الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(عَنَّا لَك طَوْعًا نيلُ مصر ودجلةُ الْعِراق
…
ودان العُرب والعُجم والقبط)
(وللنيل شطٌ يَنْتَهِي سيبه بِهِ
…
ونَيْلُك للرَّاجين نِيلٌ وَلَا شطُّ)
(عدوُّك مثل الشّمع فِي نَار حقده
…
لَهُ عنق إصْلَاح فاسده القط)
وَهِي ثَمَانِيَة وَثَمَانُونَ بَيْتا
ولسعادة الْأَعْمَى قصيدة طائية فِي السُّلْطَان سَيَأْتِي ذكرهَا
قَالَ الْعِمَاد وَلما وصلتُ إِلَى السُّلْطَان ورغبت مِنْهُ فِي الْإِحْسَان وجدته لأمري مغفلا ولشغلي مهملا ثمَّ عرفت أنّ حسّادي قَالُوا لَهُ مَتى أعدت ديوَان الْكِتَابَة إِلَى الْعِمَاد وَهُوَ لَا شكّ بِمحل الوثوق والاعتماد وَهَذَا منصب الْأَجَل الْفَاضِل وَهُوَ عِنْده فِي أجل الْمنَازل رُبمَا ضَاقَ صَدره وتشعّث سرّه فَلَمَّا عرفت هَذَا الْمَعْنى لجأت إِلَى الْفضل الفاضليّ لِأَنَّهُ بِهِ يعْنى فَقَامَ بأَمْري ونوّه بقدري وأراح سرّي وشدّ أزري
فصل فِيمَا جرى للْمَوَاصلة والحلبييّن مَعَ السُّلطان فِي هَذِه السّنة
قَالَ ابْن شَدَّاد وَلما أحسّ سيف الدّين صَاحب الْموصل بِمَا جرى علم أَن الرّجل قد استفحل أمره وَعظم شَأْنه وعَلَت كَلمته وَخَافَ أَنه إِن غفل عَنهُ استحوذ على الْبِلَاد واستقرّ قدمه فِي الْملك وتعدّى الْأَمر إِلَيْهِ فَجهز عسكرا وافراً وجيشاً عَظِيما وقدّم عَلَيْهِم أَخَاهُ عز الدّين مسعودا
وَسَارُوا يُرِيدُونَ لِقَاء السُّلْطَان وَضرب المصاف مَعَه وردّه عَن الْبِلَاد فوصل إِلَى حلب وَالسُّلْطَان بحمص وانضم إِلَيْهِم من كَانَ بحلب من الْعَسْكَر وَخَرجُوا فِي جمع عَظِيم وَلما عرف السّلطان بمسيرهم سَار حَتَّى وافاهم بقرون حماة وراسلهم وراسلوه واجتهد أَن يصالحهم فَمَا صالحوه وَرَأَوا أنّ المصاف رُبمَا نالوا بِهِ الْغَرَض الْأَكْبَر وَالْمَقْصُود الأوفر وَالْقَضَاء يجرّ إِلَى أمورٍ وهم بهَا لايشعرون وَقَامَ المصاف بَين العسكرين فَقضى الله تَعَالَى أَن انكسروا بَين يَدَيْهِ وأَسر جمَاعَة مِنْهُم ومنّ عَلَيْهِم وأطلقهم وَذَلِكَ عِنْد قُرُون حماة فِي تَاسِع عشر شهر رَمَضَان
ثمّ سَار عقيب انكسارهم وَنزل على حلب وَهِي الدفعة الثَّانِيَة وصالحوه على أَن أَخذ المعرّة وَكفر طَابَ وبارين
وَقَالَ الْعِمَاد لما تسلم السُّلْطَان قلعة بعلبك عَاد إِلَى حمص وَقد وصل عز الدّين مَسْعُود أَخُو صَاحب الْموصل إِلَى حلب نجدة وَلما عرفُوا أَن السُّلْطَان مَشْغُول بالحصون جاؤوا إِلَى حماة فحصروها وراسلوا فِي الصُّلْح فَقدم السُّلْطَان فِي خف من اصحابه وَجَاء كُمُشتكين وَابْن العجمي وَغَيرهمَا وأجابهم السُّلْطَان إِلَى مَا طلبُوا وَأَن يردّ عَلَيْهِم الْحُصُون وَأَن يقنع بِدِمَشْق نَائِبا عَن الْملك الصَّالح وَله خاطباً وعَلى الانتماء إِلَيْهِ مواظباً وَأَن يردّ كلّ مَا أَخذه من الخزانة وَأَن يسْلك فِيهِ سَبِيل الْأَمَانَة فلّما رَأَوْهُ مجيباً لكلّ مَا يلْتَمس مِنْهُ وَهُوَ فِي عَسْكَر خَفِيف قَالُوا مَا خَبره ضحيح فشرعوا فِي الاشتطاط وطلبوا الرّحبة وأعمالها فَقَالَ هِيَ لِابْنِ عمي
نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه وَكَيف أُلحق بِهِ فِي رضاكم الْمَكْرُوه فنفروا وجفلوا وَأَصْبحُوا على الرحيل إِلَى جَانب العَاصِي قَرِيبا من شيزر وجمعوا الْعَسْكَر وأظهروا أَنهم على المصاف وعزم الانتصاف فعبَّر السّلطان إِلَى سفح قُرُون حماة خيامه وركز على مقابلتهم أَعْلَامه وَوصل الْعَسْكَر المصريّ فِي عشرَة من المقدّمين مِنْهُم فرخشاه وَأَخُوهُ تقيّ الدّين والتقوا فَهَزَمَهُمْ السُّلْطَان وَنزل على مَنْزِلَتهمْ
قَالَ الْعِمَاد وَمِمَّا نظمت فِي هَذِه الْوَقْعَة فِي مدح نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه قصيدة فقد كَانَ لَهُ فِيهَا غناء وبلاء حسن مِنْهَا
(ولَقَدْ ألِفتُ نِفارها وهَوَيْتها
…
إِذْ لَيْسَ يُنكر للظباء نفار)
(يَا جَارة للقلب جائرة دَعِى
…
ظُلمي وإلاّ قلتُ جَار الْجَار)
(قلبِي كطرفك مَا يفِيق إفاقة
…
سَكرَان مَا دارت عَلَيْهِ عقار)
(صَبُّ بصب الدمع محترق الحشا
…
خطرت ببال بلائه الأخطار)
(لم يخْش من خطر الْهوى حَتَّى حمى
…
ذَاك القوام شبيهه الخطار)
(يذرى الدُّمُوع كأنهنّ عوارفٌ
…
لاِبْن المملّك شيركوه غزار)
(من آل شاذي الشائدين بنى الْعلَا
…
أركانهن لهاذمٌ وشفار)
(حسنت بهم للدولة الْأَيَّام والأعمال
…
وَالْأَحْوَال والْآثَار)
(قد حَاز ملك الشَّام يوسفٌ الذّي
…
فِي مصر تغبط عصره الْأَعْصَار)
(نصرَ الهُدى فتوطد الْإِسْلَام فِي
…
أَيَّامه وتضعضع الْكفَّار)
(لما لقِيت جموعهم منظومة
…
صيرت ذَاك النّظم وَهُوَ نثار)
(فِي حالتي جُودٍ وبأسٍ لم يزل
…
للتّبر والأعداء مِنْك تبار)
(تهب الألوف وَلَا تهاب ألوفهم
…
هان الْعَدو عَلَيْك وَالدِّينَار)
(لما جرى العَاصِي هُنَالك طَائِعا
…
بدمائهم فخرت بِهِ الْأَنْهَار)
(وتحطمت عِنْد الْقُرُون قرونهم
…
بل كلت الأنياب والأظفار)
(عبروا المعرة مالكين معرّة
…
والعار يملك تَارَة ويعار)
(أَو مَا كفاهم يَوْم حمص وكفّهم
…
فِي بعلبك بِمِثْلِهَا الْإِنْذَار)
قَالَ وهنأت الْملك المظفر تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب بقصيدة مِنْهَا
(لَا تفن من فرق الْفِرَاق الأدمعا
…
فَهِيَ الشُّهُود على الغرام المدّعى)
(واستبق صبرك مَا اسْتَطَعْت فَإِنَّهُ
…
عون لقلبك إِن هُما ثبتا مَعًا)
(قلبٌ أَصَابَته الْعُيُون وَلم يزل
…
من مسّها بالهاجسات مروعا)
(مَا باله قد صدّ عِنْد صدودهم
…
عنّي وَلما ودّعوني ودعا)
(وَمن التحيّر أنني أبصرته
…
فِي ظعنهم وَسَأَلت عَنهُ الأضلعا)
(أَصبَحت إِذْ شيّعتهم لثَلَاثَة
…
صبري وغمضي والفؤاد مشيعا)
وَمِنْهَا
(أَو مَا اتقيتم حِين رعتم سر بِهِ
…
فِيهِ تقيّ الدّين ذَاك الأروعا)
(عمر بن شاهنشاه من هُوَ عامرٌ
…
أَرْكَان ملك الشَّام حِين تضعضعا)
(خضع العدوّ وذلّ بعد تعزز
…
لكم وَحقّ عَدوكُمْ أَن يخضعا)
(من معشر غر يرَوْنَ جَمِيع مَا
…
لم يبذلوه فِي السَّماح مضيعا)
(فِي مصر واليمن اجتلينا مِنْهُم
…
فِي عصرنا تبعا ليوسف تُبعا)
(الحاويان بِملك مصر ومكةٍ
…
وَالشَّام واليمن الحظايا الأربعا)
(لما عصى الْأَعْدَاء بالعاصي جرى
…
بدمائهم طَوْعًا سيولا دُفَّعا)
وَقَالَ ابْن أبي طي لما تسلم السطان بعلبك وأزاح عللها عَاد إِلَى حمص وَنزل بهَا فاتصل بِهِ وُرُود عزّ الدّين مَسْعُود أخي سيف الدّين صَاحب الْموصل نجدةً للْملك الصَّالح وَكَانَ سَبَب وُرُوده أَن جمَاعَة أُمَرَاء حلب لما كَانَ السُّلْطَان نازلا على حلب أَجمعُوا على آرائهم وكاتبوا سيف الدّين وألزموه نجدة ابْن عَمه وَأَخْبرُوهُ أَن السُّلْطَان مَتى ملك حلب لم يكن لَهُ قصد إِلَّا الْموصل وَأَرْسلُوا بذلك أَمِين الدّين هاشماً خطيب حلب وقطب الدّين ينَال بن حسان وغرس الدّين قليج
وَكَانَ سيف الدّين منازلا لسنجار وفيهَا أَخُوهُ عماد الدّين زنكي وَكَانَ عماد الدّين قد أظهر الانتماء إِلَى السُّلْطَان فأنجده السُّلْطَان بِقِطْعَة من جَيْشه فكسرهم ونهبهم عماد الدّين بهم وبعسكره
فَلَمَّا وصلت رِسَالَة الحلبيين إِلَى سيف الدّين صَالح أَخَاهُ عماد الدّين وحشد عسكره وأنفذ نخبهم مَعَ أَخِيه عز الدّين مَسْعُود فورد حلب بعد رحيل السُّلْطَان عَنْهَا إِلَى بعلبك فاغتنم الحلبيون بُعد السُّلْطَان عَنْهُم فاحتشدوا وَخَرجُوا جَمِيعًا حَتَّى خيموا على حماة وَأخذُوا فِي حصارها واتصل بالسلطان ذَلِك فَرَحل من بعلبك إِلَى حمص وَبلغ عز الدّين فَعَاد
عَن حماة وَنزل قَرِيبا من جباب التركمان إِلَى جِهَة العَاصِي إِلَى قريب من شيزر
وراسل النَّائِب بحماة عَليّ بن أبي الفوارس يَقُول لَهُ إِنَّمَا وصلت فِي إصْلَاح الْحَال وَوضع أوزار الْقِتَال وَسَأَلَهُ مُكَاتبَة السُّلْطَان فِيمَا يجمع الْكَلِمَة ويلم شعث الْفرْقَة فَكتب ابْن أبي الفوارس بذلك إِلَى السُّلْطَان وحَسَّن لَهُ الصُّلح وتلطف فِي ذَلِك غَايَة التلطف
وَقدم أَبُو صَالح بن العجمي وَسعد الدّين كمشتكين لطلب الصُّلْح فأجابهما السُّلْطَان إِلَى مَا أَرَادَا وتقرر الْأَمر على أَنه يرد إِلَيْهِم جَمِيع الْحُصُون والبلاد ويقنع بِدِمَشْق وَحدهَا وَيكون نَائِبا للْملك الصَّالح فَلَمَّا عاين سعد الدّين إِجَابَة السُّلْطَان إِلَى الصُّلْح وَالنُّزُول عَن جَمِيع الْحُصُون الَّتِي أَخذهَا حمص وحماة وبعلبك طمع فِي جَانب السُّلْطَان وَتجَاوز الْحَد فِي الاقتراح وَطلب الرحبة وأعمالها فَقَالَ هِيَ لإبن عمي وَلَا سَبِيل إِلَى أَخذهَا فَقَامَ سعد الدّين من بَين يَدَيْهِ نافرا وَكَانَ ذَلِك بِرَأْي أبي صَالح ابْن العجمي لِأَنَّهُ كَانَ مَعَه فاجتهد السُّلْطَان بِهِ أَن يرجع فَلم يفعل وَخرج إِلَى عز الدّين مَسْعُود وَكَانَ بعدُ نازلا على حماة وحدثه مَا دَار بَينه وَبَين السُّلْطَان وهون عَلَيْهِ أَبُو صَالح أَمر السُّلْطَان وَأخْبرهُ بقلّة من مَعَه
وَكَانَ السُّلْطَان لما كُوتِبَ فِي أَمر الصُّلْح سَار فِي خفّ من أَصْحَابه فَلَمَّا علمُوا بذلك طمعوا فِي جَانِبه وعوّلوا على لِقَائِه وانتهاز الفرصة فِي أمره فكاتب بَاقِي أَصْحَابه واستعدّ لحربهم وَسَار إِلَى أَن نزل على قُرُون حماة وَأخذ فِي مدافعة الْأَيَّام حَتَّى يقدم عَلَيْهِ بَاقِي عسكره وراسلهم فِي
التلطف للأحوال فَلم ينجع فيهم حَال وَكَانُوا فِي كلّ يَوْم يعزمون على لِقَائِه وقتاله فَيبْطل عزيمتهم بمراسلة يفتعلها تسويفا للأوقات وتقطيعا للزمان حَتَّى يقدم عَلَيْهِ عسكره وَكَانَت هيبته قد مَلَأت صُدُور الْقَوْم وَلَوْلَا ذَلِك لكانوا قد ناهزوا الفُرصة ونالوا مِنْهُ الْغَرَض
قَالَ وَفِي يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشر شهر رَمَضَان الْتَقَوْا وَلم يكن بعد وصل السُّلْطَان من عسكره أحد فتجمع أَصْحَاب السُّلْطَان كردوسا وَاحِدًا وَأخذُوا يحملون يمنة ويسرة ويدافعون الْأَوْقَات رَجَاء أَن يتَّصل بهم بعض الْعَسْكَر وضرى عَسْكَر حلب والعسكر الموصليّ على أَصْحَاب السُّلْطَان حِين شاهدوا قلتهم واجتماعهم وَكَاد أَصْحَاب السُّلْطَان يولون الإدبار فوصل تَقِيّ الدّين عمر عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ لتَمام سَعَادَة السُّلْطَان فَإِنَّهُ لَو تَأَخّر سَاعَة انْكَسَرَ عسكره فوصل تقيّ الدّين فِي عَسْكَر مصر وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء وهم غير عَالمين بِأَن الْحَرْب قَائِمَة فَلَمَّا رَأَوْا النَّاس فِي الكرّ وَالضَّرْب الهبر حملُوا جَمِيعًا بعد أَن افْتَرَقُوا فِي الميمنة والميسرة فصدموا عَسْكَر الْموصل صدمة ضعضعتهم
وَكَانَ السُّلْطَان فِي هَذِه الْمدَّة قد كَاتب جمَاعَة من عَسْكَرهمْ واستفسدهم إِلَيْهِم وَحمل إِلَيْهِم الْأَمْوَال وَهَذَا هُوَ الَّذِي بطأ بهم إِلَى أَن وصلت عساكره وَإِلَّا لَو كَانَ عَسْكَر حلب نصح لم يقدر السُّلْطَان على الثُّبُوت سَاعَة فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَال لم تنصح الْجَمَاعَة الَّتِي كاتبها السُّلْطَان بل كَانُوا مثبطين مخوفين لمن قرُب مِنْهُم ثمَّ إِنَّهُم بعد ذَلِك انْهَزمُوا وتبعهم
عَسْكَر السُّلْطَان واستباحوا أَمْوَالهم وخيامهم وَأمر السُّلْطَان أَصْحَابه أَلا يوغلوا فِي طَلَبهمْ وَلَا يقتلُوا من رَأَوْهُ مُنْهَزِمًا وَلَا يذففوا على جريح ورحل حَتَّى نزل فِي مَنْزِلَتهمْ
ثمَّ سَار من وقته مجداً حَتَّى نزل بمرج قرا حِصَار وَلم يزل هُنَاكَ حَتَّى عيّد عيد الْفطر فَجَاءَتْهُ رسل الْملك الصَّالح يسألونه المهادنة وَأَن يُقرّر الْملك الصَّالح على مَا فِي يَده وَمَا هُوَ جارٍ تَحت حكمه من الشَّام الْأَسْفَل إِلَى بلد حماة فَلم يرض بذلك فَجعلُوا لَهُ حماة المعرة وَكفر طَابَ فرضى بذلك وَحلف على نُسْخَة رَأَيْتهَا وَعَلَيْهَا خطه
قَالَ وَكَانَ فِي جملَة الْيَمين أَنه مَتى قصد الْملك الصَّالح عدوٌّ حضر بِنَفسِهِ وجيوشه ودافع عَنهُ وَألا يُغير الدّعاء لَهُ من جَمِيع مَنَابِر الْبِلَاد الَّتِي تَحت يَد السُّلْطَان وولايته وَولَايَة أَصْحَابه وَأَن تكون السِّكَّة باسمه
وَلما حلف السُّلْطَان وَالْملك الصَّالح وأمراؤه عَاد السُّلْطَان قَاصِدا دمشق فَلَمَّا وصل إِلَى حماة وصلت إِلَيْهِ رسل الْخَلِيفَة المستضيء وَمَعَهُمْ التشريفات الجليلة والأعلام السود وتوقيعٌ من الدِّيوَان بالسلطنة بِبِلَاد مصر وَالشَّام
وَفِي هَذِه الْخلْع يَقُول ابْن سَعْدَان الْحلَبِي
(يَا أَيهَا الْملك الغزير فَضله
…
لقد غَدَوْت بالعُلا مَلِيًّا)
(كفى أَمِير الْمُؤمنِينَ شرفا
…
أَنَّك أَصبَحت لَهُ وليّا)
(طارحك الودّ على شحط النّوى
…
فَكنت ذَاك الصّادق الوّفيا)
(أوْلاكَ من لِبَاسه زخرفة
…
لم يولها قبلك آدَمِيًّا)
(ناسبت الرّوض سنا وبهجة
…
حَتَّى حكته رونقاً وزيّا)
قَالَ ورحل السُّلْطَان من حماة إِلَى بعرين وَكَانَ فِيهَا فَخر الدّين مَسْعُود بن الزّعفراني وَكَانَ خرج إِلَى السُّلْطَان لما وصل إِلَى الشَّام وتطارح عَلَيْهِ وخدمه وظنّ أَن السُّلْطَان يقدمهُ على عساكره فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ فَترك السُّلْطَان وَعَاد إِلَى حصن بعرين فأغضب السُّلْطَان ذَلِك وَسَار إِلَيْهِ وحاصره حَتَّى تسلم حصنه
وَقَالَ الْعِمَاد نزل السُّلْطَان قراحصار بنيَّة الْحصار فَجَاءَت رسلهم بالانقياد وَأَجَابُوا إِلَى المُرَاد وَقَالُوا اقنعوا بِمَا أخذتموه إِلَى حماة وَلَا تشمتوا بِنَا العداة فاستزدنا عَلَيْهِم كفر طَابَ والمعرّة واستوفينا عَلَيْهِم الْأَيْمَان المستّقرة وسألهم فِي المعتقلين إخْوَة مجد الدّين فَأَجَابُوا وأفرجوا عَنْهُم وتمّ الصُّلْح وعمّ النجح
ورحلنا ظَاهِرين ظافرين ونزلنا حماة يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي عشر شَوَّال وَبهَا وصلت إِلَيْهِ رسل الدِّيوَان الْعَزِيز بالتشريفات والتقليد بِمَا أَرَادَ من الولايات وأفاضوا على السُّلْطَان وأقاربه الْخلْع وَخص نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه بمزيد تَفْضِيل على أقَارِب السُّلْطَان وَكَأَنَّهُ رِعَايَة لحق وَالِده أَسد الدّين رَحمَه الله تَعَالَى