الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَبَا بكر الصّديق رضي الله عنه نحلهَا (جاد عشْرين) وسْقا من مَاله (بِالْغَابَةِ) فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة قَالَ: وَالله يَا بنية مَا من أحد من النَّاس أحب إِلَيّ (غنى) بعدِي مِنْك، وَلَا أعز عَليّ فقرا بعدِي مِنْك، وَإِنِّي كنت نحلتك (جاد عشْرين) وسْقا، وَلَو كنت جذذتيه (واحتزتيه) كَانَ لَك، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم مَال وَارِث، وَإِنَّمَا هما أَخَوَاك (وَأُخْتَاك) فاقتسموا على كتاب الله عز وجل ".
(بَاب العَبْد لَا يملك وَإِن ملك)
قَالَ الله تَعَالَى: {ضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء} ، مَمْلُوكا: نكرَة شَائِع فِي جنس العبيد كَقَوْلِه: لَا تكلم عبدا (قطّ، واعط) هَذَا عبدا، وَكَقَوْلِه تَعَالَى:{يَتِيما ذَا مقربة أَو مِسْكينا ذَا مَتْرَبَة} . فَكل من لحقه هَذَا الِاسْم فقد انتظمه هَذَا الحكم (إِذا كَانَ) لفظا منكورا، ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون المُرَاد نفي الْقُدْرَة،
أَو نفي الْملك، أَو نفيهما. وَمَعْلُوم أَنه لم يرد بِهِ نفي الْقُدْرَة إِذْ كَانَ الْحر وَالْعَبْد لَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْقُدْرَة من حَيْثُ اخْتلفَا فِي الْحُرِّيَّة وَالرّق، لِأَن العَبْد قد يكون أقدر من الْحر، فَثَبت أَنه أَرَادَ نفي الْملك.
وَوجه آخر وَهُوَ أَنه جعله مثلا للأصنام تَشْبِيها بالعبيد المملوكين فِي نفي الْملك، وَمَعْلُوم أَن الْأَصْنَام لَا تملك شَيْئا، فَوَجَبَ أَن يكون من ضرب الْمثل بِهِ لَا يملك شَيْئا وَإِلَّا لزالت فَائِدَة ضرب الْمثل، وَكَانَ حِينَئِذٍ ضرب الْمثل بِالْحرِّ وَالْعَبْد سَوَاء.
وَأَيْضًا لَو أَرَادَ عبدا بِعَيْنِه لَا يملك شَيْئا، وَجَاز أَن يكون من العبيد من يملك شَيْئا، لقَالَ: ضرب الله مثلا رجلا لَا يقدر على شَيْء فَلَمَّا خص العَبْد بذلك دلّ على (أَن) وَجه تَخْصِيصه أَنه لَيْسَ مِمَّن يملك، وَلَو أَرَادَ عبدا بِعَيْنِه لعرفه بِالْألف وَاللَّام وَلم يذكرهُ بِلَفْظ منكور.
وَأَيْضًا مَعْلُوم أَن الْخطاب فِي ذكر عَبدة الْأَوْثَان والاحتجاج عَلَيْهِم، أَلا ترى إِلَى قَوْله:{ويعبدون من دون الله مَا لَا يملك لَهُم رزقا من السَّمَاوَات وَالْأَرْض شَيْئا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال} . / ثمَّ قَالَ: {ضرب الله مثلا} فَأخْبر أَن مثل مَا يعْبدُونَ مثل العبيد والمماليك الَّذين لَا يملكُونَ شَيْئا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) أَن يملكُوا، وَلَو كَانَ المُرَاد عبدا بِعَيْنِه، وَكَانَ العَبْد مِمَّن يملك، مَا كَانَ بَينه وَبَين الْحر فرق، وَكَانَ تَخْصِيص العَبْد بِالذكر لَغوا، فَثَبت أَن الْمَعْنى نفي الْملك للْعَبد رَأْسا.
وَقَوله: {أبكم} أَرَادَ بِهِ عبدا (أبكم)، أَلا ترى إِلَى قَوْله:{وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ} فَدلَّ على أَن المُرَاد (العَبْد) ، كَأَنَّهُ ذكر أَولا عبدا غير أبكم، وَجعله مثلا
للصنم فِي نفي الْملك، (ثمَّ) زَاده نقصا بقوله:" أبكم " مُبَالغَة فِي وصف الْأَصْنَام بِالنَّقْصِ وَقلة الْخَيْر، وَلَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ " ابْن الْعم " لِأَن نَفَقَته لَا تلْزم، وَلَيْسَ لَهُ تَوْجِيهه فِي أُمُوره، وَلَا معنى لذكر ابْن الْعم هَهُنَا، لِأَن (الْأَب) وَالْأَخ وَالْعم أقرب إِلَيْهِ من ابْن الْعم (فَحَمله على ابْن الْعم (يزِيل فَائِدَته) ، وَأَيْضًا فَإِن الْمولى إِذا أطلق يَقْتَضِي مولى الرّقّ، أَو مولى النِّعْمَة، وَلَا ينْصَرف إِلَى ابْن الْعم) إِلَّا بِدلَالَة، وَقد سمى الله الْأَصْنَام عبادا بقوله:{إِن الَّذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} وَلَو ملك العَبْد شَيْئا لما جَازَ للْمولى أَخذه مِنْهُ لأجل ملكه (لَهُ) ، كَمَا لَا يملك طَلَاق امْرَأَته وَوَطْء زَوجته وَهِي أمة الْمولى.