الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإنْ وُجِدَتْ وَصِيتهُ بِخَطِّهِ، صَحتْ. وَيَحْتَمِلُ ألا تَصِح حَتى يُشهِدَ عَلَيهَا.
ــ
2654 - مسألة: (وإن وُجِدَتْ وَصِيَّتُه بخَطِّه، صَحَّتْ)
وعنه (لا تَصِحُّ حتى يُشْهِدَ عليها) نَقَل إسحاقُ بنُ إبراهيمَ عن أحمدَ، أنه قال: مَن مات فوُجِدَتْ وَصِيَّتُه مَكْتُوبَة عند رَأسِه ولم يُشْهِدْ عليها، وعُرِف خَطُّه وكان مَشْهُورَ الخَطِّ، يقْبَلُ ما فيها. ووَجْهُ ذلك قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«مَا حَق امْرِئ مُسْلِم لَهُ شيء يُوصِي فيه، يَبيتُ لَيلَتَين إلَّا ووَصِيته مَكْتُوبَة عِنْدَهُ» (1). ولم يَذْكُرْ شَهادَةً. ولأن الوَصِيَّةَ يُتَسامَحُ فيها، ويَصِح تَعْلِيقُها على الخَطَرِ والغرَرِ، وتَصِح للحَمْلِ وبالحَمْلِ، وبما لا يُقْدَرُ على تَسْلِيمِه، فجاز أن يُتَسامَحَ فيها بقَبُولِ الخَطِّ، كرِوايَةِ الحديثِ، وكما لو كَتَب الطلاقَ ولم يَلْفِظْ به. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُقْبَلُ الخَطُّ في الوَصِيَّةِ، ولا يُشْهِدُ على الوَصِيَّةِ المَخْتُومَةِ حتى يَسْمَعَها الشُّهُودُ منه،
(1) تقدم تخريجه في 6/ 12.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو تُقْرَأ عليه فيُقِرَّ بما فيها. وبهذا قال الحسنُ، وأبو قِلابَةَ، والشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يجوزُ برُويَةِ خَط الشّاهِدِ بالشَّهادَةِ، فكذا ها هُنا، وأبلَغُ مِن هذا أنَّ الحاكِمَ لو رَأى حُكْمَه بخَطِّه تَحتَ خَتْمِه، ولم يَذْكُرْ أنَّه حَكَمَ به، أو رَأى الشّاهِدُ شَهادَتَه بخَطِّه، ولم يَذْكُرِ الشَّهادَةَ، لم يَجُزْ للحاكِمِ إنْفاذُ الحُكْمِ بما وَجَدَه، ولا للشّاهِدِ الشَّهادَةُ بما رَأى خَطَّه به، فها هُنا أوْلَى.
فصل (1): وإن كَتَب وَصِيَّتَه، وقال: اشْهَدُوا عَلَيَّ بما في هذه الوَرَقَةِ. أو قال: هذه وَصِيتي فاشْهَدُوا عَلَيَّ بها. فقد حُكِيَ عن أحمدَ، أنَّ الرجلَ إذا كَتَب وَصِيَّتُه وختَم عَليها، وقال للشهُودِ: اشهَدُوا على بما في هذا الكتابِ. لا يجوزُ حتى يَسْمَعُوا منه ما فيه، أو يُقْرَأ عليه فيُقِر بما فيه. وهو قولُ مَن سَمَّينا في المسألةِ الأولَى. ويَحْتَمِلُ جوازُه على ما نَقَلَه عن أحمدَ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ في المسألةِ قبلَها، وذَكَرَه الخِرَقِي. وممَّن
(1) سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال ذلك؛ عبدُ المَلِكِ بنُ يَعْلَى (1)، ومَكْحُولٌ، ونُمَيرُ بنُ إبراهيمَ (2)، ومالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزاعِيُّ، ومحمدُ بنُ مَسْلَمَةَ، وأبو عُبَيدٍ، وإسحاقُ. ورُوِيَ عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، وقَتادَةَ، ولسَوَّارِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الحسنِ، ومُعاذِ بنِ مُعاذٍ (3) العَنْبَرِيَّيْن. وهو مَذْهَبُ فُقَهاءِ أهلِ البَصْرَةِ وقُضاتِهم، واحْتَجَّ أبو عُبَيدٍ بكُتُبِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى عُمّالِه وأُمَرائِه في أمْرِ ولايته وأحْكامِه وسُنَنِه، ثم ما عَمِل به الخُلفاءُ الرّاشِدُون المَهْدِيُّون بعدَه مِن كُتُبِهم إلى وُلاتِهم بالأحْكامِ التي فيها الدِّماءُ والفُرُوجُ والأمْوالُ مَخْتُومَةً، لا يَعْلَمُ حامِلُها ما فيها، وأمْضَوْها على وَجْهِها. وذَكَرَ اسْتِخْلافَ سُلَيمانَ بنِ عبدِ المَلِكِ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ بكتابٍ كَتَبَه وخَتَم عليه. ولا نَعْلَمُ أحدًا أنْكَرَ ذلك مع شُهْرَتِه وانْتِشارِه في عُلَماءِ العَصْرِ، فيكونُ إجْماعًا. ووَجْهُ القولِ الأوَّلِ، أنَّه كِتابٌ لا يَعْلَمُ الشّاهِدُ ما فيه، فلم يَجُزْ أن يَشْهَدَ عليه، ككِتابِ القاضي إلى القاضي. والأوْلَى الجَوازُ إن شاء اللهُ تعالى؛ لظُهُورِ دَليلهِ. والأصْلُ لَنا فيه مَنْعٌ.
(1) عبد الملك بن يعلى الليثي، قاضي البصرة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وعن عمران بن حصين، ثقة، توفي سنة مائة. تهذيب التهذيب 6/ 429.
(2)
لم نجد نمير بن إبراهيم. ولعل المقصود نمير بن أوس الأشعري، قاضي دمشق، معاصر مكحول. انظر: أخبار القضاة لوكيع 3/ 204 - 206. الإكمال 7/ 363.
(3)
معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان أبو المثنى العنبري البصري، كان ثقة عالمًا فقيها، ولي قضاء البصرة لهارون، ثم عزل. ولد سنة تسع عشرة ومائة، وتوفي سنة ست وتسعين ومائة. تهذيب التهذيب 10/ 194، 195.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وأمّا إذا ثَبَتَتِ الوَصِيَّةُ بشَهادَةٍ، أو إقْرارِ الوَرَثَةِ به، فإنَّه يَثْبُتُ حُكْمُه ويُعْمَلُ به ما لم يُعْلَمْ رُجُوعُه عنه، وإن تطاوَلَتْ مُدَّتُه وتَغيرَتْ أحْوالُ المُوصِي، مثلَ أن يُوصِيَ في مَرَض فيَبْرَأ منه، ثم يَمُوتَ بعدُ أو يُقْتَلَ؛ لأن الأصْلَ بَقاؤه، فلا يَزُولُ حُكْمُه بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ والشكِّ، كسائِرِ الأحْكام.
فصلَ: ويُسْتَحَب أن يَكْتُبَ المُوصِي وَصِيتَّه ويُشْهِدَ عليها؛ لأنه أحْوَطُ لها وأحْفَظُ لِما فيها، وقد ذَكَرنا حديثَ ابنِ عُمَرَ. وروَى أنَسٌ، رضي الله عنه، قال: كانوا يَكْتُبُون في صُدُورِ وَصاياهم: بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ، هذا ما أوْصَى به فلان، أنّه يَشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَريكَ له وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن السّاعَةَ آتِيَة لا رَيبَ فيها، وأن الله يَبعَثُ مَن في القُبُورِ، وأوْصَى مَن تَرَك مِن أهْلِه أن يَتَّقُوا الله ويُصْلِحُوا ذاتَ بينهم، ويُطعُوا الله ورسولَه إن كانوا مُؤْمِنِين، وأوْصاهم بما أوْصَى به إبراهيمُ بَنِيه ويَعْقُوبُ:{يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (1). أخْرَجَه سعيد (2)، عن فُضَيلِ بنِ
(1) سورة البقرة 132.
(2)
في: أول كتاب الوصايا. السنن 1/ 104.
كما أخرجه الدارمي، في: باب ما يستحب بالوصية من التشهد والكلام، من كتاب الوصايا. سنن الدارمي 2/ 404.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِياضٍ، عن هِشام بنِ حَسّان، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أنَّس. ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ. إنّه كتَب في وَصِيته: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا ذِكْرُ ما وَصَّى به عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، إن حَدَث لي حادِثُ المَوْتِ مِن مَرَضِي (1) هذا، أن مَرْجِعَ وَصِيتي إلى اللهِ تعالى، ثم إلى الزبير بنِ العَوّامِ، وابنه عبدِ اللهِ، وأنهما في حِلٍّ وبِلٍّ (2) ممّا وَلِيا وَقضيا، وأنه لا تُزَوجُ امرأة مِن بَناتِ عبدِ اللهِ إلَّا بإذْنِهِما (3). وروَى ابنُ عبدِ البَر قال: كان في وَصِيَّةِ أبي الدرْداءِ: بسمِ اللهِ الرحمن. الرحيمِ، هذا ما أوْصَى به أبو الدَّرْداءِ، أنَّه يَشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ والنّارَ حَقٌّ، وأنَّ الله يَبعَثُ مَن في القُبُورِ، وأنَّه يُؤْمِنُ باللهِ ويَكْفُرُ بالطَّاغُوتِ، على ذلك يَحْيا ويَمُوتُ إن شاء الله، وأوْصَى فيما رَزَقه اللهُ بكذا وكذا، وأن هذه وَصِيته إن لم يُغيِّرْها.
(1) في م: «مرضه» .
(2)
بل، بكسر الباء: مباح مطلق.
(3)
أخرجه البيهقي، في: باب الأوصياء، من كتاب الوصايا. السنن الكبرى 6/ 282، 283. وإسناده منقطع؛ لأن عامر بن عبد الله لم يدرك عبد الله بن مسعود. انظر الإرواء 6/ 101، 102.
فَصْلٌ: وَالْوَصِيَّةُ مُسْتَحَبَّة لِمَنْ تَرَكَ خَيرًا -وهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ- بِخُمْسِ مَالِهِ، وَتُكْرَهُ لِغَيرِهِ إنْ كَانَ لَهُ وَرَثَة.
ــ
فصل: قال رحمه الله: (والوَصِية مُسْتَحبة لمَن تَرك خَيرًا -وهو المالُ الكَثِير- بخمْسِ مالِه، وتكْرَهُ لغيرِه إن كان له وَرَثَة) وجملة ذلك، أن الوَصيةَ مسْتَحَبة لمَن تَرَك خَيرًا؛ لقولِ الله تعالى:{كُتِبَ عَلَيكمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكم الْمَوْتُ إن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّة} (1). فنسِخَ الوجُوب، وبَقِيَ الاسْتِحْباب في حَقِّ مَن لا يَرِثُ. وروَى ابن عُمَرَ قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا ابْنَ آدَمَ، جَعَلْت لَكَ نَصِيبًا مِن مالِكَ حِينَ أخَذْت بكَظَمِكَ (2) لأطَهِّرَكَ وأزَكِّيَكَ» . وعن أبي هريرَةَ قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله تَصَدقَ عَلَيكمْ عِنْدَ وَفَاتِكمْ بِثلُثِ أمْوالِكمْ» . رَواهما ابن ماجه (3). وقال الشعْبِي: مَن أوْصَى بوَصِيةٍ فلم يَجرْ ولم يَحِفْ، كان له مِن الأجْرِ مثلُ ما لو أعْطاها وهو صحيح. فأمّا الفَقِير الذي له وَرَثَةٌ
(1) سورة البقرة 180.
(2)
الكظم: مخرج النفس.
(3)
الأول في: باب الوصية بالثلث، من كتاب الوصايا. سنن ابن ماجه 2/ 904. وفي الزوائد: في إسناده مقال. والثاني تقدم تخريجه في صفحة 123.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُحْتاجُون فلا يُسْتَحَبُّ له أن يُوصِيَ؛ لأنَّ الله تعالى قال في الوَصِيَّةِ: {إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسَعْدٍ: «إنَّكَ أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَير مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عالةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» (1). وقال: «ابْدَأ بنَفْسِك، ثم بمَن تَعُولُ» (2). وقال عَلِيٌّ، رضي الله عنه، لرجل أرادَ أن يُوصِيَ: إنَّكَ لم تَدَعْ طائِلًا، إنَّما تَرَكْتَ شيئًا يَسِيرًا، فدَعْه لوَرَثَتِك. ورُوِيَ عنه أنَّه قال في أرْبَعِمائةِ دِينارٍ: ليس فيها فَضْل عن الوارِثِ. ورُوِيَ عن عائشَةَ، رضي الله عنها، أنَّ رجلًا قال لها: لي ثلاثةُ آلافِ دِرْهَم، وأرْبَعةُ أولادٍ، أفأوصِي؟ فقالت: اجْعَلِ الثَّلاثةَ للأرْبَعَةِ (3). وعن ابنِ عباس قال: مَن تَرَكَ سَبْعَمائةِ دِرْهَم ليس عليه وَصِيَّة (3). وقال عُرْوَةُ: دَخَل عَلِيٌّ على صَدِيقٍ له يَعُودُه، فقال الرجلُ: إنِّي أريدُ أن أوصِيَ. فقال له عليٌّ: إنَّ الله تعالى يقولُ: {إِنْ تَرَكَ خَيرًا} وإنَّك إنَّما تَدَعُ شيئًا يَسِيرًا، فدَعْه لوَرَثَتِكَ (3). واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في القَدْرِ الذي لا تُسْتَحَبُّ الوَصِيَّةُ
(1) تقدم تخريجه في 11/ 343. من حديث: «والثلث كثير».
(2)
تقدم تخريجه في 6/ 340.
(3)
انظر ما أخرجه البيهقي، في: باب من استحب ترك الوصية إذا لم يترك شيئًا كثيرًا. . . .، من كتاب الوصايا. السنن الكبرى 6/ 270.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لمالِكِه، فرُويَ عن أحمدَ: إذا تَرَك دُونَ الألْفِ لا تُسْتَحَبُّ له الوَصِيَّةُ. وعن علي، أرْبَعمائةِ دِينارٍ. وعن ابنِ عباس: إذا تَرَك المَيِّتُ سَبْعَمائةِ درْهم فلا يُوصِي. وقال: مَن تَرَك سِتِّين دِينارًا ما تَرَك خَيرًا. وقال طاوُسٌ الخَيرُ ثَمانون دينارًا. وقال النَّخَعِي: ألْفٌ إلى خَمْسِمائةٍ. وقال أبو حنيفةَ: القَلِيلُ أن يُصيبَ أقَل الوَرَثَةِ سَهْمًا خمسون درهَمًا. قال شيخُنا (1): والذي يَقْوَى عندِي، أنَّه متى كان المَتْرُوكُ لا يَفْضُلُ عن غِنَى الورثةِ، لم تُسْتَحَبَّ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَّلَ المَنْعَ مِن الوَصِيَّةِ بقَوْلِه:«إنَّكَ أنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَير مِنْ أن تَدَعَهُمْ عالةً» . ولأنَّ إعْطاءَ القَرِيبِ المُحْتاجِ خير مِن إعْطاءِ الأجْنَبِيِّ، فمتى لم يَبْلُغِ المِيراثُ غِناهم، كان تَرْكُه لهم كعَطِيَّتهم إيّاه، فيكونُ أفْضَلَ مِن الوَصِيَّةِ به لغيرِهم. فعلى هذا، تَخْتَلِف الحالُ باخْتِلافِ الوَرَثَةِ في كثَرتِهم وقِلَّتِهم وغِناهم وحاجَتِهم، فلا يَتَقَيَّدُ بقَدْرٍ مِن المالِ. وقد قال الشعْبِي: ما مِن مالٍ أعْظَمُ أجْرًا مِن مالٍ يَتْرُكُه الرجلُ لوَلَدِه، يُغْنِيهم به عن النّاسِ.
(1) في: المغني 8/ 392، 393.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والأوْلَى أن لا يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ بالوَصِيَّةِ وإن كان غَنِيًّا؛ لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «والثُّلُثُ كثِيرٌ» . قال ابنُ عباس: لو أن الناسَ غَضُّوا (1) مِن الثُّلُثِ، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:«الثُّلُث كثيرٌ» . مُتَّفَق عليه. وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ: إن كان غَنِيًّا استُحِبَّ الوَصِيَّةُ بالثُّلُثِ. ولَنا، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لسَعْدٍ:«والثُّلُثُ كثير» . مع إخْبارِه إيّاه بكَثْرَةِ مالِه وقِلَّةِ عيالِه، فإنَّه قال في الحديثِ: إنَّ لي مالًا كثيرًا، ولا يَرثُني إلَّا ابْنَتِي. وروَى سعيد (2)، ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، ثنا عَطاءُ بنُ السّائِبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ، عن سعدِ بنِ مالكٍ؛ قال: مَرِضْتُ مَرَضًا فعادَنِي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال لي: «أوْصَيتَ؟» . فقُلْتُ: نعم، أوْصَيتُ بمالي كُلِّه للفُقَراءِ وفي سَبِيلِ اللهِ، فقال لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«أوْصِ بالعُشْرِ» . فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، مالِي كثير، ووَرَثَتي أغْنِياءُ. فلم يَزَلْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُنَاقِصُني وأُناقِصُه حتى قال:«أوْصِ بالثُّلُثِ، والثُّلُثُ كثير» . قال أبو عبدِ الرحمنِ: لم يكنْ منّا مَن يَبْلُغُ في وَصِيَّته الثُّلُثَ حتى يَنْقُصَ منه شيئًا؛ لقولِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كثير» . إذا ثَبَت هذا،
(1) في م: «نقصوا» .
(2)
في: باب هل يوصي الرجل من ماله بأكثر من الثلث؛ من كتاب الوصايا. السنن 1/ 106، 107.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالأفْضَلُ للغَنِيِّ الوَصِيةُ بالخُمْسِ. رُوِيَ نحوُ هذا عن أبي بكر الصِّدِّيقِ، وعليِّ بنِ أبي طالِبٍ، رضي الله عنهما (1). وهو ظاهِرُ قولِ السَّلَفِ، وعُلَماءِ أهلِ البَصْرَةِ. ويُرْوَى عن عُمَرَ، رضي الله عنه، أنه جاءَه شيخٌ، فقال: يا أميرَ المؤمنينَ، أنا شيخ كَبِير، ومالِي كَثِير ويرِثُني أعْرابٌ مَوالٍ كَلالةٌ، مَنْزُوحٌ نَسَبُهم (2)، أفأوصِي بمالِي كُلِّه؟ قال: لا. فلم يَزَلْ يَحُطُّهُ حتى بَلَغ العُشْرَ (3). وقال إسحاقُ: السُّنةُ الرُّبْعُ، إلَّا أن يكونَ الرجلُ يَعْرِفُ في مالِه حُرْمَةَ شُبُهاتٍ أو غيرها، فله اسْتِيعابُ الثُّلُثِ. ولَنا، أنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ، رضي الله عنه، أوْصَى بالخُمْسِ، وقال: رَضِيتُ بما رَضِيَ اللهُ به لنَفْسِه. يُرِيدُ قوْلَه تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} (4). ورُوِيَ أنَّ أبا بكر وعليًّا، رَضِيَ الله
(1) أخرجه عنهما سعيد بن منصور في الموضع السابق،. وانظر ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف 9/ 66، 67.
(2)
في م: «بينهم» .
(3)
أخرجه سعيد في: الباب السابق 1/ 107. والدارمي في: باب الوصية بأقل من الثلث، من كتاب الوصايا، سنن الدارمي 2/ 408 مختصرًا.
(4)
سورة الأنفال 41.
وانظر ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف 9/ 66، 67.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عنهما، أوْصَيا بالخُمْسِ. وعن عليّ، رضي الله عنه، أنَّه قال: لأن أوصِيَ بالخُمْسِ، أحَبُّ إليَّ مِن أن أوصِيَ بالرُّبْعِ (1). وعن إبراهيمَ، قال: كانوا يقولون: صاحِبُ الرُّبْعِ أفْضَلُ مِن صاحِبِ الثُّلُثِ، وصاحِبُ الخُمْسِ أفْضَلُ مِن صاحِبِ الرُّبْعِ. وعن الشُّعْبِيِّ، قال: كان الخُمْسُ أحَبَّ إليهم مِن الثُّلثِ، فهو مُنْتَهَى الجامِحِ (2). وعن العَلاءِ بنِ زِيادٍ، قال: أوْصَى أبي أن أسألَ العُلَماءَ: أيُّ الوَصِيَّةِ أعْدَلُ؟. فما تَتَابَعُوا عليه فهو وَصِيَّة، فَتتابَعُوا على الخُمسِ (3).
(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف 9/ 66.
(2)
أخرجه عنهما ابنُ أبي شيبة في المصنف 11/ 201.
(3)
أخرجه سعيد في سننه 1/ 107، 108. والدارمي في: باب الوصية بأقل من الثلث، من كتاب الوصايا. سنن الدارمي 2/ 407.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: والأفْضَلُ أن يَجْعَلَ وَصِيَّتَه لأقَارِبِه الذين لا يَرِثُونَ، إذا كانوا فُقَراءَ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (1): لا خِلافَ بينَ العُلَماءِ عَلِمْتُ في ذلك، إذا كانوا ذَوي حاجَةٍ، وذلك لأنَّ الله تعالى كَتَب الوَصِيَّةَ للوالِدَين والأقْرَبِين، فخرَجَ منه الوارِثُون بقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . وبَقِيَ سائِرُ الأقارِبِ على الوَصِيَّةِ لهم، وأقلُّ ذلك الاسْتِحْبابُ، وقد قال اللهُ تعالى:{وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} (2). وقال تعالى: {وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى} (3). فبَدَأ بهم. ولأنَّ الصدقةَ عليهم في الحَياةِ أفْضَلُ، فكذلك بعدَ المَوْتِ. فإن أوْصَى لغيرِهم وتَرَكهم، صَحَّتْ وَصِيَّتُه في قولِ أكثرَ أهلِ العلمِ، منهم؛ سالمٌ،
(1) انظر التمهيد لابن عبد البر 14/ 300.
(2)
سورة الإسراء 26.
(3)
سورة البقرة 177.