الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإِنْ أجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ، جَازَتْ.
ــ
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ. وبه قال شُرَيح، ومَسْرُوق، وعَطاء الخُراسانِيُّ، وقَتادةُ، والزُّهْرِي، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ فيه حَقًّا لله تعالى وللآدَمِيِّ، فكان آكَدَ، ولأنَّه لا يَلْحَقُه فَسْخ ويَلْحَقُ غيرَه، ولأنَّه أقْوَى، بدَلِيلِ سِرايته ونُفُوذِه مِن الرّاهِنِ والمُفْلِسِ. ورُوِيَ عن الحسنِ، والشافعيِّ، كالرِّوايَتَين.
فصل: والعَطايا المُعَلَّقَةُ بالمَوْتِ، كقَوْلِه: إذا مِتُّ فأعْطُوا فُلانًا كذا -أو- أعْتِقُوا فلانًا. ونحوه، وَصايا حُكْمُها حُكْمُ غيرِها مِن الوصايا في [التَّسْويَةِ بينَ](1) مُقَدَّمِها ومُؤَخَّرها، والخِلافِ في تَقدِيمِ العِتْقِ منها؛ لأنَّها تَلْزَمُ بالمَوْتِ، فتَتساوَى كلها.
فصل: إذا وَصَّى بعِتْقِ عَبْدِه، لَزِم الوارِثَ إعْتاقُه، ويُجْبِرُه الحاكِمُ عليه إن أبَى؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ عليه، فأجْبِرَ عليه، كتَنْفِيذِ الوَصِيَّةِ بالعَطِيَّةِ. وإن أعْتَقَه الوارِثُ أو الحاكِمُ، فهو حُرٌّ مِن حينَ أعْتَقَه؛ لأنَّه حِينَئِذٍ عَتَقَ، ووَلَاؤه للمُوصِي؛ لأنَّه السَّبَبُ، وهؤلاء نُوّاب عنه، ولهذا لزِمِهم إعْتاقُه. فإن كانتِ الوَصِيَّةُ بعِتْقِه إلى غيرِ الوارِثِ، كان الإِعْتاقُ إليه؛ لأنّه نائِبُ المُوصِي في إعْتاقِه، فلم يَمْلِكْ ذلك غيرُه إذا لم يَمْتَنِعْ، كالوَكِيلِ في الحَياةِ.
2659 - مسألة: (وإن أجاز الوَرَثَةُ الوَصِيَّةَ، جازت)
لأنَّ الحَقَّ لهم. وإن رَدُّوها، بَطَلَتْ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فجاز بإجازَتِهم
(1) سقط من: م.
وإجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ في الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ، وَلَا تَثْبُتُ أحكَامُهَا فِيهَا. فَلَوْ كَانَ الْمُجِيزُ أبا لِلْمُجَازِ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُجَازُ عِتْقًا كَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُوصِي يَخْتَصُّ بِهِ عَصبَتُهُ، وَلَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْمُجِيزِينَ، صَحَّ. وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الْإجَازَةَ هِبَة، فَتَنْعكِسُ هَذِهِ الْأحْكَامُ.
ــ
وبَطَل برَدِّهم (وإجازتُهم تَنْفِيذْ في الصحيح مِن المَذْهَبِ) لأنَّ ظاهِرَ المَذْهَبِ، أنَّ الوَصِيَّةَ للوارِثِ وللأجْنَبِيِّ بالزِّيادَةِ على الثُّلُثِ صَحيحةٌ مَوْقوفةٌ على إجازَةِ الوَرَثَةِ. فعلى هذا، تكونُ إجازَتُهُم تَنْفِيذًا وإجازَةً مَحْضةً، يَكْفِي فيها قولُ الوارِثِ: أجَزْتُ -أو- أمْضَيتُ -أو- نَفَّذْتُ. فإذا قال ذلك لَزِمَتِ الوَصِيَّةُ، ولا خِلافَ في تَسْمِيَتها إجازَةً، فعلى هذا (لا تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، ولا تَثْبُتُ فيها أحْكامُ الهِبَةِ) لأنَّها ليست هِبَةً. وقال بعضُ أصْحابِنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ. فعلى هذا، تكونُ هِبَةً تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، وتَثْبُتُ فيها أحْكامُها (فلو كان المُجِيزُ أبا للمُجازِ له، لم يكنْ له الرُّجُوعُ فيه) إذا قُلْنا: إنَّها إجازَةٌ مُجَرَّدَةٌ. وإن قُلْنا: هي هِبَةٌ مُبْتَدَأةٌ. فله الرُّجُوعُ. ولو أعْتَقَ عَبْدًا لا مال له سِواه في مَرَضِه، أو وَصَّى بعِتْقِه فأعْتَقُوه بوَصِيَّته، نَفَذ العِتْقُ في ثُلُثِه، ووَقَف عِتْقُ باقِيه على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فإن أجازُوه عَتَقَ جَميعُه، واخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بولائِه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلِّه، على قولِنا بصِحَّةِ إعْتاقِه ووَصِيَّتِه. وكذلك لو تَبَرَّعَ بثُلُثِ مالِه في مَرَضِه، ثم أعْتَقَ أو وَصَّى بالإِعْتاقِ، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا. وإن قُلْنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ والإجازةُ عَطِيَّة مُبْتَدَأة. اخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بثُلُثِ وَلائِه، وكان ثُلُثاه لجميعِ الوَرَثَةِ بينَهم على قَدْرِ مِيراثِهم؛ لأنَّهم باشَرُوه بالإِعْتاقِ. ولو تَزوَّجَ رجلٌ ابنة عَمِّه، فأوْصَتْ له بوَصِيَّةٍ أو أعْطَتْه في مَرَضِ مَوْتِها، ثم ماتت وخَلَّفَتْه وأباه، فأجازَ أبوه وَصِيته وعَطِيته، ثم أراد الرُّجُوعَ، فليس له ذلك إن قُلْنا: هي تَنْفِيذٌ. وله الرُّجُوعُ إن قلنا: هي هِبَةٌ مُبْتَدأةٌ. ولو وَقَف في مَرَضِه على وَرَثَتِه، فأجازُوا الوَقفَ، صَحَّ إن قُلْنا: إجازَتُهم تَنْفِيذ. وإن قُلْنا: هي عَطِيَّة مُبْتَدَأة. انْبَنَى على صِحَّةِ وَقْفِ الإِنْسانِ على نَفْسِه، على ما ذُكِر مِن الخِلافِ فيه (1).
(1) انظر ما تقدم في 16/ 386.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا فَرْقَ في الوَصِيَّةِ بينَ المَرَضِ والصِّحَّةِ. وقد رَوى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن وَصَّى في المَرَضِ فهو مِن الثُّلُثِ، وإن كان صحيحًا فله أن يُوصِيَ بما شاء. قال القاضي: يُرِيدُ بذلك العَطِيَّةَ. أمّا الوَصيَّةُ فهي عَطية بعدَ المَوْتِ، فلا يجوزُ منها إلَّا الثُّلُثُ على كلِّ حالٍ.