الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَخمْس مئة
فَذكر الْعِمَاد أَن نور الدّين رَحل إِلَى حمص ثمَّ مضى إِلَى حماة ثمَّ شتَّى بقلعة حلب وَمَعَهُ الْأسد والصّلاح وَنزل الْعِمَاد بمدرسة ابْن العجمي وَكتب إِلَى صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَقد عثر فرسه فِي الميدان وَهُوَ يلْعَب بالكرة مَعَ نور نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى
(لَا تنكرن لسابح عثرت بِهِ
…
قدم وَقد حمل الخضم الزاخرا)
(ألْقى على السُّلْطَان طرِفك طرفه
…
فهوى هُنَالك للسلام مبادرا)
(سبق الرِّيَاح بجريه وكففته
…
عَنْهَا فَلَيْسَ على خِلافك قَادِرًا)
(ضعفت قواه إِذْ تذكر أَنه
…
فِي السرج مِنْك يُقل ليثاً خادراً)
(وَمَتى تطِيق الرّيح طوداً شامخاً
…
أَو يَسْتَطِيع الْبَرْق جوناً ماطرا)
(فاعذر سُقُوط الْبَرْق عِنْد مسيره
…
فالبرق يسْقط حِين يخطف سائرا)
(وأّقِلْ جوادك عَثْرَة ندرت لَهُ
…
إِن الجوادَ لَمَن يُقيل العاثرا)
(وتوقّ من عين الحسود وشرها
…
لَا كَانَ ناظرها بِسوء نَاظرا)
(واسلم لنُور الدّين سُلْطَان الورى
…
فِي الحادثات معاضدا ومؤازرا)
(وَإِذا صَلَاح الدّين دَامَ لأَهله
…
لم يحذروا للدهر صَرفاً ضائرا)
وَجَرت بَين الْعِمَاد وَبَين الإِمَام شرف الدّين أبي سعد عبد الله بن أبي عصرون مكاتبات كتب إِلَيْهِ الْعِمَاد
(أيا شرف الدّين إِن الشتا
…
بكافاته كفّ آفاته)
(وكفك من كرم كافها
…
لقد كفلت لي بكافاته)
(وَإنَّك مَن عرفه شكرنا
…
غَدا عَاجِزا عَن مكافاته)
قَالَ فَكتب إليَّ شرف الدّين فِي جوابها
(إِذا مَا الشتَاء وأمطاره
…
عَن الْخَيْر حابسة رادعه)
(فكافاته السِّت أُعطيتها
…
وحوشيتَ من كافه الرابعه)
(وكف المهابة والإحتشام
…
لكفِّيَ عَن بره مانعه)
(وهمة كل كريم النِّجار
…
بميسور أحبابه قانعه)
(وَنَفْسِي فِي بسط عُذْري إِلَيْهِ
…
جعلت الْفِدَاء لَهُ طامعه)
(وشوقي إِلَى قربه زَائِد
…
ومعذرتي إِن جَفا واسعه)
قَالَ فَكتبت إِلَيْهِ فِي جوابها
(أيا من لَهُ همة فِي الْعلَا
…
لذروتها أبدا فارعة)
(وَمن كَفه دِيمَة مَا تزَال
…
بِالْعرْفِ هامية هامعه)
(وللفضل فِي سوق أفضاله
…
بضائع نافقة نافعه)
(وَهل كَابْن عَصْرون فِي عصرنا
…
إِمَام أدلته قاطعه)
(فحبر فَوَائده جمة
…
وبحر موارده واسعه)
(أيا شرف الدّين شرفتني
…
بإهداء رائقة رائعه)
(أَطَعْت أوامرك الساميات
…
وَمَا برحتْ همتي طائعه)
(أرى كل جارحة لي تودّ
…
لَو أَنَّهَا أذن سامعه)
(وَأما الشتَاء وكافاته
…
وكفُّك عَن كافه الرابعه)
(فنفسي منزهة بالعفاف
…
عَنْهَا وَفِي غَيرهَا طامعه)
(وماذا تُطيق إِذا لم تكن
…
بميسور سيدنَا قانعه)
وَهِي أَكثر من هَذَا
قَالَ وَكَانَ ابْن حسان صَاحب منبج قد ساءت أَفعاله فَبعث إِلَيْهِ نور الدّين من حاصره وانتزعها مِنْهُ ثمَّ توجّه نور الدّين إِلَيْهَا لتهذيب
أحوالها ومدحه الْعِمَاد بقصيدة مِنْهَا
(بشرَى الممالك فتح قلعة منبج
…
فلْيَهْنِ هَذَا النَّصْر كل متوج)
(أُعطيت هَذَا الْفَتْح مفتاحاً بِهِ
…
فِي الْملك يفتح كل بَاب مرتج)
(وافي يبشر بالفتوح وَرَاءه
…
فانهض إِلَيْهَا بالجيوش وعرِّج)
(أبشِر فبيت الْقُدس يَتْلُو منبجاً
…
ولَمَنبج لسواه كالأنموذج)
(مَا أعجزتك الشهب فِي أبراجها
…
طلبا فَكيف خوارج فِي أبرُج)
(ولقدرُ من يعصيك أَحْقَر أَن يرى
…
أثر العبوس بِوَجْهِك المتبلج)
(لَكِن تهذب من عصاك سياسة
…
فِي ضمنهَا تَقْوِيم كل معوج)
(فانهد إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس غازياً
…
وعَلى طرابلسٍ ونابلسٍ عج)
(قد سرت فِي الْإِسْلَام أحسن سيرة
…
مأثورة وسلكت أوضح مَنْهَج)
(وَجَمِيع مَا استقريت من سنَن الْهدى
…
جددت مِنْهُ كل رسم مَنْهَج)
قَالَ الْعِمَاد وَسَار نور الدّين من منبج إِلَى قلعة نجم وَعبر الْفُرَات إِلَى الرُّها وَكَانَ بهَا ينَال صَاحب مَنْبِج وَهُوَ سديد الرَّأْي رشيد الْمنْهَج فنقله إِلَيْهَا مٌقْطَعاً ووالياً وَأقَام نور الدّين بقلعة الرها
مُدَّة فمدحه الْعِمَاد بقصيدة وتحجَّب لَهُ صَلَاح الدّين فِي عرضهَا وَهِي
(أدْركْت من أَمر الزَّمَان المشتهى
…
وَبَلغت من نيل الْأَمَانِي الْمُنْتَهى)
(وَبقيت فِي كنف السَّلامَة آمنا
…
متكرماً بالطبع لَا متكرها)
(لَا زلت نور الدّين فِي فلك الهُدى
…
ذَا غرَّة للْعَالمين بهَا الْبها)
(يَا محييَ الْعدْل الَّذِي فِي ظله
…
مِن عَدْله رَعَت الأسودُ مَعَ المها)
(مَحْمُود الْمَحْمُود من أَيَّامه
…
لبهائها ضحك الزَّمَان وقهقها)
(مولى الورى مولي الندى معلي الْهدى
…
مردي العدى مسدي الجدا معطي اللها)
(آراؤه بصوابها مقرونة
…
وبمقتضاها دائرُ فلك النهى)
(متلِّبس بحصافة وحصانة
…
متقِّدس عَن شَوْب مكر أودها)
(يَا من أطَاع الله فِي خلواته
…
متأوباً من خَوفه متأوها)
(أبدا تقدم فِي المعاش لوجهه
…
عملا يبيض فِي الْمعَاد الأوجها)
(كل الْأُمُور وَهِي وأمرك مبرم
…
مستحكم لَا نقض فِيهِ وَلَا وَهَا)
(مَا صين عَنْك الصّين لَِوْ حاولتها
…
والمشرقان فَكيف منبجُ والرُّها)
(مَا للملوك لَدَى ظهورك رونق
…
وَإِذا بَدْت شمس الضُّحَى خَفَى السُّها)
(إِن الْمُلُوك لَهْوا وَإنَّك من غَدا
…
وبماله وَالْملك مِنْهُ مَاَلَها)
(شرهت نفوسهُم إِلَى دنياهم
…
وأبى لِنَفسِك زهدها أَن تشرها)
(مَا نمت عَن خير وَلم يَك نَائِما
…
من لايزال على الْجَمِيل منبّها)
(أخملت ذكر الْجَاهِلين وَلم تزل
…
ملكا بِذكر الْعَالمين منوها)
(وَرَأَيْت إرعاء الرعايا وَاجِبا
…
تغنى فَقِيرا أَو تجير مدلها)
(لرضاهمُ متحفظا ولحالهم
…
متفقداً ولدينهم متفقها)
(وَبِمَا بِهِ أمرَ الْإِلَه أَمرتهم
…
من طَاعَة ونهيتهم عَمَّا نهى)
(عَن رَحْمَة لصغيرهم لم تشتغل
…
عَن رأفة لكبيرهم لن تُشدها)
(باليأس عنْدك آمل لم يُمتحن
…
بِالرَّدِّ دُونك سَائل لن يُجْبها)
(أَتعبت نَفسك كي تنَال رفاهة
…
من لَيْسَ يتعب لَا يعِيش مرفهّا)
(فقت الْمُلُوك سماحة وحماسة
…
حَتَّى عدمنا فيهُم لَك مشبها)
(وَلَك الفخار على الْجَمِيع فدونهم
…
أَصبَحت عَن كل الْعُيُوب منزها)
(وأراك تحلمُ حِين تصبح ساخطا
…
ويكاد غَيْرك ساخطاً أَن يسفها)
قلت رحم الله الْعِمَاد فقد نظم أَوْصَاف نور الدّين الجليلة بِأَحْسَن لفظ وأرقه وَهَذَا الْبَيْت الْأَخير مُؤَكد لما نَقَلْنَاهُ فِي أول الْكتاب من قَول الْحَافِظ أبي الْقَاسِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي وصف نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى إِنَّه لم تسمع مِنْهُ كلمة فحش فِي رِضَاهُ وَلَا فِي ضجره وقلَّ من الْمُلُوك من لَهُ حَظّ من هَذِه الْأَوْصَاف الفاضلة والنعوت الْكَامِلَة
قَالَ الْعِمَاد ثمَّ عَاد نور الدّين إِلَى حلب فِي شهر رَجَب وَضربت خيمته فِي رَأس الميدان الْأَخْضَر
قَالَ وَكَانَ مُولَعا بِضَرْب الكرة وَرُبمَا دخل الظلام فلعب بهَا بالشموع فِي اللَّيْلَة المسفرة ويركب صَلَاح الدّين مذكرا كل بكرَة وَهُوَ عَارِف بآدابها فِي الْخدمَة وشروطها الْمُعْتَبرَة وأقطعه فِي تِلْكَ السّنة ضيعتين إِحْدَاهمَا من ضيَاع حلب وَالْأُخْرَى من ضيَاع كفر طَابَ
قَالَ وكتبت إِلَيْهِ فِي طلب كنبوش
(أَصبَحت بغلتي تشكى من العري
…
وأسراجها بِلَا كنبوش)
(قلت كفي فَخير يوميك عِنْدِي
…
أَن تفوزي بالتبن أَو بالحشيش)
(وافرحي لَيْلَة الشّعير كَمَا يفرح
…
قوم بليلة الماشوش)
(لَو تبصرت حالتي لتصبرت
…
فإياك عِنْدهَا أَن تطيشي)
(أوما مَاتَ فِي الشتَاء من الْبرد
…
وَمن فرط جوعه إكديشي)
(فثقي واسكني بجود صَلَاح الدّين
…
غرس الْمُلُوك مَلْك الجيوش)
(فَهُوَ يجلوك للعيون بكنبوش
…
جَدِيد مستحسن منقوش)
(كم عَدو من بأسه فِي عثار
…
وَولى بجوده منعوش)
(والموالي على الأسرة والأعداء
…
تَحت الهوان فَوق النعوش)
قَالَ وأقطع أَسد الدّين حمص وأعمالها فَسَار إِلَيْهَا فسد ثغورها وَضبط أمورها وَحمى جمهورها وَكَانَ نور الدّين قد جدد سورها وحصن دورها وبلى الفرنج مِنْهُ بالمغاور المراوغ ذِي الْبَأْس الدامغ وَسَأَلَهُ نور الدّين فِي السلو عَن حب مصر وَقَالَ قد تعبت مرَّتَيْنِ وَاجْتَهَدت وَلم يحصل لَك مَا طلبت وَقد أذعنوا بِالطَّاعَةِ وشفعوا السُّؤَال بالشفاعة وسمحوا بِكُل مَا يدْخل تَحت الِاسْتِطَاعَة
قلت وَأنْشد الْعِمَاد أَسد الدّين فِي رَجَب من هَذِه السّنة
(دمت فِي الْملك آمراً ذَا نَفاذ
…
أَسد الدّين شيركوه بن شاذي)
(يَا كَرِيمًا عَن كل شَرّ بطيئاً
…
وَإِلَى الْخَيْر دَائِم الإغذاذ)
(وملاذ الْإِسْلَام أَنْت فَلَا زلت
…
لأهل الْإِسْلَام خير ملاذ)