الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الميم:
الميم1 لا تخلو أن تقع أوّلًا أو غير أوّل. فإِن وقعت غيرَ أوَّلٍ قُضِي عليها بالأصالة. وذلك أنها إِذا وقعت غير أوَّل، فيما يُعرفُ له اشتقاق، وُجِدت أصليَّةً. نحو: شأمل وكريم وأمثالهما، ممَّا لا يُحصى كثرةً؛ ألا ترى أنَّ شأمَلًا ميمُه أصليَّةٌ، بدليل قولهم: شَمَلتِ الريحُ، وأنَّ كريمًا كذلك؛ لأنه من الكَرَم؟ ولم توجد زائدة إِلَّا في أماكن محصورة، تُحفَظُ ولا يُقاس عليها، وهي:
دُلامِصٌ ودُمالِصٌ بمعنى بَرَّاق. قال2 الأعشى3:
إِذا جُرِّدَتْ يَومًا حَسِبتَ خَمِيصةً
…
علَيها وجِريالَ النَّضِيرِ، الدُّلامِصا4
أي: البَرَّاق. وقد تُحذَف الألفُ منهما تَخفيفًا، كما تُحذف من عُلابِط5، فيقال: دُلَمِصٌ ودُمَلِصٌ. والدليل على زيادة الميم فيهما أنهما مشتقان من الدَّليِص. وهو البريق6.
وقُمارِصٌ؛ لأنه يقال: لَبنٌ قُمارِصٌ، بمعنى: قارِص.
وسُتْهُمٌ7 وزُرْقُمٌ8 وفُسْحُمٌ9؛ لأنها من الزُّرقة والأستَهِ والفُسحة.
1 انظر الكتاب 2: 340 و352. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن القطاع مواضع زيادة الميم في الاسم والفعل. انظر الارتشاف 1: 96-97.
2 ف: وقال.
3 ديوانه ص108. والخميصة: كساء معلم شبه شعرها به. والجريال: لون الذهب. والنضير: الذهب.
4 ف: "النضار". وقد صوبت في الحاشية كما أثبتنا.
5 العلابط: اللبن الخاثر الغليظ المتلبد.
6 م: البرق. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن سيبويه أغفل قمارصأ وستهمًا، وأن الفارسي جعل الميم فيهما زائدة وأجاز زيادة الهمزة والنون في شئذارة، وأن جذعمة وردت في حديث للإمام علي، وفيها الميم زائدة، على قول القاسم بن سلام. والجذعمة: الصغير لم يبلغ الحلم. انظر ص274 من ابن عصفور والتصريف.
7 انظر المنصف 1: 150-151. والستهم: العظيم الاست.
8 الزرقم: الشديد الزرقة.
9 الفسحم: الواسع الصدر.
وضِرْزِمٌ ودِرْدِمٌ ودِلْقِمٌ ودِقْعِمٌ وحُلْكُمٌ1 وخِضْرِمٌ؛ لأنَّ دِردِمًا2 من الأدْرَد، وهو الذي تكسَّر أسنانه. والحُلكُم: الشديدُ السوادِ. فهو من الحُلكة. وهي السواد. والدِّقعِم: الترابُ. فهو من الدَّقعاء. والدِّلقِم: الناقة التي تكسَّرت أَسنانها فاندلق لسانها ولُعابها. ولذلك قالوا: سيف دَلُوق، إِذا كان لا يثبت في غمده. والضِّرزِم بمعنى الضِّرِزّ. وهو الشديد البخيل. وخِضرِم: البحر، سُمِّي بذلك لخُضرته3.
وخَدْلَمٌ4 وشَدْقَمٌ وشَجْعَمٌ؛ لأنَّ خَدلمًا بمعنى "خَدلةٍ". قال5:
لَيسَتْ بِرَسحاءَ، ولكِنْ سُتهُمِ
…
ولا بِكَرواءَ، ولكِنْ خَدلَمِ
والشَّدْقَمُ بمنزلة الأشدقِ. وهو العظيم الشِّدق. والشَّجعَمُ لتأكيدهم به الشُّجاعَ، في مثل قوله6:
الأُفعوانَ، والشُّجاعَ، الشَّجْعَما
فهو من لفظه وفي معناه.
وزيدت أيضًا في7 المضمرات، في: أنتما وأنتُم وقُمتما وقُمتُمُ وضَربَكما وضَربكمُ، وهما وهمُ، علامةً على تجاوز الواحد، ثمّ لحقت بعد ذلك الألفُ علامةً على التثنية، والواو علامةً على الجميع.
والدليل على زيادتها في ذلك أنه8 قد تقرَّر أنَّ ما قبل الميم اسم، إِذا9 لم تُرِدِ التثنيةَ ولا الجمعَ.
وزيدت، من الأفعال، في: تَمَسكَنَ وتَمَدرَعَ10 وتَمَندَلَ11 وتَمَنطَقَ12 وتَمَسلَمَ وتَمَولَى علينا ومَرْحَبَك الله ومَسَهلَكَ13 وقد حُكِي: مَخرَقَ وتَمَخرَقَ، وضعَّفهما ابن كَيسانَ14.
1 ضبط في م بكسر الحاء والكاف هنا وفيما يلي.
2 الدردم: الناقة المسنة.
3 سقط تفسير الخضرم من م.
4 الخدلم: الغليظة الساق المستديرتها والممتلئة الأعضاء.
5 المنصف 3: 25 ورصف المباني ص307 وسر الصناعة ص432 والصحاح واللسان والتاج "كرو" و"خدل" و"زلل" واللسان والتاج "زرق". والرسحاء: القليلة لحم الألية والفخذين. والكرواء: الدقيقة الساقين والذارعين. وقال ابن بري: "صوابه أن ترفع قافيته". اللسان "كرو".
6 خرجناه في شرح اختيارات المفضل ص546.
7 الأنسب أن تكون "من". انظر الفقرة التالية.
8 سقط من م.
9 م: إذ.
10 تمدرع: لبس المدرعة.
11 تمندل: تمسح بالمنديل. وفي حاشية ف بخط أبي حيان عن ابن مالك: وقالوا في معنى تمندل: تَنَدَّلَ.
12 تمنطق: شد على وسطه النطاق أو المنطقة.
13 كلمة ترحيب.
14 هو أبو الحسن محمد بن أحمد، نحوي أخذ عن المبرد وثعلب، وتوفي سنة320. معجم الأدباء 17:141.
والصحيح أنَّهما لم يثبتا من كلام العرب1.
والدليل على زيادتها في الأفعال أنَّ "تمسكنَ" من لفظ المِسكين، والميم في مِسكين زائدة. وكذلك "تمدرعَ" من لفظ المِدرعة، والميم في المِدرعة أيضًا زائدة. وأيضًا فإِنَّ أكثر كلام العرب: تَسكَّنَ وتَدَرَّعَ. و"تَمَندَلَ" من المِنديل، والميم في المِنديل زائدة. و"تَمَنطَقَ" من النِّطاق. و"تَمَسلََمَ" أي: صار يُدعَى مَسلَمة2 بعد أن كان يدعى بخلاف ذلك. فهو من لفظ مَسلَمة، والميم في مَسلمة زائدة. وكذلك "تَمَولَى علينا" أي: تَعاظَم علينا. فهو من لفظ المولَى، والميم في المولَى زائدة. و"مرحَبك الله ومَسهلَك" من الرُّحْبِ والسَّهلِ.
وزعم بعض النحويِّين أنَّ الميم في هِرماس وضُبارِم وحُلقُوم وبُلعُوم وسَرْطَم وصَلْقَم [23أ] ودُخْشُم وجُلْهُمة زائدةٌ؛ لأنَّ هِرماسًا من أسماء الأسد. وهو يوصف بأنه هَرَّاس؛ لأنه يَهرس فريسته. وضُبارِم: الأسد الوثيق. فهو من الضّبْرِ. وهو شدَّة الخَلْق. والحُلقوم من الحَلق. والبُلعوم: مجرى الطعام في الحلق. فهو راجع لمعنى البَلع. والسَّرْطَم: الواسعُ السريعُ الابتلاع. فهو من السَّرْط وهو الابتلاع. والصَّلْقَم: الشديد الصُّراخ. فهو من الصَّلْق؛ لأنَّ الصَّلْق: الصِّياح. ودُخْشُم وجُلْهُمة: اسمان علَمان. فأمَّا دُخْشُم فمشتقٌّ من"دَخِش يَدخَشُ، إِذا امتلأ لحمًا3. وأمَّا جُلهُمة فمن جَلْهة4 الوادي. وهو ما استقبلك منه.
وينبغي عندي أن تُجعل الميم في هذا كلِّه أصليَّةً؛ وذلك لأنَّ زيادة الميم غير أوَّلٍ قليلةٌ، فلا ينبغي أن يُذهب إِليها، إِلَّا أن يقود5 إِلى ذلك دليلٌ قاطع. وليست هذه الألفاظ كذلك.
أمَّا هِرماسٌ فهو من أسماء الأسد، وليس بصفة مشتقَّة6 من الهَرْسِ. فلعلَّه اسمٌ مُرتَجلٌ، وليس مشتقًّا من شيء، إِذ قد يُوجد من الأسماء ما هو بهذه الصفة. أعني: ليس بمشتق من شيء.
وكذلك الأمر في دُخشُم وجُلهُمة؛ لأنهما اسمان علَمان، والأعلام قد يكون فيها المرتجل، وإِن كان أكثرها ليس كذلك.
وأمَّا ضُبارِم فقد يكون بمعنى: جَرِيء. يقال: رجلٌ ضُبارمٌ، أي: جريء على الأعداء. فلعلَّ
1 انظر المنصف 1: 130.
2 كذا. والمشهور أنه يدعى مُسلِمًا. المنصف 1: 108 واللسان والتاج "سلم".
3 في النسختين: غمًا.
4 م: "جلهمة". وانظر المنصف 1: 151.
5 م: يقوم.
6 ف: فتشتقه.
الأسد الوثيق وُصف بضبارم لجرأته، فلا يكون على هذا مشتقًّا من الضَّبر؛ لأنَّ الضبر لا يكون بمعنى الجرأة.
وأمَّا الحُلقوم فليس أيضًا بصفة مشتقَّة من لفظ الحَلْق، فيلزم أَن تكون الميم زائدة. بل هو اسم، فيمكن أن يكون بمعنى الحلق، وتكون ذاته مخالفةً لذات حَلق، فيكون من باب سَبِط وسِبَطر، لا سيما وقد قالوا: حَلقمَهُ حَلقَمةً، إِذا قطع حُلقومَه. فأثبتوا الميم في تصريفه.
وكذلك البُلعوم. أعني أنه ليس بصفة مشتقَّة من البَلْع، بل هو اسم كما ذكرنا لمجرى الطعام في الحلق. فلعله اسمٌ له، لا من حيث لُحِظَ فيه معنى البَلْع؛ ألا ترى أنَّ البياض الذي في طرف فم الحمار يُسمَّى بُلعُومًا، وإن لم يكن رُجوعه إلى معنى البَلْع؟ فكذلك ينبغي ألَّا يُجعل1 بالنظر إِلى مجرى الطعام في الحلق.
وأمَّا الصَّلقَم فيمكن2 أن يكون غيرَ مشتقٍّ من الصَّلْق؛ لأنهم يقولون: جَملٌ صَلقَمٌ، أي: ضخم. فلعلَّ الشَّديدَ الصياح قيل له صَلْقَمٌ، لضخامة صوته، لا لأجل الصراخ نفسه. إذ وقع هذا اللفظ على ما ليس براجع لمعنى الصَّلْق، وهو الضخم من الإِبل.
وأمَّا السَّرطَم فإِنه يحتمل3، وإِن كان واقعًا على الواسعِ الحَلقِ السريعِ الابتلاعِ، ألا يكون مشتقًّا من السَّرْط بمعنى البلع؛ لأنهم قد يوقعون السَّرطَم على القول اللَّيِّن، فيكون الرجل الواسع الحلق وُصف بسَرطَم، لسهولة الابتلاع في حلقه ولينه عليه، لا لنَفْسِ السَّرْط الذي هو الابتلاع، كما أنَّ السَّرطَم إِذا عُني به القول اللَّيِّنُ ليس براجع لمعنى السَّرط.
فإِذا أمكن في هذه الألفاظ حملُها على ما ذكرتُ لك كان أَولَى من جعل الميم زائدةً غيرَ أوَّلٍ، لقِلَّة ما جاء من ذلك.
وزعم أبو الحسن، وأبو عثمان المازنيّ4، أنَّ دُلامِصًا5 من ذوات6 الأربعة، وأنَّ معناه كمعنى دَلِيص7 وليس بمشتقٍّ منه، فجعلاه من باب سَبِط وسِبَطر. والذي حملهما على أن يقولا ذلك في دُلامِص، ولم يقولاه في زُرقُم وسُتهُم وأشباههما، قلَّةُ مجيء الميم زائدةً حَشوًا،
1 في النسختين "أن يجعل". وصوب في حاشية ف عن نسخة الخفاف كما أثبتنا.
2 م: فممكن.
3 م: يجعل.
4 انظر المنصف1: 152.
5 الدلامص: البراق. وانظر ص161.
6 سقط من م.
7 الدليص: الدرع البراقة اللينة.
بل إذا جاءت زائدة غيرَ أوَّلٍ فإِنَّما1 تُزاد طرفًَا. وكذلك ينبغي أن يكون قُمارِص2 عندهما.
وبالجملة ليس دُلامِص مع دَلِيص كسِبَطر مع سَبِط3؛ لأنَّ الذي قاد إِلى ادِّعاء أنَّ سَبِطًا وسِبَطْرًا أصلان مختلفان أنَّ الراء لا تحفظ زائدة في موضع. وأمَّا الميم فقد جاءت زائدة طرفًا غيرَ أول، فيما ذكرنا، وحشوًا في "تمسكنَ" وأخواته، وأوَّلًا فيما لا يُحصَى كثرةً. فإِذا دلَّ اشتقاقٌ على زيادتها فينبغي أن تُجعل زائدة، إذ باب سَبِط وسِبَطر قليل [23ب] جدًّا لا ينبغي أن يُرتكبَ إِلَّا إِذا دعت إِلى ذلك ضرورة.
وإِن وقعت أوَّلًا فإِنها بمنزلة الهمزة، فلا يخلو أن يكون بعدها حَرفان أو أكثر.
فإِن كان بعدها حرفان قُضي على الميم بالأصالة؛ إِذ لا بدَّ للكلمة من فاء وعين ولام؛ لأنَّ ذلك أقلُّ أصول الأسماء المتمكنة والأفعال. وذلك نحو: مَلْك ومَسْح وأمثالهما.
وإِن4 كان بعدها أكثر فلا يخلو أن يقع بعدها أربعة أحرف5 مَقطُوع بأصالتها، أو ثلاثةٌ مقطوع بأصالتها، أو اثنان مقطوع بأصالتهما، وما عداهما مقطوع بزيادته أو محتمِلٌ للأصالة والزيادة.
فإِن كان بعدها أربعةُ أحرفٍ مقطوعًا6 بأصالتها قُضِي على الميم بالأصالة، إِلَّا في الأفعال7 والأسماء الجارية عليها. وإِنَّما كان الوجه ذلك؛ لأنَّ الزيادة لا تلحق بنات الأربعة من أوَّلها، إِلَّا في النوعين المذكورين. وأمَّا بنات الخمسة فلا يلحقها من أوَّلها زيادة أصلًا8؛ لأنها لا تكون فعلًا. وذلك نحو: مَرْزَنْجُوش9، ينبغي10 أن تكون الميم فيه أصليَّة. وكذلك كلُّ ما جاء من هذا النحو11.
1 ف: إنما.
2 القمارص: القارص.
3 ف: كسبط مع سبطر.
4 ف: فإن.
5 م: حروف.
6 م: مقطوع.
7 كذا. والميم لا تزاد في أول الأفعال الرباعية.
8 م: فلا تلحقها زيادة في أولها.
9 المرزنجوش: نبت. وبعد الميم فيه أربعة أصول هي الراء والزاي والجيم والشين.
10 ف: "نحو المجفئظّ، وهو كل شيء يصبح على شفا الموت، فينبغي". وفي الحاشية بخط أبي حيان عن الجوهري: "اجفاظت الجيفة
…
قال ثعلب". الصحاح "جفظ". وفي الارتشاف 1: 97: قال ابن عصفور: "ميم مجفئظ أصل". وهو خطأ بل زائدة.
11 م: من نحو هذا.
وإِن كان بعدها ثلاثة أحرف مقطوعًا بأصالتها قُضي عليها بالزيادة1؛ لأنَّ كلَّ ما جاء من ذلك، ممّا يُعرف له اشتقاق، توجد الميم فيه زائدة، نحو: مَلهًى ومَضرِب وأمثال ذلك، ممّا لا يُحصى كثرةً. ولم تجئ أصليَّة إِلَّا في: مُغرُودٍ2 ومُغفُورٍ3 ومَراجِل4.
فالدليل على أصالتها في مَراجِل ثباتها في تصريفه، فقالوا: المُمَرجَل. قال5:
بِشِيَةٍ كَشِيةِ المُمَرجَلِ
وكذلك مُغفُور؛ لأنَّ الميم قد ثَبَتَتْ في تصريفه، قالوا6: ذَهَبُوا يَتمغفَرُونَ، أي: يجمعون المُغفُورَ. وهو ضرب من الكمأة7. وأمَّا مُغرود فيدلُّ على أصالة ميمه أنه ليس من كلامهم "مُفعول"، وفيه "فُعلُول".
فإِذا جاء ما لا يُعرف اشتقاقه قُضي بزيادة الميم فيه، حملًا على الأكثر ممّا عُرف له اشتقاق، نحو: مأسَل8، ينبغي9 أن يُقضي بزيادة الميم فيه وفي أمثاله، وإِن لم يُعرف له اشتقاق10.
وإِن كان بعدها حرفان مقطوعٌ بأصالتهما، وما عداهما مقطوع بزيادته، قضيتَ على الميم بالأصالة، إذ لا أقلَّ من ثلاثة أحرف أصول، كما تقدَّم. وذلك نحو: مالِكٍ وماسِحٍ وأمثال ذلك؛ ألا ترى أنَّ الألف مقطوع بزيادتها؟ وإِذا11كان كذلك وجب أن تكون الميم أصليَّة.
وأن كان بعدها حرفان مقطوعًا بأصالتهما، وما عداهما محتمل للأصالة والزيادة، قُضي على الميم بالزيادة؛ لأنَّ كلَّ ما عُرف له اشتقاق من ذلك وُجدت الميم فيه زائدةً، ولم تُوجد أصليَّة إِلَّا في ألفاظ محفوظة. وهي: مِعْزًى ومأجَج12 ومَهْدَد13 ومَعَدّ ومَنجنيق ومَنجَنُون14. فلمَّا
1 في حاشية ف بخط أبي حيان أن الميم في مِرعِزّى زائدة، وكذلك مِرعِزاء مع وجود طِرمساء. وانظر ص93 و97 والتاج "رعز".
2 المغرود: ضرب من الكمأة. وفي حاشية ف: "ذكر في الأبنية أن وزنه مفعول وأن الميم زائدة". انظر ص79.
3 المغفور: صمغ شبيه بالناطف.
4 المراجل: ضرب من برود اليمن.
5 العجاج. ديوانه ص 45 والكتاب 2: 345 وشرح الشافية 2: 337 وشرح شواهدها ص285-286. والشية: الوشي. والممرجل: ضرب من ثياب الوشي.
6 م: فقالوا.
7 كذا. والمغفور ليس من الكمأة في شيء.
8 مأسل: اسم موضع.
9 ف: فينبغي.
10 م: اشتقاقًا.
11 م: وإن.
12 مأجج: اسم موضع.
13 مهدد: اسم امرأة.
14 المنجنون: الدولاب. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن لسيبويه في ميم مِجَنّ قولين: جعلها زائدة وجعلها أصليَّة. انظر ص265 من ابن عصفور والتصريف.
كانت زائدة في الأكثر، ممّا عُرف له اشتقاق، حُمِل ما لم يُعرف له اشتقاقٌ من ذلك على ما عُرف اشتقاقه. [وذلك] 1 نحو: مِذرًى2 والمِذرَوَينِ.
فإِن3 قيل: وما الدليلُ على أَصالة الميم في ستَّة الألفاظ المذكورة؟ فالجواب أنَّ الذي يدلُّ على أصالة الميم في مِعزًى أنهم يقولون4: مَعْزٌ، فيحذفون الألف. ولو كانت الميم فيه زائدة5 لقالوا "عَزْيٌ"6.
فإِن قيل7: إِنَّ المِعزى أعجميٌّ، وقد تَقدَّم أنَّ الأعجميَّ لا يدخله تصريف. فالجواب أنَّ ما كان من الأعجميَّة نكرة فإِنه قد يدخله التَّصريفُ؛ لأنه محكومٌ له بحكم العربيّ، بدلالة أنَّ هذا النوع من العُجمة لا يمنع الصَّرفَ8، بخلاف العُجمة الشخصيّة. وسبب ذلك أنها أسماء نكرات –والنكرات هي الأُوَل- وإِنَّما9 تمكَّنت بدخول الألف واللَّام عليها، كما تدخل على الأسماء العربيَّة.
ويدُلُّ على أنهم قد أَجروها مُجرى العربيّ أنهم قد اشتقُّوا منها، كما يَشتقُّون من العربيّ. قال رؤبة10:
هَل يُنجِيَنِّي حَلِفٌ سِختِيتُ
…
أو فِضَّةٌ، أو ذَهَبٌ كِبرِيتُ؟
فقال "سِختِيت" من السَّخْتِ وهو الشديد، وهو أعجميٌّ.
والذي يدلُّ على أصالة الميم في مَعَدٍّ11 أنهم يقولون: تَمَعدَدَ الرَّجلُ، إِذا تكلَّم بكلام مَعَدٍّ، وقيل: إِذا كان على خُلُق معدّ. [24أ] والميم في "تمعدَد" أصليَّةٌ؛ لأنَّ "تَمَفعَلَ" قليل، نحو ما ذكرنا12 من قولهم: تَمَسكَنَ وتَمَدرَعَ، والأحسنُ: تَسَكَّنَ وتَدَرَّعَ. ومَعَدٌّ هذا –أعني اسم القبيلة-
1 من م.
2 المذرى: جانب الألية.
3 م: وإن.
4 الكتاب 2: 344.
5 م: الميم هي الزائدة.
6 م: "عزاة". الكتاب: عزاء.
7 م: فإن قال قائل.
8 انظر المنصف 1: 132-133.
9 م: وأنها.
10 ديوانه ص27 والمنصف3: 33. والكبريت: الأحمر.
11 الكتاب 2: 344 والمنصف 1: 129-132. وفي حاشية ف بخط أبي حيان أن الميم أصل وهو من قولهم: امتعَدَ.
12 في الورقة 22.
منقول من مَعَدٍّ الذي يُراد به موضع رِجل الرَّاكب؛ لأنَّ الأعلام إِذا عُلِمَ لها أصل في النكرات فينبغي أن تُجعل منقولة منه.
وإِذا ثَبَتَ النَّقلُ تَبيَّنَ أنَّ الميم [في مَعَدٍّ هذا –أعني اسم القبيلة- أصليَّة؛ لأنَّ الميم] 1 في مَعَدٍّ الذي هو2 موضع رِجل الرَّاكب أصليَّة أيضًا؛ لأنَّ 3 موضع رجل الراكب فيه شِدَّةٌ وصلابة، وقد قالوا "مَعَدَ" في معنى: اشتدّ. فالميم فيه أصل. لذلك قال4:
وخارِبَيْنِ، خَرَبا فَمَعَدا
…
لا يَحسِبانِ اللهَ إِلَّا رَقَدا
فإِن قيل: جعلك الميم أيضًا أصليَّةً في أوَّل الكلام، وبعدها ثلاثة أحرف، قليلٌ، و"تَمَفعلَ" قليل. فهلَّا اعتدل الأمر عندك فيهما. فأجزتَ في مَعَدٍّ الوجهين. أعني زيادة الميم وأصالتها. فالجواب أنه لمّا كان جعلها أصلًا وجعلها زائدة يؤدِّيان إِلى قليل كانت الأصالة وما يعضده الاشتقاقُ أَولى.
والذي يدلُّ، على أصالة الميم في مأْجَجٍ ومَهدَدٍ5، أنَّ الميم لو كانت زائدة لوجب الإِدغام، فتقول: مَهَدٌّ ومأَجٌّ، كما تقول:[مَقَرٌّ] 6 ومَكَرٌّ ومَفَرٌّ ومَرَدٌّ. فدلَّ ذلك على أنَّ الميم أصل، وأنهما ملحقان بجَعفَر نحو: قَرْدَدَ7. ولذلك لم يُدغَم.
فإِن قلتَ: أَجْعلُ الميم زائدة فيهما، ويكون فكُّ الإِدغام شاذًّا. فيكون من باب: لَحِحَتْ 8 عينُه وأَلِلَ9 السِّقاءُ وضَبِبَ10 البَلَدُ، إِذ جَعلُ الميم أصليَّة أيضًا في أوَّل وبعدَها ثلاثة أحرف قليل. فالجواب ما تقدَّم في "مَعَدٍّ"، من أنه لمّا كانت الأصالة والزيادة تُفضيان إلى قليل كانت الأصالة أولى.
فإِن قيل: فهلَّا جعلتم الميم أصليَّةً في مَحْبَبٍ11، بدليل فكِّ الإِدغام، كما فَعلتُم ذلك في
1 من م.
2 م: الذي يراد به.
3 ف: وأيضًا فإن.
4 المحتسب 2: 29 والمنصف 3: 19 واللسان والتاج "خرب" و"معد" والسمط ص779. وقبلهما في السمط:
أَخشَى علَيهِ طَيْئًا وأسَدا
…
وقَيسَ عَيلانَ، ودِينًا فَسَدا
وفي حاشية ف بخط أبي حيان: الخارب: سارق الإبل.
5 الكتاب 2: 344 والمنصف 1: 141-143.
6 من م.
7 القردد: الأرض المستوية.
8 لححت: لصقت.
9 ألل: تغيرت رائحته.
10 ضبب: كثرت ضِبابه.
11 محبب: اسم رجل. وانظر المنصف 1: 141-143.
مَهْدَد. فالجواب أنه لمّا كان جعل الميم فيها أَصليَّة يؤدِّي إِلى الحمل على القليل، وجعلُها زائدة يؤدِّي أيضًا إِلى ذلك، كانت الأولى الزيادة هنا1؛ لأنَّ الميم إِذا كانت زائدة كانت الكلمة من تركيب "ح ب ب" وهو موجود، وإِذا كانت الميم أصليَّة كانت الكلمة من تركيب "م ح ب" وهو غير موجود. فكان الحمل على الموجود أَولى.
والذي يدلُّ، على أنَّ الميم2 في مَنجَنِيق أصليَّة، أنه قد استقرَّ زيادة النون الأُولى، بدليل قولهم: مَجانِيق، بحذفها. ولو كانت أصليَّة لقلتَ "مَناجِيق". فإِذا ثَبَتَ زيادة النون ثَبَتَتْ بذلك أصالة الميم، إذ لو كانت زائدة. والنون بعدها زائدة، لأدَّى ذلك إلى اجتماع زيادتين في أوَّل كلمة. وذلك لا يوجد إِلَّا في الأفعال نحو "استَفْعَل"3، أَو في الأسماء الجارية عليها، نحو انطَلَق ومُنْطَلَق. و"منجنيق" ليس باسم جار على الفعل4.
فإِذا ثَبَتَتْ أصالة الميم وزيادة النون الأُولى5 وجب أن يُقضى على النون الثانية بالأصالة؛ لأنك لو جعلتها زائدة لكان وزن الكلمة "فَنْعَنِيلًا". وذلك بناء غير موجود. وإذا جعلتها أَصليَّة كان وزن الكلمة "فَنْعَلِيلًا" نحو: عَنتَرِيس6. وأيضًا فإِنها ليست في موضع لَزِمَتْ فيه زيادتها، ولا كثُرت، فتُجعلَ زائدة.
فإِن قيل: فهلَّا استدللتُم على زيادة الميم، بما حكاه أبو عثمان عن التَّوَّزيِّ7، عن أبي عُبيدة، من أنه سأل أعرابيًّا عن حروب، كانت بينهم، فقال:"كانَتْ بينَنا8 حروبٌ عُونٌ، تُفقأ فيها العُيونُ، مرَّة نُجنَقُ9، ومرَّة نُرشَقُ". فقوله "نُجنق" دليل على أنَّ الميم زائدة، إِذ لو كانت أصليَّة لوجب أن يقول "نُمَجْنَقُ". وحكى الفرَّاء10:"جَنَقُوهم بالمَجانِيق". فالجواب:
أنَّ الكلمة أعجميَّة، والعرب قد تُخلّط في اشتقاقها من الأعجميِّ11؛ لأنها ليست من
1 سقط من م.
2 الكتاب 2: 344 والمنصف 1: 146-149 وشرح الشافية 2: 350-353.
3 كذا. الصواب "انفعل" وقد مثَّل له بعد انطلق.
4 م: على فعل.
5 وهذا مذهب سيبويه كما جاء في الكتاب 2: 337. وقال السيوطي: "قال سيبويه: هو من الخماسي": المزهر 2: 33.
6 العنتريس: الناقة الشديدة.
7 المنصف 1: 147 وشرح الشافية 2: 350. والتوزي هو أبو محمد عبد الله بن محمد، عالم باللغة والشعر وراوٍ للأخبار. توفي سنة 237. نزهة الألباء ص172.
8 سقط من م.
9 في النسختين: "تجنق". المنصف: مرة ثم نجنق.
10 وفي المزهر1: 135 أن أبا زيد انفرد بهذا القول.
11 م: الأعجمية.
كلامهم؛ ألا ترى أنَّ1 قول الراجز2:
هَلْ تَعرِفُ الدَّارَ؛ لأُمِّ الخَزرَجِ
…
مِنها، فظَلْتَ اليَومَ كالمُزَرَّجِ
أراد: سكران كالذي يشرب3 الزَّرَجُون. وكان القياس أن يقول "كالمُزَرْجَنِ"4؛ لأنَّ نون "زَرَجون" أصليَّة. لكنه حذف النون؛ لأنَّ الكلمة5 أعجميَّة، والعرب قد تُخلّطُ في اشتقاقها من الأعجميِّ كما تقدَّم.
فإِن قيل: فهلَّا قلتم [24 ب] : إنَّ6 قولهم في الجمع 7 "مَجانِيق" بحذف النون من قَبيل ما خُلِّطَ فيه. فالجواب أنَّ قولهم: مَجانِيق، يؤدِّي إِلى أن يكون وزن الكلمة "فَنْعَلِيلًا" كما تقدَّم، وهو من أبنية كلامهم. وقولهم: نُجْنَقُ وجَنَقُوهم، يؤدِّي إِلى كون الميم والنون زائدتين، فيكون وزن الكلمة "مَنْفَعِيلًا"، والزيادتان لا تَلحقان الأسماء من أوَّلها، إِلَّا أن تكون جارية على الأفعال، كما تقدَّم.
والذي يدلُّ، على أصالة الميم في مَنجَنُون،8 أنه لا يخلو أن تُقَدِّر الميم والنون9 زائدتين أو أصليَّتين، أو إِحداهما زائدة والأخرى أصليَّة10 فجعلُهما زائدتين فاسد، لما تبيَّن من أنه لا يلحق الكلمة زيادتان من أوَّلها إِلَّا الأفعالَ والأسماءَ الجارية عليها، و"منجنون" ليس من قبيل الأسماء الجارية على الأفعال. وجعلُ إحداهما زائدة والأُخرى أصليَّة فاسدٌ؛ لأنَّ ك إن قدَّرت أنَّ الميم هي الزائدة11 كان وزن الكلمة "مَفْعَلُولًا". وذلك بناء غير موجود في كلامهم. وإِن12 قَدَّرتَ أنَّ النون هي الزائدة كان فاسدًا، بدليل قولهم "مَناجِين" في الجمع، بإِثبات النون الأُولى. فدلَّ ذلك على أنهما أصلان، ويكون وزن الكلمة "فَعْلَلُولًا". فيكون13 نحو: حَنْدَقُوق14.
1 ف: إلى.
2 الخصائص 1: 359 والمنصف1: 148 والمحتسب 1: 80 واللسان "زرج".
3 م: "شرب". والزرجون: الخمر.
4 م: المزرجن.
5 ف: لأنها.
6 م: فهلَّا جعلتم.
7 م: الجميع.
8 الكتاب 2: 344 والمنصف 1: 145-146 وشرح الشافية 2: 353-355.
9 م: النون والميم.
10 ف: أو إحداهما أصلية والأخرى زائدة.
11 م: أن الميم زائدة.
12 ف: فإن.
13 سقط من م.
14 الحندقوق: بقلة، والرجل الطويل المضطرب.