الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني نقط القرآن الكريم وشكله
المبحث الأول مرحلة شكل القرآن وعلاقتها بضبط القراءات
كان القرآن الكريم في الكتبة الأولى ثم في مصاحف عثمان بغير نقط ولا شكل، ولم يكن ثمة إشكال في هذا الجانب؛ إذ الأمة إنما تتلقّى القراءة بالمشافهة، وعلى ذلك العمدة، والسلائق سليمة والحفّاظ متوافرون.
ولكن ذلك لم يدم طويلا بعد عثمان رضي الله عنه إذ اختلط الناس عقب حركة الفتوح بالأعاجم، ودخل الموالي والأعاجم في الإسلام، ولا شك أن كل مسلم مأمور بقراءة القرآن الكريم، وبوسعك أن تتصور مدى الحاجة المؤكدة لتيسير تلاوة القرآن للناس.
ولن نطيل هنا في القراءة التاريخية لمراحل شكل القرآن، فهذا مما كثرت فيه الدراسات، وتعدّدت حوله الرّوايات، وغاية ما نذكره هنا أن عملية شكل القرآن الكريم بدأت في زمن الخليفة الراشدي علي بن أبي طالب، وقد عهد بها إلى بعض كبار أئمة النّحو أمثال أبي الأسود الدؤلي (1)،
(1) أبو الأسود الدؤلي (1 ق. هـ- 69 هـ): هو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي الكناني، واضع علم النحو، كان معدودا في الفقهاء والأعيان والفرسان. تابعي، سكن البصرة في خلافة عمر، وولي إمارتها في أيام علي وشهد معه صفّين، ولما بويع لمعاوية قصده فأكرمه معاوية، وله شعر أيضا. مات بالبصرة. الأعلام 3/ 238.
ويحيى بن يعمر (1)، والحسن البصري (2)، ونصر بن عاصم الليثي (3)، ولا يمكنك هنا الجزم بنسبة شكل القرآن الكريم إلى واحد من هؤلاء الأربعة؛ إذ هو لم يتمّ بالتأكيد بين يوم وليلة، ولم يصدر عن رجل منهم في غداة فحظي بإجماع الأمة في عشية، بل ظلّ في الناس من يكره ذلك كله وينكره، ومن يدعو إلى تعديله وإصلاحه، ومن يدعو إلى اعتماده، وكان أشهر من يعارض ذلك كله الصحابي الجليل: عبد الله بن مسعود الذي كان يقول: جرّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء (4)؛ بل نقل عن مجاهد من أئمة التابعين أنه كره تطييب المصاحف بالطيب، أو وضع أوراق الورد بين صحائفها، ولكن ذلك الاتّجاه ركن في النهاية إلى ضرورة الشكل في القرآن الكريم، وكان من أول الآراء الواعية الناضجة لذلك رأي الإمام مالك الذي يقول فيه: لا بأس بالنّقط والشكل في المصاحف التي تتعلم فيها العلماء أما الأمهات فلا (5).
ويمكن اختصار وجوه الأقوال بما استقرّ عليه العمل آخر المطاف، وهو فتوى النووي في التبيان بقوله:«قال العلماء: يستحبّ نقط المصحف وشكله، فإنه صيانة من اللحن فيه وتصفية، وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط، فإنما كرهها في ذلك الزمان خوفا من التّغيّر فيه، وقد أمن ذلك لكونه محدثا، فإنه من المحدثات الحسنة، فلا يمنع منه كنظائره مثل تصنيف العلم، وبناء المدارس، والرّباطات، وغير ذلك» (6).
وقد أوجز السيوطي تاريخ تدوين الشكل بقوله: «كان الشكل في الصّدر الأول نقطا، فالفتحة نقطة على الحرف والضّمة على آخره والكسرة تحت أوله، وعليه مشى الدّاني، والذي اشتهر
(1) يحيي بن يعمر (
…
- 129 هـ): هو يحيى بن يعمر الواشقي العدواني، أبو سليمان، أول من نقّط المصاحف، ولد بالأهواز وسكن البصرة، كان من علماء التابعين، عارف بالحديث والفقه ولهجات العرب، أخذها عن أبيه، وأخذ النحو عن الدؤلي، ولي قضاء مرو ثم عزل، وولي القضاء بالبصرة إلى أن مات بها. الأعلام 3/ 177.
(2)
سبقت ترجمته في صفحة 79.
(3)
نصر بن عاصم الليثي (
…
- 89 هـ): هو نصر بن عاصم الليثي، من أوائل واضعي النحو مع الدؤلي السابق وعبد الرحمن بن هرمز، فوضعوا للنحو أبوابا، وأصّلوا له أصولا، قال عنه ياقوت: كان من فقهاء التابعين، عالما بالعربية، أخذ النحو عن يحيى بن يعمر، وأخذ عنه أبو عمرو بن العلاء. مات بالبصرة.
(4)
مباحث في علوم القرآن: 94.
(5)
الإتقان 2/ 291.
(6)
التّبيان للنووي 24.
الآن الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف، وهو الذي أخرجه الخليل، وهو أكثر وأوضح، وعليه العمل، فالفتح شكلة مستطيلة فوق الحرف، والكسر كذلك تحته، والضّم واو صغرى فوقه، والتّنوين زيادة مثلها» (1).
وهكذا فقد مرّت عملية تحسين الرسم بمرحلتين اثنتين: نقط الإعراب، وهو ما نسمّيه بالتّشكيل، ونقط الإعجام، وهو ما نسمّيه بالتّنقيط، ولا يخفى أن ما نتحدّث عنه في هذا المبحث هو نقط الإعراب، أي التّشكيل.
والذي يعنينا هنا من أمر شكل القرآن هو أثر هذه الخطوة على القراءات، فقد نتج عن شكل القرآن غياب كثير من القراءات المشروعة (المتواترة) من النص القرآني فمثلا:
في سورة البروج تمّ شكل الآيات على الشكل الآتي:
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ: وهي قراءة جماهير القرّاء الأئمة، فغابت حينئذ قراءة مشروعة- متواترة- وهي: ذو العرش المجيد- بالخفض- وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ: وهي قراءة جمهور القرّاء، فغابت حينئذ قراءة مشروعة- متواترة- وهي: في لوح محفوظ- بالرفع- وهي قراءة نافع.
وفي سورة الفجر تمّ شكل الآيات على الشكل الآتي:
وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ: وهي قراءة الجمهور، فغابت حينئذ قراءة مشروعة- متواترة- وهي: والشفع والوتر- بالكسر- وهي قراءة حمزة وخلف والكسائي.
لا يُعَذِّبُ وَلا يُوثِقُ:- بالكسر في الموضعين- وهي قراءة الجمهور، فغابت حينئذ قراءة مشروعة- متواترة- وهي: لا يعذّب، ولا يوثق- بالفتح- وهي قراءة الكسائي ويعقوب.
ويطرح هنا سؤال بدهي لا بدّ من الإجابة عليه:
كيف تسنّى لهم أن يطرحوا قراءة متواترة هي بإجماع الأمة جزء من القرآن الكريم؟
(1) الإتقان 2/ 171.