الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أسماء الموصول:
1-
المقصود بالموصول لدى اللغويين والنحاة
2-
جوانب الحديث عن الموصول تفصيلا هي:
أ- أسماء الموصول المختصة والمشتركة
ب- صلة الموصول الجملة وشبه الجملة
ج- عائد الصلة المذكور والمحذوف
الموصول:
جاء في القاموس: وصل الشيء وَصْلا: لَأَمَه، وأوْصل الشيء واتَّصل: لم ينقطع، والوُصْلة بالضم: الاتصال. ا. هـ.
ويتلخص ما يفهم من هذا النص أن هذه المادة تفيد "الالتحام والاتصال اللازم بين شيئين" وينبني عليه أن "الموصول" يقصد منه: ما التحم به غيره متصلا به اتصالًا وثيقًا لا ينفصل، سواء أكان ذلك في الماديات أم في المعنويات أم في الكلام، فحنفية المياه بعد لحمها بالماسورة تصير موصولة بهذه الماسورة، وقطعة الخشب إذ تكون جزءًا من أجزاء الكرسي، فتأخذ موضعها منه ملتصقة به بالغراء والمسامير تلتحم به وتكون موصولة ببقية أجزائه، وحين ننطق عبارة في نفس واحد فنقول مثلا ما قاله الرسول: "إذا كانوا ثلاثةً، فلا يتناجى اثنان دون الثالث حتى يختلطوا بالناس أجْلَ
أن يحزنه" 1 فإن كل كلمة من هذه العبارة موصولة بما قبلها وما بعدها من الكلمات، إذ نطقت معها متصلة دون انقطاع.
أما الموصول الذي يدرس في النحو، فيقصد منه -كما ذكر ابن هشام- كل اسم افتقر إلى صلة وعائد ا. هـ.
ويتبين من النص السابق أن ما يطلق عليه "الموصول" في النحو يتوافر له الصفات الثلاثة الآتية متكاملة:
أ- أن يكون كلمة منطوقة من نوع الاسم
ب- أن تكون له صلة تتصل به، فتبين المقصود منه وتحدد معناه
ج- أن تشتمل هذه الصلة على ضمير عائد على اسم الموصول؛ يربط جملة الصلة به
تلك هي المكوّنات الأساسية لتحقق الموصول نحويًّا، وهي مرة أخرى باختصار "اسم الموصول، صلة الموصول، العائد على الموصول".
ففي هذه الآية الكريمة اسما موصول هما "الذين، التي"، وصلة الأول جملة:"قالوا: رَبُّنا الله" والعائد فيها هو ضمير الجماعة "الواو" في "قالوا" أما صلة الثاني فجملة "كنتم توعدون" والعائد غير موجود فيها، لكنه
1 صحيح البخاري، الجزء الثامن، من كتاب الاستئذان.
2 الآية 30 من سورة فصلت.
يقدر، والأصل مع هذا التقدير "التي كُنتُم توعدُون بها".
هذا، وينبغي التنبيه للملاحظتين الآتيتين:
الأولى: أن أسماء الموصول من المعارف، فإن وجود الصلة معها يزيل غموضها ويحدد المقصود منها؛ لأن من شروط الصلة -كما سيأتي- أن يكون معناها معلومًا للسامع، تقول:"زميلي الذي بذل جُهْدَه ولم يُوَفَّقْ خيرٌ لديّ من زميلي الآخر الذي أهمل واجبه، واعتسف النجاح".
الثانية: أن دراسة هذا الباب كله -بعد تحديد معناه السابق- يجب أن تتناول أركان الموصول الثلاثة وهي "أسماء الموصول، الصلة، العائد" على التفصيل الآتي.
أسماء الموصول:
المتصور أن يعبر الموصول عن المفرد والمثنى والجمع، وكل من هذه الثلاثة مذكر أو مؤنث، وقد ورد في اللغة فعلا من أسماء الموصول ما يعبر عن ذلك كله بطريقتين:
الطريقة الأولى: أسماء الموصول المختصة:
يقصد بها: ما ورد في اللغة من أسماء الموصول، وكل منها مخصص للدلالة على واحد من الأمور الستة السابقة على التفصيل والتوضيح الآتي:
- المفرد المذكر
ورد له لفظ واحد هو "الذي" جاء في القرآن: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} 1 وتقول: "أحب
1 من الآية الأولى من سورة الأنعام.
الصديقَ المخلصَ الذي يشاركني السَّراء والضَّراء، وأكرهُ الصاحبَ المنافق الذي أجِدُه في السراء، ويهربُ في الضراء".
- المفرد المؤنث:
ورد له لفظ أيضا هو "التي" وجاء في القرآن: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً} 1، وتقول:"أغلى بقاعِ الأرض البقعة التي وُلِدْتُ بها، ونشأتُ في رحابها، وأحبُّ الناس لديّ الأسرةُ التي كَفَلَتْنِي ورعتْني، وأحق الخلق بإحساني أمي التي أنا قطعة منها".
- المثنى المذكر:
ورد له أيضًا لفظ واحد هو "اللذان" ويجيء في حالتي النصب والجر بالياء "اللَّذَيْن" جاء في القرآن على لسان المستضعفين يوم القيامة: {رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ} 2 ومن العبارات التي ترددها الإذاعة "قلبُ العالم العربيّ مصرُ، وجناحاه اللذان ينهض بهما المشرقُ العربيّ والمغربُ العربيّ".
المثنى المؤنث:
ورد له أيضًا لفظ واحد هو "اللتان" ويجيء في حالة النصب والجر بالياء "اللَّتَيْن" يقال: "من الرَّحلاتِ المثيرة في عصرنا الحاضر الرّحلتان الأوليان اللَّتان وصل الإنسانُ فيهما إلى القمر، فقد تابعهما كلُّ سكَّانِ الأرضِ بإعجابٍ وانبِهار".
1 الآية 25 من سورة مريم.
2 من الآية 29 من سورة فصلت.
- الجمع المذكر:
ورد له في اللغة لفظان هما "الذين، الأُلَى" جاء في القرآن: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} 1 وقال الشاعر:
رأيتُ بني عمّي الألى يخذُلونَني
…
على حَدَثَانِ الدهرِ إذ يتقلَّب1
فمن البيّن أن كلمة "الألى" في هذا البيت لجماعة الذكور، بدليل الضمير العائد عليها في "يخذلون" ويمكن في البيت أن يوضع مكانها كلمة "الذين".
هذا ما قررته معظم كتب النحو، لكن جاء في شرح ابن عقيل قوله نصًّا: يقال في جمع المذكر "الأُلَى" مطلقا عاقلا أو غيره، نحو "جاء الأُلَى فعلوا" وقد يستعمل في جمع المؤنث، وقد اجتمع الأمران في قول أبي ذؤيب الهذلي:
وتلك خطوبٌ قد تملَّتْ شبابَنا
…
قديما فتُبْلينا المنونُ وما نُبْلِي
وتُبْلِي الأُلَى يستلئمون على الأُلَى
…
تراهنَّ يوم الرَّوْعِ كالحِدَإِ القُبْلِ3
1 الآيتان 5، 6 من سورة الفاتحة.
2 حدثان الدهر: نوائبه.
يشكو من بني عمه: إذ تنتابه الأحداث والمصائب فيتقاعسون عن نصرته الشاهد في البيت: كلمة "الأُلَى" إذ وردت في البيت اسم موصول لجماعة الذكور، وهو ما جرى عليه معظم النحاة.
3 خطوب: كوارث، تملت شبابنا، جاء في القاموس: يقال ملاك الله حبيبك: متعك به، وأن تتمتع الخطوب بالشباب كارثة!! إذ تمتص صباهم وتأكلهم، المنون: الموت، يستلئمون: يلبسون اللأمة وهي الدرع، الحدأ: جمع حدأة وهي الطائر المعروف، والمقصود بها الخيول، القبل: التي في عيونها حور.
المعنى: لقد أصبنا قديما بخطوب جسام أفنت شبابنا وأبطالنا، شبابنا لمت بهم، وأبطالنا أبلتهم، وكانوا في الحرب وهم يمتطون الخيول السريعة الحادة النظر كالحدإ في سرعتها وحدة نظرها.
وقد استشهد ابن عقيل بالبيت الأخير على استعمال "الألى" لجماعة الذكور والإناث، كما جاءت في البيت مرة قصد بها "الأبطال" ومرة أخرى قصد بها "الخيول" ومن رأي ابن عقيل ان استعمالها لجماعة الذكور أكثر من استعمالها لجماعة الإناث.
فقال "يستلئمون" ثم قال "تراهنَّ" ا. هـ.
فقد استعملت كلمة "الأُلَى" في شاهد ابن عقيل مرتين، الأُلَى لجماعة الذكور وأريد بها "الأبطال" وعاد عليها الضمير لجماعة الذكور في "يستلئمون" والثانية لجماعة الإناث وأريد بها "الخيول" وعاد عليها ضمير جماعة الإناث في "تراهن" فاستعملت كلا الاستعمالين في بيت واحد.
فابن عقيل رحمه الله يقرر أنها تستعمل لجماعة الذكور والإناث لكنّ استعمالها للذكور أكثر.
لكن بتأمل النصوص التي جمعتها عن هذه الكلمة "الألي" اتضح لي -إن لم يجانبني الصواب- أنها تستعمل حقا لجماعة الذكور، لكن استعمالها لجماعة الإناث أكثر، ومن دلائل الأخير ما يلي:
- ما ينسب للمجنون من قوله:
أظنُّ هَواها تَارِكِي بمَضَلَّةِ
…
من الأرض لا مَالٌ لديَّ ولا أهلُ
ولا أحدٌ أفضي إليه وَصِيَّتِي
…
ولا صاحبٌ إلا المطيَّةُ والرحْلُ
مَحَا حُبُّها حُبّ الأُلَى كن قبلها
…
وحلَّتْ مكانًا لم يكنْ حُلَّ من قبلُ
فحُبّي لها حبٌّ تمكن في الحَشَا
…
فما إنْ أرى حُبًّا يكون له مثلُ1
فإن كلمة "الألي" في البيت الثالث لجماعة الإناث، بدليل مجيء نون النسوة ضميرًا عائدًا عليها في "كنّ".
- قول الشاعر:
تهيّجني بالوصلِ أيامنا الْأُلَى
…
مرَرْنَ علينا والزمانُ ورِيقُ2
1 المضلة: المنطقة التي يضل من يسلكها، أفضي: أذكر أسراري، المطية والرحل: المطية: ما يركب كالبعير ونحوه، والرحل: ما يوضع على المطية للركوب.
يقول: إن هواها قد أصابني بالخبال، والمرجح لدي أنني سأضرب في الأرض حتى أنزل في تيه منها، فأفقد هناك دون مال ولا أهل ولا صاحب غير مطيتي ورحلي، وهما لا يغنيان عني شيئا، ولا عجب!! فهواها منفرد في قلبي إذ أزال كل حب قبلها منه، وهو متمكن في فؤادي تمكنًا لا نظير له بين المحبين.
الشاهد: في "الألى كن قبلها" حيث استعمل "الألى" لجماعة الإناث وفي رأيي أن هذا هو الغالب في استعمالها.
2 الوريق: الكثير الورق، والشجرة يكثر ورقها في أيام الربيع فتمنح الظل والخضرة، والمقصود من "الزمان الوريق" الزمن الذي فيه الراحة والبهجة.
المعنى: تستثير ذكرياتي الأيام الجميلة -أيام الوصل- التي مرت عَلَيّ مع الحبيب في راحة وبهجة.
الشاهد: في "الألى" حيث أريد بها جماعة الإناث، وعاد الضمير عليها كذلك في "مررن" وفي رأيي أن هذا هو الغالب على استعمالها.
فهي في هذا البيت أيضًا لجماعة الإناث؛ بدليل مجيء نون النسوة عائدا عليها في "مَرَرْنَ".
والخلاصة أن هذه الكلمة جرت معظم كتب النحو على جعلها لجماعة الذكور -ومن رأي ابن عقيل أنها تستعمل لجماعة الذكور والإناث وللأول منهما أكثر- ومن رأيي أنها تستعمل لكلا الجمعين، لكنها للإناث أكثر اعتمادا على النصوص التي وردت عنها.
- جماعة الإناث:
ورد لذلك لفظان هما "اللَّاتِي، واللَّائِي" وقد يستعملان بغير الياء الأخيرة، فينطقان "اللَّاتِ، اللَّاءِ" تقول: "لمجتمعنا العربي تقاليده مع المرأة، ومن هذه التقاليد التصوّنُ والعفة، لذلك تُحترم فيه الفتيات الّلاتي يحترمْنَ هذه التقاليد، كما تحتقر فيه الأخرياتُ اللَّائي يخرجْنَ عليها".
الطريقة الثانية: أسماء الموصول المشتركة أو العامة:
يقصد بها ما ورد في اللغة من أسماء الموصول صالحا للاستعمال -بلفظه كما هو- في الحالات الست السابقة "المفرد والمثنى والجمع، المذكر منها والمؤنث" حيث يتحدد المقصود منه من سياق الكلام والضمير العائد عليه فلنلاحظ الأمثلة الآتية:
إن من يحترمُ نفسَه لا يفعَلُ الأمورَ الرّخيصة.
إن من تحترمُ نفسها لا تُعَرِّضُ أنوثَتَها للمهانة.
إن من يحترمون أنفسهم ينقدونها قبل نقد الآخرين لهم.
ففي الأمثلة الثلاثة السابقة كلمة "من" اسم موصول، وهي في المثال
الأول للمفرد المذكر، وفي الثاني للمفردة المؤنثة، وفي الثالث لجماعة الذكور فهي في الأول بمعنى "الذي" وفي الثاني بمعنى "التي" وفي الثالث بمعنى "الذين" ولم يتغير لفظها في الأمثلة الثلاثة، والذي حدد معناها -في كل مثال- سياق الكلام والضمير العائد عليها، فهذه الكلمة يطلق عليها "اسم موصول مشترك".
وأسماء الموصول المشتركة -كما وردت في كتب النحو- ستة "منْ، ما، أيّ، ذا، ذو، أل" والثلاثة الأولى من هذه الأسماء الستة "من، ما، أيّ" تستعمل هذا الاستعمال مطلقا وبدون شروط، أما الثلاثة الأخيرة "ذا، ذو، أل" فلا تستعمل هذا الاستعمال إلا تحت ظروف خاصة بكل منها، سيأتي شرحها، بل إن اعتبار الكلمة الأخيرة "أل" من أسماء الموصول أمر يثير الغرابة، وقد رفض اعتبارها من أسماء الموصول من يعتدّ بهم من النحاة.
لذلك، فإنه من المفيد أن نتناول هذه الأسماء الستة في مجموعتين، تضم الأولى الأسماء الثلاثة المتداولة الاستعمال، وتضم الأخرى ما لا يكاد يعرف استعماله إلا المتخصصون في صناعة النحو.
المجموعة الأولي "منْ، ما، أيّ"
1-
مَنْ:
لاحظ الأمثلة الآتية:
إن من قصَّر به عمله، لم يسرعْ به نسبه.
وإن منْ يصنع المعروف في غير أهله يندم عليه.
أخلص لمن يحبّونك واحذرْ منْ يعادونك.
"مَنْ" اسم موصول مشترك، والأصل فيها أن تكون للعاقل، وجاء في القرآن:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} 1 لكن ربما استعملت في غير العاقل على خلاف الأصل، ومن ذلك ما ينسب للمجنون من قوله:
بكيتُ على سِرْبِ القَطَا إذ مررْنَ بي
…
فقلتُ ومثلي بالبُكاءِ جَدِيرُ
أسربَ القطا هل مَنْ يُعِيرُ جناحَه
…
لعلِّي إلى من قد هوِيتُ أطيرُ2
فإن كلمة "مَنْ يعير جناحه" قصد بها "القطا" وهم غير عقلاء.
2-
ما:
لاحظ الأمثلة الآتية:
قيمتُك بما تعملُه لا بما تقولُه.
فتذكَّرْ مِن تجاربِ حياتك ما نفعتْكَ لا ما آلمتْك.
"ما" من الأسماء الموصولة المشتركة، والأصل فيها أن تكون لغير العاقل ومن ذلك ما جاء في القرآن:{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} 3.
1 من الآية 41 سورة النور.
2 القطا: جمع قطاة، وهي طائر من طيور الصحراء، السرب: الجماعة.
يقول: حين مرت بي جماعة القطا بكيت وأنا جدير بالبكاء!! لأني بعيد عن حبيبتي يضنيني الشوق إليها، لذلك طلبت من الطير أن يعيرني واحد منها جناحه لعلّي أستخدمه في الذهاب السريع إليها.
الشاهد: في البيت الثاني في قوله: "هل من يعير جناحه" فهي اسم موصول قصد بها غير العاقل.
3 أول سورة الحشر.
وربما استعملت للعاقل على غير الأصل، كما جاء عن العرب قولهم:"سُبْحانَ ما سخّركُنَّ لنا" وقولهم: "سُبحانَ ما يسبّح الرَّعْدُ بحمدِه".
3-
أي:
لاحظ الأمثلة الآتية:
ابدَأْ بالصدقة على أيِّ الناسِ هو أقربُ إليك.
ابدَأْ بالصدقة على أيِّ المحتاجين هم أقربُ إليك.
"أي" من أسماء الموصول المشتركة، وتستعمل للعاقل وغيره، ويلاحظ أنها في المثال الأول للمفرد المذكر، فهي بمعنى "الذي" وفي المثال الثاني لجماعة الذكور، فهي بمعنى "الذين".
هذا، وينبغي هنا التنبه إلى فكرة جانبية خاصة بكلمة "أي" من حيث الإعراب والبناء إذ سبق في الحديث عن "بناء الأسماء" أن الأسماء الموصولة كلها مبنية، أما كلمة "أي" خاصة فإنها معربة -كما هو واضح في المثالين السابقين- وتبنى على الضم في حالة واحدة يلخصها العبارة النحوية المشهورة "أن تضاف ويحذف صدر صلتها" ومما ورد لذلك الشواهد الآتية:
- جاء في القرآن: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً} 1 قرئت الآية ببناء كلمة "أي" على الضم.
- قول غسان بن وعلة:
إذا ما لقيتَ بني مالكٍ
…
فسلِّمْ على أيُّهم أفضلُ2
1 من الآية 66 من سورة مريم.
2 الشاهد في البيت أن "أي" استعملت اسم موصول وهي مبنية على الضم إذ أضيفت وحذف صدر صلتها، والصلة هي "أفضل" فهي خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هو أفضل".
فقد روي البيت ببناء كلمة "أيّ" على الضم.
المجموعة الثانية "ذا، ذو، أل"
4-
ذا:
لاحظ الأمثلة الآتية
ماذا تصنعُ مع الأحمقِ إذا أساء إليك؟!
مَنْ ذا يوافقونك على ردّ عدوانه؟!
مَنْ ذا ينصفونك حين الإعراض عنه؟!
الأفضل -يا صاحبي- ألَّا تعرض نفسك لأمثاله.
المشهور في استعمال كلمة "ذا" في اللغة أنها إشارة، ولها استعمال آخر أقل شهرة، إذ تكون اسم موصول مشتركًا بشرط أن تتوافر لجملتها الصفتان الآتيتان:
أ- أن يتقدم عليها أحد اسمي الاستفهام "مَنْ، ما".
ب- أن يبقى لكل من اسم الاستفهام "منْ، ما" واسم الموصول "ذا" استقلاله فيعتبران كلمتين مستقلتين، فإذا اندمجتا معا، فأصبحتا كلمة واحدة بمعنى "أيّ شخص، أو: أيّ شيء" خرجت كليّة من باب الموصول.
ويلاحظ في الأمثلة السابقة أن "ذا" قد اجتمعت لها الصفات التي تؤهلها لأن تكون اسم موصول، فهي في المثال الأول بمعنى "الذي" وفي المثالين الثاني والثالث بمعنى "الذين"، ولنتأمل -مع ذلك- الشواهد الآتية:
- ما جاء في القرآن: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} 1.
- ما جاء في القرآن: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً} 2.
- قول الأعشى يمدح شعره:
وقصيدةٍ تأتي الملوكَ غريبةٍ
…
قد قلتُها لِيُقَالَ من ذا قَالَهَا3
- قول أمية بن أبي عائذ الهذلي:
ألا إن قلبي لَدَى الظاعِنين
…
حزينٌ فمن ذا يُعَزِّي الحزينَا4
1 من الآية 245 من سورة البقرة.
2 من الآية 30 من سورة النحل.
3 المعنى: إن كثيرا من قصائدي غريب بديع أمدح بها الملوك فتروع الناس وتبهرهم حين يسمعونها من الرواة فيتساءلون: من قائلها!! استحسانا لها وإعجابا!!
الشاهد: في "من ذا قالها" فإن "ذا" اسم موصول بمعنى "الذي" وقد استوفى الشرطين اللازمين لاستعماله اسم موصول.
4 الظاعنين: جمع "ظاعن" وهو الراحل المفارق.
الشاهد: في البيت قوله "من ذا يعزي الحزينا" فإن "ذا" بمعنى "الذي" فهي اسم موصول وقد استوفت الصفتين اللازمتين لاستعمالها كذلك.
إعراب البيت: ألا: أداة استفتاح، إن: حرف توكيد ناسخ ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، قلبي: اسم إن منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم وياء المتكلم مضاف إليه، لدى: ظرف مكان منصوب بفتحة مقدرة على الألف، شبه جملة خبر أول للحرف "إن"، الظاعنين: مضاف إليه مجرور بالياء.
حزين: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة، من: اسم استفهام مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، ذا: اسم موصول بمعنى "الذي" خبر المبتدأ مبني على السكون في محل رفع، يعزي: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء الثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره "هو"، الحزينا: مفعول به منصوب بالفتحة، والألف القافية: وجملة "يعزي الحزينا" كلها صلة الموصول.
5-
ذو "لغة طيِّئ":
المشهور عن استعمال كلمة "ذو" في اللغة أنها بمعنى "صاحب" ومن الأسماء الستة، تقول "الأمين ذو مروءة والخائن ذو نذالة"، لكن لها استعمال آخر لا يكاد يعرفه إلا المتخصصون في دراسة اللغة، إذ تكون اسم موصول مشتركًا، وينسب هذا الاستعمال الأخير إلى قبيلة "طيِّئ" ومن شواهده:
- سمع بعضهم يقسم قائلا "لا وذو في السماءِ عرشُه".
- وسمع بعضهم يمدح قائلا: "بالفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذاتُ أكرمكم الله بها".
- ومن شعر سنان الطائي:
فإنّ الماءَ ماءُ أبي وجدّي
…
وبئري ذو حفرتُ وذو طَوَيْتُ1
1 طويت البئر: بنيتها بالحجارة.
الشاهد في البيت "بئري ذو حفرت وذو طويت، إذا استعملت "ذو" اسم موصول، فإن العبارة بمعنى "الذي حفرت والذي طويت" ومن البيّن أن قائل البيت طائي فهذا الاستعمال إنما هو في لغة قبيلة الشاعر، وظهر أثر لهجته في اللغة الفصحى -في الشعر- لكن لم يقدر لهذا الاستعمال الذيوع والانتشار في اللغة الفصحى لكل العرب.
- ومن شعر قوّال الطائي:
أظنُّكَ دونَ المالِ ذو جئتَ طالبًا
…
ستلقاك بيضٌ للنّفوسِ قَوابضُ1
والذي أراه أن استعمال "ذو" في اللغة اسم موصول إنما هو لهجة خاصة بقبيلة "طيِّئ" لم يقدر لها الذيوع والانتشار في استعمال الفصحى المشتركة ولذلك ينبغي فهمها في هذا الإطار السابق، والاقتصار على معرفة النصوص التي وردت لها فقط، دون أن نتجاوز ذلك لاستخدامها في نطقنا الآن.
6-
أل:
المشهور أن "أل" حرف لتعريف الاسم مثل: "الثقة، الاحترام، الأمانة، الشرف" -وسيأتي ذلك- لكن لها استعمال آخر لا يكاد يعرفه إلا بعض النحاة، إذ تكون اسم موصول مشتركًا مع "اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة" كقولك:"أحترمُ الإنسانَ الصّادقَ في حديثه الجازمَ إرادته النّافذ إلى غايته، وأحتقر الإنسانَ الكاذبَ في قوله المتردّد في رأيه المتخاذل في عمله" إذ يرى بعض النحاة أنها اسم موصول في الكلمات "الصادق، الحازم، النافذ، الكاذب، المتردّد، المتخاذل" وصلتها الوصف بعدها.
والذي أراه -موافقًا في ذلك أبا الحسن الأخفش- أن "أل" لا تكون إلا حرف تعريف، ولا تجيء اسم موصول.
1 البيض: السيوف، القوابض من صفات السيوف، كأنما تقبض الأرواح.
يخاطب أحد الطامعين في أموال فيقول: أرجح أنه بدل المال الذي تطلبه ستلقاك السيوف التي تقبض روحك.
الشاهد "ذو جئت طالبا" فإن "ذو" بمعنى "الذي" فقد استعملت اسم موصول والقائل من قبيلة "طيئ".
صلة الموصول:
يقصد بالصلة: ما اتصل باسم الموصول مباشرة دون فاصل بينهما ليوضِّح به المتكلم المراد من اسم الموصول، ويتحدد به للسامع المراد منه تقول:"إن الذي أمِنْتُه على أسراري قد خانها، فكان بذلك أعْدَى أعدائي" فالصلة هي "أمنته على أسراري" ومن البيّن أنها جاءت بعد اسم الموصول "الذي" مباشرة فوضحت مراد المتكلم منه، وحددت أيضًا المقصود به للسامع.
وقد استعملت اللغة العربية صورتين للصلة على التوضيح الآتي:
الصورة الأولى: الجملة:
لاحظ الأمثلة الآتية:
الأمّةُ التي تتبعثرُ قُواها يقلُّ جهدُها ويضعفُ تأثيرُها.
والأمّةُ التي قُواها متماسكةٌ يتضاعفُ جهدُها ويقوى تأثيرها.
الصلة في المثالين السابقين هي الجملتان "تتبعثر قواها، قواها متماسكة" ومن البيّن أن الأولى جملة فعلية وأن الثانية جملة اسمية، فجملة الصلة تكون فعلية، كما تكون أيضًا اسمية.
لكن ينبغي التنبه إلى أنه ليست كل الجمل الفعلية والاسمية صالحة لأن تجيء صلة؛ بل إن الجملة التي تقع صلة لا بد أن تتوافر لها الصفات الآتية مجتمعة:
أ- أن تكون جملة خبرية لا إنشائية "كالأمر والنهي والاستفهام" -وهذا أمر بدهي- فإن الاستعمال اللغوي يرفض أن تكون هذه الأخيرة صلة، فلا يستعمل في اللغة "جاء الذي قابِلْهُ" ولا "جاء الذي هل قابلتَه؟ ".
ب- أن تكون معلومة للسامع -وهذا أيضا بدهي- فإن الصلة -كما سبق- هي التي توضح اسم الموصول، وتحدد للسامع المقصود منه، وهي تؤدي هذه المهمة بالنسبة له إذا كان معناها معروفًا لديه.
ج- أن تشتمل الجملة على ضمير يعود إلى اسم الموصول -وهذا أيضًا أمر بدهي- فإن الارتباط بين اسم الموصول والصلة يتحقق بهذا الضمير وبدونه تنفك العلاقة بينهما، فلا يستفاد المعنى الذي تهدف إليه منهما.
الصورة الثانية: شبه الجملة:
لاحظ الأمثلة الآتية:
يجب أن نُحافظ على القوة التي في الوَحْدة.
ويجب أن نحذرَ الضَّعفَ الذي في الفُرقة.
فليس المرءُ بنفسه فقط، بل بمن معه من الأصدقاء والأعوان.
الصلة في هذين المثالين هي على التوالي "في الوحدة، في الفرقة، مع" ومن البيّن أنها في هذه الثلاثة جار ومجرور أو ظرف، وكلاهما يندرج تحت ما يطلق عليه اسم "شبة الجملة" -فالصلة إذن قد تكون شبه جملة- جارًّا ومجرورًا أو ظرفًا.
لكن من رأي النحاة أن الصلة ليست هي الجار والمجرور والظرف، بل هي فعل محذوف متخيل يتعلق به هذان الاثنان، ففي عبارة "القوة التي في الوحدة" ليستْ هي الجار والمجرور "في الوحدة" بل هي فعل تقديره مع التخيل "القوة التي تتحقق في الوحدة" فهذا الفعل المتخيل هو الصلة، وهو الذي يتعلق به الجار والمجرور.
والذي أراه -تيسيرا على المبتدئين واتفاقًا مع رأي بعض النحاة في خبر المبتدأ- أنه يمكن مع التسامح اعتبار الجار والمجرور والظرف أنفسهما الصلة ولا حاجة إلى التخيل والتقدير.
عائد الصلة:
لاحظ ما يلي من الأمثلة:
صديقُك يحبُّ ما أحببتَهُ ويكرهُ ما كرهتَهُ "العائد مذكور".
وعدوُّك يكرهُ ما أحببتَ ويحبُّ ما كرهتَ "العائد محذوف".
العائد: هو الضمير الذي يجيء في جملة الصلة ومعناه معنى اسم الموصول فيفيد ربط تلك الجملة باسم الموصول، ليؤدي الاثنان معا المعنى المقصود.
وبما أن الضمير العائد يحمل معنى اسم الموصول، فإنه يجب أن يطابقه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث.
والأصل في الضمير العائد أن يكون مذكورًا لفظًا في جملة الصلة، وقد يغيب عن الجملة إذا فهم من سياق الكلام وظروفه، فيحذف من الجملة لفظًا ويعتبر موجودًا تقديرًا.
وبمعاودة النظر للمثالين السابقين يلاحظ أن العائد في المثال الأول مذكور وهو ضمير الغائب في "أحببتَهُ، كرهتَه" وقد غاب في المثال الثاني "أحببت، كرهت" ولا يضل المرء في التعرف عليه، إذ تقديره أيضًا "أحببته، كرهته".
هذا، وقد ورد حذف العائد كثيرًا في نصوص صحيحة فصيحة، ومن نماذجها -على كثرتها- الشواهد الآتية:
- جاء في القرآن: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً} 1 تقديره: أيهم هو أشد.
- جاء في القرآن: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} 2 تقديره: تسرونه وتعلنونه.
1 الآية 69 من سورة مريم.
2 الآية 29 من سورة النحل.
- جاء في القرآن: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} 1 وتقديره: بما تؤمر به.
- قول العرب: "ما أنا بالذي قائلٌ لك سوءًا" تقديره: بالذي هو قائل لك سوءًا.
- قول الشاعر:
لا تنوِ إلا الذي خيرٌ فما شقِيَتْ
…
إلَّا نفوسُ الأُلَى للشرِّ ناوُونا2
1 الآية 94 من سورة الحجر.
2 الإنسان بنياته، من نوى الخير سعد، ومن نوى الشر شقي، فلا تنوِ إلا الخير، خير لك.
الشاهد في "الذي خير" فقد حذف العائد، وتقدير الكلام "الذي هو خير". والمحذوف مبتدأ، ومثله تمامًا عبارة "الألى للشر ناوونا" في آخر البيت.
إعراب البيت: لا: ناهية تجزم المضارع، تنو: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة، إلا: أداة استثناء ملغاة، الذي: مفعول به مبني على السكون في محل نصب، خير: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: "هو خير" والجملة صلة الموصول، ما: حرف نفي، شقيت: شقي فعل ماض والتاء للتأنيث، إلا: أداة استثناء ملغاة، نفوس: فاعل مرفوع بالضمة، الألى: مضاف إليه مبني على السكون في محل جر، للشر: جار ومجرور متعلق بكلمة "ناوونا" بعده، ناوونا: خبر لمبتدأ محذوف وتقدير الكلام "هم ناوون" مرفوع بالواو، لأنه جمع مذكر والألف للقافية، والجملة صلة الموصول.
تقديره: "إلا الذي هو خير".
- قول الشاعر:
من يُعْنَ بالحمْدِ لم ينطِقْ بما سَفَهٌ
…
ولا يَحِدْ عن سبيلِ المجد والكَرَم1
تقديره "بما هو سفه".
- قول طرفة:
ستُبدِي لك الأيّام ماكنتَ جَاهِلًا
…
ويأتيكَ بالأخبارِ مَنْ لم تُزَوَّدِ2
تقديره "ما كنت جاهله".
قول الآخر:
إن تُعْنَ نفسُك بالأمر الذي عُنِيتْ
…
نفوسُ قومٍ سَمَوْا تظفرْ بما ظَفِرُوا3
1 من أراد حمد الناس، لا ينطق القبيح، ولا يميل عن طريق المجد والكرم.
الشاهد: في "بما سفه" فإن "ما" اسم موصول، وعائد الصلة محذوف وتقدير الكلام "بما هو سفه" والعائد المحذوف مبتدأ خبره كلمة "سفه".
2 لم تزود: لم تكلفه بالبحث عنها.
يقول: كل خاف سيعلم، ستكشفه لك الأيام، ويخبرك به الناس طواعية دون أن تكلفهم أو تطلبه منهم.
الشاهد: في "ما كنت جاهلا" فقد حذف عائد الصلة، وأصله "ما كنت جاهله" والعائد المحذوف مضاف إليه في محل جر.
3 يتأثر المرء بمن يقتدي به من الناس، فإن اقتديت بأناس سمت نفوسهم سموت وظفرت مثلهم.
الشاهد: في عبارة "الذي عنيت" فقد حذف العائد، وأصل الكلام "عنيت به" والعائد المحذوف مجرور بالياء، ومثله أيضًا "بما ظفروا" فأصله "ظفروا به".
وقد حذف العائد في هذا البيت مرتين، مرة في الشطر الأول، وتقديره "الذي عنيت به" ومرة في الشطر الأخير، وتقديره "بما ظفروا به".
ومن البيّن -بتأمل هذه النصوص- أن العائد المحذوف قد يكون مرفوعًا وقد يكون منصوبًا وقد يكون مجرورًا، أما ما خاضت فيه كتب النحو من تفصيلات حول هذه الفكرة، فهو أمر مجهد وشاق دون فائدة كبيرة "ولك الرجوع إليها إن شئت".