الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثمرة الخلاف:
إن المعاني التي أدت إليها القراءتان متقاربة؛ فهي أولا أفادت نفي المماثلة بين سقاية الحاج والإيمان، فكانت على تقدير: لا يستوي من قام بسقاية الحاج، ومن آمن بالله، واليوم الآخر.
وأفادت ثانيا نفي المماثلة بين سقاة الحاج، وعمارة المسجد الحرام، وبين المؤمنين، فالمؤدى المفهوم من القراءتين جميعا، أن الأعمال غير متساوية، والأفراد غير متساوين، إذ لا يقبل الله عملا يقوم به عامل مع فساد العقيدة، وهو أصل مقرر في فروع الشريعة، وقد دلّ له قوله سبحانه:
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: 25/ 23].
وفي الحديث القدسي: «إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري» (1).
المسألة العاشرة:
قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: 5/ 95].
قرأ الكوفيون ويعقوب: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، وقرأ الباقون:(فجزاء مثل ما قتل من النّعم)(2) فمن رفعهما جميعا فرفعه على معنى: فعليه جزاء مثل الذي قتل، فيكون مثل ما نعت الجزاء، ويجوز أن يكون التقدير على أساس أنهما مبتدأ وخبر، فيكون المعنى: فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل.
وعلى ذلك تتوجه قراءة الخفض إلى معنى: فجزاء مثل المقتول واجب عليه، وقد تعددت مذاهب الفقهاء تبعا لاختلاف الرواية في هذا الموطن، فقالت الحنفية: من قتل الصيد فإنه يقوم الصيد المقتول من الدراهم، ثم يشتري قيمته فداء من النّعم ثم يهديه إلى الكعبة لأن المطلوب قيمته، بدليل أن الجزاء أضيف إلى المثل: فجزاء مثل، كما في قراءة الجميع إلا الكوفيين ويعقوب، والشيء
(1) رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء.
(2)
تقريب النشر 109. وعبارة طيبة النّشر:
ظهرا ومثل رفع خفضهم وسم
…
والعكس في كفارة طعام (عم)
لا يضاف إلى مثله، فوجب المصير إلى قيمته، حيث تيقّنّا هنا أن المطلوب ليس المثل، وإنما هو ما يعادله قيمته (1).
وقد أجرى الحنفية قاعدتهم هذه في كثير من مسائل الكفارات والنذور كما في صدقة الفطر.
ولهذا المذهب تطبيقات كثيرة في التفسير، وهي مسموعة من كلام العرب، كما في قولهم:
مثلك من يكرم، ونظيره في القرآن الكريم: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [الأنعام: 6/ 122]، أي كمن هو في الظلمات.
ومن أشهر التطبيقات لهذه القاعدة ما اتّفق عليه المفسرون في قوله سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشّورى: 42/ 11]، فلا بدّ من المصير في هذا المقام إلى ما فهمته الحنفية، وهو أن (مثل) هنا زائدة، ويمكن القول: إنما تتجه الآية إلى نفي شبيه الشبيه عن المولى سبحانه، وهو زيادة في التّنزيه (2).
فجملة القول أن مختار الحنفية يتجه إلى أن المطلوب إنفاق قيمة ما قتل من الصيد، اعتمادا على القراءة المتواترة إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه.
قال أبو حنيفة: تجب القيمة بقتل الصيد أو الدلالة عليه (3).
واختارت الشافعية: أن المحرم إذا أصاب صيدا في الحرم فقد وجب عليه مثل المقتول إن كان له مثل، فإن لم يكن له مثل فلا بدّ من المصير إلى القيمة (4).
وتجد أن شقة الخلاف تضيق بين القوم فيما ليس له مثل مشروع من النعم، ويتحدد مناط الخلاف فيما كان له مثل مكافئ من النّعم، فالحنفية على مذهبهم لزوم القيمة، والإعراض عن كفارة الدّم بالدّم، والشافعية على مذهبهم في المصير إلى نحر المثل حيث وجد، وإلا فالمطلوب القيمة.
وعبارة الشربيني: في النّعامة بدنة، وفي بقر الوحش وحماره بقرة، وفي الغزال عنز، وفي
(1) حجة القراءات لأبي زرعة 237. وانظر كذلك الجامع لأحكام القرآن 6/ 309.
(2)
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/ 309.
(3)
اللباب، شرح الكتاب لعبد الغني الغنيمي الميداني 1/ 206.
(4)
مغني المحتاج للخطيب الشربيني 1/ 524.