن المعارض الراجح في ظن؛ ولا غيره عندنا بالسلامة في نفس الأمر، إنما تعتبر السلامة في ظن المجتهد، وكذلك الرجحان.
وبهذا التفصيل يبطل هذا الطريقة من أولها إلى آخرها.
قوله: (لو كان فيها دليل لكان تارك العمل به تاركًا للمأمور به، فيكون عاصيًا):
قلنا: إنما يكون عاصيًا بترك ما هو دليل في اعتقاده، لا في نفس الأمر:
قوله: (فلما أجمعوا على أنه لا يستحق النار علمنا أن لا دليل).
قلنا: أما أولاً: فلأنهم لم يجمعوا؛ لما تقدم من حكاية الخلاف في العقاب عن بشر المريسي.
وأما ثانيًا: فلأن عدم العقاب إنما كان عند الخصم؛ لأن كل واحد مكلف بما غلب على ظنه من الدليل والحكم، فلا يستحق العقاب إلا إذا ترك ما غلب على ظنه.
والذي في المظنون أمارة شرعية محققة، وهي غير الوهم الذي قلتموه.
قوله: (الراجح إنما يجب العمل به على من اطلع عليه):
قلنا: لا يعني بالراجح إلا في الظن، فلا يوجد أبدًا إلا مطلعًا عليه، ولا عبرة بما في نفس الأمر وبهذا نجيب عن قوله:
قوله: (مصلحة أحد المجتهدين في العمل بالاجتهاد متى لم يصل إليه كان مخطئًا):
قلنا: هذا ممنوع، بل الذي عليه العلماء أن كل مجتهد يجب عليه أن يصل إلى حد من الاجتهاد باعتبار محفوظاته واطلاعه وأهليته، حتى يحس من نفسه العجز، وهل يشترط قطعه بالعجز؟ أو يكفي الاعتقاد الجازم؟ أو الظن الغالب؟
تقدم - في ذلك - ثلاثة أقوال في العمل بالعام قبل طلب التخصيص، كما نقله الغزالي في (المستصفى)، وحكى الإجماع عليه، فكيف يحكون الإجماع فيما هو ثابت بالإجماع؟.
ولا يعني بالحد إلا هذا القدر، فما الدليل على الغاية؟ وليس الواقع حدا - في نفس الأمر بالنسبة إلى كل مجتهد.
قوله: (وجود المطلوب متقدم على الاستدلال بمراتب):
قلنا: الاستدلال: طلب دليل يترتب عليه حكم شرعي، فإذا عرض - بعد هذا الطلب - مقدمات وقعت في الذهن، حصل العلم بها متأخرًا عن وقوعها؛ لأن المقدمات خلق من خلق الله - تعالى - يخلقه في الذهن عقيب الطلب بجاري العادة، فإذا وقع الخلق حصل العلم بوجوده.
وتلك المقدمات يتبعها الحكم؛ لأن الله - تعالى - إنما يكلفه بما يقع في ظنه، فالظن سبب التكليف، والتكليف متأخر عنه، فالحكم الذي هو المطلوب متأخر عن الاستدلال بمراتب، لا أنه متقدم عليه بمراتب.
ولم يتقدم الحكم شيء ألبتة، إلا النسب الحاصلة بينه، وبين تلك المقدمات؛ لوجوب آخر النسبة عن طرفيها، وهذه بالنسبة ليست للاستدلال، بل متأخرة عنه، وعن وقوع المقدمات في الذهن.
وبهذا يبطل قوله: إن الاستدلال متوقف على وجود الدليل؛ لأن الاستدلال لطلب، والطلب إنما يتعلق بالمعدوم لا بالموجود، عكس ما قاله، بل لو وجد الدليل في الذهن استحال طلبه؛ لأنه تحصيل الحاصل.
نعم إن أراد أن في نفس الأمر دليلاً، المجتهد يطلبه، منعناه، بل لا دليل إلا ما يخلقه الله - تعالى - في جاري عادته في ذهن المجتهد عقيب الطلب أو متأخرًا عنه، وليس في نفس الأمر شيء.
قوله: (النظر في الأمارة متوقف على وجود المدلول بمراتب):
قلنا: لا نسلم: بل المدلول هو الحكم الشرعي، وهو عندنا مانع للظن، وليس - عندنا - في نفس الأمر دليل، ولا حكم إلا ما ثبت عند الظن في
نفس المجتهد، ولذلك جعلنا المجتهد طالبًا للأمارة، والحكم معًا؛ لأنهما مطلوبان، والطلب لا يتعلق إلا بمعدوم، والموجود يستحيل طلبه.
قوله: (وهذا غير ما قررناه في الطريقة الثالثة):
تقريره: أن العلماء ذكروا ضابطًا لتغاير الأدلة والأقيسة؛ لفائدة ينبني عليه في احتياج المجيب إلى تعدد الأجوبة في الأدلة، والأقيسة في الفوارق؛ لأنه بتقدير أن يكون القياسان واحدًا كفى فرق واحد، أو قياسين يحتاج إلى فرقين، وكذلك يحتاج إلى جواب واحد في الدليلين، بمعنى دليلٍ واحد لجوابين إن كانا دليلين.
فقالوا: ينظر في الأقيسة إلى الجوامع، إن كان الجامعان واحدًا، فالقياسان واحد، وإن اختلف المقيس عليه، فإن العبرة في القياس، إنما هو الجامع، وإن تعدد الجامع تعدد القياس.
وكذلك ينظر إلى الدليلين، فإن كان اللازم عنهما لواحد، فهما دليل واحد، واللازم عن هذا غير اللازم عن هذا، فهما دليلان.
إذا تقرر الضابط فنقول: اللازم عن الطريقة الثالثة - أن المتقدم عين المتأخر، وهذا محال، واللازم عن الطريقة الرابعة الدور، وهو محال آخر لازم عن اللازم الأول، وإذا تعددت اللوازم كانا طريقين، وإنما كان يلزم الاتحاد أن لو كان اللازم عنهما الدور، أو كون الشيء في نفس غيره فيهما.
قوله: (يكون الحكم بعد ذلك الدليل حكمًا بغير ما أنزل الله، فيلزم تكفيره؛ لقوله تعالى:} ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]
قلنا: هذا عليه أسئلة:
أحدها: أن ذلك الدليل لم يتعين أنه مما أنزل الله - تعالى - لجواز أن يكون قياسًا عقليا، أو مركبًا من العقل والنقل.
وثانيها: سلمنا أنه يتعين أن يكون مما أنزل الله - تعالى - لكن المنزل ظاهر في عرف الشرع في القرآن؛ لقوله تعالى:} لتبين للناس ما نزل إليهم {، وحيث ورد التنزل، فالمراد به القرآن والسنة، وإن كانت وحيًا منزلاً، لكن غلب الاستعمال في القرآن، وحينئذ جاز أن يكون دليل الحكم من السنة.
وثالثها: سلمنا أن المنزل يعم الكتاب والسنة، لكن اللفظ يقتضي أن من لم يحكم بكل ما أنزل الله، فهو كافر، وهذا لم يقل به أحد؛ فإن المجتهد لابد أن يترك المنسوخ والمرجوح لمعارض عارضه، فلابد لكل مجتهد من ذلك، والقول بالعموم خلاف الإجماع؛ مع أن ظاهر عموم "ما" يقتضيه؛ فإنها من صيغ العموم.
ورابعها: أن يقول: المراد من لم يحكم بما أنزل الله - تعالى - بمعنى أنه لم يحكم بشيء منه، وإلقاء جميع المنزل، فهو كافر.
فلم قلت: إن المجتهد إذا ترك دليل الحكم ترك كل منزل، بل بقى أدلة التوحيد والبعث، وغير ذلك من السمعيات.
وخامسها: أن هذه الصيغة عامة في أفراد الأدلة المنزلة المطلقة في المدلول، كما تقدم في (باب العموم).
فنحن نقول بموجبه؛ لأن من لم يحكم بما أنزل الله في قواعد العقائد، فهو كافر، وهذا صحيح.
قوله: (غموض أدلة هذه الأحكام لا يزيد على غموض أدلة المسائل العقلية، والخطأ فيها كفر):
قلنا: الفرق أن المخطئ في الفروع، إذا حكم بغير حكم الله المقرر في نفس الأمر، فقد أضاف إلى الله - تعالى - ما هو جائز عليه؛ فإن الله - تعالى - يجوز عليه أن يكون في شرعه التحريم بدلاً عن التحليل، وبالضد. أما المخطئ في الأصول، فيجوز على الله - تعالى - ما هو مستحيل عليه، وما هو قدح في الربوبية، فذلك أشد الحرج، وعظم الخطر، ولم يقدر المكلف منها، وهذا فرق عظيم، فلا يلزم من نفي الحرج في الفروع عدمه في الأصول؛ ولأن مسائل الأصول منضبطة، أعنى المسائل التي كلف الله - تعالى - بها عباده في أصول الدين، لا تكاد تزيد على الخمسين مسألة - والقليل يمكن ضبطه، وإتقانه توجه الفكر إليه التوجيه التام، والفروع لا تعد، ولا تحصى، فلا يمكن ضبطها، فيعذر الإنسان فيها، وهذا - أيضًا - فرق حسن.
ولهذه الفروق جوز الشرع التمسك في الفروع بالظن دون الأصول، وهو - أيضًا - فرق ثالث.
قوله: (لو لم يكن عليه دليل، لزم تكليف ما لا يطاق):
قلنا: ونحن نقول بجوازه، وهو المشهور من مذهب المتكلمين.
قوله: (الأمة مجمعة على أن المجتهد يعمل على وفق ظنه، فيكون مصيبًا):
قلنا: ليس الخلاف في إصابة المجتهد الحكم الجاري في الظنون؛ فإن ذلك مجمع على الإصابة فيه، بل يتعذر خلافها.
إنما النزاع في حكم الله - تعالى - الكائن في نفس الأمر الذي يطلبه المجتهدون، هل ذلك حق حتى تتصور الإصابة فيه، والخطأ، وليس في نفس الأمر شيء، فلا خطأ ألبتة حينئذ؟.
فالإصابة، والخطأ ليس النزاع فيهما إلا باعتبار حكم آخر في نفس الأمر لا باعتبار ما في ظنون المجتهدين.
فاكتفاؤكم بحصول الصواب فيما في الظنون لا يفيدكم شيئًا، ولا خلاف بين الناس أن لله - تعالى - في الظنون أحكامًا.
إنما اختلفوا هل وراء هذه الأحكام أحكام أخر في نفس الأمر أم لا؟.
وأنه أمر مع هذه الأحكام التي في الظنون بطلب أحكام أخر في نفس الأمر، كما تطلب الكعبة، فيصيبها، ويخطئها، مع اتفاقنا في الكعبة - أيضًا - أنه يجب أن يصلى إلى الجهة التي غلبت على ظنه، فكما أمر في الكعبة بها في نفس الأمر، وبما غلب على ظنه، وإن أخطأ، كذلك هاهنا مأمورون.
وكما أن ثم مأمورين، والخطأ إنما يتصور باعتبار الكائن في نفس الأمر فيها دون ما أدى إليه اجتهاده إلا أن يسهو عنه، فيفعل غيره نسيانًا، فيصلى لغير الجهة التي أدى إليها اجتهاده، وبقى تعين الحكم الذي أدي إليه اجتهاده سهوًا إلى ما إذا عمل بمقتضى الاجتهاد، فهو مصيب قطعًا؛ لما في الاجتهاد يحتمل الإصابة لما في نفس الأمر من غير جزمٍ.
قوله: (استلزام الأمارة للحكم، إما أن يتوقف على انضمام قيد أم لا)، فإن توقف امتنع أن تكون تلك الأمارة أمارة لذلك الحكم؛ لأن المستلزم هو المجموع):
قلنا: عليه سؤالان:
الأول: أن هذا ينفي الأمارة كلها في أمور الدنيا والدين، لا ما يتردد فيها بعين ما ذكرتم، وهو خلاف الضرورة؛ فإنا مجمعون على الاستدلال بالغيم الرطب على المطر، وبأمارات الخوف، والأمن، وغضب زيد، وجوعه، وفرحه، ولذته.
ويعتمد على ذلك في مداواة الأبدان، والمزارع، والمتاجر، وغيرها من أمور الدنيا، ويستدل بخبر الواحد، وبعموم الكتاب، وبحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز، وعلى العموم دون التخصيص، والاستقلال دون الإضمار، والإفراد دون الاشتراك.
وغير ذلك من المدارك الشرعية، وما ذكرتموه يبطله كله.
الثاني: أن كون الشيء في ذاته بحيث يكون استلزامه الشيء أرجح من عدم استلزامه أمر ثابت له في ذاته، وجد معه عدم المانع من ذلك أم لا؛ فإن الماء يستلزم الري في الحيوان ظاهرًا، والخبز الشبع، والنار الإنضاج للطعام، وغير ذلك من الأغذية، والأدوية، والأسباب الممرضة والمصحة قد يقترن بها مانع، فلا يثبت معها الحكم المنسوب إليها، وقد لا يقترن بها فيثبت، ولا يخرجها ذلك عن الاستلزام الظني لذلك الحكم؛ فإن عدم المانع ليس معتبرًا في اقتضاء المقتضى، إنما هو معتبر في الترتب، ولا مدخل له في الاقتضاء.
كذلك الأمارة في ذاتها تناسب الحكم، وتستلزمه ظاهرًا حتى يمنعها مانع، ففي الحقيقة المستلزم للمجموع المركب للأمارة، مع عدم المانع، لكن عدم المانع لا مدخل له في الاقتضاء، كما أن عدم المخصص لا مدخل له في كون الحقيقة هي الراجعة.
قوله: (ذلك الخطأ من الصغائر، فلا جرم لم يجب الامتناع عن التولية":
قلنا: اتفقوا على أن كل مجتهد مأجور، إما أجرًا إن كان مخطئًا، أو أجرين إن كان مصيبًا، والمأجور لا يكون عاصيًا، والصغيرة عصيان، فلا يجتمع معه الاجتهاد.
سلمنا أنها صغيرة، لكن ملابسها مصر عليها، ولا صغيرة مع إصرار، كما أن لا كبيرة مع الاستغفار، فلا معنى لهذا الكلام أصلاً.
قوله: (في قول الصديق رضي الله عنه: (إن كان خطأ فمنى، وأستغفر الله):
قلنا: قرينة الاستغفار تقتضي أن الخطأ هاهنا باعتبار توهم التقصير في الاجتهاد، ونحن نقول: إن كل من اجتهد، ولم يبذل وسعه، فهو مخطئ آثم.
إنما النزاع إذا استفرغ وسعه، هل يتصور منه الخطأ باعتبار حكم عينه الله تعالى - في نفس الأمر أم لا؟ وأنتم لم تتعرضوا لبيان ذلك.
سلمنا: أن الصديق لم يرد ذلك، بل أراد الخطأ مع بذل الجهد، لكن يمكن حمل الخطأ على عدم مصادفة وجه المناسبة الراجحة والخالصة، وإن كان الاجتهاد بين القواعد، فيكون باعتباره عدم مصادفة القاعدة التي هي أولى بهذا الفرع.
ويضيف للقاعدة البعيدة دون القريبة، وإن كان عند تعارض الأدلة، فيكون الخطأ باعتبار عدم الإضافة إلى الدليل الراجح، وهذه كلها أنواع من الخطأ، غير الخطأ في مصادفة الحكم المعين في نفس الأمر.
وعلى هذه الأنواع يحمل جميع ما نقلتموه من ذكر الصحابة رضي الله عنهم الخطأ.
قوله: (لو كان خطأ لكان من الكبائر):
قلنا: تقدم الجواب عنه، وأنه مأجور إجماعًا.
قوله: (الشبهات هاهنا أولى من العقليات):
قلنا: تقدم الجواب: أن الخطأ في العقليات فيه جناية عظيمة على جهة الربوبية بخلاف الخطأ في الفروع.
قوله: (أحد المجتهدين عرف حجة صاحبه، واطلع عليها، فلو كان مخطئًا لكان مصرًا على الخطأ):
قلنا: لا يكون مصرًا على الخطأ إلا إذا عرف رجحان دليل خصمه، أما إذا اعتقد رجحان دليل نفسه لشبهة عرضت له، وقد استفرغ جهده، فهو مأجور غير مصر على الخطأ.
قوله في الجواب: (قال عليه السلام: (من سعى في دم امرئٍ مسلمٍ، ولو بشطر كلمةٍ جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله).
قلنا: هذا محمول - بالإجماع - على من سعى بما يعتقد أنه حرام، أو يعتقد إباحته، مع تقصيره في الاجتهاد، أما مع بذل الجهد، فلو قتل مسلمًا في صف الكفار عليه شعار الكفار، كان له أجر عظيم، فضلاً عن الإثم.
قوله: (إن لم نجوز كونه مخلاً بنوع من النظر يلزمه فعله، كان كالساهي فيكون غير مكلف، فلا يكون مخطئًا):
قلنا: لا يلزم من عدم التكليف عدم الخطأ؛ لأن عدم التكليف عند الخصم للعجز عن وصل الحق، فيسقط التكليف للعجز، ويثبت الخطأ؛ لعدم مصادفته الحق، فعدم التكليف لا يأبي الخطأ بمعني عدم الإصابة.
إنما يأبي الخطأ من الخطيئة، ومنه قوله - تعالى -:} إنا كنا خاطئين {أي: مذنبين.
ومن النوع الأول: قوله تعالى:} .... أن يقتل مؤمنًا إلا خطًا {أي: لم يطلع على حقيقة المقتول، فذلك القتل من غير قصد لقتله على ذلك الوجه.
قوله: (لا نعلم الرتبة التي إذا وصل إليها علم أنه معفو عنه):
قلنا: بل نعلمها بضابطها، وهو العجز مع بذل الجهد؛ فإن الإنسان يحس من نفسه العجز، كما يحس الجوع والعطش، وغيرهما.
ومتى علم العجز بالوجدان، قطع سقوط الإثم بالإجماع، فصار عالمًا بأنه في تلك الرتبة غير مكلف.
قوله: (لو عرف تلك المرتبة لكان مقرا بالمعصية؛ لأنه علم أنه لا مضرة عليه في ترك النظر الزائد مع كونه مثابًا عليه):
قلنا: لا يلزم من ذلك إغراؤه بالمعصية، إنما يلزم ذلك أن لو لم يصل إلى رتبة العجز، فهو يعلم العجز، ويعلم أنه لو وصل لتلك الرتبة لأثيب، ولا يلحقه ضرر في تلك الرتبة، غير أنه كيف يقدر أن يصل إلى ما هو منفعة له، ومثوبة غير مضرة له؟ العجز أقعده عن ذلك كله.
قوله: (قال عليه السلام: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) مع أنهم كانوا مختلفين فلا يكون فيهم مخطئ):
قلنا: المجتهدون كلهم اتباعهم هدى؛ فإن كل مجتهد قوله طريق إلى الله - تعالى - وسبب السعادة، من اتبعه كان على منهج من الحق، ما لم يخالف المجتهد قاطعًا، أو ما ينقض قضاء القاضي إذا قضى بخلافه.
ووجه تخصيص الصحابة رضي الله عنهم من وجوه امتازوا بها على غيرهم:
أحدها: أن أقوال كل واحد منهم، وأفعاله تكون مدركًا شرعيا مستقلاً
بنفسه؛ كالقياس، وخبر الواحد، ويجوز للمجتهد أن يعتمد عليه إذا لم يظفر بما هو أرجح منه، وهو مذهب مالك، وجماعة من العلماء، ويعضدهم هذا الحديث.
وثانيها: أنهم أقرب للصواب، ومصادفة القواعد الشرعية، وضبط الألفاظ النبوية، والأسرار القياسية، فيكونون بذلك أولى من غيرهم بذكر الهداية.
وثالثها: أن هذا الحديث يدل على خصيصة لهم لم تحصل لغيرهم.
وهذه الوجوه كلها لا تقتضى عدم الخطأ في مصادفة الحكم المعين في نفس الأمر، كما تقول لمن لا يحسن الاستدلال على الكعبة، إذا اجتهد غيره في الكعبة، وصلى كل منهم إلى جهة غير الجهة التي صلى إليها الآخر: فأي رجل من هؤلاء اقتديت به اهتديت في صلاتك، وبرئت ذمتك مع القطع بخطأ تسعة منهم في إصابة العاشر، لجواز احتمال أن تكون الجهة في غير تلك العشرة.
قوله: (أنه عليه السلام حكم بتصويب معاذٍ على الإطلاق، ولم يفصل بين حالة وحالة):
..............................................................
.............................................................
قلنا، إنما حكم بتصويبه باعتبار ترتيبه بين الكتاب والسنة، والقياس لا باعتبار مصادفة الحق دائمًا في جميع الصور.
قوله: (أقوى الأمارات، إن كان موجودًا كان الأمر به واردًا بالإجماع
قلنا: هذا إذا كان موجودًا في نفس المجتهد؟ أما في نفس الأمر فلا، وهو مذهب الخصم - أن الأشبه في نفس الأمر يصيبه المجتهد، ويخطئه.
قوله: (إن فرعنا على وجوب رعاية المصالح على الله - تعالى - وجب عليه التنصيص على الأشبه).
قلنا: جاز أن يكون جعل الأشبه ملتبسًا بغيره أوفق للمكلف؛ ليحصل له رتبة الاجتهاد، وذلك كإخفاء ليلة القدر، وساعة الجمعة، وتستجاب الدعوة من الأولياء والصالحين بالصالحين، وخلق الأهوية والشبهات لدفعه عن الحق:} ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة {:،} أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين {، فالتفريع على وجوب رعاية المصالح قد يقتضى إخفاء الأشبه؛ لما ذكرناه.
قوله: (إن لم يجب عليه - تعالى - رعاية المصالح جاز أن ينص - تعالى - على عين ذلك الحكم، وهو يبطل القول بأنه لو نص لنص على الأشبه):
قلنا: إذا فرعنا على عدم وجوب رعاية المصالح جاز رعايتها على سبيل التفضل، فلا يتعين النص على غير الأشبه، وقوله:(لو نص لنص على الأشبه) أي في عادته - تعالى - في تفضله على عباده، بجعله الشرائع كلها مصالح.
قوله: (قال عليه السلام: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر):
قلنا: ليس خطؤه باعتبار الحكم المقدر - كما قلتم - بل هو عند الخصم المصوب مطلقًا، باعتبار الخطأ في الأسباب، بأن يقضي على شخص بالقصاص، ولم يكن قتل، أو بقطع في السرقة، ولم يكن سرق، أو بالرجم، ولم يزن، أو بالدين، ولم يستسلف.
فهذه كلها مخالفة للأسباب والخطأ فيها إجماعًا، ولا تعلق لها بالأحكام في نفس الأمر، ولا بالأشبه.
قوله: (لما لم يكن المطلوب معينًا وقوعًا تعين أن يكون معينًا تقديرًا):
قلنا: هاهنا قسم ثالث، وهو تعينه وقوعًا في الاجتهاد، لا في نفس الأمر؛ لأن الوقوع نوعان، فالحصر ليس ثابتًا.
قوله: (كيف يكون مخطئًا بالعدول عن الأشبه)، وكيف ينقص ثوابه، إذا لم يظفر؟ ما لم يكلف بإصابته، ولا سبيل له إلى إصابته لعدم الدلالة والأمارة):
قلنا: لأنه - عند الخصم - كدفين يعثر عليه بالبحث، وبالسعادة لا بالأمارة، فيحصل الخطأ؛ لعدم مصادفته؛ لأنه لم يصادف الذي هو الأرجح عند الله تعالى.
وأما نقصان الثواب مع عدم التكليف فغير بعيد من قواعد الشرع؛ لأن الحائض ينقص ثوابها بعدم الصلاة والصوم؛ لقوله عليه السلام: (وأما نقصان دينهن، فتمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي) مع أنها غير مكلفة بالصلاة، والصوم.
ولأن العاجز عن رتبة المتصدقين، لا يحصل له ثوابهم، كما جاء في الحديث الصحيح، لما شكا الفقراء الأغنياء لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نصلى ويصلون، ونصوم ويصومون، ويتصدقون ولا نجد فأمرهم عليه السلام بالأذكار المشهورة عقيب الصلوات، ففعل ذلك الأغنياء، فشكا ذلك الفقراء لرسول الله عليه السلام: فقال:} ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء {، وكذلك سائر الرتب العلية، يفوت ثوابها العاجزين عنها، وهم مكلفون بها، وأراد بذلك الرسالة والنبوة، وما دونهما.
قوله: (إن استوت الأمارات عند المجتهد، يخير بينها، أو يعاود الاجتهاد):
قلنا: هذا التخريج على الخلاف المتقدم، فالتخير هو المشهور، ومراجعة الاجتهاد هو الشاذ المحكي - عن بعض الفقهاء - كما تقدم.