الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عِنْدِي بِمَنْزِلَة الْأَب وشابكم عِنْدِي بِمَنْزِلَة الْأَخ وصغيركم عِنْدِي يحل مَحل الْوَلَد قَالَ وخنقته الْعبْرَة وسبقته الدمعة وَعلا نَشِيجه فَافْتتنَ النَّاس وصاحوا صَيْحَة وَاحِدَة ورموا بعمائمهم وضجوا بالبكاء والعويل وَقَالُوا نَحن عبيدك وَعبيد أَبِيك نُقَاتِل بَين يَديك ونبذل أَمْوَالنَا وأنفسنا لَك وَأَقْبلُوا على الدُّعَاء لَهُ والترحم على ابيه
وَكَانُوا قد اشترطوا على الْملك الصَّالح أَنه يُعِيد إِلَيْهِم شرقية الْجَامِع يصّلون فِيهَا على قاعدتهم الْقَدِيمَة وَأَن يُجهر بحيّ على خير الْعَمَل وَالْأَذَان والتذكير فِي الْأَسْوَاق وقدّام الْجَنَائِز بأسماء الْأَئِمَّة الاثنى عشر وَأَن يصلوا على أمواتهم خمس تَكْبِيرَات وَأَن تكون عُقُود الْأَنْكِحَة إِلَى الشريف الطَّاهِر أبي المكارم حَمْزَة بن زهرَة الْحُسَيْنِي وَأَن تكون العصبية مُرْتَفعَة والناموس وازع لمن أَرَادَ الْفِتْنَة وَأَشْيَاء كَثِيرَة اقترحوها مِمَّا كَانَ قد أبْطلهُ نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فأجيبوا إِلَى ذَلِك
قَالَ ابْن أبي طيّ فَأذن المؤذنون فِي مَنَارَة الْجَامِع وَغَيره بحيّ على خير الْعَمَل وَصلى أبي فِي الشرقية مسبلاً وَصلى وُجُوه الحلبيين خَلفه وَذكروا فِي الْأَسْوَاق وقدّام الْجَنَائِز بأسماء الْأَئِمَّة وصلوا على الْأَمْوَات خمس تَكْبِيرَات وَأذن للشريف فِي أَن تكون عُقُود الحلبيين من الإمامية إِلَيْهِ وفعلوا جَمِيع مَا وَقعت الْأَيْمَان عَلَيْهِ
فصل
قَالَ ابْن أبي طيّ وَكَانَت هَذِه السّنة شَدِيدَة الْبرد كَثِيرَة الثلوج
عَظِيمَة الأمطار هائجة الأهوية وَكَانَ السُّلْطَان قد جعل أَوْلَاد الداية عُلالة لَهُ وسببا يقطع بِهِ أَلْسِنَة من يُنكر عَلَيْهِ الْخُرُوج إِلَى الشَّام وَقصد الْملك الصَّالح وَيَقُول أَنا إِنَّمَا أتيت لاستخلاص أَوْلَاد الداية وَإِصْلَاح شَأْنهمْ
وَأرْسل السُّلْطَان إِلَى حلب رَسُولا يعرّض بِطَلَب الصُّلْح فَامْتنعَ كمشتكين فَاشْتَدَّ حِينَئِذٍ السُّلْطَان فِي قتال الْبَلَد
وَكَانَت ليَالِي الْجَمَاعَة عِنْد الْملك الصَّالح لَا تَنْقَضِي إِلَّا بِنصب الحبائل للسُّلْطَان والفكرة فِي مخاتلته وإرسال الْمَكْرُوه إِلَيْهِ فَأَجْمعُوا آراءهم على مراسلة سِنَان صَاحب الحشيشية فِي إرصاد المتالف للسُّلْطَان وإرسال من يفتك بِهِ وضمنوا لَهُ على ذَلِك أَمْوَالًا جمة وعدة من الْقرى فَأرْسل سِنَان جمَاعَة من فتاك أَصْحَابه لاغتيال السُّلْطَان فجاؤوا إِلَى جبل جوشن واختلطوا بالعسكر فعرفهم صَاحب بوقبيس لِأَنَّهُ كَانَ مثاغراً لَهُم فَقَالَ لَهُم يَا وَيْلكُمْ كَيفَ تجاسرتم على الْوُصُول إِلَى هَذَا الْعَسْكَر ومثلي فِيهِ فخافوا غائلته فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ فِي مَوْضِعه وَجَاء قوم للدَّفْع عَنهُ فجرحوا بَعضهم وَقتلُوا الْبَعْض وَبدر من الحشيشية أحدهم وَبِيَدِهِ سكينَة مَشْهُورَة ليقصد السُّلْطَان ويهجم عَلَيْهِ فَلَمَّا صَار إِلَى بَاب الْخَيْمَة اعْتَرَضَهُ طغريل أَمِير جاندار فَقتله وطُلب الْبَاقُونَ فَقتلُوا بعد أَن قتلوا جمَاعَة
وَقَالَ وَلما فَاتَ من بحلب الْغَرَض من السُّلْطَان بطرِيق الحشيشية كاتبوا قومص طرابلس وضمنوا لَهُ أَشْيَاء كَثِيرَة مَتى رحلَّ السُّلْطَان عَن
حلب وَكَانَ لَعنه الله فِي أسر نور الدّين مُنْذُ كسرة حارم وَكَانَ قد بذل فِي نَفسه الْأَمْوَال الْعَظِيمَة فَلم يقبلهَا نور الدّين فَلَمَّا كَانَ قبل موت نور الدّين سعى لَهُ فَخر الدّين مَسْعُود بن الزَّعْفَرَانِي حَتَّى بَاعه نور الدّين بمبلغ مئة وَخمسين ألف دِينَار وفكاك ألف أَسِير
وَاتفقَ فِي أول هَذِه السّنة موت ملك الفرنج صَاحب الْقُدس وطبرية وَغَيرهمَا فتكفل هَذَا القمص بِأَمْر وَلَده المجذوم فَعظم شَأْنه وَزَاد خطره فَأرْسل إِلَى السُّلْطَان فِي أَمر الحلبيين وَأخْبرهُ الرّسول أنّ الفرنج قد تعاضدوا وصاروا يدا وَاحِدَة فَقَالَ السُّلْطَان لست مِمَّن يرهب بتألب الفرنج وَهَا أَنا سَائِر إِلَيْهِم ثمَّ أنهد قِطْعَة من جَيْشه وَأمرهمْ بِقصد أنطاكية فغنموا غنيمَة حَسَنَة وعادوا فقصد القمص جِهَة حمص فَرَحل السُّلْطَان من حلب إِلَيْهَا فَسمع الملعون فنكص رَاجعا إِلَى بِلَاده وَحصل الْغَرَض من رحيل السُّلْطَان عَن حلب وَوصل إِلَى حمص فتسلم القلعة ورتب فِيهَا واليا من قبله
قَالَ وَفِي فتح قلعة حمص يَقُول الْعِمَاد الْكَاتِب من قصيدة وَسَتَأْتِي
(إياب ابْن أَيُّوب نَحْو الشآم
…
على كلّ مَا يرتجيه ظُهُور)
(بِيُوسُف مصر وأيامه
…
تقرّ الْعُيُون وتشفى الصّدور)
(رَأَتْ مِنْك حمص لَهَا كَافِيا
…
فواتاك مِنْهَا القويّ العسير)
وَمن كتاب فاضليّ عَن السُّلْطَان إِلَى زين الدّين بن نجا الْوَاعِظ يَقُول فِي وصف قلعة حمص وَالشَّيْخ الْفَقِيه قد شَاهد مَا يشْهد بِهِ من كَونهَا نجما فِي سَحَاب وعُقابا فِي عِقَاب وَهَامة لَهَا الغمامة عِمَامَة وأنملة إِذا خضبها الْأَصِيل كَانَ الْهلَال مِنْهَا قلامة عاقدة حبوة صالحها الدَّهْر على أَلا يحلهَا بقرعه عاهدة عصمَة صافحها الزَّمن على أَلا يروعها بخلعه فاكتنفت بهَا عقارب منجنيقات لَا تطبع طبع حمص فِي العقارب وَضربت حِجَارَة بهَا الْحِجَارَة فأظهرت فِيهَا الْعَدَاوَة الْمَعْلُومَة بَين الْأَقَارِب فَلم يكن غير ثَالِثَة من الْحَد إِلَّا وَقد أثرت فِيهَا جدريا بضربها وَلم تصل إِلَى السَّابِع إِلَّا والبحران منذرٌ بنقبها واتسع الْخرق على الراقع وَسقط سعدها عَن الطالع إِلَى مولد من هُوَ إِلَيْهَا الطالع وَفتحت الأبراج فَكَانَت أبوابا وسيُرت الْجبَال بهَا فَكَانَت سرابا فهنالك بَدَت نقوب يرى قَائِم من دونهَا مَا وَرَاءَهَا وحُشيت فِيهَا النَّار فلولا الشعاع من الشعاع أضاءها
وَمن كتاب آخر فاضلي عَن السُّلْطَان إِلَى أَخِيه الْعَادِل قد اجْتمع عندنَا إِلَى هَذِه الْغَايَة مَا يزاحم سَبْعَة آلَاف فَارس وتكاثفت الجموع إِلَى الحدّ الَّذِي يخرج عَن العَّدَّ وبَعْد أَن نُرَتِّب أَحْوَال حمص حرسها الله تَعَالَى نتوجه إِلَى حماة وَإِلَى مَا بعْدهَا وَالله الْمعِين على مَا ننويه من الرّشاد وننظفه من طرق الْجِهَاد
وَقَالَ الْعِمَاد لما سمع المدبّرون للْملك الصَّالح بإقبال صَلَاح الدّين الْمُؤَذّن بإدبارهم سُقط فِي أَيْديهم وراسلوا المواصلة وكاتبوهم وَأَرْسلُوا إِلَى صَلَاح الدّين بالإغلاظ والإحفاظ وَكَانَ الْوَاصِل مِنْهُم قطب الدّين ينَال بن حسان وَقد تجنب فِي قَوْله الْإِحْسَان وَقَالَ لَهُ هَذِه السيوف الَّتِي مَلكتك مصر وَأَشَارَ إِلَى سَيْفه إِلَيْهَا تردُّك وعمَّا تصدّيت لَهُ تصدك فحلم عَنهُ السُّلْطَان واحتمله وتغافل كرماً وأغفله وخاطبه بِمَا أَبى أَن يقبله وَذكر أَنه وصل لترتيب الْأُمُور وتهذيب الْجُمْهُور وسدّ الثغور وتربية ولد نور الدّين واستنقاذ إخْوَة مجد الدّين فَقَالَ لَهُ أَنْت تُرِيدُ الْملك لنَفسك وَنحن لَا ننزع فِي قوسك وَلَا نأنس بأنسك وَلَا نرتاع لجرسك وَلَا نَبْنِي على أُسِّك فَارْجِع حَيْثُ جِئْت أَو أجهد واصنع مَا شِئْت وَلَا تطمع فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مطمع وَلَا تطلع حَيْثُ مَا لسعودك فِيهِ مطلع ونال من تقطيب القطب ينَال كلّ مَا أحَال الْحَال وأبلى البال وَأبْدى لَهُ التبسم وأخفى الِاحْتِمَال
ثمَّ إِنَّه استناب أَخَاهُ سيف الْإِسْلَام طغتكين بِدِمَشْق وَسَار بالعسكر وَنزل على حمص فَأَخذهَا يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى وامتنعت
القلعة فَأَقَامَ عَلَيْهَا من يحصرها ورحل إِلَى حماة فَأَخذهَا مستهلّ جُمَادَى الْآخِرَة
ثمَّ مضى وَنزل على حلب فحصرها ثَالِث الشهّر فلمَّا اشْتَدَّ على الحلبيين الْحصار وأعوزهم الِانْتِصَار اسْتَغَاثُوا بالاسماعيلية وعيّنوا لَهُم ضيَاعًا وبذلوا لَهُم من البذول أنواعا فجَاء مِنْهُم فِي يَوْم بَارِد شات من فُتاكهم كل عَاتٍ فعرفهم الْأَمِير نَاصح الدّين خمارتكين صَاحب بوقبيس وَكَانَ مثاغرا للإسماعيلية فَقَالَ لَهُم لأي شَيْء جئْتُمْ وَكَيف تجاسرتم على الْوُصُول وَمَا خشيتم فَقَتَلُوهُ وَجَاء من يدْفع عَنهُ فأثخنوه وَعدا أحدهم ليهجم على السُّلْطَان فِي مقَامه وَقد شهر سكين انتقامه وطغرل أَمِير جاندار وَاقِف ثَابت سَاكن سَاكِت حَتَّى وصل إِلَيْهِ فَشَمَلَ بالسيَّف رَأسه وَمَا قتل الْبَاقُونَ حَتَّى قتلوا عدَّة ولاقى من لاقاهم شدَّة
وعصم الله تَعَالَى حشاشته فِي تِلْكَ النّوبَة من سكاكين الحشيشية فَأَقَامَ إِلَى مستهل رَجَب ثمَّ رَحل إِلَى حمص بِسَبَب أَن الحلبيين كاتبوا قومص طرابلس وَقد كَانَ فِي أسر نور الدّين مذ كسرة حارم وَبَقِي فِي الْأسر أَكثر من عشر سِنِين ثمَّ فدى نَفسه بمبلغ مئة ألف وَخمسين ألف دِينَار وفكاك ألف أَسِير فَتوجه فِي الإفرنجية إِلَى حمص فَلَمَّا سمع بالسلطان رَجَعَ ناكصا على عَقِبَيْهِ خوفًا مِمَّا يَقع فِيهِ وَيتم عَلَيْهِ
وَمن كتاب فاضلي عَن السُّلْطَان إِلَى الْعَادِل قد أعلمنَا الْمجْلس أَن
العدوَّ خذله الله كَانَ الحلبيون قد استنجدوا بصلبانهم واستطالوا على الْإِسْلَام بعدوانهم وَأَنه خرج إِلَى بلد حمص فوردنا حماة وأخذنا فِي تَرْتِيب الأطلاب لطلبه ولقاه فَسَار إِلَى حصن الأكراد مُتَعَلقا بحبله مفتضحاً بحيله وَهَذَا فتح تفتح لَهُ أَبْوَاب الْقُلُوب وظفر وَإِن كَانَ قد كفى الله تَعَالَى فِيهِ الْقِتَال المحسوب فَإِن الْعَدو قد سَقَطت حشمته وانحطت فِيهِ همته وَولى ظهرا كَانَ صَدره يصونه ونكسّ صليبا كَانَت ترفعه شياطينه
وَقَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة وَلما خيّم السُّلْطَان بِظَاهِر حمص قَصده الْمُهَذّب بن أسعد بقصيدة أَولهَا
(مَا نَام بعد الْبَين يستحلى الْكرَى
…
إِلَّا ليطرقه الخيال إِذا سرى)
(كَلِف بقربكم فَلَمَّا عاقه
…
بعد المدى سلك الطَّرِيق الأخصرا)
(ومودع أَمر التفرُّقُ دمعه
…
ونهته رقبُة كاشح فتحيرا)
وَمِنْهَا فِي المديح
(تُردى الْكَتَائِب كتبُه فَإِذا غَدَتْ
…
لم يُدْرَ أنفذ أسطراً أم عسكرا)
(لم يحسن الإتراب فَوق سطورها
…
إِلَّا لِأَن الْجَيْش يعْقد عثيرا)
فَقَالَ القَاضِي الْفَاضِل لصلاح الدّين هَذَا الَّذِي يَقُول
(وَالشعر مَا زَالَ عِنْد التّرْك متروكا
…
)
فعجَّل جائزته لتكذيب قَوْله وتصديق ظنِّه فشرِّفه وَجمع لَهُ بَين الخلعة والضَّيْعة
وعني الْفَاضِل مَا قَالَه فِي قصيدة فِي مدح الصَّالح بن رزيك الَّتِي أَولهَا
(أما كَفاك تلافي فِي تلافيكا
)
يَقُول فِيهَا
(يَا كعبة الْجُود إِن الْفقر أقعدني
…
ورقّة الْحَال عَن مَفْرُوض حجيكا)
(من أرتجي يَا كريم الدَّهْر تنعشني
…
جدواه إِن خَابَ سعيي فِي رجائيكا)
(أأمدح التّرْك أبغي الْفضل عِنْدهم
…
وَالشعر مَا زَالَ عِنْد التُّرك متروكا)
(أم أمدح السُّوقة النوكي لرفدهم
…
واضيعتا إِن تخطتني أياديكا)
(لَا تتركني وَمَا أملَّت فِي سَفَرِي
…
سواك أقفلُ نَحْو الْأَهْل صعلوكا)
قلت وَقد مضى ذكر ابْن أسعد هَذَا فِي أَخْبَار سنة ثَمَان وَخمسين وَسَيَأْتِي من شعره أَيْضا فِي أَخْبَار سنة سِتّ وَسبعين وثمان وَسبعين
وَمَا أحسن مَا خرج ابْن الدهان من الْغَزل إِلَى مدح ابْن رزيك فِي قَوْله من قصيدة أَولهَا
(إِذا لَاحَ برق من جنابك لامع
…
أَضَاء لواش مَا تجن الأضالع)
يَقُول فِيهَا