الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خامسا: التقويم
استطاع أحمد أن ينجز الهدف الذي وضعه بعد حوالي سبعة أسابيع؛ ولذلك فإن المرشد قرر بالاتفاق معه أن ينتهي الإرشاد ويقفل الحالة بعد أن تحقق أن المسترشد "أحمد" قد حل المشكلة، وأنه قد تعلم كيفية حل المشكلات، وبوسعه أن ينقل الخبرة التي عايشها في حل هذه المشكلة إلى مشكلات أخرى، وقد أعد المرشد خطة لمتابعة أداء أحمد "بالنسبة للهدف" قبل الامتحان، حيث تأكد له استمراره في خطته.
28-
نموذج إسلامي لمعالجة الغضب:
زوّد الخالق سبحانه وتعالى الإنسان بمجموعة من الانفعالات التي تساعده في حياته، وتؤدي له وظائف هامة في مواقف مختلفة، ويميل كثير من علماء النفس إلى إطلاق اصطلاح الانفعال Emotion على الانفعالات القوية التي يصاحبها اضطراب في السلوك كالخوف والغضب الشديدين، أما الشعور بحالات خفيفة من المشاعر الوجدانية مثل السرور والضيق أو الانشراح والكدر، فيطلقون عليها اصطلاح الوجدان "المشاعر"، فالوجدان شعور ذو صبغة انفعالية خفيفة، أما الانفعال فيمكن أن يعرف بأنه اضطراب حاد يشمل الفرد كله، ويؤثر في سلوكه وخبرته الشعورية ووظائفه الفيزيولوجية الداخلية، وهو ينشأ في الأصل عن مصدر نفسي. ونقول: إن الانفعال اضطراب حاد؛ لأنه يتميز بحالة شديدة من التوتر والتهيج، ولأنه أثناء الانفعال تتعطل جميع أنواع النشاط الأخرى التي يقوم بها الإنسان، ويصبح نشاطه كله مركزا حول موضوع الانفعال. ويشتمل الانفعال على مجموعة من المكونات، هي:
1-
إدراك الموقف الانفعالي.
2-
التغيرات الفيزيولوجية الداخلية.
3-
التغيرات البدنية الخارجية.
4-
الخبرة الشعورية.
5-
التوافق للموقف الانفعالي "نجاتي، 1983 ص100".
والغضب انفعال كدر ويعتبر مثل الخوف من الانفعالات الرئيسية، ووظيفته الأساسية مساعدة الإنسان على المحافظة على كيانه النفسي. وقد اهتم الإسلام بهذا الانفعال اهتماما خاصا؛ لما يؤدي التطرف فيه إلى مشكلات بين الناس وبعضهم البعض، إذ على حين قد يقتصر أثر الخوف على الشخص نفسه فإن أثر الغضب يمتدّ إلى الآخرين، بل إن التاريخ حافل بتسجيل الحروب التي بدأت بغضب فردي، وانتهت إلى مشكلات بعيدة المدى.
ومن بين علماء المسلمين الذين اهتموا بإفراد جانب من كتاباته للغضب، أبو حامد الغزالي، الذي اهتم بموضوع الغضب في ربع المهلكات من مؤلفه الشهير إحياء علوم الدين، والذي تبنى عليه هذه المناقشة حول نموذج إسلامي لمعالجة الغضب.
يبدأ الغزالي كلامه حول الغضب بعنوان هو:
كتاب ذم الغضب والحقد والحسد، وهو الكتاب الخامس من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين.
ثم تناول الجوانب الآتية:
1-
بيان ذم الغضب.
2-
بيان حقيقة الغضب.
3-
بيان الغضب، هل يمكن إزالة أصله بالرياضة، أم لا؟
4-
بيان الأسباب المهيّجة للغضب.
5-
بيان علاج الغضب بعد هيجانه.
1-
بيان ذم الغضب:
يبدأ الإمام الغزالي كلامه بذكر الآية الكريمة:
قال الله تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 26] .
ذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل، ومدح المؤمنين بما أنزل الله عليهم من السكينة.
وروى أبو هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله، مرني بعمل وأقلل، قال:"لا تغضب" ثم أعاد عليه فقال: "لا تغضب". رواه البخاري.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الشديد بالصُّرْعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". متفق عليه.
2-
بيان حقيقة الغضب:
"اعلم أن الله تعالى لما خلق الحيوان معرضا للفساد والموتان، بأسباب في داخل بدنه وأسباب خارجة عنه، أنعم عليه بما يحميه عن الفساد ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم سماه في كتابه""ص166".
ويمضي الغزالي في تحليله فيقول: إنه إذا لم يصل للإنسان مدد من الغذاء يجبر ما أكل وتبخر من أجزاء الرطوبة لفسد الحيوان من داخله.
"وأما الأسباب الخارجية التي يتعرض لها الإنسان كالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يقصد بها، فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه وتدفع المهلكات عنه، فخلق الله طبيعة الغضب من النار وغرزها في الإنسان وعجنها بطينه، فمهما صد عن غرض من أغراضه ومقصود من مقاصده اشتعلت نار الغضب، وثارت ثورانا يغلي به دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن. وكما ترتفع النار، وكما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر؛ فلذلك ينصبّ إلى الوجه فيحمرّ الوجه والعين، والبشرة لصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها. وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، فإن صدر الغضب على من فوقه، وكان معه يأس من الانتقام؛ تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار حزنا ولذلك يصفر اللون، وإن كان الغضب على نظير يشك فيه تردد الدم بين انقباض وانبساط؛ فيحمر ويصفر ويضطرب.
وبالجملة: فقوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب بطلب الانتقام، وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها، وفيه لذتها ولا تسكن إلا به
…
ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث في أول الفطرة من التفريط، والإفراط، والاعتدال.
أما التفريط ففقد هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم
…
فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلا، فهو ناقص جدا.
وأما الإفراط فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته، ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكرة ولا اختيار، بل يصير في صورة المضطر، وسبب غلبته أمور غريزية وأمور اعتيادية.
وإنما المحمود فهو غضب ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحمية وينطفئ حين يحسن الحلم، وحفظه على حدّ الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده، وهو الوسط الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: $"خير الأمور أوساطها"".
"إحياء علوم الدين جـ3 ص167-169".
وهكذا نرى الغزالي قد حدّد الغضب على أنه بعد يمتد بين طرفي التفريط "نقص الصفة" والإفراط "زيادة الصفة" وأن كلا الطرفين ضارّ، فالشخص الذي ينعدم عنده الغضب تتعطل لديه وظيفة هامة يحتاجها للدفاع عن الجوانب التي يعطيها قيمة في حياته بدءا من دينه وعقيدته، وامتدادا إلى كثير من الجوانب الهامة، والشخص الذي تزداد لديه هذه الصفة سوف يكون سريع الغضب، يثير غضبه أتفه الأشياء، وقد يورده هذا الغضب موارد سيئة كثيرة. وهنا نجد الغزالي برغم حديثه عن الغضب كافة إلا أنه أوضح أهمية الغضب ونقيضه ضعفه الشديد، وهو أمر لم يتنبّه إليه الفلاسفة قديما وحديثا "من سقراط إلى ديكارت""نوفاكو 1979 Novaco".
وأما من حيث طبيعة الغضب، فقد أوضح الغزالي أن هناك جانبا فطريا فيه، أي: ينشأ مع الطفل منذ مولده، ويتفق ذلك مع الاتجاه الحديث في دراسة الطباع Temparaments وأهميتها في السلوك، وأن الجانب الآخر جانب مكتسب.
أسباب الغضب:
ينشأ الغضب عندما يستشعر المرء أن هناك تهديدا لكيانه النفسي، سواء اتصل ذلك بذاته أو معتقداته أو ممتلكاته أو بيئته أو غيرها.
وفي رأي الغزالي أن الغضب ينشأ عن أخذ شيء محبوب من الشخص، أو قصده بمكروه:
"بل الحق ما نذكره، وهو أنه ما بقي الإنسان يحب شيئا ويكره شيئا فلا يخلو من الغيظ والغضب، وما دام يوافقه شيء ويخالفه آخر فلا بد أن يحب ما يوافقه ويكره ما يخالفه، والغضب يتبع ذلك، فإنه مهما أخذ منه محبوبه غضب لا محالة، وإذا قصد بمكروه غضب لا محالة".
وبذلك فإن الغزالي يربط بين الغضب وبين حدوث الفقدان، وكذلك حدوث التهديد، أو بمعنى آخر: أن الغضب ينشأ عن موقف فيه إحباط.
ثم يعود الغزالي بعد ذلك، فيقسم ما يحبه الإنسان إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يتعلق بالضرورات كالقوت والملبس، والمسكن وصحة البدن.
"فمن قصد بدنه بالضرب والجرح فلا بد أن يغضب، وكذلك إذا أخذ منه ثوبه الذي يستر عورته، وكذلك إذا أخرج من داره التي هي مسكنه أو أريق ماؤه الذي لعطشه، فهذه ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها، ومن غيظ على من يتعرض لها". "ص169".
القسم الثاني: يتعلق بممتلكات الفرد وما ينتمي إليه مما لا يعتبر ضروريا، ولكنه صار محبوبا بالعادة "عن طريق الاقتران بالضرورات".
يقول الغزالي في ذلك:
"القسم الثاني: ما ليس ضروريا لأحد من الخلق كالجاه والمال الكثير والغلمان والدواب، فإن هذه الأمور صارت محبوبة بالعادة والجهل بمقاصد الأمور
…
وهذه العادات الرديئة هي التي أكثرت محابّ الإنسان ومكارهه فأكثرت غضبه، وكلما كانت الإرادات والشهوات أكثر كان صاحبها أحطّ رتبة أو أنقص؛ لأن الحاجة صفة نقص، فمهما كثرت كثر النقص، والجاهل أبدا جهده في أن يزيد من حاجاته وفي شهواته، وهو لا يدري أنه مستكثر من أسباب الغمّ والحزن، حتى ينتهي بعض الجهّال بالعادات الرديئة ومخالطة قرناء السوء إلى أن يغضب لو قيل له: إنك لا تحسن اللعب بالطيور، واللعب بالشطرنج
…
فالغضب على هذا الجنس ليس بضروري؛ لأن حبه ليس بضروري". "ص169".
القسم الثالث: ما ترتبط ضرورته بشخص دون آخر.
يقول الغزالي:
"القسم الثالث: ما يكون ضروريا في حق بعض الناس دون البعض، كالكتاب مثلا في حق العالم؛ لأنه مضطر إليه فيحبه فيغضب على من يحرقه ويغرقه، وكذلك أدوات الصناعات في حق المكتسب الذي لا يمكنه التوصل إلى القوت إلا بها، فإنما هو وسيلة إلى الضروري، والمحبوب يصير ضروريا ومحبوبا، وهذا يختلف.
وإنما الحب الضروري ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: $"من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها"" "ص170".
آثار الغضب:
لا شك أن الغضب اضطراب شديد يشمل الفرد في موقف من المواقف، ويؤدي إلى مجموعة من المظاهر أو الأعراض، منها: آثار فيزيولوجية داخلية وآثار بدنية خارجية وآثار معرفية وآثار وجدانية.
وقد عدّد الإمام الغزالي آثار الغضب، فيذكر منها "ص168":
"ومن آثار هذا الغضب في الظاهر: تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام، واضطراب الحركة والكلام، حتى يظهر الزبد على الأشدق وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة، ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح
صورته لسكن غضبه؛ حياء من قبح صورته واستحالة خِلْقَته. وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن، وإنما قَبُحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا؛ فتغير الظاهر ثمرة تغير الباطن، فقِس الثمرة بالمثمرة، فهذا أثره في الجسد وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحيي منه ذو العقل ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب، وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ.
أما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة، فإن هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي رجع الغضب على صاحبه، فمزق ثوب نفسه ويلطم نفسه، وقد يضرب بيده على الأرض، ويعدو عدو ألوانه السكران والمدهوش المتحير، وربما يسقط سريعا لا يطيق العدو والنهوض بسبب شدة الغضب ويعتريه مثل الغشية، وربما يضرب الجمادات والحيوانات
…
وأما أثره في القلب، فالحقد والحسد وإضمار السوء والشماتة
…
" "ص168".
آثار انعدام أو ضعف الغضب:
حين تعرض الغزالي للحديث عن مستويات الغضب ذكر منها التفريط أي: نقص هذا الانفعال، والإفراط أي: زيادته، والاعتدال الذي يمثل المستوى المطلوب. وقد سبق الغزالي علماء النفس في التعرف على ما يطلقون عليه الآن نقص التأكيد "أو نقص السلوك التوكيدي Lack of Assertion"، بل إنه قد أوضح خاصية هامة من خصائص الغضب، وهو أهميته كاستجابة مضادة للقلق، وكذلك باعتباره عنصرا هاما في الحكم على الانحراف الشخصي، وعمليات الضبط الذاتي في العلاج.
يقول في هذا الصدد:
"وأما ثمرة الحمية الضعيفة فقلة الأنفة مما يؤنف منه من التعرض للحرم والزوجة والأمة واحتمال الذل من الأخِسَّاء وصغر النفس والقماءة، وهو أيضا مذموم إذ من ثمراته عدم الغيرة على الحرام، وهو خنوثة، قال صلى الله عليه وسلم: "إن سعدا لغيور وأنا أغير من سعد، وإن الله أغير مني" وإنما خلقت الغيرة لحفظ الإنسان، ولو تسامح الناس
بذلك لاختلطت الأنساب؛ ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها، ومن ضعف الغضب الخور والسكوت عند مشاهدة المنكرات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: $"خير أمتي أحداؤها" يعني في الدين، وقال تعالى:{وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} 1. بل من فقد الغضب عجز عن رياضة نفسه، إذ لا تتم الرياضة إلا بتسليط الغضب على الشهوة، حتى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة. ففقد الغضب مذموم، وإنما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحمية وينطفئ حيث يحسن الحلم، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده، وهو الوسط الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: $"خير الأمور أوساطها"، فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله، فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه. ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جرّه إلى التهور واقتحام الفواحش، فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سورة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين، فهو الصراط المستقيم، وهو أرق من الشعرة وأحدّ من السيف
…
" "ص168، 169".
قابلية الغضب للعلاج:
هل يقبل الغضب العلاج؟ ومتى يجب على الفرد أن يسعى لعلاج الغضب؟
وبالنسبة للسؤال الأول، فإذا اعتبرنا أن الغضب سلوك موقفي يعتمد إلى حد ما على ما لدى الفرد من استعداد للغضب "سمة الغضب"، وإلى حد ما أيضا على ما تعلمه الفرد من البيئة وما اعتاد عليه من أنماط استجابات في المواقف المولدة للغضب، وعلى الموقف الذي يحدث فيه الغضب "حالة الغضب"، فإن الغضب باعتباره استجابة موقفية تفاعلية يكون قابلا للعلاج.
أما متى يسعى الفرد لمعالجة الغضب، فإن ذلك يحدده مقدار بعده عن الحد المطلوب من الغضب الذي يساعد فيه الفرد على الحياة الكريمة، وهو الحد الذي أشار إليه
1 سورة النور: 2.
الإمام الغزالي بالإفراط أي: زيادة الغضب، والتفريط أي: نقص الغضب، وبالنسبة لزيادة الغضب فإن الغزالي يرى أن المعيار هو الموقف أو المثير الذي ينشأ عنه الغضب، فهو يرى أن الغضب أمر ضروري إذا تعلق بالاعتداء أو التهديد للضروريات التي تحفظ للإنسان حياته. وأما الغضب الذي يتصل بالمراتب العليا من الحاجات، أو ما يعرف أحيانا بالحاجات الثانوية "وهي حاجات تستمد قيمتها عادة من ارتباطها بالحاجات الأساسية" فإن الغضب فيها غير محمود.
أما النوع الثاني الذي يرى الإمام الغزالي حاجة الفرد لعلاجه، فهو التفريط في الغضب، سواء بنقصه نقصانا واضحا أو انعدامه كلية، بل إن الغزالي في هذا الصدد يجعل انعدام الغضب كانعدام الإرادة.
وقد أفرد الغزالي فصلا للأسباب المهيجة للغضب "المثيرات"، حيث جمعها في العبارة التالية:
"والأسباب المهيجة للغضب هي: الزهو والعجب والمزاح والهزل والهزء والتعيير والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه، وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعا، ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالة هذه الأسباب بأضدادها""172".
وهذه الأسباب التي ذكرها الغزالي هي الأسباب الخارجية أو المثيرات البيئية، ولكن في نفس الوقت تساعدها أسباب داخلية عقلية تتركز في المفاهيم الخاطئة: "ومن أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية وعزة نفس وكبر همة، وتلقيبه بالألقاب المحمودة غباوة وجهلا حتى تميل النفس إليه وتستحسنه
…
".
وهكذا نظر الغزالي إلى الغضب نظرة معرفية بعد أن نظر إليه نظرة سلوكية، فهو يرى أن المفاهيم الخاطئة مثل تسمية الغضب شجاعة تمثل جانبا من أسباب اعتياد الغضب، وهذا الجانب المعرفي في تفسير الغضب لم يعرفه علم النفس إلا حديثا، وفي الربع قرن الأخير فقط.
كذلك فقد قدم الغزالي تفسيرا لحدوث الغضب يرجع فيه الغضب إلى التشبه بالأكابر. "وقد يتأكد ذلك بحكاية شدة الغضب عن الأكبر في معرض المدح بالشجاعة، والنفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر فيهيج الغضب إلى قلبه بسببه. وتسمية هذا عزة نفس وشجاعة جهل، بل هو مرض قلب ونقصان عقل وهو لضعف النفس ونقصانها، وآية ضعف النفس أن المريض أسرع غضبا من الصحيح، والمرأة أسرع غضبا من الرجل، والصغير أسرع غضبا من الرجل الكبير، والشيخ الضعيف أسرع غضبا من الكهل، وذا الخلق السيئ والرذائل القبيحة أسرع غضبا من صاحب الفضائل، فالرذل يغضب لشهوته إذا فاتته اللقمة، ولبخله إذا فاتته الحبة، حتى إنه يغضب على أهله وولده وأصحابه. بل القوي من يملك نفسه عند الغضب كما قال صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". بل ينبغي لهذا الجاهل بأن تتلى عليه حكايات أهل الحلم والعفو وما استحسن منهم من كظم الغيظ، فإن ذلك منقول عن الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء وأكابر الملوك الفضلاء""ص172، 173".
هكذا أرجع الغزالي تعلم الغضب إلى التشبه بنماذج الغضب؛ نتيجة لما يمتدحون به في ذلك، وهذا النوع من التعلم هو ما يشار إليه في علم النفس الحديث بالتعلم من النماذج السلوكية Modeling، وهذه النماذج نماذج ضمنية Covert Models حيث تشتمل عليها القصص المتداولة. كما يرى أن العلاج يمكن أن يكون بنفس الأسلوب بأن يتعلم من نماذج طيبة من خلال حكايات أهل الحلم والعفو وما استحسن منهم من كظم الغيظ، ولعل في السيرة النبوية المطهرة، الكثير مما يدل على حلم الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- وعلى مبادرته إلى العفو وأمره بالرفق وعدم الغضب. كما يؤكد على أن الغضب يمثل ضعفا في السلوك وأنه يرتبط بجوانب ضعف متنوعة مثل الأنوثة والطفولة والشيخوخة. ويستدل على أن ضبط النفس عند الغضب هو القوة، من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
إن المجلات النفسية الصادرة في الغرب تطالعنا هذه الأيام بفيض من البحوث تحمل مصطلحا جديدا عن الشخصية أسموه The hardy Personality وهي بمعناها الحرفي: الشخصية الشديدة، وبمعناها الإجرائي: أولئك الأشخاص الذين يمكنهم أن يمروا في مواقف شديدة دون أن تحدث لديهم انفعالات أو آثار سلبية
…
وصدق الرسول الأعظم معلم البشرية: "وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
علاج الغضب:
في السنة النبوية المطهرة كثير من الأحاديث التي تنفِّر من الغضب وتبغِّضه للمسلم، وفي أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ما يعطينا القدوة والأسوة الحسنة في الحلم والعفو، ويؤكد القرآن الكريم على قاعدة العفو عند الغضب:
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .
{وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37] .
{وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] .
ويمكن أن نتتبع النموذج الإسلامي لعلاج الغضب، والقائم على الكتاب والسنة من خلال تتبع ذلك النموذج الذي أورده الإمام الغزالي:
يبدأ الغزالي حديثه في هذا الجانب تحت عنوان: بيان علاج الغضب بعد هيجانه، حيث يذكر أن ما أورده في مناقشة عن أسباب الغضب إنما يدخل كجانب وقائي.
"حسم لمداد الغضب وقطع أسبابه لا يهيج، فإذا ما جرى سبب هيجه فعنده يجب التثبت حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم، وإنما يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل""ص173".
هكذا يحدد الغزالي أن هناك علاجات للغضب باعتباره عادة، وعلاجات للغضب باعتباره حالة أثناء حدوثها، وأن هناك محورين أساسيين للعلاج هما: العلم والعمل.
أولا: العلم
ومقصود الغزالي بهذا الجانب هو استخدام العمليات العقلية "المعرفية Cognitive" ويحدد تحته ستة أمور:
1-
أن يتفكر في الأخبار التي تدل على فضل كظم الغيظ.
2-
أن يخوّف نفسه بعقاب الله، وأن قدرة الله عليه أعظم من قدرته هو على غيره.
3-
أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والانتقام
…
أي: أن يخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا "ردود فعل الآخرين".
4-
أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب "التنفير الذاتي والنمذجة الذاتية".
5-
أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ، فيقول لنفسه:"ما أعجبكِ! تأنفين من الاحتمال الآن ولا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منك، وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس ولا تحذرين أن تصغري عند الله والملائكة والنبيين؟! ""ص173-174"، وبمعنى آخر: فإنه يعيد تصوير المشكلة Reframing أو يقوم بعملية مراجعة منطقية.
6-
"أن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشيء على وفق مراد الله لا على وفق مراده، فكيف يقول: مرادي أولى من مراد الله؟ ويوشك أن يكون غضب الله عليه أعظم من غضبه""ص174".
ثانيا: العمل
أما العمل "أي: التصرفات والإجراءات الظاهرة"، فيضع الإمام الغزالي تحتها مجموعة من الإجراءات على النحو التالي:
1-
الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:
تقول بلسانك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهكذا أمر رسول لله صلى الله عليه وسلم أن يقال عند الغيظ. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضبت عائشة، أخذ بأنفها وقال:"يا عويش، قولي: اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن" ، فيستحب أن تقول ذلك.
2-
الحركة البدنية:
وفي هذا الإجراء، فإن الغاضب يغير من هيئته ووضعه. ولعل في هذا التغيير مساعدة على تغيير الجوانب البيولوجية، وفي نفس الوقت أن الفرد كلما ابتعد عن وضع الوقوف، ابتعد عن الإحساس بالقوة التي يستثيرها الغضب "فيزيولوجيا".
"فاجلس إن كنت قائما، واضطجع إن كنت جالسا، واقرب من الأرض التي منها خُلقت لتعرف بذلك نفسك، واطلب بالجلوس والاضطجاع السكون؛ فإن سبب الغضب الحرارة وسبب الحرارة الحركة "المقصود بالحرارة هنا: الطاقة". فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الغضب جمرة توقد في القلب" ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه. فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئا، فإن كان قائما فليجلس، وإن كان جالسا فلينم""ص174".
3-
استخدام الماء:
والأسلوب الإسلامي في هذا الصدد هو الوضوء أو الاغتسال. ولا شك أن استخدام الماء يغير من الموقف الذي يقف فيه الفرد بالإضافة إلى آثاره على الجسم؛ مما يؤدي إلى تغيير الحالة الفيزيولوجية الناشئة عن الغضب.
"فإن لم يزل ذلك "أي: نتيجة الحركة"، فليتوضأ بالماء البارد أو يغتسل؛ فإن النار لا يطفئها إلا الماء، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء فإنما الغضب من النار..".
وفي رواية: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلِق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
والمتأمل في هذه الأساليب الثلاثة، والتي استمدها الإمام الغزالي من السنة النبوية المطهرة، يجد أنها تمثل كل ما انتهى إليه علم النفس المعاصر في السنوات الأخيرة، وتتميز عليه بجانبين أساسيين:
أولهما: الاستفادة من الجانب الديني في حياة الفرد، والذي يمثل بعدا فطريا أهمله الباحثون في مجال علم النفس.
وثانيهما: أنها أسبق على ظهور علم النفس بثلاثة عشر قرنا من الزمان.
وإذا كان الغزالي قد أفرد للعلم جانبا أساسيا، فإن هذا الجانب "الجانب المعرفي" لم يعرف إلا حديثا في علم النفس العلاجي والإرشادي. كذلك فإنه قد ركز على علاج الفرد لنفسه؛ اعتمادًا على هذه الأساليب الدينية المنشأ، السهلة الاستخدام.
وإذا نظرنا إلى الإجراءات العملية، قولية أو إجرائية، نجد في مقدمتها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، يكررها الفرد لنفسه، وهي بلغة علم النفس تعمل كاستجابات مضادة أقوى من استجابة الغضب، وتشتمل على جانب رفض لهذا الدخيل على نفسه الغضب، وما يترتب عليه من أضرار، وهي كلها من فعل الشيطان، وجانب استعانة بالله سبحانه وتعالى القادر على إذهاب كيد الشيطان. وفي محاولات حديثة في مجال العلاج النفسي نجد وولبيه يقترح أسلوبا أطلق عليه وقف التفكير Thought stopping يعتمد على أمر يصدره الشخص لنفسه بقوله:"توقف" بصوت عالٍ، والمقارنة غير واردة بين أسلوبين، أحدهما يستند إلى أساس شرعي ديني ويستمد فيه الفرد العون من خالقه، وبين أسلوب يستخدم فيه الفرد أمرا موجها إلى ذاته بالتوقف. وفي نفس الوقت، فإن القوة التي يستمدها الفرد في الاستعاذة بالله قوة تفوق كثيرا ما يستمده من قول ظاهر، لا يستند إلا إلى قرار داخلي.
ولعلي أضيف إلى ما أورده الغزالي في علاج الغضب، مجموعة من الأساليب الإسلامية التي تؤدي إلى استبعاد سلوك الغضب، ومنها:
1-
ذكر الله سبحانه وتعالى:
وقد يحضرني في هذا الخصوص ما يحدث أثناء مجالس التنازع حين تحتدم المناقشات ويذكّر واحد من الحضور المتخاصمين بذكر الله سبحانه وتعالى، ومع قول: لا إله إلا الله، فإن الأمور تهدأ إلى مرحلة أدنى من الغضب، مما يعطي فرصة إلى إعمال الفكر والعقل بدلا من توجه الذم إلى أعضاء الحركة.
2-
قراءة القرآن:
ومما لا شك فيه أن قراءة القرآن تبعث الطمأنينة في النفس، وأنها تقرب الإنسان من حقيقة ومن واقع دنياه، وأنها دار الفناء مما يصغر من شأن ما يغضبه ويقربه من العفو والحلم وكظم الغيظ.
3-
الانصراف إلى العبادة:
فبعد أن يتوضأ الفرد يمكنه أن يقوم إلى أداء الصلاة "نافلة"، وربما يكون ذلك بعد قراءة ما تيسر من القرآن؛ وبالتالي يمكن أن نتبع الترتيب التالي:
1-
الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
2-
التحرك من وضع الوقوف إلى الجلوس، أو من الجلوس إلى الاضطجاع.
3-
الوضوء.
4-
التوجه إلى المسجد.
5-
تحية المسجد.
6-
قراءة ما تيسر من القرآن.
7-
أداء الصلاة مع الجماعة.
8-
الذكر والتسبيح.
9-
الدعاء.
4-
إجراءات لتصحيح موقف الخطأ:
مثلا عن طريق التحكيم والمصالحة أو إزالة الضرر أو غير ذلك من إلزام النفس بفعل الخيرات والعفو وكظم الغيظ وما أمر الله به من الدفع بالحسنة بدل السيئة: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] .
وهذه القاعدة الإسلامية العامة -قاعدة مواجهة السلوك الأدنى بالسلوك الأفضل- تعتبر من القواعد الأساسية التي يبني عليها المسلم عمله، وهي تدفع بالحسم إلى مراجعة نفسه وتصرفاته؛ ومن ثَمَّ تغيير ما لديه من أفكار أو مفاهيم خاطئة، ويؤدي به ذلك إلى تغيير السلوك.
الخلاصة:
عرضنا في هذه العجالة لنموذج إسلامي لمعالجة الغضب، وقد تم بناء هذا النموذج أساسا على النموذج الذي أوضحه الإمام أبو حامد الغزالي والذي استقاه من المصادر الإسلامية؛ كتاب الله وسنة نبيه وأعمال السلف الصالح. وهذا النموذج سواء كان في تحديده لطبيعة الغضب وأسبابه ومستوياته أو في أساليب العلاج، من النماذج الأساسية التي يمكن للمرشد والمعالج المسلم أن يستفيد منها، وقد حاولنا أثناء العرض بيان بعض الجوانب من وجهة نظر علم النفس الحديث ويبقى أن هذا النموذج لا يجسد نظرية نفسية واحدة، بل يمكن أن يتجاوز علم النفس إلى الآثار الفيزيولوجية والبيولوجية، وهو قبل ذلك وبعد ذلك يتفوق على النماذج التي تستند إلى التصور الفلسفي أو إلى التجريب الإمبيريقي والتي يعيبها دائما أن المنطلقات والفرضيات الأساسية لم تأخذ في اعتبارها الجانب الديني "الروحي" في حياة الإنسان، كما أنها أهملت حتى بعض الجوانب المعروفة؛ وذلك للعجز عن دراستها أو لعدم الاقتناع بأهميتها "مثلا الجوانب المعرفية التي لم تدخل إلا منذ وقت قريب، سواء في تفسير أو علاج الغضب". وقد اشتمل نموذج الغزالي على توضيح للدوافع من حيث إنها أساسية وثانوية، ومن حيث إنها عامة وخاصة أيضا، وكذلك تناوله لنقص الغضب وهو أمر بدأ الاهتمام به حديثا في علم
النفس تحت عنوان السلوك التوكيدي Assertion "أو تأكيد الذات". كما اشتمل النموذج على إشارة لأهمية الغضب في تغيير السلوك من خلال عملية التقويم الذاتي، وهو أمر لم يبدأ أيضا إلا منذ سنوات قليلة في علم النفس. وكذلك، فإن استخدامه لأسلوب الذات كنموذج Self as a model في الجانب العلمي للعلاج، واستخدام أسلوب النمذجة الضمنية وأسلوب مراجعة التفكير هذه كلها أساليب يحاول المعالجون النفسيون اللجوء إليها، ولكنها في صور آلية متقطعة لا تجمع بينها وحدة المصدر ولا شمولية الإجراء.