الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
فِي تَعْلِيقِهِ بِالْمَشِيئَةِ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ، أَوْ كَيْفَ شِئْتِ، أَوْ حَيْثُ شِئْتِ، أَوْ مَتَى شِئْتِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَقُولَ: قَدْ شِئْتُ، سَوَاءٌ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ كَالِاخْتِيَارِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ، فَقَالَتْ: قَدْ شِئْتُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الْمُحَرَّرِ " الْخِلَافَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، إِذْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ وَلَمْ يُوجَدْ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ: حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَّا يَأْتِيَ أَرْمِينِيَّةَ إِلَّا بِإِذْنِ امْرَأَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، فَقَالَ: لَا حَتَّى تَقُولَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَضَبِ وَالْكَرَاهَةِ، وَلَوْ قَالَتْ هَذَا بِطِيبِ قَلْبِهَا كَانَ إِذْنًا مِنْهَا، وَلَهُ الْخُرُوجُ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ عَامٍّ.
[فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِ الطلاق بِالْمَشِيئَةِ]
فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْمَشِيئَةِ (إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ، أَوْ كَيْفَ شِئْتِ، أَوْ حَيْثُ شِئْتِ، أَوْ مَتَى شِئْتِ) أَوْ أَيَّ وَقْتٍ شِئْتِ (لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَقُولَ: قَدْ شِئْتُ) ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا يُعْلَمُ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ اللِّسَانُ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِمَا يُنْطَقُ بِهِ دُونَ مَا فِي الْقَلْبِ، فَلَوْ شَاءَتْ بِقَلْبِهَا دُونَ نُطْقِهَا لَمْ تُطَلَّقْ، وَلَوْ شَاءَتْ وَهِيَ كَارِهَةٌ، طُلِّقَتِ اعْتِبَارًا بِالنُّطْقِ، وَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ مَشِيئَتِهَا لَمْ يَصِحَّ رجوعه - عَلَى الْأَصَحِّ - كَبَقِيَّةِ التَّعْلِيقِ (سَوَاءٌ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي) نَصَّ عَلَيْهِ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَةِ فُلَانٍ، وَقَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى شَرْطٍ أَشْبَهَ سَائِرَ التَّعْلِيقَاتِ؛ وَلِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ مُعَلَّقٍ عَلَى الْمَشِيئَةِ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَالْعِتْقِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ كَالِاخْتِيَارِ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلطَّلَاقِ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَاخْتَارِي، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " مِنْ حَيْثُ إِنَّ " اخْتَارِي " لَيْسَ شَرْطًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيرٌ مَحْضٌ، فَيَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ
إِنْ شِئْتَ، فَقَالَ: قَدْ شِئْتُ - لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ وَشَاءَ أَبُوكِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَشَاءَا، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ، فَمَاتَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ بِخِلَافِ الْمَشِيئَةِ، فَإِنَّهَا هُنَا شَرْطٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى " إِنْ " فَإِنْ قَيَّدَ الْمَشِيئَةَ بِوَقْتٍ، تَقَيَّدَ بِهِ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ، فَقَالَتْ: قَدْ شِئْتُ إِنْ شِئْتَ، فَقَالَ: قَدْ شِئْتُ - لَمْ تُطَلَّقْ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَشِيئَةٌ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهَا تَعْلِيقُ مَشِيئَتِهَا بِشَرْطٍ، وَلَيْسَ بِمَشِيئَةٍ، لَا يُقَالُ: إِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ يَجِبُ أَنْ يُوجَدَ مَشْرُوطُهُ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ، فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ، وَوَجْهُ الْمُلَازَمَةِ إِذَا صَحَّ التَّعْلِيقُ، وَكَذَا إِنْ قَالَتْ: قَدْ شِئْتُ إِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ وَشَاءَ أَبُوكِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى يَشَاءَا) ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ بِمَشِيئَتِهِمَا، فَلَا تُطَلَّقُ بِمَشِيئَةِ أَحَدِهِمَا؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَخَرَّجَ الْقَاضِي أَنَّهَا تُطَلَّقُ بِمَشِيئَةِ أَحَدِهِمَا، كَفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ كَيْفَ شَاءَا طُلِّقَتْ، فَإِنْ شَاءَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْفَوْرِ وَالْآخَرُ عَلَى التَّرَاخِي - وَقَعَ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ وُجِدَتْ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
فُرُوعٌ: إِذَا قَالَ: إِذَا ضَاجَعْتُكِ عَلَى فِرَاشٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَاضْطَجَعَتْ هِيَ مَعَهُ، فَقَامَ لِوَقْتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا حَنِثَ.
وَلَوِ اخْتَصَمَ رَجُلَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: زَوْجَةُ السِّفْلَةِ - بِكَسْرِ السِّينِ مَعَ إِسْكَانِ الْفَاءِ - مِنَّا طَالِقٌ، فَقَالَ الْآخَرُ: نَعَمْ، قَالَ أَحْمَدُ: السِّفْلَةُ الَّذِي لَا يُبَالِي بِمَا قَالَ، وَلَا مَا قِيلَ فِيهِ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ الَّذِي يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِلَا مِئْزَرٍ، وَلَا يُبَالِي عَلَى أَيِّ مَعْصِيَةٍ رُئِيَ.
إِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَفْعَلَنَّ مُحَرَّمًا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ فِعْلُهُ، وَتُطَلَّقُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَطَأَنَّ زَوْجَتَهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ فَإِذَا هِيَ حَائِضٌ، قَالَ: لَا يَطَؤُهَا وَتُطَلَّقُ، فَإِنْ فَعَلَهُ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَلَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ وَقْتًا لِفِعْلِهِ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا فِي آخِرِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ، فَمَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ خَرِسَ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ - لَمْ تُطَلَّقْ) اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ لَمْ يُوجَدْ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى
قَبْلَ الْمَشِيئَةِ - لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ شَاءَ وَهُوَ سَكْرَانٌ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي طَلَاقِهِ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا يَعْقِلُ الْمَشِيئَةَ، فَشَاءَ، طُلِّقَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، فَمَاتَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ - طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، إِلَّا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
شَرْطٍ تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَوَقَعَ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ لَا يَقَعُ إِذَا تَعَذَّرَ شَرْطُهُ كَالْمُعَلَّقِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا شَاءَ وَهُوَ مَجْنُونٌ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَةُ أَخْرَسَ فَهِيَ كَنُطْقِهِ، وَقِيلَ: إِنْ خَرِسَ بَعْدَ يَمِينِهِ فَلَا، (وَإِنْ شَاءَ وَهُوَ سَكْرَانٌ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي طَلَاقِهِ) قَالَهُ أَصْحَابُنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: قَدْ شِئْتُ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ بِمَنْزِلَةِ نَفْسِ الطَّلَاقِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ إِيقَاعِ طَلَاقِهِ وَبَيْنَ الْمَشِيئَةِ أَنَّ إِيقَاعَهُ عَلَيْهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ، لِئَلَّا تَكُونَ الْمَعْصِيَةُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ، وَهُنَا إِنَّمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِغَيْرِهِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ (وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا) أَيْ: مُمَيِّزًا، قَالَهُ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ (يَعْقِلُ الْمَشِيئَةَ، فَشَاءَ، طُلِّقَتْ) ؛ لِأَنَّ لَهُ مَشِيئَةً بِدَلِيلِ صِحَّةِ اخْتِيَارِهِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّ شَرْطَهُ التَّكْلِيفُ (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا كَانَ صَبِيًّا لَا يَعْقِلُ الْمَشِيئَةَ - لَمْ تُطَلَّقْ كَالْمَجْنُونِ.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، فَمَاتَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ - طُلِّقَتْ) فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ، وَعَلَّقَهُ بِشَرْطٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَقِيلَ: فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، وَقِيلَ: يَتَبَيَّنُ حِنْثَهُ مُنْذُ حَلَفَ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَعَبْدِي حُرٌّ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ، وَلَا نِيَّةَ فَشَاءَهُمَا، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: أَوْ تَعَذَّرَ بِمَوْتٍ وَنَحْوِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَحُكِيَ عَنْهُ: أَوْ غَابَ - وَقَعَا.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ثَلَاثًا، فَشَاءَ ثَلَاثًا - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) وَكَذَا عَكْسُهُ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، و" الرِّعَايَةِ "، و" الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي
أَنْ يَشَاءَ ثَلَاثًا، فَشَاءَ ثَلَاثًا - طُلِّقَتْ ثَلَاثًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ: لَا تُطَلَّقُ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عُتِقَتْ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلَاقِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِثَلَاثَةٍ، وَخُذْ دِرْهَمًا، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْهُ (وَفِي الْآخَرِ: لَا تُطَلَّقُ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ؛ وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ وُقُوعَ الْوَاحِدَةِ عَلَى عَدَمِ مَشِيئَتِهَا الثَّلَاثَ، وَلَمْ يُوقِعْ بِمَشِيئَتِهَا شَيْئًا، أَشْبَهَ قَوْلَهُ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشَأْ زَيْدٌ، أَوْ شَاءَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَوَاحِدَةٌ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، طُلِّقَتْ، وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عُتِقَتْ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي " زَادِ الْمَسِيرِ ": لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَكْحُولٍ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَهِيَ طَالِقٌ. رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ قَالَا: كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَرَى الِاسْتِثْنَاءَ جَائِزًا فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ يَرْفَعُ جُمْلَةَ الطَّلَاقِ حَالًا وَمَآلًا، فَلَمْ يَصِحَّ كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ؛ وَلِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى مَا لَا سَبِيلَ إِلَى عِلْمِهِ، أَشْبَهَ تَعْلِيقَهُ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ (وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلَاقِ) وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّ الْعِتْقَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالطَّلَاقَ لَيْسَ هُوَ لِلَّهِ، وَلَا فِيهِ قُرْبَةٌ إِلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمِلْكِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ وَلِأَنَّ نَذْرَ الْعِتْقِ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، فَافْتَرَقَا، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحْمَدَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ حَكَاهَا أَبُو حَامِدٍ الِإسْفَرَايِينِيُّ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الِانْتِصَارِ ": وَلَقَدْ أَبْطَلَ فِي حِكَايَةِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَعَكَسَ فِي " التَّرْغِيبِ " هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ: يَا طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْلَى بِالْوُقُوعِ، وَعَنْهُ: لَا يَقَعَانِ، اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ زَيْدٍ؛ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ
اللَّهُ - طُلِّقَتْ.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَدَخَلَتْ، فَهَلْ تُطَلَّقُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
السَّلَامُ -: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: هِيَ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الطَّلَاقَ بَعْدَ هَذَا، وَاللَّهُ لَا يَشَاؤُهُ إِلَّا بِتَكَلُّمِهِ بِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ لَيْسَا مِنَ الْأَيْمَانِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَإِنْ سُمِّيَ بِذَلِكَ، فَمَجَازٌ، ثُمَّ إِنَّ الطَّلَاقَ إِنَّمَا يُسَمَّى يَمِينًا إِذَا كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ يُمْكِنُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، وَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَيْسَ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَكَذَا إِذَا قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ، كَقَصْدِهِ تَأْكِيدَ الْإِيقَاعِ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ عَنِ الْجَوَابِ عَنْهَا.
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ - طُلِّقَتْ) فِي الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ، وَعَلَّقَ رَفْعَهُ بِمَشِيئَةٍ لَمْ تُعْلَمْ، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ شَاءَ اللَّهُ الطَّلَاقَ حِينَ أَذِنَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تُطَلَّقَ كَالْأَوَّلِ (وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ) أَوْ مَا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِتَضَادِّ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، فَلَغَا تَعْلِيقَهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَحِيلِ. وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَعْلِيقِهِ الطَّلَاقَ عَلَى الْمُحَالِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ جَمَعْتِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، أَوْ شَرِبْتِ مَاءَ الْكُوزِ، وَلَا مَاءَ فِيهِ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": وَكَذَا الْعِتْقُ.
(وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ) أَوْ حُرَّةٌ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَدَخَلَتْ، فَهَلْ تُطَلَّقُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: تُطَلَّقُ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ يَمِينٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ، وَفَارَقَ إِذَا لَمْ يُعَلِّقْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ،
أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيْدٍ أَوْ مَشِيئَتِهِ، طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الشَّرْطَ، دِينَ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَكِ اللَّهُ بِالنَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ، فَقَالَتْ: أَنَا أُحِبُّهُ، فَقَدْ تَوَقَّفَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعُ ": إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ رَدَّ الْمَشِيئَةِ إِلَى الْفِعْلِ، فَلَا تُطَلَّقُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا فَعَلْتُ، أَوْ لَأَفْعَلَنَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ رَدَّهُ إِلَى الطَّلَاقِ فَقَطْ، فَفِيهِ الْخِلَافُ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ نِيَّتُهُ، وَالظَّاهِرُ رجوعه إِلَى الْفِعْلِ.
غَرِيبَةٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ أَتَزَوَّجُكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَتَزَوَّجَهَا - لَمْ تُطَلَّقْ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ أَشْتَرِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَاشْتَرَاهُ - عُتِقَ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيْدٍ أَوْ مَشِيئَتِهِ) أَوْ لِدُخُولِ الدَّارِ (طُلِّقَتْ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْتِ طَالِقٌ لِكَوْنِهِ قَدْ شَاءَ ذَلِكَ أَوْ رَضِيَهُ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، أَوْ لِرِضَا اللَّهِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لِقُدُومِ زَيْدٍ (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الشَّرْطَ) فِيمَا ظَاهِرُهُ التَّعْلِيلُ (دِينَ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ (وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؛ يَخْرُجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَصَحُّهُمَا: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسَّنَةِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ رَضِيَ أَبُوكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَ: مَا رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: رَضِيتُ، وَقَعَ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ، وَكَانَ مُتَرَاخِيًا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ "، وَإِنْ قَوْمًا قَالُوا: يَنْقَطِعُ بِالْأَوَّلِ.
1 -
(وَإِنْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَكِ اللَّهُ بِالنَّارِ) أَوْ تَبْغَضِينَ الْجَنَّةَ (فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ، فَقَالَتْ: أَنَا أَحَبُّهُ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهَا) ؛ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ، وَسُئِلَ عَنْهَا، فَلَمْ يُجِبْ فِيهَا بِشَيْءٍ (وَقَالَ الْقَاضِي: تُطَلَّقُ) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَفِي " الْفُنُونِ ": هُوَ مَذْهَبُنَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إِلَّا مِنَ اللَّفْظِ، فَاقْتَضَى تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِلَفْظِهَا بِهِ، صَادِقَةً أَوْ كَاذِبَةً كَالْمَشِيئَةِ (وَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ