الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإقليم إِلَّا بِالْمَالِ الْعَظِيم ثمَّ أَنْت تعرف أكَابِر الدولة وعظماءها وَأَنَّهُمْ اعتادوا على السعَة والدعة نعماءها وَقد تصرفوا فِي مَوَاضِع لَا يُمكن انتزاعها وَلَا يسمحون بِأَن ينقص ارتفاعها فالموارد مشفوهة والشدائد مَكْرُوهَة والمقاصد بردعها مجبوهة والهمم بهَا مشدوهة وَشرع فِي جمع مَال يسيره ويحمله بِجهْد يبذله وبخطر يحْتَملهُ وَحصل لخَالِد مِنْهُ مَا لم يكن فِي خلده وَجَاء مطرف غناهُ أَضْعَاف متلده
فصل فِي صلب عمَارَة اليمني الشَّاعِر وَأَصْحَابه
قَالَ الْعِمَاد وَاجْتمعَ جمَاعَة من دعاة الدولة المصرية المتعصبة المتشددة المتصلبة وتوازروا وتزاوروا فِيمَا بَينهم خيفة وخفية واعتقدوا أُمْنِية عَادَتْ بالعقبى عَلَيْهِم منية وعينوا الْخَلِيفَة والوزير وأحكموا الرَّأْي وَالتَّدْبِير وبيّتوا أَمرهم بلَيْل وستروا عَلَيْهِ بذيل وَكَانَ عمَارَة اليمني الشَّاعِر عقيدهم ودعا للدعوة قريبهم وبعيدهم
وَكَانُوا قد أودعوا سرّهم عِنْد من أذاعه واستحفظوا من أضاعه وأدخلوا عدّة من أنصار الدولة الناصرية فِي جُمْلَتهمْ وعرفوهم بجهلتهم
وَكَانَ الْفَقِيه الْوَاعِظ زين الدّين عَليّ بن نجا يُناجيهم فِيمَا زين لَهُم من سوء أَعْمَالهم ويداخلهم فِي عزم خُرُوجهمْ مطلعا على أَحْوَالهم وتقاسموا الدّور والأملاك وكادت آمالهم تَدْنُو من الْإِدْرَاك فجَاء زين الدّين
الْوَاعِظ وأطلع صَلَاح الدّين على فسادهم وَمَا سولوه من مُرَاد مُرَادهم وَطلب مالابن كَامِل الدَّاعِي من الْعقار والدور وكلّ مَاله من الْمَوْجُود والمذخور فبدل لَهُ السُّلْطَان كل مَا طلبه وَأمره بمخالطتهم ورغبه
ثمَّ أَمر السُّلْطَان بإحضار مقدميهم واعتقالهم لإِقَامَة السياسة فيهم وصلب يَوْم السبت ثَانِي شهر رَمَضَان جمَاعَة مِنْهُم بَين القصرين مِنْهُم عمَارَة وأفنى بعد ذَلِك من بَقِي مِنْهُم وَمَات بموتهم الْخَبَر عَنْهُم
وَكَانَ مِنْهُم دَاعِي الدعاة ابْن عبد الْقوي وَكَانَ عَارِفًا بخبايا الْقصر وكنوزه فباد وَلم يسمع بإبدائها وَبقيت تِلْكَ الخزائن مدفونة وَتلك الدفائن مخزونة قد دفن دافنها وخزن تَحت الثرى خازنها إِلَى أَن يَأْذَن الله فِي الْوُصُول إِلَيْهَا والاطلاع عَلَيْهَا وَجمع من أَمْوَال هَؤُلَاءِ مَا يحمل إِلَى الشَّام للاستعانة بِهِ على حماية ثغور الْإِسْلَام
قَالَ ابْن أبي طيّ وَفِي هَذِه السّنة اجْتمع جمَاعَة من دعاة المصريين والعوام وَتَآمَرُوا فِيمَا بَينهم خُفْيَة وَبكوا على أنقراض دولة المصريين وَمَا صَارُوا إِلَيْهِ من الذل والفقر ثمَّ أَجمعُوا آراءهم على أَن يقيموا خَليفَة ووزيرا ويجتمعوا هم وَجَمَاعَة عينوهم من الْأُمَرَاء وَغَيرهم وَأَن يكاتبوا الفرنج ويثبوا بِالْملكِ النَّاصِر وأدخلوا مَعَهم فِي هَذَا الْأَمر ابْن مصال وواعدوا جمَاعَة من شيعَة المصريين لَيْلَة عينوها وكاتبوا الفرنج بذلك وقرروا مَعَهم الْوُصُول إِلَيْهِم فِي ذَلِك الزَّمَان الْمُقَرّر فخانهم ابْن مصال
فِيمَا عاهدهم عَلَيْهِ ونكث فِي الْيَمين وكفّر عَنْهَا وَصَارَ إِلَى الْملك النَّاصِر وعرفه بجلية مَا جرى
فأحضرهم وَاحِدًا وَاحِدًا وقررهم على هَذِه الْحَالة فأقروا واعترفوا وَاعْتَذَرُوا بكونهم قطعت أَرْزَاقهم وَأخذت أَمْوَالهم فأحضر السُّلْطَان الْعلمَاء واستفتاهم فِي أَمرهم فأفتوه بِقَتْلِهِم وصلبهم ونفيهم فَأمر بصلبهم
وَقيل إِن الَّذِي أذاع سرهم زين الدّين عَليّ الْوَاعِظ وَطلب جَمِيع مَا لِابْنِ الدَّاعِي من الْعقار وَالْمَال فَأعْطَاهُ جَمِيع ذَلِك
وَكَانَ الَّذين صلبوا مِنْهُم الْمفضل بن كَامِل القَاضِي وَابْن عبد الْقوي الدَّاعِي والعوريس وَكَانَ قد تولى النّظر ثمَّ الْقَضَاء بعد ذَلِك وشبرما كَاتب السِّرّ وَعبد الصَّمد القشة أحد أُمَرَاء المصريين ونجاح الحمامي وَرجل منجم نَصْرَانِيّ أرمني كَانَ قَالَ لَهُم إِن أَمرهم يتم بطرِيق علم النُّجُوم وعُمارة اليمني الشَّاعِر
قلت وَبَلغنِي أنّ عُمارة إِنَّمَا كَانَ تحريضه لشمس الدولة على الْمسير إِلَى الْيمن ليتم هَذَا الْأَمر لِأَن فِيهِ تقليلا لعسكر صَلَاح الدّين وإبعاداً لِأَخِيهِ وناصريه عَنهُ
قَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة وَوَقعت أتفاقات عَجِيبَة من جُمْلَتهَا أَنه نسب إِلَيْهِ بَيت من قصيدة ذكرُوا أَنه لَهُ يَعْنِي فِي القصيدة الَّتِي حرض فِيهَا شمس الدولة على الْمسير إِلَى الْيمن أَولهَا
(الْعلم مذ كَانَ مُحْتَاج إِلَى الْعلم
…
)
وَقد تقدم ذكرهَا وَأما الْبَيْت فَهُوَ
(قد كَانَ أول هَذَا الدّين من رجل
…
سعى إِلَى أَن دَعوه سيّد الْأُمَم)
قَالَ الْعِمَاد وَيجوز أَن يكون هَذَا الْبَيْت مَعْمُولا عَلَيْهِ فَأفْتى فُقَهَاء مصر بقتْله وحرضوا السُّلْطَان على الْمثلَة بِمثلِهِ
قَالَ ولعمارة فِي مصلوب بِمصْر يُقَال لَهُ طرخان وَكَانَ خرج على الصَّالح بن زريك فظفر بِهِ الصَّالح وصلبه وَكَانَ يستحسن أَبْيَات عُمارة فِيهِ وَهِي
(أَرَادَ عُلو مرتبَة وَقدر
…
فَأصْبح فَوق جذع وَهُوَ عالي)
(ومُد على صَلِيب الْجذع مِنْهُ
…
يَمِين لاتطول على الشمَال)
(ونكس رَأسه لعتاب قلب
…
دَعَاهُ إِلَى الغواية والضلال)
قَالَ الْعِمَاد فَكَأَنَّهُ وصف حَاله وَمَا آل إِلَيْهِ أمره
وَقَالَ فِي الْبَرْق وَوصل من صَلَاح الدّين يَوْم وَفَاة نور الدّين إِلَى دمشق كتاب يتَضَمَّن هَذِه الْقَضِيَّة وَهُوَ بِخَط ابْن قُرَيْش يَعْنِي المرتضى
وَقَالَ ابْن أبي طيّ وَقد كتب القَاضِي الْفَاضِل إِلَى نور الدّين كتابا شرح فِيهِ قَضِيَّة المصلَّبين فَقَالَ بعد مطلع الْكتاب قصر هَذِه الْخدمَة على متجددٍ سَار لِلْإِسْلَامِ وَأَهله وَبشَارَة مؤذنة بِظُهُور وعد الله فِي إِظْهَاره على الدّين كُله بعد أَن كَانَت لَهَا مُقَدمَات عَظِيمَة إِلَّا أَنَّهَا أسفرت عَن النُّجح وأوائل كالليلة الْبَهِيمَة إِلَّا أَنَّهَا انفرجت عَن الصُّبْح فالإسلام ببركاته الْبَادِيَة وفتكاته الْمَاضِيَة قد عَاد مستوطنا بعد أَن كَانَ غَرِيبا وَضرب فِي الْبِلَاد بجرانه بعد أَن كَاد الْكفْر يتم عَلَيْهِ تخيلا عجيبا إِلَّا أنّ الله سُبْحَانَهُ أطلع على أمرهَا من أَوله وَأظْهر على سرها من مستقبله والمملوك يَأْخُذ فِي ذكر الْخَبَر ويعرض عَن ذكر الْأَثر
لم يزل يتُوسم من جند مصر وَمن أهل الْقصر بَعْدَمَا أَزَال الله من بدعتهم وَنقض من عُرى دولتهم وخفض من مَرْفُوع كلمتهم أَنهم أَعدَاء وَإِن قعدت بهم الْأَيَّام وأضداد وَإِن وَقعت عَلَيْهِم كلمة الْإِسْلَام وَكَانَ لَا يحتقر مِنْهُم حَقِيرًا وَلَا يستبعد مِنْهُم شرا كَبِيرا وعيونه لمقاصدهم موكلة وخطراته فِي التَّحَرُّز مِنْهُم مستعملة لاتخلو سنة تمر وَلَا شهر يكرّ من مكر يَجْتَمعُونَ عَلَيْهِ وَفَسَاد يتسرعون إِلَيْهِ وحيلة يبرمونها ومكيدة يتممونها وَكَانَ أَكثر مَا يتعللون بِهِ ويستريحون إِلَيْهِ المكاتبات المتواترة والمراسلات المتقاطرة إِلَى الفرنج خذلهم الله تَعَالَى
الَّتِي يُوسعُونَ لَهُم فِيهَا سبل المطامع ويحملونهم فِيهَا على العظائم الفظائع ويزينون لَهُم الْإِقْدَام والقدوم ويخلعون فِيهَا ربقة الْإِسْلَام خلع الْمُرْتَد المخصوم وَيَد الفرنج بِحَمْد الله قَصِيرَة عَن إجابتهم إِلَّا أَنهم لَا يقطعون حَبل طمعهم على عَادَتهم وَكَانَ ملك كلما سوّلت لَهُ نَفسه الاستتار فِي مراسلتهم والتحيل فِي مفاوضتهم سير جرج كَاتبه رَسُولا إِلَيْنَا ظَاهرا وإليهم بَاطِنا عارضا علينا الْجَمِيل الَّذِي مَا قبلته قطّ أَنْفُسنَا وعاقداً مَعَهم الْقَبِيح الَّذِي يشْتَمل عَلَيْهِ فِي وقته علمنَا وَلأَهل الْقصر والمصريين فِي أثْنَاء هَذِه المدد رسل تَتَرَدَّد وَكتب إِلَى الفرنج تتجدد
ثمَّ قَالَ وَالْمولى عَالم أَن عَادَة أوليائه المستفادة من أدبه أَلا يبسطوا عقَابا مؤلما وَلَا يعذبوا عذَابا محكما وَإِذا طَال لَهُم الاعتقال وَلم ينجع السُّؤَال أطلق أطلق سراحهم وخلى سبيلهم فَلَا يزيدهم الْعَفو إِلَّا ضراوة وَلَا الرقة عَلَيْهِم إِلَّا قساوة وَعند وُصُول جرج فِي هَذِه الدفعة الْأَخِيرَة رَسُولا إِلَيْنَا بِزَعْمِهِ ورد إِلَيْنَا كتاب مِمَّن لَا نرتاب بِهِ من قومه يذكرُونَ أَن رَسُول مخاتلة لَا رَسُول مجاملة وحامل بلية لَا حَامِل هَدِيَّة فأوهمناه الإغفال عَن التيقظ لكل مَا يصدر مِنْهُ وَإِلَيْهِ فتوصل مرّة بِالْخرُوجِ لَيْلًا وَمرَّة بالركوب إِلَى الْكَنِيسَة وَغَيرهَا نَهَارا إِلَى الِاجْتِمَاع بحاشية الْقصر وخدامه وبأمراء المصريين وأسبابهم وَجَمَاعَة من النَّصَارَى وَالْيَهُود وكلابهم وكتابهم فدسسنا إِلَيْهِم من طائفتهم من داخلهم فَصَارَ ينْقل إِلَيْنَا أخبارهم وَيرْفَع إِلَيْنَا أَحْوَالهم وَلما تكاثرت الْأَقْوَال وَكَاد يشْتَهر علمنَا بِهَذِهِ الْأَحْوَال استخرنا الله تَعَالَى وقبضنا على جمَاعَة مفْسدَة وَطَائِفَة من هَذَا
الْجِنْس متمردة قد اشْتَمَلت على الاعتقادات المارقة والسرائر المنافقة فكلاًّ أَخذ الله بِذَنبِهِ فَمنهمْ من أقرّ طَائِعا عِنْد إِحْضَاره وَمِنْهُم من أقرّ بعد ضربه فَانْكَشَفَتْ أُمُور أخر كَانَت مكتومة ونوب غير الَّتِي كَانَت عندنَا مَعْلُومَة وتقريرات مُخْتَلفَة فِي المُرَاد متفقة فِي الْفساد
ثمَّ ذكر تَفْصِيلًا حَاصله أَنهم عينوا خَليفَة ووزيرا مُخْتَلفين فِي ذَلِك فَمنهمْ من طلب إِقَامَة رجل كَبِير السن من بني عَم العاضد وَمِنْهُم من جعل ذَلِك لبَعض أَوْلَاد العاضد وَإِن كَانَ صَغِيرا وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِي تعْيين وَاحِد من وَلدين لَهُ وَأما بَنو رزيك وَأهل شاور فَكل مِنْهُم أَرَادَ الوزارة لبيتهم من غير أَن يكون لَهُم غَرَض فِي تعْيين الْخَلِيفَة
ثمَّ قَالَ وَكَانُوا فِيمَا تقدم والمملوك على الكرك والشوبك بالعسكر قد كاتبوهم وَقَالُوا لَهُم إِنَّه بعيد والفرصة قد أمكنت فَإِذا وصل الْملك الفرنجي إِلَى صدر أَو إِلَى أَيْلَة ثارت حَاشِيَة الْقصر وكافة الْجند وَطَائِفَة السودَان وجموع الأرمن وَعَامة الاسماعيلية وفتكت بأهلنا وأصحابنا بِالْقَاهِرَةِ
ثمَّ قَالَ وَلما وصل جرج كتبُوا إِلَى الْملك الفرنجي أَن العساكر متباعدة فِي نواحي إقطاعاتهم وعَلى قرب من موسم غلاتهم وَأَنه لم يبْق فِي الْقَاهِرَة إِلَّا بَعضهم وَإِذا بعثت أسطولا إِلَى بعض الثغور أنهض فلَان من عِنْده وَبَقِي فِي الْبَلَد وَحده فَفَعَلْنَا مَا تقدم ذكره من الثورة
ثمَّ قَالَ وَفِي اثناء هَذِه الْمدَّة كاتبوا سِنَانًا صَاحب الحشيشية بِأَن
الدعْوَة وَاحِدَة والكلمة جَامِعَة وَأَن مَا بَين أَهلهَا خلاف إِلَّا فِيمَا لَا يفْتَرق بِهِ كلمة وَلَا يجب بِهِ قعُود عَن نصْرَة واستدعوا مِنْهُ يُتمم على الْمَمْلُوك غيلَة أَو يبيت لَهُ مكيدة وحيلة {وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيْطٌ} وَكَانَ الرَّسُول إِلَيْهِم عَن المصريين خَال ابْن قرجلة الْمُقِيم الْآن هُوَ وَابْن أُخْته عِنْد الفرنج
وَلما صَحَّ الْخَبَر وَكَانَ حكم الله أولى مَا أَخذ بِهِ وأدب الله أمضى فِيمَن خرج عَن أدبه وتناصرت من أهل الْعلم الْفَتَاوَى وتوالت من أهل المشورة بِسَبَب تَأْخِير الْقَتْل فيهم المراجعات والشكاوى قتل الله بِسيف الشَّرْع المطهر جمَاعَة من الغواة الغلاة الدعاة إِلَى النَّار الحاملين لأثقالهم وأثقال من أضلوه من الْفجار وشنقوا على أَبْوَاب قصورهم وصلبوا على الْجُذُوع المواجهة لدورهم وَوَقع التتبع لأتباعهم وشردت طَائِفَة الاسماعيلية وَنَفَوْا ونودى بِأَن يرحل كَافَّة الأجناد وحاشية الْقصر وراجل السودَان إِلَى أقْصَى بِلَاد الصَّعِيد فَأَما من فِي الْقصر فقد وَقعت الحوطة عَلَيْهِم إِلَى أَن ينْكَشف وَجه رَأْي يمْضِي فيهم وَلَا رَأْي فَوق رَأْي الْمولى وَالله سُبْحَانَهُ مستخار وَهُوَ مستشار وَعِنْده من أهل الْعلم من تطيب النَّفس بتقليده وتمضي الْحُدُود بتحديده وَرَأى الْمَمْلُوك إخراجهم من الْقصر فَإِنَّهُم مهما بقوا فِيهِ بقيت مَادَّة لَا تنحسم الأطماع عَنْهَا فَإِنَّهُ قبْلَة
للضلال مَنْصُوبَة وبيعة للبدع محجوجة
قَالَ الْمُؤلف لَعَلَّهَا محجوجة
وَمِمَّا يطرف بِهِ الْمولى أَن ثغر الْإسْكَنْدَريَّة على عُمُوم مَذْهَب السّنة فِيهِ أطلع الْبَحْث أَن فِيهِ دَاعِيَة خبيثا أمره محتقرا شخصه عَظِيما كفره يُسمى قديد القفاص وَأَن الْمَذْكُور مَعَ خموله فِي الديار المصرية قد فَشَتْ فِي الشَّام دَعوته وطبقت عقول أهل مصر فتنته وَأَن أَرْبَاب المعايش فِيهِ يحملون إِلَيْهِ جُزْءا من كسبهم والنسوان يبْعَثْنَ إِلَيْهِ شطرا وافيا من أموالهن وَوجدت فِي منزله بالإسكندرية عِنْد الْقَبْض لَهُ والهجم عَلَيْهِ كتب مُجَرّدَة فِيهَا خلع العذار وصريح الْكفْر الَّذِي مَا عَنهُ اعتذار ورقاع يُخَاطب بهَا فِيهَا مَا تقشعر مِنْهُ الْجُلُود وَكَانَ يدعى النّسَب إِلَى أهل الْقصر وَأَنه خرج مِنْهُ طفْلا صَغِيرا وَنَشَأ على الضَّلَالَة كَبِيرا وَبِالْجُمْلَةِ فقد كفى الْإِسْلَام أمره وحاق بِهِ مكره وصرعه كفره
قلت وَفِي قَضِيَّة عُمارة هَذِه يَقُول العلاّمة تَاج الدّين الْكِنْدِيّ رَحمَه الله تَعَالَى ونقلته من خطه
(عُمارة فِي الْإِسْلَام أبدى جِنَايَة
…
وَبَايع فِيهَا بيعَة وصليبا)
(وَأمسى شريك الشّرك فِي بُغض أَحْمد
…
فَأصْبح فِي حب الصَّلِيب صليبا)
(وَكَانَ خَبِيث الْمُلْتَقى إِن عجمته
…
تَجِد مِنْهُ عودا فِي النِّفَاق صليبا)
(سيلقى غَدا مَا كَانَ يسْعَى لأَجله
…
ويسقى صديدا فِي لظى وصليبا)
قلت الصَّلِيب الأول صَلِيب النَّصَارَى وَالثَّانِي بِمَعْنى مصلوب وَالثَّالِث من الصلابة وَالرَّابِع ودك الْعِظَام وَقيل هُوَ الصديد أَي يسقى مَا يسيل من أهل النَّار نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا
وَكَانَ عُمارة مستشعراً من الغز وهم أَيْضا مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ من أَتبَاع الدولة المصرية وَمِمَّنْ انْتفع بهَا واختل أمره بعْدهَا فَلم تصف الْقُلُوب بَعْضهَا لبَعض وَصَارَ يظْهر فِي فلتات لِسَانه فِي نظمه ونثره مَا يَقْتَضِي التَّحَرُّز مِنْهُ وإبعاده وَهُوَ يرى ذَلِك مِنْهُم فَيَزْدَاد فَسَادًا فِي نِيَّته وَإِن مدحهم تكلّف ذَلِك وصرّح وعرّض فِيهِ بِمَا فِي ضَمِيره
وَقد قَالَ فِي كتاب الوزراء المصرية ذكر الله أيامهم بِحَمْد لَا يكل نشاطه وَلَا يطوى بساطه فقد وجدت فقدهم وهنت بعدهمْ
وَقَالَ من قصيدة مدح بهَا نجم الدّين أَيُّوب
(وَكَانَ لي فِي مُلُوك النّيل قبلكمُ
…
مكانة عرفتها الْعَرَب والعجم)
(وَكَانَ بيني وَبَين الْقَوْم ملحمة
…
فِي حربها ألسن الْأَدْيَان تختصم)
(وَمَا تزَال إِلَى دَاري عوارفهم
…
يسْعَى إلىّ بهَا الإنعام وَالْكَرم)
(تركت قصدك لماّ قيل إِنَّك لَا
…
تجود إِلَّا على من مَسّه الْعَدَم)
(وَلست بِالرجلِ الْمَجْهُول مَوْضِعه
…
وَلَا لنزر من الْإِحْسَان أغتنم)
(وَلَا إِلَى صدقَات المَال أطلبها
…
وَلَا عمى نَالَ أعضائي وَلَا صمم)
(وَإِنَّمَا أَنا ضيف للملوك ولى
…
دون الضيوف لِسَان نَاطِق وفم)
وَقَالَ من قصيدة مدح بهَا صَلَاح الدّين رَحمَه الله تَعَالَى
(قررت لي أَبنَاء رزيك رزقا كَانَ فِي عصرهم مسنيًّ مهنا)
(وَأَتَتْ بعدهمْ مُلُوك فسنوا
…
فِي مَا كَانَ صالحُ الْقَوْم سنّا)
(ورعوني إِمَّا اقْتِدَاء بماض
…
أَو لِمَعْنى فكلهم بِي يَعْنِي)
وَله من أُخْرَى
(فقد صَارَت الدُّنْيَا إِلَيْكُم بأسرها
…
فَلَا تشبعوا مِنْهَا وَنحن جِيَاع)
(إِذا لم تزيدونا فكونوا كمن مضى
…
فَفِي النَّاس أَخْبَار لَهُم وَسَمَاع)
(وَلَيْسَ على مر الْفِطَام إِقَامَة
…
فَهَل فِي ضروع المكرمات رضَاع)
وَقَالَ فِي قصيدة مدح بهَا تقيّ الدّين
(هَل تأذنون لمن أَرَادَ عتابكم
…
أم لَيْسَ فِي أعتابكم من مطمع)
(ضيعتّم من حق ضيفكم الَّذِي
…
مَا زَالَ قبل الْيَوْم غير مضيع)
(وتغافل السُّلْطَان عنيّ حِين لم
…
أكشف قناع مذلة وتضرّع)
(ورجوت نفعك بالشفاعة عِنْده
…
فسمحت لي بشفاعة لم تَنْفَع)
(وَإِذا نطاق الرزق ضَاقَ مجاله
…
أَمْسَى مجَال النُّطْق غير موسع)
وَقَالَ أَيْضا
(تيممت مصرا أطلب الجاه والغنى
…
فنلتهما فِي ظلّ عَيْش ممنع)
(وزرت مُلُوك النّيل أرتاد نيلهم
…
فَأَحْمَد مرتادي وأخضب مربعي)
(وفزت بِأَلف من عَطِيَّة فائز
…
مواهبه للصنع لَا للتصنع)
(وَكم طرقتني من يَد عاضدية
…
سرت بَين يقظى من عُيُون وهجع)
(وجاد ابْن رزيك من الجاه والغنى
…
بِمَا زَاد عَن مرمى رجائي ومطمعي)
(وَأوحى إِلَى سَمْعِي ودائع شعره
…
فحبرته منى بأكرم مُودع)
(وَلَيْسَت أيادي شاور بذميمة
…
وَلَا عهدها عِنْدِي بِعَهْد مضيع)
(ملوكٌ رَعَوا لي حُرْمَة صارنبتها
…
هشيما رعته النائبات وَمَا رعى)
(مذاهبهم فِي الْجُود مَذْهَب سنّة
…
وَإِن خالفوني باعتقاد التَّشَيُّع)
(فَقل لصلاح الدّين وَالْعدْل شَأْنه
…
من الْحَاكِم المصغى إلىّ فأدعى)
(أَقمت لكم ضيفاً ثَلَاثَة أشهر
…
أَقُول لصدري كلما ضَاقَ وسع)
(وَكم فِي ضيوف الْبَاب مِمَّن لِسَانه
…
إِذا قطعوه لايقوم بأصبعي)
(فيا راعي الْإِسْلَام كَيفَ تركتنا
…
فريقي ضيَاع من عرايا وجوع)
(دعوناك من قرب وبعدٍ فَهَب لنا
…
جوابك فالباري يُجيب إِذا دعى)
وَقَالَ أَيْضا
(أسفى على زمن الإِمَام العاضد
…
أَسف الْعَقِيم على فِرَاق الْوَاحِد)
(جالست من وزرائه وصحبت من
…
أمرائه أهل الثَّنَاء الخالد)
(لهفي على حجرات قصرك إِذْ خلت
…
يَا ابْن النبيّ من ازدحام الْوَافِد)
(وعَلى انفرادك من عساكرك الَّذِي
…
كَانُوا كأمواج الخضم الراكد)
(قلّدت مؤتمن الْخلَافَة أَمرهم
…
فكبا وَقصر عَن صَلَاح الْفَاسِد)
(فَعَسَى اللَّيَالِي أَن ترد إِلَيْكُم
…
مَا عودتكم من جميل عوائد)
وَقَالَ أَيْضا
(قست رأفة الدُّنْيَا فَلَا الدَّهْر عاطف
…
عليّ وَلَا عبد الرَّحِيم رَحِيم)
(عَفا الله عَن آرائه كل فَتْرَة
…
كَلَام العدى فِيهَا عليّ كلوم)
(وسامحه فِي قطع رزق بفضله
…
وصلت إِلَيْهِ وَالزَّمَان ذميم)
(أَلا هَل لَهُ عطف عَليّ فإنني
…
فَقير إِلَى مَا اعْتدت مِنْهُ عديم)
عبد الرَّحِيم هُوَ القَاضِي الْفَاضِل رَحمَه الله تَعَالَى
وَبَلغنِي أَن عمَارَة لما مروا بِهِ ليُصلب عبر بِهِ على جِهَة دَار الْفَاضِل فَطلب الِاجْتِمَاع بِهِ فَقيل لَيْسَ إِلَيْهِ طَرِيق فَقَالَ
(عبد الرَّحِيم قد احتجب
…
إِن الْخَلَاص هُوَ الْعجب)
وَقَالَ وَهَذِه القصيدة تحقق مَا رُمى بِهِ من الِاجْتِمَاع على مُكَاتبَة الفرنج والخوض فِي فَسَاد الدولة بل الْملَّة وتوضح عذر السُّلْطَان فِي قَتله وَقتل من شَاركهُ فِي ذَلِك
(رميت يَا دهر كف الْمجد بالشلل
…
وجيده بعد حلى الْحسن بالعطل)
(سعيت فِي مَنْهَج الرَّأْي العثور فَإِن
…
قدرت من عثرات الْبَغي فاستقل)
(جدعت مَا رنك الأقنى فأنفك لَا
…
يَنْفَكّ مَا بَين نقص الشين والخجل)
(هدمت قَاعِدَة الْمَعْرُوف عَن عجل
…
سُقيت مُهْلاً أما تمشى على مَهَل)
(لهفي ولهف بني الآمال قاطبة
…
على فجيعتنا فِي أكْرم الدول)
(قدمت مصر فأولتني خلائفها
…
من المكارم مَا أربي على الأمل)
(قوم عرفت بهم كسب الألوف وَمن
…
كمالها أَنَّهَا جَاءَت وَلم أسل)
(وَكنت من وزراء الدّست حَيْثُ سما
…
رَأس الحصان بهاديه على الكفل)
(ونلت من عُظَمَاء الْجَيْش تكرمة
…
وخلّة حرست من عَارض الْخلَل)
(يَا عاذلي فِي هوى أَبنَاء فَاطِمَة
…
لَك الْمَلَامَة إِن قصَّرت فِي عذلي)
(بِاللَّه زُر ساحة القصرين وابك معي
…
عَلَيْهِمَا لَا على صفّين والجمل)
(وَقل لأهلهما وَالله مَا التحمت
…
فِيكُم قروحي وَلَا جرحي بمندمل)
(مَاذَا ترى كَانَت الإفرنج فاعلة
…
فِي نسل آل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ)
(هَل كَانَ فِي الْأَمر شَيْء غير قسْمَة مَا
…
مُلِّكتم بَين حكم السبّي وَالنَّفْل)
(وَقد حصلتم عَلَيْهَا وَاسم جدكم
…
مُحَمَّد وأبيكم غير منتقل)
(مَرَرْت بِالْقصرِ والأركان خَالِيَة
…
من الْوُفُود وَكَانَت قبْلَة الْقبل)
(فملت عَنْهَا بوجهي خوف منتقد
…
من الأعادي وَوجه الودّ لم يمل)
(أسبلت من أَسف دمعي غَدَاة خلت
…
رحابكم وغدت مهجورة السبل)
(أبْكِي على مأثراتٍ من مكارمكم
…
حَال الزَّمَان عَلَيْهَا وَهِي لم تحل)
(دَار الضِّيَافَة كَانَت أنس وافدكم
…
وَالْيَوْم أوحش من رسم وَمن طلل)
(وفطرة الصَّوْم إِن أصغت مكارمكم
…
تَشْكُو من الدَّهْر حيفا غير مُحْتَمل)
(وَكِسْوَة النَّاس فِي الْفَصْلَيْنِ قد درست
…
ورث مِنْهَا جَدِيد عَنْهُم وبلي)
(وموسم كَانَ فِي كسر الخليج لكم
…
يَأْتِي تجمّلكم فِيهِ على الْجمل)
(وَأول الْعَام والعيدان كَانَ لكم
…
فِيهِنَّ من وبل جود لَيْسَ بالوشل)
(وَالْأَرْض تهتز فِي عيد الغدير لما
…
يَهْتَز مابين قصريكم من الأسل)
(وَالْخَيْل تعرض من وشيٍ وَمن شية
…
مثل العرائس فِي حلي وَفِي حلل)
(وَلَا حملتم قرى الأضياف من سَعَة الأطباق
…
إِلَّا على الْأَعْنَاق والعجل)
(وَمَا خصصتم ببرٍ أهل ملتكم
…
حَتَّى عممتم بِهِ الْأَقْصَى من الْملَل)
(كَانَت رواتبكم للذمتين وللضيف
…
الْمُقِيم وللطاري من الرُّسُل)
(وللجوامع من أحباسكم نعم
…
لمن تصّدر فِي علم وَفِي عمل)
(وَرُبمَا عَادَتْ الدُّنْيَا لمعقلها
…
مِنْكُم وأضحت بكم محلولة الْعقل)
وَقَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن عبد الله بن كَامِل كَانَ دَاعِي الدعاة بِمصْر للأدعياء وقاضي الْقُضَاة لأولئك الأشقياء يلقبونه بفخر الْأُمَنَاء وَهُوَ عِنْدهم فِي الْمحلة العلياء والمرتبة الشماء والمنزلة فِي السَّمَاء حَتَّى انكدرت نجومهم وتغيرت رسومهم وأقيم قاعدهم وعضد عاضدهم وأخيلت مِنْهُم مصرهم وَأجلى عَنْهُم قصرهم فحرّك ابْن كَامِل نَاقص الذب عَنْهُم والشدّ مِنْهُم فمالأ قوما على الْبيعَة لبَعض أَوْلَاد العاضد ليبلغوا بِهِ مَا تخيلوه من الْمَقَاصِد وسوّلوه من المكايد فأثمرت بجثثهم الْجُذُوع وأقفرت من جسومهم الربوع وأحكمت فِي حُلُوقهمْ النسوع وَهَذَا أوّل من ضمه حَبل الصلب وَأمه فاقرة الصلب وَهَذَا صنع الله فِيمَن ألحد وَكفر النِّعْمَة وَجحد وَذَلِكَ غرَّة رَمَضَان سنة تسع