الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس القراءات والأحرف السبعة
يقترن اسم القراءات بالأحرف السبعة، ويتبادر إلى الأذهان أن القراءات هي الأحرف، وبخاصة بعد أن اشتهرت القراءات السّبع في الأمصار، وأصبح الناس يتحدثون عن قراءات سبع، وأحرف سبعة.
والأحرف السبعة هي التي جاء الحديث الصحيح بالإشارة إليها في قول النّبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا منه ما تيسر» (1).
وقد روي هذا الحديث عن جمع كبير من الصحابة (2)، فقد روى الحافظ أبو يعلى: أن عثمان رضي الله عنه قال يوما وهو على المنبر: «أذكّر الله رجلا سمع النّبي صلى الله عليه وسلم قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها شاف كاف لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك، فقال عثمان رضي الله عنه: وأنا أشهد معهم» (3). وتوافق هذه الجموع التي لم تحص عددا على هذا الموضوع حمل بعض الأئمة على القول بتواتر الحديث، وفي طليعة هؤلاء أبو عبيد القاسم بن سلام، وإذا لم يتوافر التواتر في الطبقات المتأخرة؛ فحسبنا صحة الأحاديث التي ذكرناها مؤكّدا لهذه الحقيقة الدينية التي نطق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويميل جمهور العلماء إلى أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة (4).
واختار القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني هذا الرأي وقال: الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والصحابة في المصحف، وأخبروا بصحتها، وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترا (5).
(1) فتح الباري 5/ 33، رقم الحديث 5419.
(2)
الإتقان 1/ 78.
(3)
الإتقان 1/ 85.
(4)
البرهان 1/ 224.
(5)
ابن الجزري، طبقات القراء 1/ 292.
و (الأحرف) - وهي جمع حرف- الوارد في الحديث تقع على معان مختلفة، فقد تكون بمعنى القراءة كقول ابن الجزري:«كانت الشام تقرأ بحرف ابن عامر» (1)، وقد تفيد المعنى والجهة (2) كما يقول أبو جعفر محمد بن سعدان النّحوي (3).
وحكي عن الخليل بن أحمد الفراهيدي (4) شيخ العربية أن القراءات هي الأحرف (5)، ولن تجد كتابا تعرض لهذه المسألة إلا أشار لهذا القول بالتوهين والتضعيف.
وأحب هنا أن أوضح رأي العلامة الجليل الخليل بن أحمد الفراهيدي، فهو بلا ريب إمام العربية وحجة النّحاة، ولا شك أن انفراده بالرأي هنا لم ينتج من قلة إحاطة أو تدبر، ومثله لا يقول الرأي بلا استبصار، وانفراد مثله برأي لا يلزم منه وصف الرأي بالشذوذ أو الوهن! وغير غائب عن البال أن الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي توفي عام (170 هـ)، لم يدرك عصر تسبيع القراءات، حيث لم تشتهر عبارة القراءات السبع إلا أيام ابن مجاهد (6)، وهو الذي توفي عام 324 هـ.
ولم يكن الخليل بن أحمد يعني بالطبع هذه القراءات السبع التي تظاهر العلماء على اعتمادها وإقرارها بدءا من القرن الرابع الهجري، ولكنه كان يريد أن ثمة سبع قراءات قرأ بها النّبي صلى الله عليه وسلم،
(1) البرهان 1/ 213.
(2)
طبقات القراء 2/ 143.
(3)
البرهان 1/ 214.
(4)
الفراهيدي: (100 - 170 هـ، 718 - 786 م).
الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي اليحمدي، أبو عبد الرحمن من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وأستاذ سيبويه النحوي المعروف، ولد ومات بالبصرة، كان مغمورا في
الناس لا يعرف، له كتاب (العين في اللغة)، وهو أول معجم في العربية، وله أيضا:(معاني الحروف)، و (جملة آلات العرب)، و (تفسير حروف اللغة)، وكتاب (العروض)، و (النقط والشكل)، و (النغم). الأعلام 2/ 314.
(5)
الإتقان 1/ 78، والبرهان 1/ 223.
(6)
ابن مجاهد (245 - 324 هـ، 859 - 936 م).
هو أحمد بن موسى بن العباس التميمي، أبو بكر بن مجاهد، كبير العلماء بالقراءات في عصره. من أهل بغداد، وكان حسن الأدب، رقيق الخلق، فطنا جوادا، له كتاب (القراءات الكبير)، و (قراءة ابن كثير)، و (قراءة أبي عمرو)، و (قراءة عاصم)، و (قراءة نافع)، و (قراءة حمزة)، و (قراءة الكسائي)، و (قراءة ابن عامر)، و (قراءة النّبي صلى الله عليه وسلم، و (كتاب الياءات)، و (كتاب الهاءات). الأعلام 1/ 261.
وتلقّاها عنه أصحابه، ومن بعدهم أئمة السّلف، وهي تنتمي إلى أمهات قواعدية لما يتيسر من يجمعها بعد- أي في زمن الخليل- وأنها لدى جمعها وضبطها ترتد إلى سبعة مناهج، وفق حديث النّبي صلى الله عليه وسلم:«إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف» . وهذا الفهم لرأي الخليل هو اللائق بمكانته ومنزلته العلمية، وهو المتصور في ثقافته ومعارفه زمانا ومكانا، وبه تدرك أنه لم يكن يجهل أن عصر الأئمة متأخر عن عصر التنزيل، وهو أمر لا يجهله أحد.
وكذلك أشير هنا إلى رأي شيخ المفسّرين، الإمام الطبري (1)، الذي كان يرى أن الأحرف السبعة منهج في الإقراء أذن به النّبي صلى الله عليه وسلم زمنا ثم نسخه قبل أن يلقاه الأجل، وهكذا فقد مات النّبي صلى الله عليه وسلم وليس بين الناس إلا حرف واحد، وأن هذه القراءات المتواترة اليوم مهما بلغت كثرة إنما تدور ضمن هذا الحرف الواحد الذي أذن النّبي صلى الله عليه وسلم بالإقراء والرواية به (2).
ومن أدلّته على نسخ الأحرف السبعة أنها لو كانت قرآنا باقيا لم تكن لتخفى عن الأمة بعد أن تعهّد الله سبحانه بحفظ كتابه العظيم في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 15/ 9]، وكذلك حصول الاختلاف في فهمها، وتحديد المراد بها، وقد قال الله سبحانه:
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النّساء: 4/ 82].
ومن أدلّته على ذلك أن المروي عن السّلف في الأحرف السبعة لا يتفق والرسم القرآني، فلم يكن ثمة مندوحة من القول بنسخ ذلك، وقد نقل مكي بن طالب القيسي في الإبانة رأي الطبري فقال: «يذهب الطبري إلى أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن إنما هي تبديل كلمة في موضع كلمة، يختلف الخط بهما، ونقص كلمة، وزيادة أخرى، فمنع خط المصحف المجمع عليه مما زاد على حرف واحد لأن الاختلاف- عنده- لا يقع إلا بتغيير الخط في رأي العين.
(1) ابن جرير الطبري (224 - 310 هـ، 839 - 923 م).
هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر، المؤرّخ المفسّر الإمام، ولد في آمل في طبرستان، واستوطن بغداد وتوفي بها، وعرض عليه القضاء فامتنع، والمظالم فأبى، له كتاب:(أخبار الرّسل والملوك)، ويعرف بتاريخ الطبري في (11) جزءا، و (جامع البيان في تفسير القرآن)، وله أيضا:(اختلاف الفقهاء)، و (المسترشد) في علوم الدين، و (جزء في الاعتقاد)، و (القراءات)، وغير ذلك، وهو من ثقات المؤرّخين. قال ابن الأثير: أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ، وفي تفسيره ما يدلّ على علم غزير وتحقيق. وكان مجتهدا في أحكام الدين لا يقلّد أحدا بل قلّده بعض الناس وعملوا بأقواله وآرائه. الأعلام 6/ 69.
(2)
انظر مناهل العرفان للزرقاني 1/ 179.
فالقراءات التي في أيدي الناس اليوم كلها عنده حرف واحد من الأحرف السبعة التي نصّ عليها النّبي صلى الله عليه وسلم، وستة الأحرف الباقية قد سقطت، وبطل العمل بها بالإجماع على خط المصحف المكتوب على حرف واحد» (1).
وقد لخص الطبري مذهبه بقوله: «فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية» (2).
والخلاصة أن اختيار الطبري متجه إلى أن الأحرف السبعة رفعت من القرآن الكريم، وأنها كانت إذنا من الله عز وجل يتضمن التخفيف عن الأمة حتى إذا هدمت حواجز كثيرة كانت تحول بين قبائل العرب، ردّهم الله عز وجل إلى حرف واحد، ولكنه أذن أن يقرأ هذا الحرف بلهجات مختلفة هي القراءات التي ثبتت إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم تواترا وأداء.
وقد نصّ الطّبري على هذا التّعليل بعينه حين قال: «فاستوسقت (3) له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف السّتة التي عزم عليها إمامها العادل في تركه، طاعة منها له، ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملّتها، حتى درست من الأمة معرفتها وتعفت آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها، وتتابع المسلمين إلى رفض القراءة بها من غير جحود منهم لصحتها وصحة شيء منها، ولكن نظرا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها» (4).
وبعد تفصيل رأي الفراهيدي، واختيار الطبري أضع بين يديك اختيار الجمهور، فقد رأى جمهور المفسّرين أن الأحرف السبعة باقية في التنزيل، وقد استوعبتها المصاحف العثمانية، وما هي إلا تحديد لوجهة الاختلاف في أداء الكلمة القرآنية، وفق ما أذن به النّبي صلى الله عليه وسلم.
وقد اعتبر الإمام أبو الفضل الرازي (5) ممثلا لرأي الجمهور، وقد نهج من جاء بعده على منواله في اختياره، وننقل لك هنا اختياره كالتالي: الكلام لا يخرج عن سبعة
أحرف في الاختلاف:
(1) الإبانة من معاني القراءات لمكي بن أبي طالب القيسي ص 32.
(2)
تفسير الطبري 1/ 62، وانظر الإبانة لمكي بن أبي طالب ص 50.
(3)
كذا في الأصل، ولعلها فاستوثقت.
(4)
الإبانة لمكي بن أبي طالب ص 50.
(5)
أبو الفضل الرازي: هو الإمام الكبير ابن شاذان المتوفى سنة 290 هـ. ومن العجيب أن الأمة اعتمدت على اختيار الرازي
الأول: اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث، مثاله قوله تعالى:
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ [المؤمنون: 23/ 7]. قرئ هكذا: لِأَماناتِهِمْ جمعا وقرئ لأمانتهم بالإفراد.
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر. مثاله: قوله تعالى: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: 34/ 19]، قرئ هكذا بنصب لفظ (ربّنا) على أنه منادى، وبلفظ (باعد) فعل أمر، وقرئ هكذا (ربّنا بعّد) برفع (ربّ) على أنه مبتدأ، وبلفظ (بعد) فعلا ماضيا مضعّف العين، جملته خبر.
الثالث: اختلاف وجوه الإعراب، مثاله: قوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: 2/ 283]، قرئ بفتح الراء وضمّها، فالفتح على أن (لا) ناهية، فالفعل مجزوم بعدها، والفتحة الملحوظة في الراء هي فتحة إدغام متماثلين. أما الضّم فعلى أنّ (لا) نافية، فالفعل مرفوع بعدها.
الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة: مثال: قوله تعالى: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [اللّيل: 92/ 3]. قرئ بهذا اللفظ وقرئ أيضا: (والذكر والأنثى) بنقص كلمة (ما خلق).
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير: مثاله: قوله تعالى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ [ق: 50/ 19]، وقرئ (وجاءت سكرة الحق بالموت).
السادس: الاختلاف بالإبدال: مثاله: قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة: 2/ 259] بالزاي وقرئ (ننشرها) بالرّاء.
السابع: اختلاف اللغات (اللهجات) كالفتح والإمالة والترقيق والتفخيم والإظهار والإدغام ونحو ذلك، مثاله قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ [القيامة: 75/ 4]، قرئ بالفتح والإمالة في لفظ (بلى).
هذا على الرغم من غمرته في الذكر والصيت، إذ لم نعثر له على ترجمة، وغاية ما حصلناه عنه هذه الكلمة التي أوردها ابن الجزري في النشر. ولم أجد أحدا- في حدّ علمي- من أصحاب موسوعات تراجم الرجال ترجم له!!
…
وعلى اختيار الرازي هذا جاءت آراء جماهير علماء القرآن، وأشهر من حرر هذه المسألة ابن قتيبة (1) في (المشكل)، والطيب الباقلاني (2) في (الإعجاز)، وابن الجزري (3)، وإن يكن لكل واحد منهم وجه انفراد، غير أنهم التزموا منهج الوجوه السبعة المذكورة مع تغيير طفيف.
ونطوي القول في مسألة القراءات والأحرف عند هذا الحد، مع أننا لم نحسم الجدل المستمر في تحقيق ضوابط ما بين القراءة والحرف، إذ ليس ذلك من شرط هذه الدراسة، ولكن الاطّلاع على الأقوال المختارة في الباب يكشف لنا عن سبيل الإحاطة بهذه المعارف، وبحسبي أن أجزم هنا أن الأحرف السبعة الواردة في السّنن الصّحاح هي معنى آخر في التّنزيل، متّصل بالأداء، مختلف عن معنى القراءات ودلالته.
(1) ابن قتيبة (ت 322 هـ 934 م).
هو أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو جعفر، قاض من أهل بغداد، له اشتغال بالأدب والكتابة، ولي القضاء بمصر سنة 321 هـ فجاءها، وعرف فضله فيها، فأقبل عليه طلاب العلوم والآداب، وكانت وفاته بمصر وهو يلي قضاءها.
(2)
القاضي الباقلاني (338/ 403 هـ 950/ 1013 م).
محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر، قاض من كبار علماء الكلام، انتهت إليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة، ولد في البصرة، وسكن بغداد، وتوفي بها، وجهه عضد الدولة سفيرا عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النّصرانية بين يدي ملكها. من كتبه (إعجاز القرآن)، و (الإنصاف)، و (مناقب الأئمة)، و (دقائق الكلام)، و (الملل والنّحل)، و (هداية المرشدين)، و (الاستبصار) وغيرها.
(3)
ابن الجزري (751/ 833 هـ- 1350/ 1429 م) هو محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف، أبو الخير، شمس الدين العمري الدمشقي، ثم الشيرازي الشافعي، شيخ الإقراء في زمانه، من حفاظ الحديث، ولد ونشأ في دمشق، وابتنى بها مدرسة سمّاها (دار القرآن)، ورحل إلى مصر مرارا، ودخل بلاد الروم، وسافر إلى شيراز، فولي قضاءها، ومات فيها.
من كتبه: (النشر في القراءات العشر)، و (غاية المجتهدين في طبقات القرّاء)، و (التمهيد في علم التجويد)، وغيرها كثير.