الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب السين:
وأمَّا السين فتُزاد1 في "استَفْعَلَ" وما تَصَرَّف منه2، من مضارع واسم فاعل واسم3 مفعول ومصدر. وتزاد4 أيضًا في الوقف؛ لتبيين كسرة الكاف من المؤنَّث، في لغة بعض العرب، نحو: مَرَرْتُ بِكِسْ، وأَكرَمْتُكِس5. وزيادتها في هذين المكانين بيِّنةٌ، لا يُحتاج إلى إِقامة دليل عليها. أمَّا في الوقف فلكونها لم تجعل كالجزء ممّا دخلت عليه، فبانت لذلك زيادتها. وأمَّا في "استَفعَلَ" فلكونه أبدًا مبنيًّا من فعل ثلاثيّ، فبانت لذلك زيادتها [20ب] ، لوضوح ردّها إِلى الثلاثيّ غير المزيد.
وأمَّا6 "استَخَذَ فلانٌ" من قول العرب: استَخَذَ فلأنَّ أرضًا، ففي ذلك قولان:
أَحدهما: أنه يجوز أن يكون في الأصل "اتَّخَذَ" وزنه "افتَعَلَ" من قوله تعالى7: "لَتَخِذْتَ8 عَلَيهِ أَجرًا"، ثمّ أَبدلوا السين من التاء الأولى التي هي فاء [الكلمة] 9، كما أَبدلوا التاء من السين في سِتّ؛ لأنَّ أصلها "سِدْسُ" بدليل قولهم: أسداس. فلمّا أبدلوا التاء من السين، فقالوا "سِدْتٌ"، أدغموا الدال في التاء. وإِنَّما جاز ذلك؛ لأنَّ السين والتاء مهموسان، فجاز إِبدال كلّ واحد منهما من الآخر، بسبب ذلك.
1 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع مواضع زيادة السين، وهي في الارتشاف 1:106.
2 انظر سر الصناعة 1: 209-214. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن تعبير ابن عصفور غير جيد؛ لأنَّ المصدر هو الذي تصرفت منه الأفعال والمشتقات.
3 ف: أو اسم فاعل أو اسم.
4 سقطت الواو من م.
5 في حاشية ف بخط أبي حيان: "وبعضهم يزيد الشين. وهو شاذ". وفي الارتشاف أن ذكر هذا في الزيادة غير جيد لأنه لم يدخل بنية الكلمة.
6 م: فأما.
7 الآية 78 من سورة الكهف.
8 قراءة أبي عمرو وابن كثير. انظر التبيان 7: 76. م: لتّخذت.
9 من م. وفي سر الصناعة: فاء افتعل.
والآخر: أن يكون أصله "استَتْخَذَ" على وزن "استَفعَلَ" من "تَخِذَ" أيضًا، فحُذِفت التاء الثانية التي هي فاء الفعل استثقالًَا للمثلين، كما حذفوا التاء الأُولى من "اتَّقَى" كراهيةً لاجتماع المثلين أيضًا1، فقالوا:"تَقَى يَتْقِي". قال الشاعر2:
تَقُوهُ، أَيُّها الفِتيانُ، إِنِّي
…
رأيتُ الله قَد غَلَبَ الجُدُودا
يريد: اتّقُوه. فعلى هذا تكون السين زائدة. وعلى الأول تكون بدلًا من أصل.
والصحيح من هذين القولين عندي الثاني؛ لأنه قد ثَبَتَ حذف إحدى التاءين لاجتماع المثلين في "تَقَى"، وباطّراد إِذا كانت المحذوفة زائدة في مثل "تَذَكَّرُ" و"تَفَكَّرُ"، تُريد:3 تَتَذكَّرُ وتَتَفكَّرُ. ولم يثبت إِبدال السين من التاء، بل ثَبَتَ عكسه. والبدل في مثل هذا ليس بقياس، فيقالَ به حيث لم يُسمع. فلذلك كان الوجه الثاني أحسن الوجهين عندي؛ لأنَّ فيه الحملَ على ما سُمع مثله.
وأمَّا "أَسْطاعَ"4 فالسين عند سيبويه فيه عِوَض من ذَهاب حركة العين منها. وذلك أنَّ أصله "أَطْوَعَ"، فنُقِلتْ فتحة الواو إِلى الطاء فصار "أَطَوْعَ"، ثمّ قُلبت الواو ألفًَا لتحرّكها في الأصل وانفتاح ما قبلها في اللفظ، ثمّ زيدت السين عوضًا من ذهاب الحركة في العين –وهي الواو- بجعلها على الفاء. وقد تَعقَّبَ المبرّدُ ذلك على سيبويه، فقال: إِنَّما يُعوَّضُ من الشيء إذا فُقِدَ وذَهبَ. فأمَّا إِذا كان موجودًا في اللفظ فلا. وحركة العين التي كانت في الواو موجودة في الطاء.
والذي ذهب إِليه سيبويه صحيحٌ. وذلك أنَّ العين لمّا سَكنتْ تَوهَّنتْ لسكونها، وتَهيَّأت للحذف عند سكون اللّام. وذلك في نحو: لم يُطِعْ وأَطِعْ وأَطَعْتُ. ففي هذا كلّه قد حُذِفَتِ العينُ لالتقاء الساكنين. ولو كانت العين متحرّكةً لم تُحذف5، بل كنتَ تقول:"لم يُطْوِعْ" و"أَطْوِعْ" و"أَطْوَعْتُ". فزيدت السينُ لتكونَ عوضًا من العين متى حُذِفَت. وأمَّا قبل حذف العين فليست بعِوَضٍ، بل هي زائدة. فلذلك ينبغي أن يجعل "أَسْطاعَ" من قَبيل ما زيدت فيه السين، بالنظر إِليه قبل الحذف. ومن جعل "أسْطاع" من قَبيل ما السينُ فيه عِوَضٌ فبالنظر إلى الحذف.
1 أغفل سقوط همزة الوصل لتحرك ما بعدها.
2 خداش بن زهير. النوادر ص4 والمنصف 1: 290 وسر الصناعة 1: 210 وإصلاح المنطق ص28 والعيني 2: 371. والجدود: جمع جد. وهو الحظ.
3 م: يريد.
4 الكتاب 1: 8. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن كتاب "اللباب" أن في هذه الكلمة خمس لغات [هي في الارتشاف 1: 106] وأن السين زائدة في أسطاع.
5 م: "لما حذفت". وكذلك عبارة سر الصناعة.
وكذلك الأمر في "أَهْراقَ" و"أَهْراحَ". أعني: من أنه يَسوغ أن تُورَدا1 في العِوَض بالنظر إِليهما بعد الحذف، وفي الزيادة بالنظر إِليهما2 قبل الحذف.
فإِن قيل: فإِن سيبويه قد جعل السين عِوَضًا من ذهاب حركة العين، لا كما3 ذهبتَ إِليه من أنها عِوَض متى ذهبت4 العين. فالجواب عن ذلك5 شيئان:
أَحدهما: أنه يمكن أن يكون أراد بقوله "مِن ذَهابِ الحركة" أي: زادوا من أجل ذهابِ حركةِ العين؛ لأنَّ زيادة السينِ لتكون مُعدَّة للعِوَضيَّة إِنّما كان من أجل ذَهابِ حركةِ العين؛ لأنَّ ذهاب حركة العين هو الذي أَوجب حذف العين عند سكون اللّام.
والآخر: أن يكون جَعلَ السين عِوَضًا من ذهاب حركة العين، وإن كانت إنما هي عِوضٌ من العين في بعض المواضع6؛ لأنَّ السبب في حذف العين إِنّما هو ذَهاب الحركة. فأقام السَّببَ مَقام المُسبَّب. وإقامة السبب مَقامَ المُسبَّبِ كثيرٌ جدًّا.
وقال الفرَّاء: شَبَّهُوا "أَسْطَعتُ" بـ"أَفعَلتُ". فهذا يدلّ من كلامه7 على أنَّ أصله "اِسْتَطَعتُ". فلمّا حُذِفَتِ التاء بقي على وزن "اِفعَلتُ"، ففُتِحتِ [21أ] الهمزة وقُطِعتْ. وهذا الذي ذهب إِليه غيرُ مَرضيّ؛ لأنه لو كان بقاؤه على وزن "اِفعَلتُ" بعد حذف التاء يوجب قطع همزته لما قالوا "اِسطاع" بكسر الهمزة وجعلها للوصل. واطّرادُ ذلك عندهم وكثرتُه يدلّ على فساد مذهبه.
فإِن قيل: ما ذهب إليه سيبويه من8 زيادة السين لتكون مُعدّة للعِوَض، لم يثبت. فينبغي أن يحمل "أسطاعَ" على ما ذهب إِليه الفرّاء. قيل: قد ثَبَتَ أنَّ العرب تزيد غير السين لذلك في "أَهْراقَ" و"أَهْراحَ"، فيُحمل "أسْطاع" على ذلك. وأمَّا قطع همزة الوصل؛ لأنَّ اللفظ قد صار على وزن ما همزته همزةُ قَطعٍ، فلم يستقرَّ في موضع من المواضع9.
1 م: تورد.
2 م: إليها.
3 م: العين كما.
4 م: حذفت.
5 م: هذا.
6 م: في موضع من المواضع.
7 سقط "من كلامه" من م.
8 زاد في م: أنَّ.
9 في حاشية ف بخط أبي حيان عن "إيجاز التعريف" لابن مالك أنه تحتمل زيادة السين في ضُغبُوس –وهو صغير القثاء- لقول العرب: ضَغِبتِ المرأة. والزيادة في قدموس بمعنى قديم أظهر.