الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحده، فقال:«إن الله إذا شاء أنسى من القرآن من يشاء أن ينسيه» (1)، وهو كما ترى غير مخصوص بما ضبطه به ابن قتيبة بأنه أراد:(أو ننسكها) من النسيان (2).
وقد اختار الجصاص في تفسير أحكام القرآن أن قراءة ننسأها إنما هي بأن يؤخرها فلا ينزلها سبحانه، وينزل بدلا منها ما يقوم مقامها في المصلحة، أو يكون أصلح للعباد منها، ويحتمل أن يؤخر إنزالها إلى وقت يأتي، فيأتي بدلا منها لو أنزلها في الوقت المتقدم، فيقوم مقامها في المصلحة (3).
فيكون اختيار الرازي الجصاص هنا أن الآية دلالة على إنساء التنزيل، بينما اختار أبو زرعة أنها دلالة على إنساء النسخ. ويتحصل هنا ثلاثة أقوال:
1 -
ننسها: من النسيان.
2 -
ننسأها: من الإنساء، وهو التأخير؛ بمعنى تأخير النسخ.
3 -
ننسأها: من الإنساء بمعنى تأخير التّنزيل.
وكما ترى فإن الخلاف في تأويل الإنساء في قراءة ابن كثير، وأبي عمرو أنتج قولا ثالثا، والأقوال الثلاثة متكاملة ينهض بعضها ببعض، ولا يتعذر على اللبيب الإفادة من الأوجه الثلاثة مجتمعة لتكامل مقاصدها.
وثمرة الخلاف:
أن التنزيل العزيز يطرأ عليه إنساء ونسيان، فقد يؤخر الله نسخ حكم فيبقى متلوّا معمولا به، وهو النسيء؛ أي التأجيل، حتى يأتي ما ينسخه. وقد ينساه النّبي صلى الله عليه وسلم بإذن الله وأمره، قال سبحانه: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى * إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: 87/ 6 - 7]، فيرفع من التنزيل، ثم يكون من الله سبحانه ما ينسخه من وحي يتنزل.
وهكذا فإن ورود قراءتين اثنتين أفاد معنيين اثنيين، لم يكن لك أن تدركهما بقراءة واحدة، وكل واحدة من القراءتين تضيف صفة جديدة للتنزيل الإلهي على الأنبياء الكرام.
(1) حجة القراءات لأبي زرعة 109.
(2)
انظر القرطبي 2/ 61.
(3)
تفسير (أحكام القرآن) للرازي الجصاص الحنفي، المتوفى سنة 320 هـ، ط دار الكتاب العربي- بيروت 1/ 59.
وقد اجتمع المعنيان جميعا في حديث واحد، وهو ما أخرجه ابن جرير الطبري عن قتادة، وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه عن ابن عباس قال:«كانت الآية تنسخ الآية، وكان نبي الله يقرأ الآية والسورة، وما شاء الله من السورة، ثم ترفع فينسها الله نبيّه، فقال الله يقصّ على نبيّه: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها يقول: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي» (1).
وللعلامة الآلوسي اختيار ينتهي به إلى اتّحاد القراءتين في المعنى؛ يقول: «وقرئ:
ننسأها، وأصله من نسأ بمعنى آخر، والمعنى نؤخرها في اللوح المحفوظ، فلا ننزلها، أو نبعدها من الذهن بحيث لا يتذكر معناها، ولا لفظها، وهو معنى ننسها، فتتّحد القراءتان» (2).
وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن النّسخ جائز عقلا، وواقع سمعا، وقد أنكرته على النّبي صلى الله عليه وسلم طائفة من اليهود، فنزلت آية النّسخ في الرّدّ عليهم (3).
وقد اتّفق السّلف على وقوعه لم ينكر ذلك أحد، لكن نقل عن أبي مسلم الأصفهاني (4) إنكاره لوقوع النّسخ في القرآن، واحتجّ لذلك بأدلة ثلاثة:
الأول: إن الله عز وجل قال: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصّلت: 41/ 42]. قال: فلو جاز النّسخ لجاز أن يأتيه الباطل.
الثاني: إن النّسخ الذي تشير إليه الآية هو نسخ الإسلام للشرائع السابقة، لا نسخ القرآن بعضه لبعض.
الثالث: أن الآية لا تزيد دلالتها على أن النّسخ لو وقع لأدّى إلى خير منه، ولكنه لم يقع (5).
(1) انظر جامع البيان للطبري 1/ 381، والدّر المنثور للسيوطي 1/ 105.
(2)
تفسير روح البيان للآلوسي 1/ 352.
(3)
انظر أسباب النزول للواحدي النيسابوري 84.
(4)
أبو مسلم الأصفهاني، هو محمد بن بحر الأصفهاني، كاتب، متكلم، مفسّر، محدّث، نحوي، شاعر، من آثاره: جامع التأويل لمحكم التنزيل في التفسير على مذهب المعتزلة في (14) مجلدا، الناسخ والمنسوخ، وكتاب في النحو. معجم المؤلفين 9/ 97.
(5)
العمدة في بسط آراء أبي مسلم والإجابة عليها من اختيار الرازي الجصاص في تفسيره، 1/ 68.
والحق أن اعتراض أبي مسلم، ومثله بعض المعاصرين اليوم، منشؤه عدم فهم النّسخ على وجه الحقيقة.
فالنّسخ في الواقع ليس تغيرا في حال الخالق؛ بل هو تغيير في حال المخلوق، فهي أمور يبديها لا أمور يبتديها، أمور يظهرها لا أمور تظهر له، سبحانه وتعالى عما يقولون علوّا كبيرا.
والنّسخ لا يتعلّق بالعقائد والأخبار، وإنما يتعلّق بالإنشاء (1)، وهذا الباب متّصل بأحوال الخلق؛ إذ يصلحهم، ويصلح لهم في حال ما لا يصلحهم، ولا يصلح لهم في حال آخر.
ألا ترى أن الطبيب يأمرك بالحمية اليوم وينهاك عنها غدا، ويصف لك الدواء اليوم ويأمرك باجتنابه غدا، والطبيب هو الطبيب، لم يتغير في حاله، وفي عمله شيء، وإنما تغيّر المريض.
وأظهر الدلالة على وقوع النّسخ هذه الآية الصريحة التي لا يقرؤها أحد بحيدة إلا يفهم منها ما فهمته الأمة، وكذلك قول الله عز وجل: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [النّحل: 16/ 101].
وأما وقوعه بالفعل فهو أكثر من أن يستدلّ له بمثال، ومع ذلك نعد من الأمثلة قول الله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [البقرة: 2/ 142].
فهذا دليل ظاهر أنهم أمروا باستقبال قبلة، ثم نسخ هذا الأمر، وأمروا باستقبال سواها.
وقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [الأنفال: 8/ 65].
وهو دليل ظاهر أنهم أمروا بأكثر من ذلك، ثم خفّف الله عنهم بنسخ الأمر السابق.
قال الإمام المفسر القرطبي: «وقد أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام من المتأخرين جواز النّسخ، وهم محجوجون بإجماع السّلف السابق على وقوعه في الشريعة» .
(1) قاعدة مقررة في أصول الفقه. انظر أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي 2/ 954.