الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإنْ أَبْرأَ الْغَرِيمُ غَرِيمَهُ مِن دَينِهِ، أوْ وَهَبَهُ لَهُ، أو أَحَلَّهُ مِنْهُ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَإنْ رَدَّ ذلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْهُ.
ــ
فهو كما لو مات المُشْتَرِي بعدَ الإِيجابِ وقبلَ القَبُولِ. فإن قُلْنا: إنَّ الهِبَةَ لا تَبْطُلُ. فمات أحَدُهما بعدَ الإِذْنِ في القَبْضِ، بَطل الإِذْنُ؛ لأنَّ المَيِّتَ إن كان هو الواهِبَ، فقد انْتَقَلَ حَقُّه في الرُّجُوعِ في الهِبَةِ إلى وارِثِه، وإن كان المُتَّهِبَ، فلم يُوجَدِ الإِذْنُ لوَارِثِه، فلم يَمْلِكِ القَبْضَ بغيرِ إذْنٍ. والله أعلمُ.
2608 - مسألة: (وإن أْبرَأ الغَرِيمُ غَرِيمَه مِن دَينِه، أو وَهَبَه له، أو أحَلَّه منه، بَرِئَ وإن رَدَّ ذلك ولم يَقْبَلْه)
لأنَّه إسْقاطٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى القَبُولِ، كإسْقاطِ القِصاصِ والشُّفْعَةِ وحَدِّ القَذْفِ، وكالعِتْقِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والطَّلاقِ. وكذلك إن قال: تَصَدَّقْتُ به عليك. فإنَّ القُرْآنَ وَرَد في الإِبْراءِ بلَفْظِ الصَّدَقَةِ، قال اللهُ تعالى:{وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَىَ أهْلِه إلَّا أن يَصَّدَّقُوا} (1). وإن قال: عَفَوْتُ لك عنه. صَحَّ، قال الله تعالى:{إلَّا أن يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (2). يُرِيدُ به الإبراءَ
(1) سورة النساء 92.
(2)
سورة البقرة 237.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن الصَّداقِ. فإن قال: أسْقَطْتُه عنك. صَحَّ؛ لأنَّه أتَى بحَقِيقَةِ اللَّفْظِ. وكذلك إن قال: مَلَّكْتُكَ. لأنَّه بمَنْزِلَةِ هِبَتِه إيّاه. فإن وَهَب الدَّينَ لغيرِ مَن هو في ذِمَّتِه، لم يَصِحَّ، قِياسًا على البَيعِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه لا غَرَرَ فيها على المُتَّهِبِ ولا الواهِبِ، فصَحَّ، كهِبَةِ الأعْيانِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وتَصِحُّ البَراءَةُ مِن المَجْهُولِ، إذا لم يكنْ لهما سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَتِه. وقال أبو حنيفةَ: تَصِحُّ مُطْلَقًا. وقال الشافعيِّ: لا تَصِحُّ، إلَّا أول إذا أراد ذلك، قال: أبرَأتكَ مِن درْهَمٍ إلى ألْفٍ. لأنَّ الجَهالةَ إنَّما مُنِعَتْ لأجْلِ الغَرَرِ، فإذا رَضِيَ بالجُملَةِ فقد زال الغَرَرُ وصَحَّتِ البَراءَةُ. ولَنا، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لرَجُلَين اخْتَصَما إليه في مَوارِيثَ دَرَسَتْ:«اقْتَسِما، وتَوَخَّيَا الحَقَّ (1)، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثم تَحَالَّا» . رَواه أبو داودَ (2). ولأنَّه إسْقاطٌ، فصَحّ في المَجْهُولِ، كالطَّلاقِ والعِتَاقِ، وكما لو قال: من دِرْهَم إلى ألْفٍ. ولأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى تَبْرِئَةِ الذِّمَّةِ، ولا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بما فيها، فلو وَقَفَت صِحَّةُ البَراءَةِ على العِلْمِ، لكان سَدًّا لبابِ عَفْو الإِنْسانِ عن أخِيه المُسْلِمِ وتَبْرِئَةِ ذِمَّتِه، فلم يَجُزْ
(1) سقط من: م.
(2)
تقدم تخريجه في 11/ 257.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك، كالمَنْعِ مِن العِتْقِ. فأمّا إن كان مَن عليه الحَقُّ يَعْلَمُه ويَكْتُمُه المُسْتَحِقَّ؛ خوْفًا مِن أَنه إذا عَلِمَه لم يَسْمَحْ بإبْرائِه منه، فيَنْبَغِي أن لا تَصِحَّ البَراءَةُ فيه؛ [لأنَّ فيه](1) تَغْرِيرًا بالمُبْرِئَ، وقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه. وقال أصحابُنا لو أبرَأه مِن مائةٍ، وهو يَعْتَقِدُ أنَّه لا شيءَ عليه، وكان له عليه مائةٌ، ففي صِحَّةِ البَراءَةِ وَجْهان؛ أحَدُهما، صِحَّتُها؛ لأنَّها صادَفَتْ مِلْكَه، فأسْقَطَتْه، كما لو عَلِمَها. والثانِي، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه أبْرَأَه ممّا لا يَعْتَقِدُ أنَّه عليه، فلم يَكُنْ ذلك إبْراءً في الحَقِيقةِ. وأصْلُ الوَجْهَين ما لو باع مالًا كان لمَوْرُوثِه، يَعْتَقِدُ أنَّه باقٍ لمَوْرُوثِه، وكان مَوْرُوثُه قد مات وانْتَقلَ مِلْكُه إليه، فهل يَصِحُّ؟ فيه وَجْهان. وللشافعيِّ قَوْلان في البَيعِ، وفي صِحَّةِ الإِبراءِ وَجْهان.
(1) سقط من: الأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان المَوْهُوبُ له طِفْلًا أو مَجْنُونًا، لم يَصِحَّ قَبْضُه ولا قَبُولُه؛ لأنَّه مِن غيرِ أهْلِ التَّصَرُّفِ، ويَقْبضُ له أبوه إن كان أمِينًا؛ لأنَّه أشفَقُ عليه وأقْرَبُ إليه. فإن لم يكنْ له أبٌ، قَبَض له وَصِيُّ أبِيه؛ لأنَّ الأبَ أقامَه مُقامَ نَفْسِه، فجَرَى مَجْرَى وَكِيلِه. وإن كان الأبُ غيرَ مَأْمُونٍ، أو كان مَجْنُونًا، أو (1) لا وَصِيَّ له، قَبِل له الحاكِمُ. ولا يَلِي ماله غيرُ هؤلاء الثلاثةِ، وأمِينُ الحاكِمِ يَقُومُ مَقامَه، وكذلك وَكِيلُ الأبِ الأمِينِ ووَصِيُّه، يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ منهما مَقامَ الصبِيِّ والمَجْنُونِ في القَبُولِ والقَبْضِ إنِ احْتِيجَ إليه؛ لأنَّه قَبُولٌ لِما للصَّبِيِّ أو المَجْنُونِ فيه حَظٌّ، فكان إلى الوَلِيِّ، كالبَيعِ والشِّراءِ. ولا يَصِحُّ القَبْضُ مِن غيرِ هؤلاءِ، قال أحمدُ، في رِوايَةِ صالِح، في صَبِيٍّ وُهِبَتْ له هِبَةٌ، أو تُصُدِّقَ عليه بصَدَقَةٍ، فقَبَضَتِ الأُمُّ ذلك وأبوه حاضِر، فقال: لا أعْرِفُ للأمِّ قَبْضًا، ولا يكونُ إلَّا للأبِ. وقاق عُثْمانُ، رضي الله عنه: أحَقُّ مَن يَحُوزُ للصَّبِيِّ أبوه.
(1) بعده في م: «كان» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، لا أعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ القَبْضَ إنَّما يكونُ مِن المُتَّهِبِ أو نائِبِه، والوَلِيُّ نائِبٌ بالشَّرْعِ، فصَحَّ قَبْضُه له، أمّا غيرُه فلا نِيابَةَ له. قال شيخُنا (1): ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ القَبُولُ والقَبْضُ مِن غيرِهم عندَ عَدَمِهِم؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذلك، فإنَّ الصَّبِيَّ قد يكونُ في مكانٍ لا حاكِمَ فيه، وليس له أبٌ ولا وَصيٌّ، ويكونُ فقيرًا لا غِنَى به عن الصَّدَقاتِ، فإن لم يَصِحَّ قَبْضُ غيرِهم له انْسَدَّ بابُ وُصُولِها إليه، فيَضِيعُ ويَهْلِكُ، ومُراعاةُ حِفْظِه عن الهَلاكِ أوْلَى مِن مُراعاةِ الولايةِ. فعلى هذا، للأمِّ القَبْضُ له، وكلِّ مَن يَلِيه مِن أقْارِبِه وغيرِهم.
(1) في: المغني 8/ 253.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا، فحُكْمُه حُكْمُ الطِّفْلِ في قِيامِ وَلِيِّه مَقامَه؛ لأنَّ الولايةَ لا تَزُولُ عنه قبلَ البُلُوغِ، إلَّا أنَّه إذا قَبِل لنَفْسِه وقَبَض لها، صَحَّ؛ لأَنَه مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ، فإنَّه يَصِحُّ بَيعُه وشِراؤه بإذْنِ الوَلِيِّ، فههُنا أوْلَى. ولا. يَحْتاجُ إلى إذْنِ الوَلِيِّ ههُنا؛ لأنه مَصْلَحَة لا ضَرَرَ فيه، فَصَحَّ مِن غيرِ إذْنِ وَلِيِّه، كوَصِيَّته وكَسْبِه المُباحاتِ. ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ صِحَّةُ القَبْضِ منه على إذْن وَلِيِّه دُونَ القَبُولِ؛ لأنَّ القَبْضَ يَحْصُلُ به مُسْتَوْلِيًا على المالِ، فلا يُؤْمَنُ تَضْيِيعُه له وتَفْرِيطُه فيه، فيتَعَيَّنُ حِفْظُه عن ذلك بتَوَقُّفِه على إذْنِ وَلِيِّه، كقَبْضِه لوَدِيعَتِه، بخِلافِ القَبُولِ، فإنّه يَحْصُلُ له به المِلْكُ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فجاز مِن غيرِ إذْنٍ، كاحْتِشاشِه واصْطِيادِه.
فصل: فإن وَهَب الأبُ لوَلَدِه الصَّغِيرِ شيئًا، قام مَقامَه في القَبْضِ والقَبُولِ، إنِ احْتِيجَ إليه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الرجلَ إذا وَهَب لوَلَدِه الطِّفْلِ دارًا بعَينها، أو عَبْدًا بعَينه، وقَبَضَه له مِن نَفْسِه، وأشْهَدَ عليه، أن الهِبَةَ تامَّة. هذا قولُ مالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي. ورُويَ مَعْنَى ذلك عن شرَيح،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ. فإن كان المَوْهُوبُ ممّا يَفْتَقِرُ إلى قَبْض، اكْتُفِيَ بقَوْلِه: قد وَهَبْتُ هذا لابنِي، وقَبَضْتُه له. لأنه يُغْني عن القَبُولِ، كما ذَكَرْنا. ولا يَكْفِي قَوْلُه: قد قَبِلْتُه. لأن القَبُولَ لا يُغْنِي عن القَبْضِ. وإن كان ممّا لا يَفْتَقِرُ، اكْتُفِي بقَوْلِه: قد وَهَبْتُ هذا لابني. ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ قَبْضٍ ولا قَبُولٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ الفقَهاءُ على أن هِبَةَ الأبِ لوَلَدِه الصَّغِيرِ في حِجْرِه لا تَحْتاجُ إلى قَبْضٍ، وأنَّ الإشْهادَ فيها يُغْنِي عن القَبْضِ، وإن وَلِيهَا أبوه؛ لِما رَواه مالِكٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّ عُثْمانَ قالْ: مَن نَحَل وَلَدًا له صَغِيرًا لم يَبْلُغْ أن يَحُوزَ نِحْلَةً، فأعْلَنَ ذلك وأشْهَدَ على نَفْسِه، فهي جائِزَةٌ، وإن وَلِيَها أبُوه (1). وقال القاضي: لابُدَّ في هِبَةِ الوَلَدِ مِن أن يقولَ: قَبِلْتُه. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الهِبَةَ عندَهم لا تَصِحُّ إلَّا بالإِيجابِ والقَبُولِ. وقد ذَكَرْنا مِن قبلُ أنَّ قَرائِنَ الأحْوالِ ودَلالتَها تُغْنِي عن لَفظِ القَبُولِ، ولا أدَلَّ على القَبُولِ مِن كونِ القابلِ هو الواهِبَ، فاعْتِبارُ لَفْظٍ لا يُفِيدُ مَعْنًى مِن غيرِ وُرُودِ الشَّرْعِ به تَحَكُّمٌ لا مَعْنَى له، مع مُخالفَتِه لظاهِرِ حالِ أمْرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وصحابتِه. وليس هذا مَذْهَبًا لأحمدَ، فقد قال، في رِوايَةِ حَرْبٍ، في رجلٍ أشْهَدَ بسَهْمٍ مِن ضَيعَتِه، وهي مَعْرُوفَةٌ، لأبيه، وليس له وَلَدٌ غيرَه، فقال: أُحِبُّ أن يقولَ عندَ الإشْهادِ: قد قَبَضْتُه له. قِيلَ (2) له: فإن سَهَا. قال: إذا كان مُفْرَزًا رَجَوْتُ. فقد ذَكَر أحمدُ أنَّه يُكْتَفَى بقَوْلِه:
(1) أخرجه البيهقي، في: باب يقبض للطفل أبوه، من كتاب الهبات. السنن الكبرى 6/ 170.
(2)
في م: «قال» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قد قَبَضْتُه له. وأنَّه يَرْجُو أن يُكْتَفَى مع التَّمْيِيزِ بالإشْهادِ فحَسْبُ. وهذا مُوافِقٌ للإجْماعِ المَذْكُورِ عن سائِرِ العُلَماءِ. وقال بعضُ اُصحابِنا: يُكْتَفَى بأحَدِ لَفْظين، إمّا أن يقولَ: قد قَبِلْتُه. أو: قد قَبَضْتُه. لأنَّ القَبُولَ يُغْنِي عن القَبْضِ. وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ ما ذَكَرْناه. ولا فَرْقَ بينَ الأثْمانِ وغيرِها فيما ذكَرْنا. وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشافعي. وقال مالِكٌ: إن وَهَب له ما لا يُعْرَفُ بعَينه؛ كالأثْمانِ، لم يَجُزْ، إلَّا أن يَضَعَها على يَدِ غيرِه؛ لأنَّ الأبَ قد يُتْلِفُ ذلك، أو يَتْلَفُ بغيرِ سَبَبه، فلا يُمْكِنُ أن يُشهِدَ على شيءٍ بعَينه، فلا يَنْفَعُ القَبْضُ شيئًا. ولَنا، أنَّ ذلك ممّا يَصِحُّ هِبَتُه، فإذا وَهَبَه لابنِه الصَّغِيرِ وقَبَضَه له، صَحَّ، كالعُرُوضِ.
فصل: فإن كان الواهِبُ للصَّبِيِّ غيرَ الأبِ مِن أوْلِيائِه، فقال أصحابُنا: لابُدَّ أن يُوَكِّلَ مَن يَقْبَلُ للصَّبِيِّ ويَقْبِضُ له؛ ليكونَ الإِيجابُ منه، والقَبولُ والقَبْضُ مِن غيرِه، كما في البَيعِ، بخِلافِ الأبِ؛ فإنَّه يَجُوزُ أن يُوجِبَ ويَقْبَلَ ويَقْبضَ، لكَوْنِه يَجُوزُ أن يَبِيعَ لنَفْسِه. قال شيخُنا (1). والصَّحِيحُ عندِي أنَّ الأبَ وغيرَه في هذا سَواءٌ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَجُوزُ أن يَصْدُرَ منه ومِن وَكِيلِه، فجاز أن يَتَولَّى طَرَفَيه، كالأبِ. وفارَقَ البَيعَ؛ فإنَّه لا (2) يَجُوزُ أن يُوَكِّلَ مَن يَشْتَرِي له، ولأنَّ البَيعَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ ومُرابَحَةٍ، فيُتَّهَمُ في عَقْدِه لنَفْسِه، والهِبَةُ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ لا تهْمةَ فيها، وهو وَلِيٌّ، فجاز
(1) في: المغني 8/ 255.
(2)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن يتَوَلَّى طَرَفَي العَقْدِ، كالأبِ، ولأنّ البَيعَ إنَّما مُنِع منه لِما يَأْخُذُه مِن العِوَضِ لنَفْسِه مِن مالِ الصَّبِيِّ، وهو ههُنا يُعْطِي ولا يَأْخُذُ، فلا وَجْهَ لمَنْعِه مِن ذلك وتَوْقِيفِه على تَوْكِيلِ غيرِه، ولأننا قد ذَكَرْنا أنه يُستَغْنَى بالإيجابِ والإشْهادِ عن القَبْضِ والقَبُولِ، فلا حاجَةَ إلى التَّوْكِيلِ فيهما مع غِناه عنهما.
فصل: فأمّا الهِبَةُ مِن الصَّبِيِّ لغيرِه، فلا تَصِحُّ، سَواءٌ أذِنَ فيها الوَلِيُّ أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لِحَظِّ نَفْسِه، فلم يَصِح تَبَرُّعُه، كالسَّفِيهِ. فأمّا العَبْدُ فلا يَجُوزُ أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزالةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغيرِ إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وقد ذَكَرْنا في جَوازِ الصَّدَقَةِ مِن قُوتِه بالرَّغِيفِ ونحوه رِوايَةً أنَّ ذلك جائِزٌ، وذَكَرْنا دَلِيلَه في الحَجْرِ (1). وللعَبْدِ أن يَقْبَلَ الهَدِيَّةَ والهِبَةَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّه تَحْصِيل للمالِ للسَّيِّدِ، فلم يُعْتَبَرْ إذنه فيه، كالالتِقاطِ والاصْطِيادِ ونحوه.
فصل: والقَبْضُ في الهِبَةِ كالقَبْضِ في البَيعِ، وقد ذَكَرْنا ذلك والاخْتِلافَ فيه في كِتابِ البَيعِ، وهذا مَقِيسٌ عليه.
(1) انظر ما تقدم في 13/ 429.