الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(بَاب لَا يشْتَرط عَدَالَة الشُّهُود فِي النِّكَاح)
لِأَنَّهُ عقد مُعَاوضَة كَالْبيع، وَاشْتِرَاط إِحْضَار الشَّاهِدين لم يكن لتحمل الشَّهَادَة وأدائها، بل لإعلان النِّكَاح وإظهاره ليتميز عَن مواعيد (السفاح) الَّتِي تجرى فِي خَفَاء.
فَإِن قيل: فقد روى الدَّارَقُطْنِيّ: عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] : " لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل، وَأَيّمَا امْرَأَة أنْكحهَا ولي مسخوط عَلَيْهِ فنكاحها بَاطِل ".
قيل لَهُ: هَذَا لَا يَصح لِأَن فِي سَنَده (عِيسَى بن أبي حَرْب)، قَالَ فِيهِ يحيى بن معِين:(لَيْسَ بِثِقَة) . وَإِن صَحَّ فَهُوَ مثل قَوْله [صلى الله عليه وسلم] : " لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد ". فَمَا أُجِيب عَن ذَلِك فَهُوَ جَوَاب عَن هَذَا.
(بَاب يَصح النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة وَالتَّمْلِيك)
رُوِيَ فِي الصَّحِيح عَن سهل بن سعد رضي الله عنه: " أَن امْرَأَة جَاءَت إِلَى
النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] فَقَالَت: جِئْت أهب لَك نَفسِي، فَنظر إِلَيْهَا بعض الصَّحَابَة فَقَالَ: يَا رَسُول الله زَوجنِي بهَا، فَقَالَ:(أَمَعَك) شَيْء؟ فَقَالَ: مَا معي إِلَّا سُورَة كَذَا. فَقَالَ: اذْهَبْ فقد ملكتكها ". فَدلَّ على أَن لفظ الْهِبَة وَالتَّمْلِيك وَنَحْوهمَا كَانَت متعارفة بَينهم.
فَإِن قيل: قَالَ عليه السلام: " أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة الله ". (وَكلمَة الله هِيَ) الَّتِي فِي كِتَابه، وَهِي لفظ الْإِنْكَاح وَالتَّزْوِيج.
قيل لَهُ: المُرَاد معنى الْمَذْكُور فِي الْكتاب لَا عينه، وَلَو أُرِيد عينه فَلفظ الْهِبَة مَذْكُور (فِي الْكتاب) فِي قَوْله تَعَالَى:{وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي} ، ومذكور فِي (الحَدِيث الَّذِي روينَاهُ. ثمَّ) فِيهِ بَيَان / انْعِقَاد النِّكَاح بِهَذِهِ الْكَلِمَة، وَلَيْسَ فِيهِ نفي غَيرهَا. وَإِنَّمَا خصها بِالذكر لِأَنَّهَا أغلب.
قَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ رحمه الله: قَالَ قَائِلُونَ: كَانَ عقد النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة مَخْصُوصًا بِالنَّبِيِّ [صلى الله عليه وسلم] ، (وَقَالَ آخَرُونَ بل كَانَ لَهُ ولأمته، وَإِنَّمَا كَانَ (خُصُوصِيَّة) النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] ) فِي جَوَاز اسْتِبَاحَة الْبضْع بِغَيْر بدل، وَرُوِيَ نَحْو ذَلِك عَن مُجَاهِد،
وَسَعِيد بن الْمسيب، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، لدلَالَة الْآيَة وَالْأُصُول عَلَيْهِ.
فدلالة الْآيَة من وُجُوه: الأول: (قَوْله عز وجل {وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها خَالِصَة لَك} ، فَلَمَّا أخبر فِي هَذِه الْآيَة أَن ذَلِك كَانَ خَالِصا لَهُ دون غَيره من الْمُؤمنِينَ مَعَ إِضَافَة لفظ الْهِبَة إِلَى الْمَرْأَة، دلّ ذَلِك أَن مَا خص بِهِ عليه السلام من ذَلِك إِنَّمَا هُوَ اسْتِبَاحَة الْبضْع بِغَيْر بدل، لِأَنَّهُ لَو كَانَ المُرَاد اللَّفْظ لما شَاركهُ فِيهِ غَيره، لِأَن مَا كَانَ مَخْصُوصًا بِهِ وخالصا (لَهُ) فَغير جَائِز أَن يَقع بَينه وَبَين غَيره فِيهِ شركَة حَتَّى نساويه فِيهِ، إِذْ كَانَت مساواتهما فِي الشّركَة تزيل معنى التَّخْصِيص. فَلَمَّا أضَاف لفظ الْهِبَة إِلَى الْمَرْأَة، فَأجَاز (العقد مِنْهَا) بِلَفْظ الْهِبَة، علمنَا أَن التَّخْصِيص لم يَقع فِي اللَّفْظ وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْمهْر.
فَإِن قيل: قد شاركته فِي حق جَوَاز تمْلِيك الْبضْع بِغَيْر عوض، وَلم يمْنَع ذَلِك خلوصها لَهُ فَكَذَلِك فِي لفظ العقد.
قيل لَهُ: هَذَا غلط، لِأَنَّهُ تَعَالَى أخبر أَنَّهَا خَالِصَة، وَإِنَّمَا جعل الخلوص فِيمَا هُوَ لَهُ، وَإِسْقَاط الْمهْر فِي العقد لَيْسَ لَهَا، وَلكنه عَلَيْهَا. فَلم يُخرجهُ ذَلِك من أَن يكون مَا جعل لَهُ خَالِصا لم تشركه فِيهِ الْمَرْأَة (وَلَا غَيرهَا) .
وَالْوَجْه الثَّانِي: {إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها} فَسمى العقد بِلَفْظ الْهِبَة نِكَاحا، فَوَجَبَ أَن يكون (الْكل وَاحِدًا) إِلَّا أَن يقوم دَلِيل الْخُصُوص. ثمَّ لما أشبه عقد النِّكَاح عُقُود التمليكات إِذْ كَانَ التَّوْقِيت يُفْسِدهُ وَجب أَن _ يجوز) بِلَفْظ التَّمْلِيك. وَالله أعلم.