الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والعرب تقول: (نحن لكم على بني فلان ولاية) أي أنصار (1).
وثمرة الخلاف:
أن الآية نفت عن المسلمين وجوب النصرة لمن آمن ولم يهاجر، ونفت عنهم أيضا حق الإرث فيهم، فكأنها قالت: ما لهم عليكم نصرة، وما لكم فيهم من ميراث، ولا يؤخذ هذان الحكمان من قراءة واحدة بل من القراءتين معا.
وقد أحكمت قراءة الجمهور، فيما نسخ حكم قراءة حمزة بعد أن عمل بها المسلمون زمنا حين أنزل الله توريث ذوي الأرحام.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، فآخى بين حمزة بن عبد المطلب وبين زيد بن حارثة، وبين عمر بن الخطاب ومعاذ بن عفراء، وبين الزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وبين أبي بكر الصّدّيق وطلحة بن عبيد الله، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وقال لسائر أصحابه تآخوا وهذا أخي يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: فأقام المسلمون على ذلك حتى نزلت سورة الأنفال، وكان مما شدّد الله به عقد نبيه صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا
إلى قوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
فأحكم الله تعالى بهذه الآيات العقد الذي عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار يتوارث الذين تآخوا دون من كان مقيما بمكة من ذوي الأرحام والقرابات، فمكث الناس على ذلك العقد ما شاء الله.
ثم أنزل الله الآية الأخرى، فنسخت ما كان قبلها، فقال:
(1) حجة القراءات لأبي زرعة بن زنجلة، ط مؤسسة الرسالة 314. وانظر سراج القاري لابن القاصح العذري، ط البابي الحلبي 236. وعبارة الشاطبي:
ولا يتهم بالكسر فز وبكهفه
…
شفا
…
...
…
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ رجع كل رجل إلى نسبه ورحمه، وانقطعت تلك الوراثة (1).
والخلاصة أن الآية يفهم منها معنيان:
الأول: الميراث هو قراءة الكسر.
الثاني: النّصرة وهو قراءة الخفض.
فالأول باق تلاوة منسوخ حكما، والثاني باق تلاوة وحكما.
وهذا القول بأن الولاية بالكسر محمولة على الميراث، هو الذي دلّ عليه السياق، واختاره جماهير المفسرين والنّحاة، كما نقلنا عن الفراء؛ لكن نقل القرطبي هذه القراءة، وعزاها إلى يحيى بن وثاب، والأعمش أيضا، ثم قال: قيل هي لغة في الولاية، ثم قال: والفتح في هذا أبين وأحسن، لأنه بمعنى النصرة والنسب، وقد تطلق الولاية بمعنى الإمارة (2).
وكذلك فإن القاضي ابن العربي نقل المعنيين جميعا من قراءة واحدة، وهي قراءة الفتح، فقال: ما لكم من ولايتهم من شيء: قيل: من النصرة لبعد دارهم، وقيل: من الميراث لانقطاع ولايتهم.
وللإمام الرازي الجصاص تحرير لطيف في هذه المسألة لكنه لم يتطرق فيه لأمر القراءة، كأنه كان يرى أنهما لغتان في معنى التوارث، وهاك نصه:
اختلف السلف في أن التوارث كان ثابتا بينهم بالهجرة والأخوة التي آخى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم دون الأرحام، وأن ذلك مراد هذه الآية، وأن قوله تعالى: أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الأنفال: 8/ 75]، وقد أريد به إيجاب التوارث بينهم، وأن قوله: ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال: 8/ 72]، وقد نفى إثبات التوارث بينهم بنفيه الموالاة بينهم، وفي هذا دلالة على أن إطلاق لفظ الموالاة يوجب التوارث وإن كان يختص به بعضهم دون جميعهم، على حسب وجود الأسباب المؤكدة له؛ كما أن النسب سبب يستحق به الميراث، وإن كان بعض
(1) انظر الدّر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي، ط دار المعرفة 3/ 205. ورواه كذلك ابن جرير الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ومن طريق قتادة، وانظر كذلك فتح الباري للحافظ ابن حجر 8/ 249.
(2)
انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/ 56.