الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب النون:
النون1 تنقسم قسمين: قسم يُقضى عليه بالزيادة، وقسم يُقضى عليه بالأصالة، ولا يُقضى عليه بالزيادة إِلَّا بدليل.
فالقسم الذي يُقضى عليه بالزِّيادة: النون التي هي حرف المضارعة، نحو: نَقُومُ ونَخرُجُ.
والنون في "انفَعَلَ" وما تصرَّف منه، نحو: انطَلَق ومُنطلِق. ونون التثنية، وجمع السلامة من المذكَّر، نحو: الزَّيدَينِ والزَّيدِينَ. والنون التي هي علامة الرفع في الفعل: نحو: "يفعلانِ" و"تفعلونَ". والنون اللَّاحقة الفعلَ للتأكيد2، شديدةً كانت أو خفيفةً، نحو: هل تَقُومَنَّ وهل تَقُومَنْ؟ ونون الوقاية اللَّاحقة مع ياء المتكلِّم. نحو: ضَرَبَنِي. ونون التنوين في نحو: رَجُلٍ. والنون اللَّاحقة آخرَ جمع التكسير، فيما كان وزن "فُعْلان" و"فِعْلان" نحو: قُضْبان وغِرْبان؛ لأنه لا يُتصَوَّر جعلها أصليَّةً، إِذ ليس في أبنية الجموع ما هو على وزن "فعْلان" بضمِّ الفاء، ولا بكسرها.
فجميع هذا لا تكون النون فيه إِلَّا زائدةً، ولا يُحتاج على ذلك إِلى إِقامة دليل، لوضوح كونها زائدةً فيه.
وأمَّا النون الواقعةُ آخر الكلمة3، بعد ألف زائدة، فإِنه يُقضى عليها بالزيادة، فيما لم يُعرف له اشتقاقٌ ولا تصريفٌ، لكثرة تبيُّنها زائدةً فيما عُرف اشتقاقُه أو تصريفه، فيُحمَلُ ما لا يُعرف على الأكثر. وذلك بشرطَينِ:
أَحدهما: أن يكون ما قبل الألف أكثرَ من حرفين [أصليَّين]4. إذ لو كان قبلها حرفان
1 انظر الكتاب 2: 349-352. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع مواضع زيادة النون في الاسم والفعل. الارتشاف 1: 99.
2 في حاشية ف بخط أبي حيان: أو علامة لجمع الفاعل نحو: يعصرنَ السليطَ أقاربُهْ.
3 انظر المنصف 1: 133-135.
4 زيادة تقيد هذا الشرط، لئلَّا يلتبس الأمر في مثل: تِبيان وحُسَّان.
خاصَّةً لوجب القضاء بأصالة النون، إِذ لا بدَّ من الفاء والعين واللَّام. وذلك نحو: سِنان وعِنان وبَنان وقِران. وأمثال ذلك النونُ فيه أصليَّةٌ.
والآخَر: ألَّا تكون الكلمة من باب "جَنجان"، فإِنه ينبغي أن تجعل النون فيه أصليَّة. إذ لو كانت نونه زائدة لكانت الكلمة ثلاثيَّةً، ويكون فاؤها جيمًا ولامها جيمًا1، فيكون من باب سَلس وقلق، أعني مما فاؤه ولامه2 من جنس واحد. وذلك قليل جدًّا. وإِن جعلت النون أصليَّةً كانت من باب الرُّباعيِّ المضعَّف، نحو: صَلصَلتُ وقَلقَلتُ. وذلك باب واسع.
ومن الناس3 من اشترط أيضًا ألَّا يكونَ ما قبل الألف مضاعفًا، فيما قبلَ الألف فيه ثلاثة أحرف، نحو: مُرَّان4 ورُمَّان، لاحتمال أن تكون النون زائدة، وأن تكون أصليَّةً وأحدُ المضعَّفينِ زائدٌ، ويتساوى5 الأمران عنده، لكثرة زيادة الألف والنون في الآخر، وكثرة زيادة أحد المضعَّفين.
والصحيح أنه ينبغي أن تُجعل الألف والنون زائدتين، بدليل السماع، والقياس:
أمَّا القياس فأنَّ النون اختصَّتْ زيادتها في هذا الموضع، أو ثالثةً ساكنة، على ما يُبيَّنُ بعدُ، وأحد المضعَّفين6 زائد7 حيث كان. وما اختصَّتْ زيادتُه بموضع كان أولى بأن يُجعل زائدًا ممّا لم يَختصَّ؛ ألا ترى أنَّ الهمزة [25أ] في أَفعًى قضينا عليها بالزيادة وعلى الألف بالأصالة؛ لأنَّ الألف كثرت زيادتها في أماكن كثيرة، والهمزة لم تكثر زيادتها إِلَّا أوَّلًا خاصَّة؟ فكان المختصُّ يَشرَك غير المختصِّ، بكثرة8 زيادته في ذلك الموضع، ويزيد9 عليه بقوة الاختصاص.
وأمَّا السَّماعُ فقوله عليه السلام، للقوم الذين قالوا له:"نحنُ بَنُو غَيَّانَ"، فقال لهم، عليه السلام10:"بَل أنتُم بَنُو رَشْدانَ". ألا تراه، عليه السلام، كيف تَكرَّه لهم هذا الاسم لأنه جعله من الغيِّ، ولم يأخذه من الغَين. وهي السحاب؟ 11 فقد دلَّ هذا على أنه إِذا جاء مضاعف، في
1 م: "جيم". وفي حاشية ف عن ابن جني: فيكون الأصل جنج، وهو من القليل.
2 م: مما لامه وفاؤه.
3 انظر المنصف 1: 134.
4 المران: شجر الرماح. م: رمان ومران.
5 م: وتساوى.
6 م: المضاعفة.
7 ف: يزاد.
8 م: لكثرة.
9 م: وزيد.
10 الخصائص 1: 250 والمنصف 1: 134. يريد أنهم أهل الرشد والهدى، لا أهل الغي والضلال.
11 سقط "ولم يأخذه
…
السحاب" من م.
آخره ألف ونون مثل رُمَّان، أنه ينبغي أَن يُقضى عليه بزيادة الألف والنون، إِلَّا أن يقوم دليل على أنَّ النون أصليَّة، نحو1 مُرَّان. فإِن الخليل ذهب إِلى أنَّ نونه أصليَّة؛ لأنه مشتقٌّ من المَرانة التي هي اللِّين.
ومنهم من شَرطَ ألَّا يكون ما قبل الألف مضاعفًا، ممّا قبلَ الألف منه ثلاثةُ أحرف2، وألَّا يكون3 مع ذلك مضمومَ الأوَّل اسمًا لنباتٍ، نحو رُمَّان؛ لأنَّ مثل هذا عنده ينبغي أن تكون نونه أصليَّة، ويكون وزنه "فُعَّالًا"؛ لأنه قد كثُر في أسماء النَّبات "فُعَّالٌ"، نحو: حُمّاض وعُنّاب وقُثّاء فحَمَلَه على ما كثرَ فيه.
وهذا فاسد؛ لأنَّ زيادة الألف والنون في الآخر أكثرُ من مجيء اسم النبات على "فُعَّال"؛ ألا ترى أنَّ ما جاء من الأسماء –أعني4 أسماء النبات- على غير وزن "فُعَّال" لا ينضبط كثرةً، وإِن كان "فُعَّال" قد كثر واطّرد.
وذهب السيرافيُّ إِلى أنَّ النون إِذا أتت في الآخر، بعد ألف زائدة، فإِنه لا يخلو أن يكون جعلها أصليَّة يؤدِّي إِلى بناء غير موجود، أو إلى بناء موجود. فإن أدَّى إلى بناء غير موجود قُضي عليها بالزيادة، نحو: كَرَوان وزَعفَران؛ ألا ترى أنَّ النون فيهما لو كانت أصليَّة لكان وزن كَروان: "فَعَلالًا"، ووزن "زَعفَران":"فَعْلَلالًا"، وهما بناءان غير موجودين. وإن أدَّى ذلك إلى بناء موجود قُضي عليها5 بالأصالة، نحو: دِهقان6 وشَيطان؛ لأنَّ نون دِهقان إذا جُعلتْ أصليَّة كان وزنه "فِعْلالًا"، ونون شَيطان إذا كانت أصليَّة كان وزنه "فَيعالًا". وهما بناءان موجودان، نحو: شِملال وبَيطار7.
وهذا الذي ذهب إليه –من أصالة النون8 فيما يُؤدِّي جعلُ النون فيه أصليَّةً إلى بناء موجود –باطلٌ؛ لأنه جعل دليله على ذلك كون سيبويه قد جعل النون أصليَّة في دِهقان وشَيطان. ولم يفعل ذلك سيبويه، لِما ذكر من أنَّ جعل النون فيهما أصليَّةً يؤدِّي إلى بناء موجود، بل لقولهم: تَدَهقَنَ وتَشَيطَنَ؛ لأنه ليس في كلامهم "تَفَعْلَنَ". فدلَّ ذلك على أصالة النون. فأمَّا: تَدَهَّقَ
1 ف: فأما.
2 سقط "مما قبل
…
أحرف" من النسختين، وألحق بحاشية ف.
3 ف: "ويكون". وصوب في الحاشية عن نسخة الخفاف كما أثبتنا.
4 سقط "الاسماء أعني" من م.
5 م: على النون.
6 الدهقان: القويُّ على التصرف مع شدة وخبرة.
7 الشملال: السريعة الخفيفة. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن الفينان الوافر الشعر من الفَنَن. وهو الغصن. فوزنه فَيعال.
8 سقط "من أصالة النون" من م.
وتَشَيَّطَ فليس في قوَّة تَدَهقَنَ وتَشَيطَنَ1؛ لأنَّ أبا عليٍّ2 قد دفعهما من طريق الرواية3.
فإذا جاءت النون بعد ألف زائدة، فيما لا تَعرف له اشتقاقًا4، بالشرطين المذكورين، فاقضِ بالزيادة حَملًا على الأكثر. وكذلك تَفعل إذا احتَملَتِ الكلمةُ اشتقاقين، تكون5 في أحدهما أصليَّة، وفي الآخر زائدة. فينبغي6 أن تحمله على الذي تكون فيه زائدة، حملًا على الأكثر، نحو:"دُكَّان"7. فإنه يحتمل أن يكون مشتقًّا من: دَكَنتُه أَدكُنُه دَكْنًا، إذا نَضَدتَ بعضَه فوق بعض، فتكون نونه أصليَّة. ويحتمل 8 أن يكون مشتقَّا9 من قولهم: أَكمةٌ دَكَّاءُ، إذا كانت مُنبسطة، وناقةٌ دَكَّاءُ إذا كان سنامها مفترِشًا في ظهرها، فتكون نونه زائدة. لكنَّ الذي ينبغي أن يُحمل عليه هذا الاشتقاقُ الآخر، لما ذكرناه من الحمل على الأكثر.
وأمَّا النون إذا وقعت ثالثة ساكنة، غير مُدغَمة10، في كلمة على خمسة أحرف، نحو: جَحَنفَل وعَبَنقَس11، وأمثال ذلك، فإنه ينبغي أن تَقضي عليها12 بالزيادة، وإن لم تعرف13 للكلمة اشتقاقًا ولا تصريفًا؛ لأنَّ كلَّ ما عُرف14 له اشتقاقٌ أو تصريف من ذلك وُجدت النون فيه زائدة، فيُحملُ15 ما لم يُعرف اشتقاقه على ما عُرف اشتقاقه.
فما عُرف اشتقاقه فوُجدت النون فيه زائدة: جَحَنفَل وجَرَنفَش16؛ لأنَّ الجحنفل: الكثير، والجحفل: الجيش الكثير. فهما بمعنى واحد. والجحنفل أيضًا: العظيم الجحفلة17. فهو
1 ف: تشيطن وتدهقن.
2 ف: أباكا.
3 انظر المنصف 1: 135.
4 م: لا يعرف له اشتقاق.
5 م: يكون.
6 م: ينبغي.
7 انظر المنصف 1: 135.
8 م: ومحتمل.
9 وهذا قول الأخفش، رواه عنه الأشنانداني. المنصف 1:135.
10 أراد بالمدغمة نحو: عجنّس. فالنون المدغمة مكررة من أصل. انظر ص175 و176. وسقط "غير مدغمة" من م.
11 العبنقس: السيئ الخلق.
12 م: عليهما.
13 م: وإن يعرف.
14 م: ما علم.
15 م: فحمل.
16 الجرنفش: الرجل الضخم، وهو في م بالسين، وفي ف بالسين والشين معًا.
17 الجحفلة: مشفر البعير. وفي حاشية ف عن الزبيدي أن الجحنفل هو العظيم الشفة. انظر ص35 من الاستدراك على سيبويه.
[25 ب] من لفظ الجحفلة1، فنونه زائدة. وقالوا: جُرافِش، في 2 "جَرَنفَش". ومثل ذلك كثير إِلَّا أني لم أُكثر من ذلك، لِما فيه من التَّطويل. فلمّا كان الأمر، فيما له اشتقاقٌ أو تصريف3، على ذلك حُمِل ما ليس له اشتقاق ولا تصريف4 نحو: عَبَنْقَس، على ذلك، فقُضي على النون بالزيادة.
فإن5 كانت مدغمة فيما بعدها، نحو "عَجَنَّس"، لم يُقضَ عليها بالزيادة6 لأنه لم تكثر زيادتها فيما عرف له اشتقاق أو تصريف، إِلَّا إذا كانت غير مدغمة.
وزعم ابن جنِّي7 أنه إن جاء مثل "حَزَنْزَنٍ" أو "عَصَنْصَنٍ"8 فإنه تُجعل نونه مُحتمِلةً، فلا يُقضى عليها بالأصالة ولا بالزيادة، إِلَّا بدليل. وإِنَّما احتَمَلَ هذا النحوُ أن تكون النون فيه أصليَّة وزائدة؛ لأنك إذا جعلت النون أصليَّة كان من باب: صَمَحْمَح9 ودَمَكمَك10 وإن كانت زائدةً كان من باب: عَقَنْقَل11. وبابُ صَمَحْمح أكثر وأوسع12. فإزاء كون النون ساكنةً ثالثةً كونُ باب صَمَحْمَح أوسعَ من باب عَقَنقَل.
وهذا الذي ذهب إليه عندي فاسد. بل ينبغي أن يُقضى عليها بالزيادة؛ لأنَّ زيادة النون ثالثةً ساكنة لازمةٌ فيما عُرف له اشتقاق، فلا ينبغي أن يجعل بإزائه كونُ باب صَمَحْمَح أوسعَ من باب عَقَنْقَل؛ لأنَّ دليل اللزوم أقوى من دليل الكثرة13.
وإنما14 لزمت زيادتها إذا كانت على ما ذُكر، لشبهها بحرف المدِّ واللين، إذا وقع في هذا الموضع. فكما أنَّ حرف المدِّ واللين إذا وقع في اسم على خمسة أحرف ثالثًا مثل جُرافِس كان
1 م: الجحفل.
2 زاد في ف "جمع"، ثم ضرب الناسخ عليها بالقلم.
3 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن هذا مثل عقنقل من العقل، ودلنظى من الدلظ، وألندد من اللدد، وعفنجج من العفج.
4 في حاشية ف بخط أبي حيان: "كغضنفر". وهذا فيه نظر؛ لأنه يقال: غضفر، إذا ثقل.
5 سقطت الفقرة من النسختين، وألحقها أبو حيان بحاشية ف.
6 يريد أنها مكررة من أصل. وأبو حيان يرى أن النونين زائدتان. الارتشاف 1: 101.
7 المنصف 1: 137.
8 م: "عصنصر". وفي المنصف: فدندن.
9 الصمحمح: الغليظ.
10 الدمكمك: الشديد القوي.
11 العقنقل: الكثيب العظيم المتداخل الرمل.
12 م: أوسع وأكثر.
13 في حاشية ف أن رد ابن عصفور فاسد؛ لأنَّ باب صمحمح لا يخالف اللزوم الذي ذكر، ولابن جني أن يجعل هذا مما يحتمل وروده على أوسع البابين لعدم الاشتقاق. بل القضاء بباب صمحمح أولى لكثرته.
14 سقط حتى قوله "أشبهت بها حرف العلة" من م، ومن نسخة الخفاف كما جاء في حاشية ف.
زائدًا، فكذلك ما كان بمنزلته. ولذلك حذفوا نون عَرَنقُصان1 تخفيفًا، فقالوا: عَرَقُصان، كما حذفوا الألف من عُلابِط2 وهُدابِد3 وأمثالهما، حين قالوا: عُلَبِط وهُدَبِد.
ووجه الشبه بينهما أنَّ في النون غُنَّةً في الخياشيم، كما أنَّ في حروف المدِّ واللين مدًّا، والغُنَّة والمدّ كلُّ واحد منهما فضلُ صوت في الحرف. ولذلك إذا جاءت النون ثالثة ساكنة، فيما هو على خمسة أحرف، إِلَّا أنها مدغمة نحو: عَجَنَّس4، لم تكن إِلَّا أصليَّة5؛ لأنها إذ ذاك تَشَبَّثُ بالحركة، والنون إذا تحرَّكت كانت من الفم وضعفت الغُنَّة فيها.
ولذلك لم تُزَد ثالثة ساكنة قبل حرف الحلق؛ لأنها إذ ذاك تكون من الفم وتضعف فيها الغُنَّة، فلا تشبه حرف العلَّة. ولو ورد في الكلام مثل "جَحَنْعَل" مثلًا لجُعلت النون فيه أصليَّة كما جُعلت في "عجنَّس" كذلك، لمفارقتها إذ ذاك الغُنَّة التي أشبهت بها حرف العلَّة.
فهذه جملة الأماكن التي يُقضى على النون فيها بالزيادة. وما عدا ذلك قُضي عليه بالأصالة، ولا يقضى عليه بالزيادة إِلَّا بدليل6:
فممّا زيدت فيه النون أوَّلًا لقيام الدليل على زيادتها: نَرْجِسٌ7، وزنه "نَفْعِلٌ". وإنَّما لم تكن نونه أصليَّة؛ لأنه ليس في كلامهم "فَعْلِل"8.
فإن قيل: وكذلك ليس في كلامهم "نَفْعِل". فالجواب أنه قد تَقدَّم أنَّ الحرف إذا كان جعله زائدًا يؤدِّي إلى بناء غير موجود، وكذلك9 جعله أصليًّا، قُضِيَ عليه بالزيادة، للدخول في الباب الأوسع؛ لأنَّ أبنية المزيد أكثرُ من أبنية الأصول.
وزعم ابن جنِّي أنَّ النون في نِبراس10 زائدة ووزنه "نِفْعال"، وجعله مشتقًّا من البِرْس وهو القطن؛ لأنَّ الفتيل يُتَّخذ في الغالب من القطن. وذلك اشتقاقٌ ضعيف جدًّا. بل لِقائل أن يقول: الغالب في الفتيل ألَّا يكون من القطن.
1 العرنقصان: نبات.
2 العلابط: الضخم الغليظ.
3 الهدابد: اللبن الخاثر.
4 العجنس: الجمل الضخم الصلب الشديد ووزنه: فَعَلَّلٌ.
5 يريد أنها مكررة من نون أصليَّة
6 وهذا هو القسم الثاني الذي أشار إليه في مستهل الباب.
7 المنصف 1: 104. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن من ذلك نَهاوِش ونَهابر؛ لأنهما من الهوش والهبر.
8 كذا. وقد ذكر في الرباعيِّ المجرد بناء فَعْلِل ومثَّل له بطحربة. انظر ص54.
9 م: ولذلك.
10 النبراس: المصباح.
وكذلك قولهم1: نِفْرِجةُ القلب، وزنه عنده2 "نِفْعِلةٌ"؛ لأنَّ النِّفرِجة؛ الجبان الذي3 ليست له جلادة ولا حزم. واستدلَّ على ذلك بقول العرب: رَجُلٌ أَفرَجُ وفَرِجٌ4. إذا كان لا يكتم سِرًّا، فجعل نِفرِجة القلب مشتقًّا5 منه؛ لأنَّ إفشاء السِّرِّ من قِلَّة الحزم. وهذا الاشتقاق أيضًا ضعيفٌ؛ لأنَّ إفشاء السِّرِّ ليس بقلَّة حزم6، بل هو بعض صفات القليل الحزم. وأيضًا فإنَّ7 الأفرَج والفَرِج لا يراد بهما الجبان كما يراد بنفرجة القلب. فدلَّ ذلك على ضعف هذا الاشتقاق. فينبغي أن تجعل النون فيها أصليَّةً.
وزيدت ثانيةً في: قِنعاس8 وقِنفَخر9 وعَنبَس10 وعَنْسَل11 وعَنتَرِيس12 وخَنفَقِيق13 وكَنَهبُل14 وجُندب بضمِّ الدال وفتحها وعُنصَر وقُنْبَر وكِنْثأْو15 وحِنْطأْو16 وسِنْدأْو17 وقِنْدأْو18.
فأمَّا قِنعاس فنونه زائدة؛ لأنه من القَعْس، وقِنفَخر لأنه يقال في معناه [26أ] : قُفاخِرِيّ، وعَنبَس من العُبوس، وعَنسَل من العَسَلان، وعَنتَرِيس من العَتْرسة وهي الشِّدَّة، والخَنفَقِيق من الخَفْق.
وأمَّا كَنَهْبُل فنونه زائدة19؛ لأنها لو جعلت أصليَّةً لكان وزن الكلمة "فَعَلُّلًا". وهو بناء غير
1 سقط من م.
2 م: عنده وزنه.
3 م: التي.
4 م: "وفروج" هنا وفيما يلي.
5 م: مشتقة.
6 م: "الحزم". وفي حاشية ف أن هذا المعنى كاف للدلالة على الاشتقاق، مع أنه روي تفرجة، وزيادة التاء تعني زيادة النون.
7 م: فإنه.
8 القنعاس: الضخم العظيم.
9 القنفخر: الفائق في نوعه.
10 العنبس: الأسد.
11 العنسل: الناقة السريعة.
12 العنتريس: الناقة الوثيقة الغليظة الصلبة.
13 الخنفقيق: السريعة الجريئة.
14 الكنهبل: شجر.
15 الكنثأو: الوافر اللحية. م: كنثاء.
16 الحنطأو: الوافر اللحية.
17 السندأو: الحديد الشديد.
18 القندأو: الغليظ القصير.
19 في حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن النون في كنهبل وهندلع زائدة، وإن أدى ذلك إلى بناء مهمل؛ لأنَّ أبنية المزيد أكثر من أبنية المجرد، وقد جاء منه نحو: خَنضرِف وشَفَنترَى وشَمَنصِير وسَلَنحفاء.
موجود في كلامهم.
وأمَّا1 جُندَب وعُنصَر وقُنبَر فيدلُّ على زيادة النون فيها أنك لو جعلتها أصليَّةًَ لكان وزن الكلمة "فُعْلَلًا". وهو نباء غير موجود في كلامهم. فأمَّا جُؤذَر2 فأعجميّ. وبُرقَع وجُخدَب3 مخفَّفان من بُرقُع وجُخدُب بالضمِّ. وأيضًا فإنَّ هذه النون قد لزمت هذا البناء، وهي حرف زيادة، فدلَّ ذلك على زيادتها، إذ لو كانت أصلًا لجاز أن يقع موقعَها غيرُها من الأصول.
وأيضًا فإنَّ ما جاء من هذا النحو، وعُلم له تصريف، وُجِدَتِ النونُ فيه زائدةً نحو: قُنبَر؛ لأنهم يقولون في معناه: قُبَّرٌ، فيحذفون النون. فيُحمَل4 ما جُهِل تصريفه على ما عُلِم. وأمَّا جِندب بكسر الجيم وجُندُب بضمِّ الجيم والدال5 فنونه زائدة؛ لأنه في معنى "جُندَب" المضموم الجيم. فينبغي أن تكون نونه زائدة كما هي في المضموم الجيم.
وأمَّا كِنْثأْوٌ6 وأَخواته فنونه زائدة، بدليل أنَّ هذه الأسماء فيها ثلاثةُ أحرفٍ من حروف الزيادة: النون والهمزة والواو. فقُضِي على الهمزة بالأصالة، لقلَّة زيادتها غيرَ أَوَّل. وقُضِي على الواو بالزيادة، لملازمتها المثال7.
فإن قيل: فإن الهمزة أيضًا قد لازمت المثال: فالجواب أنه لا يمكن أيضًا8 القضاء بزيادتها مع زيادة النون، لئلَّا يؤدِّي إلى بقاء الاسم على أقلِّ من ثلاثة أحرف، إذ الواو زائدة. فلمّا تعذّرت زيادتهما معًا قُضِي بزيادة النون؛ لأنَّ زيادة النون غيرَ أوَّلٍ أكثرُ من زيادة الهمزة.
فإن قيل: فهلَّا جَعلتَ الواو أصليَّة وقَضيتَ على النون والهمزة بالزيادة. فالجواب أنَّ القضاء على الواو بالزيادة أَولى من القضاء على الهمزة والنون بذلك؛ لأنَّ زيادة الواو أكثر من زيادة النون والهمزة9 غيرَ أوَّل.
1 المنصف 1: 137-138. وفي حاشية ف عن ابن سيده أن النون مع الفتح زائدة عند سيبويه. الكتاب 2: 350 و401.
2 الجؤذر: ولد البقرة الوحشية.
3 الجخدب: ضرب من الجنادب.
4 م: قالوا في معتله قبر فحذفوا النون فحمل.
5 سقط "وجندب بضم الجيم والدال" من م.
6 المنصف 1: 164-165.
7 المنصف: لملازمتها هذا الموضع من هذا المثال.
8 سقط من م.
9 ف: الهمزة والنون.
وممّا يدلُّ على زيادة النون في هذه الأسماء أنَّه قد تقرَّر في كِنْثأْو زيادةُ النون بالاشتقاق؛ لأنهم1 قد قالوا: كَثّأَتْ لحِيتُه، إذا كانت كنثأوًا، فحذفوا النون. قال الشاعر2:
وأنتَ امرُؤٌ، قَد كَثّأَتْ لَكَ لِحْيةٌ
…
كأنَّكَ، مِنها، قاعِدٌ في جُوالِقِ
فينبغي أن يُحمل ما لم يُعلم له اشتقاق، من هذه الأسماء، على ما عُلِم له ذلك.
وأمَّا3 خِنزِيرٌ فنونه أصليَّة. وليس في قوله4:
لا تَفخَرُنَّ، فإِنَّ اللهَ أَنزَلَكُم
…
خُزْرَ تَغلِبَ، دارَ الذُّلِّ والهُونِ
دليل على أنَّ النون زائدة؛ لأنَّ خُزْرًا ليس بجمع خِنزير، بل هو جمع أَخْزَر؛ لأنَّ كلَّ خِنزيرٍ عندهم أخزرُ، خلافًا لأحمدَ بن يحيى، فإنه يجعل خُزْرًا جمع خِنزير. وذلك فاسد؛ لأنه ليس قياس خِنزير أن يجمع على خُزْر. فمهما أمكن أن يُحمل على المطّرِد5 كان أولى.
وزيدت ثالثةً غيرَ ساكنة في نحو: فِرْناس وذُرْنُوح6. أمَّا ذُرنُوح فإنهم يقولون في معناه: ذُرُّوح فيحذفون النون. وأمَّا فِرناس الأسد فإنه مشتقٌّ من فَرَسَ يَفرِسُ؛ لأنَّ الافتراس من صفة الأسد7.
وزيدت رابعةً8 في: رَعْشَنٍ9 وعَلْجَنٍ وضَيفنٍ وخِلَفْنة10 وعِرَضْنة11 فأمَّا رَعْشَنٌ فمن الارتعاش. وعَلْجَنٌ من العِلْج –وهو الغليظ- لأنَّ العَلجَن: الناقة الغليظة. ورجلٌ خِلَفْنةٌ وذو خِلَفْنة12 أي: في أخلاقه خلاف13. وعِرَضْنة14 من التعرُّض.
1 سقط من م حتى الشاهد، واستبدل به "لأنه للكث اللحية".
2 المنصف 1: 165 و3: 26 وشرح المفصل 6: 125 وشرح الملوكي ص148 واللسان والتاج "كثأ" والأمالي 2: 79. وهو في الإبدال 2: 55 برواية:
كأنكَ منها بينَ تَيسَينِ قاعدُ
3 ف: فأما.
4 التاج "خزر". والخزر: جمع أخزر. وهو الضيق العينين كالخنزير.
5 م: "فمهما أمكن حمله على المطرد". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن النون في حنظلة وسنبل زائدة لقولهم: حَظِلَ البعير وأسبل الزرع.
6 الذرنوح: دويبة. وقد أنكر في ص86 أن تكون النون في ذرنوح زائدة.
7 المنصف 1: 167.
8 المنصف: 1: 167-168.
9 الرعشن: الجبان الذي يرتعش.
10 م: خلقنّة.
11 العرضنة: الذي يعترض الناس بالباطل. م: عرضنّة.
12 م: ورجل خلقنة وذو خلقنّة.
13 م: "اختلاف". وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك أن النون زائدة في سُحَفْنِية –وهو المحلوق الرأس- لأنه من السحف. وهو الحلق.
14 العرضنة: الذي يعترض الناس بالباطل. م: عرضنّة.
وأمَّا ضَيفَنٌ ففيه خلاف: منهم من جعل نونه زائدة1؛ لأنه الذي يجيء مع الضيف. فهو راجع إلى معنى الضيف. ومنهم من ذهب إلى أنَّ نونه أصليَّةٌ –وهو أبو زيد- وحكى من كلامهم: ضَفَنَ الرَّجلُ يَضفِنُ، إذا جاء ضيفًا مع الضيف. فضَيفنٌ على هذا المذهب "فَيْعَلٌ" وهذا الذي ذهب إليه أبو زيد أقوى. ويقوِّيه أيضًا2 أنَّ باب النون ألَّا تكون في مثل هذا إِلَّا أصليَّة. وأيضًا فإنَّ نونه إذا كانت زائدة كان وزنه "فَعْلَنًا"، و"فَيْعَلٌ" أكثرُ من "فَعْلَنٍ".
1 في حاشية ف بخط أبي حيان أن هذا مذهب الخليل، واختار ابن مالك مذهب أبي زيد.
2 م: ويقوي أيضًا مذهب أبي زيد.