الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
قَالَ ابْن الْأَثِير لما توفّي نور الدّين جلس ابْنه الْملك الصَّالح اسماعيل فِي الْملك وحُلِف لَهُ وَلم يبلغ الحُلم وَحلف لَهُ الْأُمَرَاء والمقدمون بِدِمَشْق وَأقَام بهَا وأطاعه النَّاس فِي سَائِر بِلَاد الشَّام وصلاحُ الدّين
بِمصْر وخطب لَهُ بهَا وَضرب السِّكَّة باسمه فِيهَا وتولّى تَرْبِيَته الْأَمِير شمس الدّين مُحَمَّد بن الْمُقدم
قَالَ الْعِمَاد وأخرجوا يَوْم وَفَاة نور الدّين وَلَده الْملك الصَّالح اسماعيل وَقد أبدى الْحزن والعويل وَهُوَ مجزوز الذوائب مشقوق الجيب حاسر حافٍ مِمَّا فجأه وفجعه من الرّيب وأجلسوه فِي الأيوان الشمالي من الدّست والتخت الْبَاقِي من عهد تَاج الدولة تتش فاستوحى كل قلب حزنه واستوحش فَوقف النَّاس يضطرمون ويضطربون ويتلهفون ويتلهبون وَلما كفّن بحلة الْكَرَامَة وَدفن فِي رَوْضَة بَابهَا إِلَى بَاب رضوَان من دَار المقامة وقضوا الْجزع وقوضوا الْفَزع وغيبوا الدمعة وأحضروا الرّبعة حضر القَاضِي كَمَال الدّين وشمس الدّين بن الْمُقدم وجمال الدولة ريحَان وَهُوَ أكبر الخدم وَالْعدْل أَبُو صَالح بن العجمي أَمِين الْأَعْمَال وَالشَّيْخ اسماعيل خَازِن بَيت المَال وتحالفوا على أَن تكون أَيْديهم وَاحِدَة وعزائمهم متعاقدة وَأَن ابْن الْمُقدم مقدم الْعَسْكَر وَإِلَيْهِ الْمرجع فِي المورد والمصدر
قَالَ وأنشأت فِي ذَلِك الْيَوْم كتابا عَن الْملك الصَّالح إِلَى صَلَاح الدّين فِي تعزيته بِنور الدّين تَرْجَمته إِسْمَاعِيل بن مَحْمُود وَفِيه
أَطَالَ الله بَقَاء سيدنَا الْملك النَّاصِر وَعظم أجرنا وأجره فِي والدنا الْملك الْعَادِل ندب الشَّام بل الْإِسْلَام حَافظ ثغوره وملاحظ أُمُوره وَعدم الْجِهَاد مقتني فضيلته ومؤدي فريضته ومحيي سنته وأورثنا
بِالِاسْتِحْقَاقِ ملكه وسريره على أَنه يعزّ أَن يرى الزَّمَان نَظِيره وَمَا هَهُنَا مَا يشغل السِّرّ وَيقسم الْفِكر إِلَّا أَمر الفرنج خذلهم الله وَمَا كَانَ اعْتِمَاد مَوْلَانَا الْملك الْعَادِل عَلَيْهِ وسكونه إِلَيْهِ إِلَّا لمثل هَذَا الْحَادِث الجلل وَالصرْف الكارث المذهل فقد ادخره لكفايات النوائب وأعده لحسم أدواء المعضلات اللوازب وأمله ليومه ولغده ورجاه لنَفسِهِ ولولده ومكنّه قُوَّة لعضده فَمَا فقد رَحمَه الله تَعَالَى إِلَّا صُورة وَالْمعْنَى بَاقٍ وَالله تَعَالَى حَافظ لبيته واق وَهل غَيره دَامَ سموهُ من مؤازر وَهل سوى السيّد الْأَجَل النّاصر من نَاصِر وَقد عَرفْنَاهُ المقترح ليروض بِرَأْيهِ من الْأَمر مَا جمح والأهم شغل الْكفَّار عَن هَذِه الديار بِمَا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ من قصدهم والنكاية فيهم على البدار وَيجْرِي على الْعَادة الْحسنى فِي إحْيَاء ذكر الْوَالِد هُنَاكَ بتجديد ذكرنَا رَاغِبًا فِي اغتنام ثنائنا وشكرنا
قلت وَكَانَ قد بلغ صَلَاح الدّين خبر نور الدّين فَأرْسل كتابا بالمثال الفاضلي فِيهِ ورد خبر من جَانب الْعَدو اللعين عَن الْمولى نور الدّين أعاذ الله تَعَالَى فِيهِ من سَماع الْمَكْرُوه وَنور بعافيته الْقُلُوب وَالْوُجُوه وَاشْتَدَّ بِهِ الْأَمر وضاق بِهِ الصَّدْر وانقصم بحادثه الظّهْر وعزّ فِيهِ التثبت وأعوز الصَّبْر فَإِن كَانَ وَالْعِيَاذ بِاللَّه قد تمّ وخصّه الحكم الَّذِي عَم فللحوادث تذخر النصال وللأيام تصطنع الرِّجَال وَمَا رتب الْمُلُوك ممالكها إِلَّا لأولادها وَلَا اسْتوْدعت الأَرْض الْكَرِيمَة الْبذر إِلَّا لتؤدي حَقّهَا يَوْم حصادها فَالله الله أَن تخْتَلف الْقُلُوب وَالْأَيْدِي فتبلغ الْأَعْدَاء مرادها وتعدم الآراء رشادها وتنتقل النعم الَّتِي تعبت الْأَيَّام إِلَى أَن أَعْطَتْ قيادها فكونوا يدا وَاحِدَة وأعضاداً متساعدة وَقُلُوبًا يجمعها ودّ وسيوفا يضمها
غمد وَلَا تختلفوا فتنكلوا {وَلَا تنازعوا فتفشلوا} وَقومُوا على أمشاط الأرجل وَلَا تَأْخُذُوا الْأَمر بأطراف الأنمل فالعدواة محدقة بكم من كل مَكَان وَالْكفْر مُجْتَمع على الْإِيمَان وَلِهَذَا الْبَيْت منا نَاصِر لَا يَخْذُلهُ وقائم لَا يُسلمهُ وَقد كَانَت وَصيته إِلَيْنَا سبقت ورسالته عندنَا تحققت بِأَن وَلَده الْقَائِم بِالْأَمر وَسعد الدّين كمشتكين الأتابك بَين يَدَيْهِ فَإِن كَانَت الْوَصِيَّة ظَهرت وَقبلت وَالطَّاعَة فِي الْغَيْبَة والحضور أدّيت وَفعلت وَإِلَّا فَنحْن لهَذَا الْوَلَد يدُ على من ناواه وَسيف على من عَادَاهُ وَإِن أَسْفر الْخَبَر عَن معافاة فَهُوَ الْغَرَض الْمَطْلُوب وَالنّذر الَّذِي يحل على الْأَيْدِي والقلوب
قَالَ الْعِمَاد وَورد كتاب صَلَاح الدّين بالمثال الفاضلي معزيا لِابْنِ نور الدّين وَفِي آخِره وَأما الْعَدو خذله الله تَعَالَى فوراءه من الْخَادِم من يَطْلُبهُ طلب ليل لنهاره وسيل لقراره إِلَى أَن يزعجه من مجاثمه ويستوقفه عَن مَوَاقِف مغانمه وَذَلِكَ من أقلّ فروض الْبَيْت الْكَرِيم وأيسر لوازمه أصدر هَذِه الْخدمَة يَوْم الْجُمُعَة رَابِع ذِي الْقعدَة وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي أُقِيمَت فِيهِ الْخطْبَة بِالِاسْمِ الْكَرِيم وَصرح فِيهِ بِذكرِهِ فِي الْموقف الْعَظِيم وَالْجمع الَّذِي لَا لَغْو فِيهِ وَلَا تأثيم وأشبه يَوْم الْخَادِم أمسه فِي الْخدمَة ووفى مَا لزمَه من حُقُوق النِّعْمَة وَجمع كلمة الْإِسْلَام عَالما أَن الْجَمَاعَة رَحْمَة وَالله تَعَالَى يخلد ملك الْمولى الْملك الصَّالح وَيصْلح بِهِ وعَلى يَدَيْهِ ويؤكد عهود النَّعْماء الراهنة لَدَيْهِ وَيجْعَل لِلْإِسْلَامِ واقية بَاقِيَة عَلَيْهِ ويوفق الْخَادِم لما ينويه من تَوْثِيق سُلْطَانه وتشييده ومضاعفة ملكة ومزيده وتيسير منال كل أملٍ صَالح وتقريب بعيده إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمن كتاب آخر الْخَادِم مُسْتَمر على بَدأته من الاستشراف لأوامرها والتعرض لمراسمها وَالرَّفْع لكلمتها والإيالة لعسكرها والتحقق بخدمتها فِي بواطن الْأَحْوَال وظواهرها والتّرقب لِأَن يُؤمر فيمتثل ويكلف فَيحْتَمل وَأَن يرْمى بِهِ فِي فِي نحر عدوه فيتسدد بِجهْدِهِ ويوفى أَيَّام الدولة الْعَالِيَة يَوْمًا يكْشف الله فِيهِ للْمولى للْمولى ضمير عَبده
قَالَ الْعِمَاد وَلما توفّي نور الدّين أختل أَمْرِي واعتل سرّي وعلت حسادي وَبلغ مُرَادهم أضدادي وَكَانَ الْملك الصَّالح صَغِيرا فَصَارَ الْعدْل ابْن العجمي لَهُ وزيرا وَتصرف المتحالفون فِي الخزانة والدولة كَمَا أَرَادوا وولَّوْا وصرفوا ونقصوا وَزَادُوا واقتصروا لي على الْكِتَابَة محروم الدعْوَة من الْإِجَابَة
وَمِمَّا نظمته فِي مرثية نور الدّين قصيدة مِنْهَا
(لفقد الْملك الْعَادِل
…
يبكي الْملك وَالْعدْل)
(وَقد أظلمت الْآفَاق
…
لَا شمس وَلَا ظلّ)
مِنْهَا
(وَلما غَابَ نور الدّين
…
عَنَّا أظلم الحفل)
(وَزَالَ الخصب وَالْخَيْر
…
وَزَاد الشَّرّ وَالْمحل)
(وَمَات الْبَأْس والجود
…
وعاش الْيَأْس وَالْبخل)