الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولًا: القائمة على أساس من الإشراط الإجرائي
التعزيز "التدعيم" reinforcement
…
أولا: الطرق القائمة على أساس من الإشراط الإجرائي
هناك مجموعة من الطرق تقوم على أساس من نظرية الإشراط الإجرائي التي صاغها ب. ف. سكينر "1938" Skinner، والتي ترى أن السلوك يزداد ويتكرر نتيجة لما يحدث بعده من تعزيز، وأنه ينقص نتيجة لما يحدث بعده من عقاب. كذلك تشتمل النظرية على مجموعة من قواعد التعلم التي يمكن أن تفسر لنا السلوك، وأن نستخدمها في معالجة السلوك، وهي بالإضافة إلى التعزيز والعقاب، الانطفاء، والتعميم، والتمييز، والتشكيل والتسلسل، وسوف نتناول كلا منها بشيء من التفصيل.
1-
التعزيز "التدعيم" Reinforcement:
إذا كان من شأن حدث ما "نتيجة" يعقب إتمام استجابة أن يزداد احتمال حدوث هذه الاستجابة مرة أخرى سمي هذا الحدث اللاحق للاستجابة معززا أو مدعما Reinforcer.
والمعززات تنقسم إلى نوعين رئيسيين: معززات أولية، ومعززات ثانوية.
فالمعززات الأولية: هي أحداث لاحقة "نتائج" غير مشروطة من حيث إنها قد اكتسبت قيمتها التعزيزية بدون تدريب خاص، ومن أمثلة هذه المعززات: الماء، الطعام، الراحة، تخفيف الألم، وغيرها من الأشياء التي تعتبر حيوية للكائن الحي وتحافظ على حياته، وبالتالي فإن هذه المعززات يكون لها قيمة تعزيزية إذا كانت هناك
1 انظر للمؤلف: نظريات الإرشاد والعلاج النفسي، القاهرة، دار غريب للطباعة والنشر "1994".
حاجة للمحافظة على الحياة "الجوع، العطش، التعب، الألم
…
إلخ" فإذا لم توجد مثل هذه الحاجات الخاصة بالمحافظة على الحياة، فإن هذه المعززات تفقد قوتها التعزيزية.
أما المعززات الثانوية: فهي أحداث لاحقة للاستجابة "نتائج" يكون لها قوة تعزيزية نتيجة لخبرات تعليمية مشروطة، فمثلا الامتداح، المال، الالتفات، تعتبر أحداثا لاحقة لها قيمة تعزيزية متعلمة نتيجة لكونها قد ظهرت في البداية مقترنة مع معزز أولي. وتتحدد قيمة حادث لاحق "نتيجة" كمعزز ثانوي على أساس فردي، ومن واقع الخبرات التعليمية السابقة للمسترشد، بل إن القيمة التعزيزية للمعزز قد تختلف من موقف لآخر بالنسبة لنفس الشخص.
وعندما ننظر إلى نتيجة ما على أنها معززة، فيجب ألا ننظر إليها من مجرد الأثر السار الذي تنطوي عليه، وإنما علينا أن نأخذ في الاعتبار مدى تأثيرها على الفرد نفسه، وعلى سبيل المثال قد يؤدي الامتداح الزائد أو الاهتمام الزائد بشخص خجول إلى نتائج عكسية؛ فيقل السلوك الذي امتدح عليه.
التعزيز الإيجابي، والتعزيز السلبي:
التعزيز -بصفة عامة- هو زيادة وتقوية السلوك نتيجة لما يقع بعده "المعززات"، وهذه المعززات يمكن أن تكون إيجابية أو تكون سلبية.
التعزيز الإيجابي Positive Reinforcement:
إن ظهور حدث سار كنتيجة لاستجابة ما "سلوك"، ويترتب عليه زيادة الاستجابة، هو ما نطلق عليه التعزيز الإيجابي. فإذا أتى شخص ما بسلوك وكان نتيجة لذلك أن حدث شيء طيب كأن تلقى مكافأة، فإن ذلك ما نسميه تعزيزا إيجابيا.
والتعزيز السلبي Negative Reinforcement:
إذا أعقب سلوكا أو استجابة ما، استبعاد شيء منفر، وترتب على ذلك أن ازداد السلوك فإننا نطلق على هذه العملية التعزيز السلبي.
وفي جميع الأحوال، فإن التعزيز هو تقوية للسلوك، وبالتالي فإن السلوك الذي نراه في المسترشد "سواء كان سلوكا مرغوبا أم غير مرغوب" قد استمر وقوي نتيجة للتعزيز
بنوعيه الإيجابي والسلبي. وبنفس المفهوم، فإن السلوك الذي نود أن نبقي عليه أو نرغِّب في أن نزيده يمكن أن نحقق ذلك عن طريق التعزيز الإيجابي بإضافة شيء مرغوب للمسترشد في عقب السلوك، أو عن طريق التعزيز السلبي بحذف شيء غير مرغوب عن المسترشد، "مثلا حذف العقاب أو تخفيف الألم أو القلق أو الخوف أو الأرق أو الحزن أو غيرها من الأمور غير المرغوبة لدى المسترشد"، فالطالب الذي يأتي بسلوك طيب قد نمنحه بعض الدرجات أو المكافآت، أو قد نرفع عنه عقابا كان قد وقع عليه.
وعند استخدام قاعدة التعزيز لزيادة سلوك مرغوب، أو الإبقاء عليه بعد تكوينه، فإن هناك مجموعة من الأمور ينبغي أن نراعيها، ومنها أن يكون ظهور المعززات في وقت قريب من السلوك الذي نود أن نعزِّزه بقدر الإمكان، وكذلك أن نختار المعزز من حيث النوع والكمية بما يناسب حاجة المسترشد، وأن نستخدم جداول تعزيز متصلة في البداية؛ لنساعد في زيادة السلوك المرغوب بسرعة، ثم بعد ذلك تستخدم جداول تعزيز متقطع تطول المدة فيها شيئا فشيئا، وبذلك نتجنب انطفاء السلوك بسرعة عند توقف التعزيز.
إن قاعدة التعزيز قاعدة جوهرية يمكن استخدامها في تقوية السلوك المرغوب، ولكن في بعض الأحيان فإن السلوك المرغوب يكون مختفيا، وهنا نتذكر ما ذكرناه عند الحديث عن الأهداف من أنه من الأفضل أن تكون في صورة إيجابية، وبذلك فإن السلوك غير المرغوب الذي بقي لأنه عزز يقابله سلوك آخر لم يعزز فانطفأ أو تلقى عقابا فاختفى، وعلينا أن نبحث عن هذا السلوك المضاد لنعززه فنساعد على انطفاء السلوك غير المرغوب.
على سبيل المثال إذا كان السلوك المشكل الذي جاء به المسترشد هو كثرة الغياب، فبدلا من أن نتحدث عن الغياب نتحدث عن سلوك الحضور الذي يقوم به الفرد فعلا ونحاول أن نعززه. كذلك يتبع البعض أسلوبا تعزز فيه كل السلوكيات ما عدا السلوك الذي نود التخلص منه.
وللتعزيز استخدامات كثيرة في الإرشاد، فهو أولا يعطينا تفسيرا عن مثابرة وبقاء سلوكيات غير مرغوبة، فالسلوك الذي لا يتلقى تعزيزا ينطفئ، وبذلك فإن إحدى خطوات
تصوير المشكلة تتضمن التعرف على المعززات "انظر نموذج سيبي ونموذج ستيوارت وزملائه". وثانيا: فإن المرشد يمكن أن يستخدم التعزيز داخل الجلسات الإرشادية عندما يلاحظ سلوكا مرغوبا يمثل هدفا إرشاديا، فمثلا عندما يلاحظ انتظام الطالب في الحضور، أو استجابته لما كلفه به من واجبات منزلية كتحسين العلاقة مع والديه أو قضاء وقت أطول في الاستذكار أو غير ذلك، فإن المرشد يمكن أن يشجع ذلك السلوك من خلال التعزيز.
كذلك فإن التعزيز يستخدم بشكل كبير في إدارة حجرة الدراسة وفي تعديل سلوك الأطفال والمتخلفين عقليا، وكذلك من تصحيح عيوب الكلام وتكوين العادات الصحية والأخلاقية الصحيحة.
ومن بين أساليب التعزيز التي استخدمت بصفة خاصة مع الأطفال ومع المتخلفين عقليا ما يعرف بفيش أو بونات التعزيز Tokens، ويشار إليها أحيانا باقتصاديات الفيش حيث يحصل الفرد الذي يأتي بالسلوك المطلوب على فيش أو تذكرة بحيث إذا جمع عددا منها يمكن أن يبادل هذه الفيش بمشروبات أو بهدايا. وقد استخدم نظام الفيشات بنجاح كبير في مستشفيات الأمراض النفسية مع حالات مرضى العقول.
ومن الأساليب التي تستخدم في التعزيز عملية إرجاع المعلومات Feedback للمسترشد حول سلوك معين مما يؤدي إلى تعزيز هذا السلوك الذي أداه. كذلك أسلوب التعاقد Contracting حيث يحرر القائم بتعديل السلوك عقدا مع الفرد الذي يعدل سلوكه يلتزم فيه الأول بتقديم أشياء معينة عندما يقوم الثاني "المسترشد" بأداء السلوك المطلوب.
2-
العقاب Punishment:
إذا كان من شأن حدث يعقب استجابة ما، أن يقلل من احتمال تكرار حدوث هذه الاستجابة، سمي هذا الحدث الذي أعقب الاستجابة عقابا، فالعقاب إذن عملية يترتب عليها إضعاف الاستجابة التي سبقته أو توقفها.
العقاب الإيجابي والعقاب السلبي Positive and Nagative Punishment:
قلنا: إن العقاب هو كل ما يقع بعد السلوك، ويؤدي إلى نقصان السلوك أو اختفائه.
أ- العقاب الإيجابي:
إذا صدر عن الفرد استجابة ما، وأعقب هذه الاستجابة وقوع شيء منفر أو مؤلم للفرد، فإن ذلك قد يؤدي إلى نقص الاستجابة أو توقفها، ونسمي ذلك الشيء المنفر أو المؤلم عقابا إيجابيا. ومن أمثلة العقاب الإيجابي الإيذاء "مثلا الضرب" أو التوبيخ.
ب- العقاب السلبي:
إذا صدر عن الفرد استجابة، وأعقب هذه الاستجابة استبعاد شيء سار من هذا الفرد، وترتب على ذلك نقص الاستجابة أو انقطاعها، سمينا ذلك عقابا سلبيا.
فمثلا الطفل الذي يلعب في الشارع ولا يستذكر دروسه، وكان حرمان هذا الطفل بعد اللعب، من مشاهدة التليفزيون، يؤدي إلى نقص اللعب في الشارع قلنا: إن ذلك عقاب سلبي.
ومن أنواع العقاب التي تستخدم في مجال تعديل السلوك:
أ- الحرمان أو الإبعاد لبعض الوقت Time - out: حيث يحرم الفرد لبعض الوقت من المعززات، ومن الأشياء المرغوبة مثل الانضمام لجماعات النشاط، والاشتراك في الترتيب لحفلة، أو الخروج في رحلة.
ب- ثمن الخطأ: حيث يغرم الفرد بأن يدفع ثمن الخطأ، ومثال ذلك ما يتبع في أسلوب الغرامات.
جـ- زيادة التصحيح Overcorection: حيث يطلب من الفرد تصحيح ما ترتب على سلوكه وزيادة عليه.
على سبيل المثال: إذا كسر التلميذ زجاج نافذة، فقد يكلف بأن يشتري كل زجاج النوافذ الأخرى على حسابه.
د- الصدمات الكهربية: ويستخدم هذا الأسلوب في بعض الأحيان مع الأطفال الذين يقومون بسلوكيات مؤذية للذات؛ كإحداث جروح في أنفسهم أو إدماء أصابعهم أو ضرب رءوسهم في الحائط "وهذه السلوكيات تشاهد بشكل متكرر لدى الأطفال المتخلفين عقليا".
هـ- التعبيرات اللفظية: وهذه التعبيرات يكون الغرض منها تقليل السلوك غير المرغوب؛ ولذلك فهي تعتمد على الإحباط والتوبيخ واللوم.
إن العقاب أسلوب استخدم منذ القدم، وهو قائم على كراهية الإنسان للألم البدني ومن ثم كراهية أيضا للألم النفسي، وهو أسلوب لا غنى عنه في بعض المواقف وخاصة عندما تكون المشكلة متصلة بالغير، أي: يكون السلوك المضطرب الذي أتى به الفرد قد تأثر به آخرون. ويجب على من يقوم بالعقاب -وبصفة خاصة في المدرسة- أن يقدر الموقف وطبيعة الشخص الذي يعاقبه والسلوك الذي يعاقب من أجله والنتيجة المترتبة على ذلك ونوع العقاب نفسه.
وعلى سبيل التدليل على عدم ملاءمة بعض الأساليب، فإن المدرس قد يلجأ إلى عقوبة مثل حبس التلميذ في المدرسة لفترة بعد الانصراف أو حرمانه من الفسحة التي تعطى للراحة فلا يغادر الفصل أو تكليفه بأن يقف أمام الحائط أو أن يكتب عبارات اعتذار على السبورة مائة مرة، وهذه كلها أساليب تؤدي إلى كراهية المدرسة لارتباطها مع هذه الأساليب العقابية "عن طريق الإشراط".
ويفضل دائما أن يكون العقاب هو آخر ما نلجأ إليه من أساليب إجرائية، وأن نزيد من استخدام أساليب التعزيز سواء التعزيز الإيجابي أو السلبي، وكذلك ضبط المعززات والانطفاء، وكما قلنا من قبل إذا كان العقاب يستخدم لتعديل سلوك بقصد تقليل هذا السلوك "سلوك غير مرغوب"، فإن قاعدة التعزيز يمكن أن تتبع بالبحث عن سلوك مرغوب لا يتعايش مع السلوك غير المرغوب ثم نعززه، أو أن نعزز السلوكيات الأخرى ما عدا السلوك غير المرغوب مما يؤدي إلى انطفائه.
ويجب على المرشد أن يدرس استخدام العقاب -وخاصة الإيجابي منه- دراسة كافية قبل أن يقدم عليه، ويفضل في جميع الأحوال ألا يكون المرشد هو المنفذ للعقاب حتى لا يفقد الثقة فيه من جانب المسترشدين، ويصبح رمزًا يرتبط بالعقاب بدلًا من أن يكون رمزًا يرتبط بالدفء، والتقبل والاحترام والتفهم والرعاية.
3-
الانطفاء Extinction:
يقصد بالإطفاء وقف التعزيز عن استجابة سبق تعزيزها، والاستجابة التي تتعرض للانطفاء تنتقص في تكرارها حتى تعود إلى مستواها الذي كانت عليه قبل التعزيز أو تتلاشى. وهناك أمثلة كثيرة على حدوث الانطفاء في حياتنا اليومية، فالشخص الذي يحاول أن يشغل سيارته المعطلة يتوقف بعد عدة مرات من المحاولة، كما أننا نتوقف عن إصدار التحيات الحارة بعد عدة مرات من عدم إجابة من نحييه، وفي كل من هذه الأمثلة فإن السلوك يتناقص؛ لأن النتيجة المعززة لم تعد تحدث.
ويستخدم الانطفاء في المواقف التطبيقية عادة للسلوكيات التي سبق أن تلقت تعزيزا إيجابيا، كما أنه يمكن أن يستخدم أيضا مع الاستجابات التي تلقت تعزيزا سلبيا، ولكن الانطفاء في هذه الحالة يختلف عنه في حالة الاستجابات التي كانت تعزز إيجابيا.
فالانطفاء في حالة السلوك "الاستجابات" التي تعزز سلبيا، وهي غالبا تعزز بإزالة الخوف أو الألم أو القلق، هذه الاستجابات تحتاج لكي تطفأ إلى أساليب خاصة يطلق عليها أحيانا أساليب إزالة أو خفض الخوف Fear Reduction ومنها طريقة التخلص التدريجي "أو المنظم" من الحساسية Systematic Desensitivation، وطريقة الغمر Flooding، وطريقة التفجر الداخلي Implosion وطريقة التدريب على السلوك التوكيدي Assertive Training.
إن المرشد وهو يصور مشكلة المسترشد، والتي تتمثل في كثير من الأحيان في سلوك غير مرغوب يحتاج إلى التغيير عن طريق خفضة أو التخلص منه، هذا المرشد يحتاج أن يتعرف على المعززات التي أبقت على السلوك، مثلا: تشجيع الزملاء، الحصول على مكاسب ثانوية، لفت نظر الوالدين
…
إلخ، فإذا استطاع المرشد أن يحدد إستراتيجيته للفصل بين المعززات والسلوك الذي قد يكون في شكل تغيب عن المدرسة،
ادعاء المرض، عدم الاستذكار
…
إلخ، فإنه بذلك يكون قد أعدّ خطة لانطفاء السلوك الضار أو غير المرغوب.
وفي بعض الأحيان فإن إخماد أو إطفاء سلوك يصاحبه عملية تعزيز للسلوكيات المرغوبة والمناقضة للسلوك الذي تتخلص منه، مثلا: نشجع ونعزز سلوك الحضور للمدرسة أو نعزز سلوك الصدق، وهكذا، بهذه الطريقة نساعد على تكوين السلوك الإيجابي في نفس الوقت الذي نطفئ أو نخمد فيه السلوك السلبي غير المرغوب.
4-
التشكيل Shaping:
يعتبر التشكيل أسلوبا هاما في الإرشاد وبصفة خاصة عندما ينصب اهتمام المرشد على إكساب "تعليم" المسترشد سلوكيات جديدة، ويعرف التشكيل أحيانا باسم التقريب المتتابع Successive Approximation، أو مفاضلة الاستجابة Pesponse differentiation، ويعتبر التشكيل أسلوبا عاما يعد لتوليد سلوكيات جديدة عن طريق التعزيز الأولي لسلوكيات موجودة لدى الفرد، وبالتدريج نقوم بسحب التعزيز من السلوكيات الأقل مماثلة ونركزه على السلوكيات الأكثر تشابها، والتي تصبح شيئا فشيئا مشابهة للسلوك النهائي المرغوب.
ويمكن استخدام أسلوب التشكيل في مواقف كثيرة منها على سبيل المثال تدريب الأطفال الصم على إخراج الحروف، وكذلك حالات اضطرابات النطق.
ففي البداية يقوم المعالج بتعزيز استجابة تقليد الصوت التي تصدر عن الطفل.
وفي الخطوة الثانية فإن الطفل يدرب على التمييز، ويعزز المعالج الاستجابات الصوتية لإخراج حرف من الحروف إذا حدث فقط في خلال خمس ثوانٍ من نطق المعالج له.
وفي الخطوة الثالثة فإن الطفل يكافأ عند إصدار الصوت الذي أصدره المعالج، وكلما كررد ذلك. أما في الخطوة الرابعة فإن المعالج يكرر ما فعله في الخطوة الثالثة مع صوت آخر شبيه بالصوت الذي تم في الخطوة الثالثة.
ويستخدم أسلوب التشكيل في البرمجة الأكاديمية "مثلا القراءة" والبرمجة الاجتماعية "مثلا: الاقتراب من الآخرين، التحدث معهم والتعاون" والسلوكيات الحركية المعقدة لدى الأطفال والراشدين العاديين أو الذين لديهم مشكلات حيوية. ويستخدم التشكيل عادة لتكوين سلوكيات مفردة، وعندما يكون الهدف هو تكوين تتابعات سلوكية "مثلا: ارتداء الملابس، قضاء الحاجة
…
إلخ" فإن التشكيل يستخدم مع فنّيّة أخرى هي التسلسل Chaining.
5-
التسلسل Chaining:
يتشابه التسلسل مع التشكيل في أنه يعتمد على تجزئة السلوك أو ما يعرف ببرنامج التقريب المتتابع Successive Approximation والذي يرمز له عادة بحروف SAP حيث يتم التدريب على كل جزء من أجزاء السلوك النهائي باستخدام التعزيز. وتبدأ عملية تسلسل السلوك بترتيب السلوكيات في التتابع الذي نراه مناسبا، كما هو موضح بالشكل، والذي يوضح سلسلة خاصة بتدريب الطفل على ارتداء ملابسه. إن الغرض من التسلسل العلاجي هو أن نأخذ الاستجابات الموجودة "أجزاء السلوك" ونربطها مع بعضها البعض بإضفاء قيمة تعزيزية على الروابط المختلفة.
أما الخطوة التالية، فتشتمل على هذه السلسلة خطوة خطوة، مثلا نقول للطفل: أما الآن أعلمك كيف ترتدي ملابسك، ثم تساعد الطفل وكلما دعت حاجة لذلك، في إكمال هذه الخطوات حتى يصل إلى السلوك الأخير "آخر حلقة في السلسلة" وهو سلوك "و" في مثالنا. وعند هذه الخطوة نشجع الطفل على إتمام السلوك "لبس الحذاء" بنفسه ثم نكافئه بالثناء، وكذلك بمكافأة مادية "مثلا: قطعة حلوى" على إتمامه الخطوة الأخيرة، لبس الحذاء، ونقول له: تمام أو أحسنت؛ لقد أتممت ارتداء ملابسك، ممتاز. وفي الجلسات التالية فإن المعالج يتقدم خطوات أخرى بالارتداد للوراء، حيث نساعده في
الخطوات نفسها حتى نصل إلى الخطوة قبل الأخيرة "السلوك هـ" ثم نشجع الطفل على إتمام الخطوتين هـ "ارتداء القميص"، و"لبس الحذاء" بالترتيب ونكافئ الطفل بمجرد أن يكمل السلوك الأخير ونقول له من جديد: ممتاز، لقد أتممت ارتداء ملابسك، ويستمر هذا الأسلوب عن طريق إضافة سلوك من السلسلة حتى نصل في النهاية إلى السلوك الأول أو الخطوة الأولى "السلوك أ" مع ملاحظة أن تكون المكافأة "التعزيزية" عند إتمام الخطوة الأخيرة "السلوك و" أي عند إتمام ارتداء الملابس في مثالنا.
ويعتبر أسلوب التسلسل ذا أهمية في تعليم السلوكيات المركبة وخاصة للأطفال، وللمتخلفين عقليا ولمن لديهم إعاقات بدنية. ولأننا لا نعطي المكافأة إلا مع آخر خطوة في السلوك، فإن المعالج أو المدرب عليه أن يشجع الطفل بعد إتمام كل خطوة "تشجيعا لفظيا" وأن تكون المكافأة المادية "مثلا الحلوى أو اللعب" في النهاية. وفي بعض الحالات، وبصفة خاصة عند العمل مع الأطفال المتخلفين عقليا، فإن بعض الخطوات السابقة قد تحتاج إلى تقسيم من جديد إلى خطوات أصغر، ويصبح علينا في هذه الحالة أن ندرب الطفل أولا على كل مهمة "سلوك" باستخدام أسلوب التشكيل. على سبيل المثال التدريب على ارتداء السروال أو الفانلة والتدريب على لبس الجورب وهكذا، ثم نبدأ في سلسلة سلوك ارتداء الملابس كلها على النحو المذكور.
والذي يميز التسلسل عن التشكيل هو أننا في التشكيل نبدأ بأول خطوة ونعززها، ثم ننتقل إلى الخطوة الثانية حيث يقوم الشخص بالخطوتين، ثم نعزز الخطوة الأخيرة وهكذا، أي: إننا ننتقل في اتجاه متقدم للأمام، أما في حالة التسلسل فإن آخر خطوة هي التي تعزز دائما، ومنذ البداية، كما أن التتابع يسير إلى الوراء من الخطوة الأخيرة إلى الخطوة الأولى مع المحافظة على تعزيز آخر خطوة فقط.
6-
التمييز Discrimination:
قلنا: إن السلوك الإجرائي يتأثر بالنتائج التي تعقبه "معززات أو عقاب" فيزداد حدوثه بوجود المعززات ويقل بوجود العقاب، ومع ذلك فإن الأحداث التي تسبق السلوك أو الاستجابة "المنبهات أو المثيرات" يكون لها سيطرة أو ضبط على السلوك. ومن مثل هذه الأحداث "المثيرات" التوجيه البدني، النماذج، التلميحات اللفظية، والتعليمات التي تسبق الاستجابة وتسهِّل أداءها. كذلك نجد أحداثا سابقة تفرض ضبطا على السلوك، ففي بعض المواقف "أو في وجود مثيرات معينة" قد تعزز الاستجابة، بينما في مواقف أخرى "في وجود مثيرات أخرى" فإن هذه الاستجابة نفسها لا تتلقى تعزيزا، ويعرف ذلك بالتعزيز الفارق Differential Reinforcement، وبذلك فعندما نعزز استجابة ما في وجود مثير ما ولا نعززها في وجود مثير آخر لفترة من الزمن، فإن كل مثير يشير إلى النتائج التي يتوقع أن تعقب الاستجابة. فالمثير الذي يوجد عندما تلقى الاستجابة تعزيزا يشير إلى أن أداء هذه الاستجابة من المحتمل أن يلقى التعزيز في وجوده "أي: وجود المثير". وعلى العكس من ذلك، فإن المثير الذي يوجد في حالة عدم التعزيز يعطي إشارة إلى أن الاستجابة لا يتوقع أن تعزز. وعندما يستجيب الفرد بطريقة مختلفة في وجود مثيرات مختلفة فإنه يكون حينئذ قد قام بالتمييز، وعندما تضبط الاستجابة عن طريق الأحداث السابقة عليها "المثيرات"، نقول: إن السلوك تحت ضبط المثير Stimulus Control.
فإذا رمزنا إلى المثير الذي في وجوده يظهر التعزيز بالرمز م ف، وإلى المثير الذي ارتبط بعدم التعزيز بالرمز م
ويمكن تعديل احتمال حدوث الاستجابة بالزيادة أو النقص بتقديم أو استبعاد المثير المعزز م ف.
ويعتبر ضبط المثير "تمييز المثير" من القواعد الهامة في برامج تعديل وعلاج السلوك، ففي كثير من هذه البرامج يكون الهدف هو تبديل العلاقة بين السلوك وظروف المثير التي يحدث فيها هذا السلوك. وتنشأ بعض مشكلات السلوك نتيجة إخفاق مثيرات معينة في ضبط السلوك "عدم التمييز" رغم أن هذا الضبط يكون مرغوبا، فالأطفال الذين لا ينفذون تعليمات آبائهم إنما يكون سلوكهم هذا نتيجة غياب المثير، أي: إن هذه التعليمات لم يعد لها تأثير على سلوك الأطفال، ويكون هدف برنامج تعديل السلوك أن نزيد من استجابتهم للتعليمات.
كذلك نجد أن بعض السلوكيات تخضع تماما لما يسبقها من أحداث "مثيرات"، وعلى سبيل المثال فإن بعض الأشخاص الذين يعانون من شَرَه في تناول الطعام، إنما يتناولون الطعام لمجرد رؤية منظره وليس نتيجة لجوع حقيقي. وعند علاج هؤلاء الأفراد فإننا نركز على استبعاد الضبط الذي اكتسبه منظر الطعام "المثير" على سلوك الأكل.
إن الناس يقومون بسلوك مختلف قليلا تحت ظروف متشابهة مع وجود مثيرات تختلف قليلا نتيجة لقدرتهم على التمييز، وكنتيجة لوجود عملية ضبط من جانب المثير "الذي يقومون بتمييزه" على السلوك.
ومن أمثلة ذلك ما نشاهده في المدارس الابتدائية من أن التلاميذ يحتفظون بهدوئهم حين يكون المدرس داخل حجرة الدراسة، بينما لا يفعلون ذلك وهو خارج الحجرة حتى لو كان واقفا على بابها، والموظف يهتم برضاء رئيسه في العمل ولا يهتم بإرضاء غيره ممن هم في نفس المستوى الوظيفي لرئيسه.
وفي مجال الإرشاد، فإن التدريب على السلوك التوكيدي Assertive Behavior يقوم على أساس استخدام مهارات التمييز لدى المسترشدين كجزء من عملية الإرشاد حتى يتم تدريبهم على التعرف على المؤشرات المختلفة من المواقف المتنوعة التي تستدعي استخدام مهارات السلوك التوكيدي.
إن الطريقة الإجرائية في التمييز ذات أهمية عملية كبيرة عندما يلاحظ وجود إخفاق في التمييز، وحينئذ نحتاج إلى أن ندرب المسترشد على أن يتعلم أن يستجيب لأفضل المثيرات التي يتوقع معها تعزيز السلوك.
7-
التلقين والتلاشي Prompting and Fading:
يشبه التلقين باعتباره مبدأ من مبادئ التعلم، ذلك التلقين الذي يحدث في المسرح، فهو عبارة عن تلميح أو مؤشر يجعل احتمال الاستجابة الصحيحة أكثر حدوثا. إن الأحداث التي تساعد على بدء استجابة تعتبر تلقينات. فالتلقينات إذن تسبق الاستجابة، وعندما ينتج عن التلقين استجابة، فإن الاستجابة يمكن أن يعقبها تعزيز.
وعندما تؤدي التلقينات إلى استجابات أو سلوكيات تتلقى تعزيزا، فإن هذه التلقينات تصبح مثيرا فارقا أو مثيرا مميزا "م ف" للتعزيز. وعلى سبيل المثال عندما يطلب الوالد من الطفل أن يعود من المدرسة مبكرا، وعندما يفعل الطفل ذلك فإنه يتلقى امتداحا فإن طلب الوالد "تعليمات الوالد" يصبح مثيرا مميزا م ف. فالتعليمات التي أصدرها الوالد تشير إلى أن هناك احتمالا لوقوع التعزيز عندما تؤدي سلوكيات معينة، ومن ثم فإن التعليمات وحدها يتوقع أن يعقبها السلوك. وكقاعدة عامة، فإنه عندما يسبق التلقين تعزيز الاستجابة فإن التلقين يصبح مثيرا مميزا "فارقا"، ويمكن أن يضبط السلوك بفاعلية.
إن تكوين السلوك يمكن أن يصبح أيسر بعدة وسائل، مثلا توجيه السلوك بدنيا "مثلا عندما نأخذ بذراع الطفل لنساعده على وضع الملعقة في فمه" أو التوجيه اللفظي للطفل ليعمل شيئا ما، أو الإشارة للطفل أن يدخل إلى البيت، أو ملاحظة شخص آخر "نموذج" يؤدي السلوك المطلوب تكوينه. ويلعب التلقين دورا رئيسيا في عمليات التشكيل والتسلسل السابق الحديث عنهما، حيث نساعد الفرد لبدء الاستجابة ثم نعززه عند إكمال الاستجابة النهائية وقد استخدم ماهوني وزملاؤه "1971" Mahoney etal أنواعا من التلقينات لتدريب أطفال عاديين وأطفال متخلفين على الذهاب إلى المرحاض كجزء من التدريب على مهارات قضاء الحاجة. وعلى سبيل المثال كانت بعض اللعب توضع قريبا من مدخل المرحاض "تلقين بصري" كما كان الباحث يقوم بتوجيه الطفل بأن يأخذ بيده إلى المرحاض "تلقين بدني"، ثم يوجهه بالكلام "هيا نذهب يا بوتي""تلقين لفظي" وذلك ليبدأ السير إلى الحمام.
إن استخدام التلقينات يزيد من احتمال حدوث الاستجابة، على سبيل المثال فإن السير إلى المرحاض كان أكثر احتمالا من حدوثه عندما قاد الباحث الطفل فعلا إلى المرحاض عما لو تركه يستجيب بمفرده. وبينما تشكل الاستجابة فإن الملقنات يمكن أن تستخدم بتكرار لتيسر أداء الهدف النهائي، وحالما تتم الاستجابة الملقنة فإنه يمكن
تعزيزها. وكلما زاد تكرار تعزيز الاستجابة كلما تم تعلمها بسرعة، ويكون الهدف النهائي عادة هو الحصول على الاستجابة النهائية في غياب الملقنات. وعلى الرغم من أن الملقنات تكون مطلوبة في وقت مبكر من التدريب، فإنه يمكن سحبها بالتدريج Faded مع تقدم التدريب.
أما السحب التدريجي أو التلاشي Fading:
فهو أسلوب من أساليب العلاج السلوكي التي تعتمد على مبادئ الإشراط الإجرائي، ويشتمل على تناول سلوك يحدث في موقف ما وجعله يحدث في موقف آخر عن طريق التغيير التدريجي للموقف الأول إلى الموقف الثاني. على سبيل المثال، قد يكون الطفل هادئا ومتعاونا في البيت ولكنه يكون خائفا ومنكمشا إذا وضع فجأة في حجرة للدراسة غريبة عليه. ويمكن أن نزيل هذا الخوف إذا قدمنا الطفل بالتدريج لمواقف تشبه حجرة الدراسة.
ويعتبر أسلوب السحب التدريجي ذا أهمية كبيرة عندما يتعلم المسترشد سلوكيات جديدة من بيئة مقيدة مثل عيادة أو مستشفى أو مؤسسة، ثم ينتقل فجأة من هذه الأماكن إلى بيئة المنزل أو المجتمع مما قد ينتج معه فقدان لكثير من السلوكيات والمهارات التي اكتسبها. ولذا فمن المفضل أن يتم السحب التدريجي من بيئة العلاج إلى بيئة المنزل، ويتم ذلك من خلال عمل تقريبات في جانب المثير أي: البيئة نفسها.
ويختلف أسلوب السحب التدريجي عن أسلوب التشكيل السابق التحدث عنه، حيث إن أسلوب السحب التدريجي يعتمد على إحداث نوع من التدريج أو التقريبات في المثير، بينما في حالة التشكيل فإن التقريبات تكون في الاستجابة.
وفي المثال الذي ذكرناه في التلقين عند التدريب على الذهاب للمرحاض، فإن عملية السحب التدريجي تتم بإنقاص التلقين بشكل تدريجي قبل إيقافه تماما.