الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكلام في المفتي والمستفتي
والنظرية فيه يتعلق بالمفتي، والمستفتي، وما فيه الاستفتاء.
القسم الأول
في المفتي، وفيه مسائل:
مسألة: إذا أفتى المجتهد بما أدي إليه اجتهاده، ثم سئل ثانيًا عن تلك الحادثة: فإما أن يكون ذاكرًا لطريق الاجتهاد الأول، أو لا يكون:
فإن كان ذاكرًا له، فهو مجتهد، وتجوز له الفتوى.
وإن نسيه، لزمه أن يستأنف الاجتهاد، فإن أداه اجتهاده إلى خلاف فتواه في الأول أفتى بما أداه اجتهاده إليه ثانيًا، ثم الأحسن به أن يعرف من استفتاه أولاً: أنه رجع عن ذلك القول؛ لأن ذلك المستفتي إنما يعول على قوله، فإذا ترك هو قوله، بقي عمل المستفتي به بعد ذلك عملاً من غير موجب.
روي عن ابن مسعود" أنه كان يقول في تحريم أم المرأة: (مشروط بالدخول بالمرأة)، فلقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذاكرهم، فكرهوا أن يتزوجها: فرجع ابن مسعودٍ إلى من كان أفتاه قال: (سألت أصحابي، فكرهوا).
وأما إن لم يستأنف الاجتهاد، لم تجز له الفتوى.
ولقائل أن يقول: (لما كان الغالب على ظنه أن الطريق الذي تمسك به أولاً، كان طريقًا قويا، حصل له الآن ظن أن ذلك القوي حق جاز له الفتوى به؛ لأن العمل بالظن واجب.
مسألة: اختلفوا في أن غير المجتهد، هل تجوز له الفتوى بما يحكيه عن الغير؟!.
فنقول: لا يخلو: إما أن يحكي عن ميتٍ، أو عن حي:
فإن حكى عن ميتٍ: لم يجز الأخذ بقوله؛ لأنه لا قول للميت؛ بدليل أن الإجماع لا ينعقد مع خلافه حيا، وينعقد مع موته، وهذا يدل على أنه لم يبق له قول بعد موته.
فإن قلت: (فلم صنفت كتب الفقه، مع فناء أربابها):
قلت: لفائدتين:
إحداهما: استفادة طريق الاجتهاد من تصرفهم في الحوادث، وكيفية بناء بعضها على بعضٍ.
والأخرى: معرفة المتفق عليه، من المختلف فيه.
ولقائل أن يقول: إذا كان الراوي عدلاً ثقةً متمكنًا من فهم كلام المجتهد الذي مات، ثم روى للعامي قوله - حصل للعامي ظن صدقه.
ثم إذا كان المجتهد عدلاً ثقةً، فذلك يوجب ظن صدقه في تلك الفتوى؛ وحينئذٍ: يتولد للعامي من هذين الظنين ظن أن حكم الله - تعالى - ما روى له هذا الراوي الحي، عن ذلك المجتهد الميت، والعمل بالظن واجب؛ فوجب أن يجب على العامي العمل بذلك.
وأيضًا: فقد انعقد الإجماع في زماننا هذا على جواز العمل بهذا النوع من الفتوى؛ لأنه ليس في الزمان مجتهد، والإجماع حجة.
وأما إن حكى عن حي من أهل الاجتهاد؛ فإما أن يكون سمعه مشافهة، أو يرجع فيه إلى كتاب، أو حكاية حال:
فإن كان سمعه منه مشافهة، جاز أن يعمل به، وجاز أن يعمل الغير أيضًا بقوله، ولهذا يجوز للمرأة أن تعمل في حكم حيضها بحكاية زوجها عن المفتين. (ورجع علي رضي الله عنه إلى حكاية المقداد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن المذي).
وإن رجع في ذلك إلى حكاية من يوثق بقوله، فحكم ذلك حكم السماع، وإن رجع إلى كتاب، فإن كان كتابًا موثوقا به، جرى مجرى المكتوب من جواب المفتي؛ في أنه يجوز العمل به؛ وإلا فلا؛ لكثرة ما يتفق من الغلط في الكتب.
(الكلام في المفتى والمستفتي)
قال القرافي: قوله: (إذا سئل ثانيًا، وهو ذاكر للطريق الأول، فهو مجتهد يجوز له الفتيا):
قلنا: يجوز أن يقال في هذا المقام: لا يكفي في جواز إقدامه على الفتيا استحضاره للطريق الأول؛ لأن الله - تعالى - خالق للفكر على الدوام، والأوقات تختلف، قرب وقتٍ نهضت القريحة، ورب وقتٍ قصرت.
فمن المتعين في دفع التقصير النظر والفكر- بعد استحضار الطريق؛ لتوقع نوع من الاجتهاد لم يكن قد حضر له أولاً، وترك مثل هذا مع القدرة تقصير.
فإن الزمان الأول قد وقع فيه ما أمكن، والزمن الثاني لم يقع فيه فكر أصلاً، والفكرة مستجلبة لم تبعث بالفكر، ولم تشرع فيه.
والغالب في تجدد الزمان تجدد الفكر، ولذلك صار للعلماء الأقوال الكثيرة، والرجوع إلى الأقوال الأول، وانتشرت العلوم؛ فيتعين القول بالتقصير إذا أفتى من غير فكرٍ، وإن استحضر الطريق.
وقد قال الشيخ أبو إسحاق في (اللمع) في هذه المسألة: هل يفتي بالاجتهاد الأول، أو يحتاج إلى اجتهاد جديد؟.
فيه قولان:
والاحتياج هو الصحيح؛ لأن المصلى في اليوم الأول، لا يجوز له أن يصلى إلى الجهة التي عينها اجتهاد اليوم الأول؛ بل لابد من تجديد الاجتهاد.
قوله: (إذا تغير اجتهاده، الأحسن له أن يعرف الذي استفتاه ليرجع):
قلنا: قد تقدم - في نقض الاجتهاد - أن العامي يجب عليه ترك ما أفتاه، كمن قلد في الصلاة في القبلة، ثم تغير اجتهاده، والصورتان سواء، وهنالك قلتم بوجوب الرجوع، وهاهنا باستحبابه، فما الفرق والباب واحد؟