المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في خروج السلطان إلى الإسكندرية وغير ذلك من بواقي حوادث هذه السنة - الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية - جـ ٢

[أبو شامة المقدسي]

فهرس الكتاب

- ‌ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخمْس مئة

- ‌ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي وَفَاة زين الدّين وَالِد مظفر الدّين صَاحب إربل

- ‌ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل

- ‌فصل فِيمَا فعله نور الدّين

- ‌فصل فِي الْقَبْض على شاور وَقَتله

- ‌فصل فِي وزارة أَسد الدّين

- ‌فصل فِي وَفَاة أَسد الدّين وَولَايَة ابْن أَخِيه صَلَاح الدّين مَكَانَهُ

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي قتل المؤتمن بالخرقانية ووقعة السودَان بَين القصرين وَغير ذَلِك

- ‌ثمَّ دخلت سنة خمس وَسِتِّينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل

- ‌فصل فِي مسير نجم الدّين أَيُّوب إِلَى مصر بباقي أَوْلَاده وَأَهله

- ‌فصل فِي ذكر الزلزلة الْكُبْرَى

- ‌فصل فِي غَزْوَة صَاحب البيرة ووفاة صَاحب الْموصل

- ‌فصل

- ‌ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِيمَا جرى بِمصْر فِي هَذِه السّنة

- ‌ثمَّ دخلت سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل

- ‌فصل فِي ذكر غَزْو الفرنج فِي هَذِه السّنة

- ‌فصل فِي عزم نور الدّين على الدُّخُول إِلَى مصر

- ‌فصل فِي الحَمَام

- ‌فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة

- ‌ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي جِهَاد السلطانين للفرنج فِي هَذِه السّنة

- ‌فصل فِي فتح بِلَاد النّوبَة

- ‌فصل فِي وَفَاة نجم الدّين أَيُّوب وَالِد صَلَاح الدّين وطرف من أخباره

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌ثمَّ دخلت سنة تسع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي فتح الْيمن

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي صلب عمَارَة اليمني الشَّاعِر وَأَصْحَابه

- ‌فصل فِي التَّعْرِيف بِحَال عمَارَة وَنسبه وشعره

- ‌فصل فِي وَفَاة نور الدّين رحمه الله

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌ثمَّ دخلت سنة سبعين وَخمْس مئة

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِيمَا جرى بعد فتح دمشق من فتح حمص وحماة وحصار حلب

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي فتح بعلبك

- ‌فصل فِيمَا جرى للْمَوَاصلة والحلبييّن مَعَ السُّلطان فِي هَذِه السّنة

- ‌فصل

- ‌ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسبعين وَخمْس مئة

- ‌فصل فِيمَا تجدّد للمواصلة والحلبيين

- ‌فصل فِي فتح جملَة من الْبِلَاد حوالي حلب

- ‌فصل فِي وثوب الحشيشية على السُّلْطَان مرّة ثَانِيَة على عزاز وَكَانَت الأولى على حلب

- ‌فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة وَدخُول قراقوش إِلَى الْمغرب

- ‌ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخمْس مئة

- ‌فصل فِي ذكر جمَاعَة من الْأَعْيَان تجدّد لَهُم مَا أقتضى ذكرهُ فِي هَذِه السّنة

- ‌فصل فِي رُجُوع السُّلْطَان إِلَى مصر

- ‌فصل فِي بيع الْكتب وَعمارَة القلعة والمدرسة والبيمارستان

- ‌فصل فِي خُرُوج السُّلْطَان إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَغير ذَلِك من بواقي حوادث هَذِه السّنة

- ‌فصل فِي نوبَة كسرة الرَّملة

- ‌فصل فِي وَفَاة كمشتكين وَخُرُوج السُّلْطَان من مصر بِسَبَب حَرَكَة الفرنج

- ‌فصل فِي ذكر أَوْلَاد السُّلْطَان

- ‌فصل

الفصل: ‌فصل في خروج السلطان إلى الإسكندرية وغير ذلك من بواقي حوادث هذه السنة

الصَّالح الْفَقِيه الْوَرع النقي التقي

قَالَ وَأمر باتخاذ دَار فِي الْقصر بيمارستانا للمرضى واستغفر الله تَعَالَى بذلك واسترضى ووقف على البيمارستان والمدرسة وقوفاً وَقد أبطل مُنْكرا وأشاع مَعْرُوفا وأضرب عَن ضَرَائِب فمحاها وهبّ إِلَى مواهب فأسداها واهتم بفرائض ونوافل فأداها

‌فصل فِي خُرُوج السُّلْطَان إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَغير ذَلِك من بواقي حوادث هَذِه السّنة

قَالَ الْعِمَاد ثمَّ خرج من الْقَاهِرَة يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّانِي وَالْعِشْرين من شعْبَان واستصحب ولديه الْأَفْضَل عليَّاً والعزيز عُثْمَان وَجعل طَرِيقه على دمياط وَرَأى فِي الْحُضُور بالثغر الْمَذْكُور ومشاهدته الِاحْتِيَاط وَكَانَ لَهُ بهَا سبيّ كثير جلبه الأسطول فمتد بِظَاهِر الْبَلَد يَوْمَيْنِ ووهب لي مِنْهُ جَارِيَة

ثمَّ وصلنا إِلَى ثغر الْإسْكَنْدَريَّة وترددنا مَعَ السُّلْطَان إِلَى الشَّيْخ الْحَافِظ أبي طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد السلَفِي وداومنا الْحُضُور عِنْده واجتلينا من

ص: 448

وَجهه نور الايمان وسعده وَسَمعنَا عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام الْخَمِيس وَالْجُمُعَة والسبت رَابِع شهر رَمَضَان واغتنمنا الزَّمَان فَتلك الْأَيَّام الثَّلَاثَة هِيَ الَّتِي حسبناها من الْعُمر فَهِيَ آخر مَا اجْتَمَعنَا بِهِ فِي ذَلِك الثغر

وشاهدنا مَا استجده السُّلْطَان من السُّور الدائر وَمَا أبقاه من حسن الْآثَار والمآثر وَمَا انْصَرف حَتَّى أَمر بإتمام الثغور وتعمير الأسطول

قَالَ ابْن أبي طيّ وَلما نوى السُّلطان الْمقَام بالإسكندرية ليصوم فِيهَا رأى انه لَا يخلي نَفسه من ثَوَاب يقوم لَهُ مقَام الْقَصْد إِلَى بِلَاد الْكفَّار وَالْجهَاد فِي الْمُشْركين فَرَأى الأسطول وَقد أخلقت سفنه وتغيرت آلاته فَأمر بتعمير الأسطول وَجمع لَهُ من الأخشاب والصَّناع أَشْيَاء كَثِيرَة وَلما تمَّ عملُ المراكب أَمر بِحمْل الآلآت فَنقل من السِّلَاح وَالْعدَد مَا يحْتَاج الأسطول إِلَيْهِ وشحنه بِالرِّجَالِ وولىّ فِيهِ أحد أَصْحَابه وأفرد لَهُ إقطاعا مَخْصُوصًا وديوانا مُنْفَردا وَكتب إِلَى سَائِر الْبِلَاد المصرية بِقبُول قَول صَاحب الأسطول وَأَن لَا يمْنَع من أَخذ رِجَاله وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَأمر صَاحب الأسطول أَن لَا يبارح الْبَحْر ويغزي إِلَى جزائر الْبَحْر

قَالَ الْعِمَاد وَقلت فِي معنى تنقلي فِي الْبِلَاد

(يَوْمًا بجي وَيَوْما فِي دمشق وبالفسطاط

يَوْمًا وَيَوْما بالعراقين)

(كَأَن جسمي وقلبي الصبّ مَا خلقا

إِلَّا ليُقتسما بالشوق والبين)

ص: 449

وَقلت يَوْم الْخُرُوج من الْقَاهِرَة

(يَا باخلاً عِنْد الْوَدَاع بوقفة

لَو سامني روحي بهَا لم أبخل)

(مَا كَانَ ضرك لَو وقفت لسائل

ترك الْفُؤَاد بدائه فِي الْمنزل)

(هلاّ وقفت لقلب من أحرقته

مِقْدَار إطفار الْحَرِيق المشعل)

(إِن أسر مرتحلا فَفِي أسر الْهوى

قلبِي لديك مُقَيّدا لم يرحل)

(عذب الْعَذَاب لَدَى فُؤَادِي الْمُبْتَلى

إِذْ كنت أَنْت معذبي والمبتلي)

وَقلت وَقد نزلنَا بَين منية غمر ومنية سمنود

(نزلت بِأَرْض المنيتين ومنيتي

لقاؤكم الشافي ووصلكم المجدي)

(سأبلى وَلَا تبلى سريرة ودكم

وتؤنسني إِن مت فِي وَحْشَة اللَّحْد)

قَالَ وعدنا من الْإسْكَنْدَريَّة فِي شهر رَمَضَان فصمنا بَقِيَّة الشَّهْر بِالْقَاهِرَةِ وَالسُّلْطَان متوفر فِي ليله ونهاره على نشر الْعدْل وإنشاره وإفاضة الْجُود واغزاره وَسَمَاع أَحَادِيث الرَّسُول صلى الله عليه وسلم وأخباره وإشاعة الْعلم والإعلان بأسراره وإبداء شعار الشَّرْع وإظهاره وإبقاء الْمَعْرُوف على قراره وإعدام الْبَاطِل وإنكاره

وَقَالَ وَمن مدائحي فِي السُّلْطَان مَا أنشدته إِيَّاه سادس شَوَّال

(فديتك من ظَالِم منصف

وناهيك من باخل مُسْرِف)

وَمِنْهَا

(أيبلغ دهري قصدي وَقد

قصدت بِمصْر ذرا يُوسُف)

ص: 450

(ويوسف مصر بِغَيْر التقى

وبذل الصَّنَائِع لم يُوصف)

(فسر وَافْتَحْ الْقُدس واسفك بِهِ

دِمَاء مَتى تجرها ينظف)

(واهد إِلَى الإسبتار التبار

وهدّ السقوف على الأسقف)

(وخلّص من الْكفْر تِلْكَ الْبِلَاد

يخلصك الله فِي الْموقف)

قَالَ وفيهَا وصل رُسُل المواصلة وصاحبي الْحصن وماردين إِلَى دمشق فاستوثقوا بتحليف أخي السُّلْطَان شمس الدولة تورانشاه بن أَيُّوب ثمَّ قصدُوا مصر وَوَقع رَسُول صَاحب حصن كيفا فِي الْأسر

قَالَ ابْن أبي طيّ وصل رَسُول الْموصل القَاضِي عماد الدّين بن كَمَال الدّين بن الشهرزوري بهدية وقود فَخرج الموكب إِلَى لِقَائِه وأكرمه السُّلْطَان واحترمه وَقدم بعده رَسُول نور الدّين قرا أرسلان وَرَسُول صَاحب ماردين بِهَدَايَا واجتمعوا فِي دمشق وَخَرجُوا إِلَى السُّلْطَان بِمصْر فاعترضهم الفرنج فَأسر رَسُول صَاحب الْحصن وَلم يزل فِي الْأسر حَتَّى فتح السُّلْطَان بَيت الأحزان فَأَطْلقهُ وَأحسن إِلَيْهِ

قَالَ وفيهَا رَجَعَ قراقوش إِلَى أوجلة وَتلك الْبِلَاد

ص: 451

فَجمع أَمْوَالًا وَرجع إِلَى مصر ثمَّ أَرَادَ الرُّجُوع فَمَنعه الْعَادِل ثمَّ خلصه فرخشاه فَرجع وَفتح بِلَاد فزّان بأسرها

قَالَ الْعِمَاد ثمَّ خرج السُّلْطَان إِلَى موج فاقوس من اعمال مصر الشرقية لإرهاب العدوّ وَهُوَ يركب للصَّيْد والقنص والتطلع إِلَى أَخْبَار الفرنج لانتهاز الفرص واقترح عليّ أَن أمدح عز الدّين فرخشاه بقصيدة موسومة ألزم فِيهَا الشين قبل الْهَاء فَعمِلت ذَلِك فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة فَقلت

(مولَايَ عزَّ الدّين فرخشه

الدَّهْر من يرجك لَا يخشه)

(تَلقاهُ سمح الْكَفّ دفاقها

طلق المحيَّا كرماً بشه)

(إِن شِئْت فوتاً بالرّدى فالقه

أَو شِئْت فوزاً بالعلا فاغشه)

(يديم بِالْأَيْدِي وبالأيد فِي

حَرْبِيّ لهاه والعدى بطشه)

(كم ملكٍ عاداكم لم يبت

إِلَّا جعلتم عَرْشه نعشه)

(خوفتم الشّرك فَلَا قمصه

أمنتم يَوْمًا وَلَا فنشه)

(أورثك السؤدد يَا ابْن الْعلَا

والدك السَّيِّد شاهنشه)

وَقَالَ فِي الخريدة كُنَّا مخيمين بمرج فاقوس مصممين على الْغُزَاة إِلَى غَزَّة وَقد وصلت أساطيل ثغرى دمياط والإسكندرية بسبي الْكفَّار وَقد أوفت على ألف رَأس عدَّة من وصل فِي قيد الأسار فَحَضَرَ ابْن رَوَاحَة

ص: 452

منشداً مهنئاً بعيد النَّحْر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين ومعرضا بِمَا وهبه الْملك النَّاصِر من الْإِمَاء وَالْعَبِيد بقصيدة مِنْهَا

(لقد خبر التجارب مِنْهُ حزم

وقلبّ دهره ظهرا لبطن)

(فساق إِلَى الفرنج الْخَيل برا

وأدركهم على بَحر بسفن)

(لقد جلب الْجَوَارِي بالجواري

يمدن بِكُل قدٍ مرجحن)

(يزيدهم اجْتِمَاع الشمل بؤسا

فَمر نان تنوح على مرن)

(زهت إسكندرية يَوْم سيقوا

ودمياط فَمَا منيا بِغَبن)

(يرَوْنَ خياله كالطيف يسري

فَلَو هجعوا أَتَاهُم بعد وَهن)

(أبادهم تخوفه فأمسى

مُنَاهُمْ لَو يبيتهم بأمن)

(تملك حَولهمْ شرقا وغربا

فصاروا لاقتناص تَحت رهن)

قَالَ الْعِمَاد يُشِير إِلَى أَنه مَالك الشَّام ومصر والفرنج بَينهمَا

(أَقَامَ بآل أَيُّوب رِبَاطًا

رَأَتْ مِنْهُ الفرنج مضيق سجن)

(رجا أقْصَى الْمُلُوك السّلم مِنْهُم

وَلم ير جهده فِي الْبَأْس يُغني)

وَفِي هَذِه السّنة أبطل السُّلْطَان المكس الَّذِي كَانَ بِمَكَّة على الْحَاج وَسَيَأْتِي ذكره فِي أَخْبَار سنة أَربع وَسبعين

قَالَ أبن الْأَثِير وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين شرع مُجَاهِد الدّين يعْنى

ص: 453

قايماز دزدار قلعة الْموصل فِي عمَارَة جَامعه بِظَاهِر الْموصل بِبَاب الجسر وَهُوَ من أحسن الْجَوَامِع ثمَّ بني بعد ذَلِك الرِّبَاط والمدرسة والبيمارستان وَكلهَا متجاورات

قَالَ وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الأول من سنة خمس وَتِسْعين بقلعة الْموصل وَهُوَ متوليها وَالْحَاكِم فِي الدولة الأتابكية النورية وَكَانَ ابْتِدَاء ولَايَته القلعة فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسبعين ثمَّ قبض عَلَيْهِ سنة تسع وَثَمَانِينَ وأعيد إِلَى ولايتها بعد الإفراج عَنهُ وَبَقِي إِلَى الْآن وَكَانَ أَصله من أَعمال شبختان وَأخذ مِنْهَا وَهُوَ طِفْل وَكَانَ عَاقِلا خيّرا دينا فَاضلا يعلم الْفِقْه على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة رضي الله عنه ويحفظ من الْأَشْعَار والحكايات والنوادر والتواريخ شَيْئا كثيرا إِلَى غير ذَلِك من المعارف الْحَسَنَة وَكَانَ يكثر الصَّوْم وَله ورد يصليه كل لَيْلَة وَيكثر الصَّدَقَة وَبنى عدَّة جَوَامِع مِنْهَا الَّذِي بِظَاهِر الْموصل وَبنى عدَّة خانقاهات مِنْهَا الَّتِي بالموصل ومدارس وقناطر على الْأَنْهَار إِلَى غير ذَلِك من الْمصَالح ومناقبه كَثِيرَة

قَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة نزلنَا ببركة الْجب لقصد فرض الْجِهَاد وَعرض الأجناد فَكتب الأسعد بن مماتي إِلَيّ أبياتا فِي الْملك النَّاصِر

ص: 454

ويعرض بالشطرنج فَإِنَّهُ يشْتَغل بِهِ وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين

(يَا كريم الخيم فِي الخيم

أهيف كالريم ذُو شمم)

(عجبي للشمس إِذْ طلعت

مِنْهُ فِي داج من الظُّلم)

(كَيفَ لَا تصمي لواحظه

ورماة الطّرف فِي الْعَجم)

(لَا تصد قلب الْمُحب لكم

لَا يحل الصَّيْد فِي الْحرم)

(يَا صَلَاح الدّين يَا ملكا

قد براه الله للأمم)

(أضحت الْكفَّار فِي نقم

وَغدا الْإِسْلَام فِي نعم)

(إِن يَك الشطرنج مشغلة

لعليّ الْقدر والهمم)

(فَهِيَ فِي ناديك تذكرة

لأمور الْحَرْب وَالْكَرم)

(فلكم ضاعفت عدتهَا

بالعطاء الجم لَا الْقَلَم)

(ونصبت الْحَرْب نصبتها

فانثنت كَفاك بالقمم)

(فابق للأقدار ترفعها

وَأمر الأقدار كالخدم)

وفيهَا توفّي بالإسكندرية القَاضِي الشريف أَبُو مُحَمَّد عبد الله العثماني الديباجي من ولد الديباج مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان رضي الله عنهم وَيعرف بِابْن أبي إلْيَاس من بَيت الْقَضَاء وَالْعلم وَكَانَ وَاسع الباع فِي علم الْأَحَادِيث كثير الرِّوَايَة قيمًا بالأدب متصرفا فِي النّظم

ص: 455

والنثر إِلَّا أَنه مقلّ من النّظم أوحد عصره فِي علم الشُّرُوط وَقَوله هُوَ المقبول على كل الْعُدُول ذكر ذَلِك الْعِمَاد رحمه الله فِي الخريدة

ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسبعين [ل / 243 / ب] وَخمْس مئة

وَالسُّلْطَان مخيم بمرج فاقوس فنظم الْعِمَاد فِي الْأَجَل الْفَاضِل قصيدة ميمية فِي منتصف الْمحرم وخدمه بهَا هُنَاكَ فِي المخيم أَولهَا

(ريم هضيم يروم هضمي

من سقم عَيْنَيْهِ عين سقمي)

(ان رمت يَا عاذلي صلاحي

فخلني والهوى وزعمي)

(لومك يذكي الغرام قل لي

أَنْت نصيحي أم أَنْت خصمي)

(أيا زماني الغشوم اقصر

انك لَا تَسْتَطِيع غشمي)

(عبد الرَّحِيم الرَّحِيم اضحى

عوني على خَطبك الملم)

(بالفاضل الافضل الاجل

الْمفضل الاشرف الاشم)

ص: 456

(غيث غياث وجود جود

وبحر علم وطود حلم)

(يراعه فِي الْيَمين مِنْهُ

يسْتَخْرج الدّرّ من خضم)

قَالَ وَكَانَ عندنَا بالمخيم بالعباسة فِي الْمحرم علم الدّين الشاتاني وَهُوَ من أدباء الْموصل وشعرائها وفصحائها وظرفائها وَفد سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين إِلَى مصر وَأهْدى النّظم والنثر واصطعنه عز الدّين فرخشاه وانزله فِي جواره وَجمع لَهُ من رفده وَمن الامراء الف دِينَار فمدح السُّلْطَان بالمخيم بِكَلِمَة مطْلعهَا

(غَدا النَّصْر معقودا برايتك الصفرا

فسر وَافْتَحْ الدُّنْيَا فَأَنت بهَا احرى)

قلت لم يذكر الْعِمَاد من هَذِه القصيدة غير هَذَا الْبَيْت وانه لقائم مقَام قصائد كَثِيرَة

والشاتاني هُوَ ابو على الْحسن بن سعيد لَهُ تَرْجَمَة فِي تَارِيخ دمشق وَذكره الْعِمَاد فِي الخريدة وَذكر فِيهَا من هَذِه القصيدة

ص: 457

(يَمِينك فِيهَا اليُمن واليُسر فِي اليُسرى

فبُشرى لمن يَرْجُو النّدى مِنْهُمَا بُشرى)

قَالَ الْعِمَاد وَكَانَت الْأَعْلَام السُّلْطَانِيَّة صفرا لَا يُفَارق نشرها نصرا

قلت وفيهَا يَقُول بعض الْفُضَلَاء

(إِذا اسود خطب دونه الْمَوْت أَحْمَر

أَتَت بالأيادي الْبيض أَعْلَامه الصفر)

(فمذ ظَهرت مَنْصُوبَة جزمت بهَا

ظُهُور العدى من رَفعهَا انخفض الْكفْر)

(وَلم لَا يحوز الأَرْض شرقاً ومغربا

وَللَّه فِي إعلاءِ رتْبته سر)

وَقَالَ الْعِمَاد وَعَاد السُّلْطَان إِلَى الْقَاهِرَة وَأقَام بهَا ثمَّ اهتمت بالغزاة همتّه إِلَى غَزَّة وعسقلان فَخرج يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث جُمَادَى الأولى بعد الصَّلَاة وخيم بِظَاهِر بلبيس فِي خامسه بخميسه ثمَّ تقدمنا مِنْهُ إِلَى السدير وخيمنا بالمبرز ثمَّ نُودي خُذُوا زَاد عشرَة أَيَّام أُخْرَى زِيَادَة للاستظهار ولإعواز ذَلِك عِنْد توَسط ديار الْكفَّار

قَالَ الْعِمَاد فركبت إِلَى سوق الْعَسْكَر للابتياع وَقد أَخذ السّعر فِي الِارْتفَاع فَقلت لغلامي قد بدا لي وَقد خطر الرّجوع من الْخطر ببالي فاعرض للْبيع أجمالي وأثقالي وانتهز فرْصَة هَذَا السّعر الغالي وَأَنا صَاحب قلم لَا صَاحب علم وَقد استشعرت نَفسِي فِي هَذِه الْغَزْوَة من عَاقِبَة نَدم والمدى بعيد والخطب شَدِيد وَهَذِه نوبَة السيوف

ص: 458

لَا نوبَة الأقلام وَفِي سلامتنا سَلامَة الْإِسْلَام وَالْوَاجِب على كل منا أَن يلْزم شغله وَلَا يتَعَدَّى حَده وَلَا يتَجَاوَز مَحَله لَا سِيمَا ونواب الدّيوان قد اسْتَأْذنُوا فِي العودة وأظهروا قلّة العِدّة وأظهرت سرّي للْمولى الْأَجَل الْفَاضِل فسره إشفاقاً عليّ وإحساناً إلىّ وَكَانَ السّلطان أَيْضا يُؤثر إيثاري ويختار اخْتِيَاري فَقَالَ لي أَنْت مَعنا أَو عزمت أَن تدعنا وَلَا تتبعنا فَقلت الْأَمر للْمولى وَمَا يختاره لي فَهُوَ أولى فَقَالَ تعّود وَتَدْعُو لنا وتسأل الله أَن يبلغنَا فِي النَّصْر سؤلنا

وَكنت قد كثبت أبياتا إِلَى المخدوم الْفَاضِل وَنحن بالمبرز فِي الْعشْرين من الشَّهْر

(قيَل فِي مصر نائلٌ عدد الرمل

ووفرْ كنيلها الموفور)

(فاغتررنا بهَا وسرّنا إِلَيْهَا

ووقعنا كَمَا ترى فِي الْغرُور)

(وحظينا بالرّمل والسيّر فِيهِ

ومنعنا من نيلها الميسور)

(وبرزنا إِلَى المبرز نشكو

سدرا من نزولنا بالسدير)

(قيل لي سِر إِلَى الْجِهَاد وماذا

بالغٌ فِي الْجِهَاد جهدُ مسيري)

(لَيْسَ يقوى فِي الْجَيْش جأشي وَلَا قوسي

يرى موترا إِلَى موتور)

(أَنا للكتب لَا الْكَتَائِب إقدامي

وللصُّحف لَا الصفاح حضوري)

(كَاد فضلي يضيع لَوْلَا اهتمام الْفَاضِل

الفائض النّدى بأموري)

ص: 459

(فَأَنا مِنْهُ فِي ملابس جاهٍ

رافلاً مِنْهُ فِي حبير حبور)

(فَهُوَ رقيّ من الحضيض حظوظي

وسما بِي إِلَى سَرِير السُّرور)

وَقَالَ وَمَا انْقَطَعت عَن السُّلْطَان فِي غَزَوَاته إِلَّا فِي هَذِه الْغَزْوَة وَقد عصم الله فِيهَا من النُّبُوَّة وَكَانَت غزوات السُّلْطَان بعْدهَا مؤيدة والسّعادات فِيهَا مجددة

وَكنت لما فَارَقت الْقَاهِرَة استوحشت وتشوقت إِلَى أصدقائي وتشوشت وكتبت من المخيم ببلبيس إِلَى القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُوسَى الْمَعْرُوف بِابْن الفرّاش وَقد أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ صاحباً لي من الْأَيَّام النورية واستشرته فِي التَّأَخُّر عَن السُّلْطَان فَكتب فِي الْجَواب رافقه ولاتفارقه فَكرِهت رَأْيه فَكتبت إِلَيْهِ

(إِذا رَضِيتُمْ بمكروهي فَذَاك رضَا

لَا أَبْتَغِي غير مَا تبغون لي غَرضا)

(وَإِن رَأَيْتُمْ شِفَاء الْقلب فِي مرضِي

فإنني مُستطيبٌ ذَلِك المرضا)

(أَنْتُم أشرتم بتعذيبي فصرت لَهُ

مُسْتعذباً أستلذ الْهم والمضضا)

(أَصبَحت ممتعضا من أجل أَنِّي لَا

أرى صديقا لما أَلْقَاهُ ممتعضا)

(إِن رمتم عوضا بِي فِي محبتكم

فحاش لله أَن أبغى بكم عوضا)

(لله عيشٌ تقضَّى عنْدكُمْ وَمضى

وَكَانَ مثل سحابٍ برْقهُ ومضا)

ص: 460

(الْعَيْش دَان جناه الغضّ عنْدكُمْ

والقلبُ محترقُ مني بجمر غضا)

(مَا كنت أَعهد مِنْكُم ذَا الْجفَاء وَلَا

حسبت أنّ ودادي عنْدكُمْ رُفضا)

(قد أظلم الْأُفق فِي عَيْني لغيبتكم

فَإِن أَذِنت لشخصي فِي الْحُضُور أضا)

(وَلست أول صبّ من أحبتَّه

لمَّا جفوا مَا قضى أوطاره وَقضى)

(مُروا بِمَا شِئْتُم من محنة وأذىً

فقد رَأَيْت امْتِثَال الْأَمر مفترضا)

(طُوبَى لكم مصرُ والدارّ الَّتِي قضيت

فِيهَا المآرب والعيش الَّذِي خُفضا)

(بعيشكم إِن خلوتم بانبساطكم

تَذكرُوا ضجراً بالعيش منقبضا)

(رَضِيتُمْ سَفَرِي عَنْكُم وأعهدكم

بسفرتي عَنْكُم لَا تظْهرُونَ رضَا)

(هلا تكلَّفتم قولا أُسرُّ بِهِ

هَيْهَات جوهركم قد عَاد لي عرضا)

(تفضلوا واشرحوا صَدْرِي بقربكم

أَو فاشرحوا لي ذَا الْمَعْنى الذَّي غمضا)

فَكتب إليَّ فِي جوابها أبياتاً مِنْهَا

(لَا تنسبوني إِلَى إِيثَار بعدكم

فلست أرْضى إِذا فارقتكم عوضا)

(ولي ودادٌ تولَّى الصّدق عقدته

فَمَا ترَاهُ على الْأَيَّام منتقضا)

(يلقاك قلبِي على سبل العتاب لَهُ

بِصِحَّة لَيْسَ يخْشَى بعْدهَا مَرضا)

(وصرت كالدَّهر يجنى أَهله أسفا

ويلتقي من عتاب المذنب المضضا)

قَالَ ثمّ ودّعت وعُدْت ونهضوا وَقَعَدت

ص: 461