الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(كتاب الْجِنَايَات)
(بَاب لَيْسَ فِي (قتل) الْعمد إِلَّا الْقصاص إِلَّا أَن يصطلح على مَال)
البُخَارِيّ: عَن أنس: " أَن الرّبيع بنت النَّضر عمته لطمت جَارِيَة فَكسرت سنّهَا، فعرضوا عَلَيْهِم الْأَرْش فَأَبَوا، فطلبوا الْعَفو فَأَبَوا، فَأتوا النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] فَأَمرهمْ بِالْقصاصِ، فجَاء أَخُوهَا أنس بن النَّضر فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أتكسر سنّ الرّبيع، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا تكسر سنّهَا، قَالَ: يَا أنس كتاب الله الْقصاص، (فَعَفَا) الْقَوْم. فَقَالَ رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] : إِن من عباد الله من لَو أقسم على الله لَأَبَره ". فَثَبت بِهَذَا الحَدِيث أَن الَّذِي يجب بِكِتَاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله [صلى الله عليه وسلم] فِي الْعمد هُوَ الْقصاص، لِأَنَّهُ
لَو كَانَ يجب للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ الْخِيَار بَين الْقصاص وَبَين أَخذ الدِّيَة إِذا لخيرها رَسُول الله [صلى الله عليه وسلم] ، ولأعلمها بِمَا تخْتَار من ذَلِك، وَلما حكم لَهَا بِالْقصاصِ بِعَيْنِه وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن يحمل قَوْله عليه السلام لما فتح مَكَّة:" فَمن قتل لَهُ بعد مَقَالَتي هَذِه قَتِيل فأهله بَين (خيرتين) ، إِن شاؤوا قتلوا وَإِن شاؤوا أخذُوا الدِّيَة ".
وَفِي حَدِيث آخر: " من قتل لَهُ قَتِيل فَهُوَ بِخَير النظرين، إِمَّا أَن يقتل، أَو يودى، على أَخذ الدِّيَة برضى الْقَاتِل حَتَّى تتفق مَعَاني الْآثَار.
وَيُؤَيِّدهُ مَا روى البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنه قَالَ: " كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل الْقصاص، وَلم يكن فيهم الدِّيَة، فَقَالَ الله لهَذِهِ الْأمة: (كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى الْحر بِالْحرِّ وَالْعَبْد بِالْعَبدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى، فَمن عُفيَ لَهُ من أَخِيه
شَيْء} . فالعفو أَن يقبل الدِّيَة فِي الْعمد، (فاتباع بِالْمَعْرُوفِ) وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان " أَن يطْلب هَذَا بِمَعْرُوف وَيُؤَدِّي (هَذَا) بِإِحْسَان " ذَلِك تَخْفيف من ربكُم وَرَحْمَة " مِمَّا كتب على من كَانَ قبلكُمْ، " فَمن اعْتدى / بعد ذَلِك ": قيل بعد قبُول الدِّيَة، " فَلهُ عَذَاب أَلِيم ".
أَو نقُول: التَّخْيِير من الشَّرْع تَجْوِيز الْفِعْلَيْنِ، وَبَيَان المشروعية فيهمَا، وَنفي الْحَرج عَنْهُمَا، كَقَوْلِه عليه السلام فِي الربويات:" إِذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم "، مَعْنَاهُ تَجْوِيز البيع مفاضلة ومماثلة، بِمَعْنى دفع الْحَرج عَنْهُمَا. وَلَيْسَ فِيهِ أَن يسْتَقلّ بِهِ دون (رضى) المُشْتَرِي. كَذَا هُنَا بَين جَوَاز الْقصاص وَجَوَاز أَخذ الدِّيَة، وَلَيْسَ فِيهِ (استقلاله ليستغنى) عَن رضى الْقَاتِل.
فَإِن قيل: تَعْلِيق الِاسْتِيفَاء فِي الطَّرفَيْنِ على اخْتِيَاره دَلِيل على الِاسْتِقْلَال، فَإِذا (أوقفتموه) على رضَا الْقَاتِل، فقد قُلْتُمْ: إِن أَحبُّوا وَرَضي الْجَانِي أَخذ الْعقل، وَهُوَ زِيَادَة على النَّص، فَيكون نسخا عنْدكُمْ.
قيل لَهُ: هَب أَنا أثبتنا زِيَادَة على النَّص لَكِنَّهَا غير مَحْذُورَة، لِأَنَّهَا ثَابِتَة بِدَلِيل مثل الأَصْل أَو أقوى مِنْهُ. أَو نقُول: إِنَّمَا اقْتصر على ذكر الْمَجْنِي عَلَيْهِ، لِأَن رضى الْجَانِي بِالدِّيَةِ كالمفروغ مِنْهُ، إِذْ يبعد امْتِنَاعه بعد رضى (الْقَاتِل) .
فَإِن قيل: فَمَا ذَلِك الدَّلِيل الَّذِي (هُوَ) مثل الأَصْل أَو أقوى (مِنْهُ) ؟
قيل لَهُ: الْإِجْمَاع، وَهُوَ أَنا أجمعنا (على أَن الْوَلِيّ إِذا قَالَ للْقَاتِل رضيت أَن آخذ دَارك على أَن لَا أَقْتلك، أَنه يجب على الْقَاتِل فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى أَن يسلم الدَّار إِلَيْهِ، ويحقن دَمه، وَإِن أَبى لَا يجْبر على ذَلِك، وَلم نَأْخُذ مِنْهُ كرها.
فَإِن قيل: (قد) أخبر الله فِي هَذِه الْآيَة أَن للْوَلِيّ أَن يعْفُو وَيتبع الْقَاتِل بِإِحْسَان، فَيَأْخُذ الدِّيَة من الْقَاتِل وَإِن لم يكن اشْترط ذَلِك فِي عَفوه.
قيل لَهُ: الْعَفو فِي اللُّغَة: الْبَدَل، كخذ الْعَفو أَي مَا سهل، فَإِذا الْمَعْنى: فَمن بذل لَهُ شَيْء من الدِّيَة فليقبل، وليتبع بِالْمَعْرُوفِ وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك فِي الدَّم الَّذِي يكون بَين جمَاعَة فيعفو (أحدهم) فَيتبع الْبَاقُونَ الْقَاتِل بحقهم من الدِّيَة بِالْمَعْرُوفِ. فَهَذِهِ تأويلات قد تأولت الْعلمَاء هَذِه الْآيَة عَلَيْهَا. فَلَا حجَّة لبَعض على بعض فِيهَا إِلَّا بِدَلِيل آخر فِي آيَة أُخْرَى مُتَّفق على تَأْوِيلهَا، أَو سنة، أَو إِجْمَاع.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد رُوِيَ عَن أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ، عَن النَّبِي [صلى الله عليه وسلم] قَالَ:" من قتل لَهُ قَتِيل فَلهُ أَن يقتل أَو يعْفُو أَو يَأْخُذ الدِّيَة ". فقد جعل عَفْو الْوَلِيّ غير أَخذ الدِّيَة. فَثَبت بذلك إِذا عَفا فَلَا دِيَة لَهُ، (وَإِذا كَانَ لَا دِيَة لَهُ) إِذا عَفا ثَبت بذلك أَن الَّذِي كَانَ / وَجب لَهُ هُوَ الدَّم، وَأَن أَخذه الدِّيَة الَّتِي أبيحت لَهُ هُوَ بِمَعْنى أَخذهَا بَدَلا عَن الْقَتْل، والأبدال لَا تجب إِلَّا برضى من تجب لَهُ ورضى من تجب عَلَيْهِ.