المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحال: 1- الحال عند اللغويين والنحاة. 2- عامل الحال "الفعل، شبه الفعل، - النحو المصفى - الكتاب

[محمد عيد]

فهرس الكتاب

- ‌تمهيد لدراسة الجملتين الأسمية والفعلية:

- ‌الكلمة والكلام:

- ‌‌‌الإعرابوالبناء

- ‌الإعراب

- ‌مدخل

- ‌جمع المذكر السالم:

- ‌جمع المؤنث السالم

- ‌الأفعال الخمسة:

- ‌المضارع المعتل الآخر:

- ‌الإعراب الظاهر والمقدر:

- ‌البناء

- ‌مدخل

- ‌البناء في الأسماء:

- ‌البناء في الأفعال:

- ‌البناء في الحروف:

- ‌المحل الإعرابي للكلمات المبنية:

- ‌تدريبات:

- ‌‌‌النكرةوالمعرفة

- ‌النكرة

- ‌المعرفة

- ‌مدخل

- ‌الضمير:

- ‌العَلَم:

- ‌أسماء الإشارة:

- ‌أسماء الموصول:

- ‌المعرَّف بالألف واللام:

- ‌المضاف إلى المعرفة:

- ‌تدريبات:

- ‌الجملة الأسمية:

- ‌المبتدأ والخبر:

- ‌نواسخ المبتدأ والخبر

- ‌مدخل

- ‌كان وأخواتها:

- ‌الحروف النافية الناسخة:

- ‌كاد وأخواتها: أفعال المقاربة

- ‌إن وأخواتها:

- ‌لا النافية للجنس:

- ‌ظنَّ وأخواتها:

- ‌أعلم وأرى وأخواتهما:

- ‌تدريبات:

- ‌الجملة الفعلية

- ‌مباحثها الأصلية

- ‌مدخل

- ‌إعراب الفعل المضارع

- ‌مدخل

- ‌رفع الفعل المضارع:

- ‌نصب الفعل المضارع:

- ‌جزم الفعل المضارع:

- ‌الفاعل:

- ‌نائب الفاعل:

- ‌أساليب المدح والذم:

- ‌المفاعيل الخمسة:

- ‌المفعول به:

- ‌المفعول المطلق:

- ‌ظرفا الزمان والمكان = المفعول فيه:

- ‌المفعول لأجله:

- ‌المفعول معه:

- ‌الحال:

- ‌التمييز:

- ‌أساليب الاستثناء:

- ‌ما ألحق بالجملة الفعلية:

- ‌النداء على الأصل:

- ‌أسلوب الاستغاثة:

- ‌أسلوب النُّدْبة:

- ‌أسلوب الترخيم:

- ‌تدريبات:

- ‌ما يتعلق بالجملتين الاسمية والفعلية

- ‌مدخل

- ‌حروف الجر:

- ‌الإضافة:

- ‌أساليب التعجب السماعية والقياسية:

- ‌التوابع الخمسة

- ‌مدخل

- ‌النعت

- ‌التوكيد:

- ‌عطف البيان:

- ‌عطف النسق:

- ‌البدل:

- ‌عمل الأفعال في الجملة:

- ‌الأسماء التي تقوم بعمل الأفعال:

- ‌اسم الفعل:

- ‌المصدر:

- ‌اسم الفاعل:

- ‌أمثلة المبالغة:

- ‌اسم المفعول:

- ‌الصفة المشبهة:

- ‌اسم التفضيل:

- ‌تدريبات:

- ‌دراسة لأبواب خاصة النحو:

- ‌الاشتغال:

- ‌التنازع:

- ‌الحكاية:

- ‌العدد:

- ‌كنايات العدد:

الفصل: ‌ ‌الحال: 1- الحال عند اللغويين والنحاة. 2- عامل الحال "الفعل، شبه الفعل،

‌الحال:

1-

الحال عند اللغويين والنحاة.

2-

عامل الحال "الفعل، شبه الفعل، ما فيه معنى الفعل".

3-

الحال وصاحبها من حيث التعريف والتنكير.

4-

يطلق على الحال للمصطلحات الآتية:

أ- المُبَيِّنة -وهي الأصل- ويقابلها المؤكِّدة.

ب- المنتقِلة -وهي الأصل- ويقابلها اللَّازمة.

ج- المشتقَّة -وهي الأصل- ويقابلها المُوَطِّئَة والجامدة.

د- المتفرّدة -وهي الأصل- ويقابلها المتعدّدة.

هـ- المفردة -وهي الأصل- ويقابلها الجملة وشبه الجملة.

5-

من مسائل الحال المهمة ما يلي:

أ- مجيء الحال من المضاف إليه.

ب- تقدم الحال على صاحبها أو عاملها.

ج- حذف عامل الحال.

الحال والحالة في اللغة العربية: ما عليه الإنسان من خير وشر، ومن ذلك السؤال العادي بين الناس "كيف حالُك؟ ".

وكلمة الحال تستعمل في اللغة مذكرة ومؤنثة، فيقال:"هذا حال حسن" أو "هذه حال حسنة" ومن التأنيث قول الشاعر:

ص: 453

إذا أعجبتْك الدَّهرَ حالٌ من امرئٍ

فدعْهُ وواكِلْ أمره واللَّياليا1

ومن التذكير قول المتنبي:

لا خيلَ عندك تُهديها ولا مالُ

فليُسعِد النُّطقُ إنْ لم يُسعد الحالُ2

ومع جواز الأمرين -التأنيث والتذكير- في لفظة الحال، فإن التأنيث هو الأفصح في استعمال اللغة العربية.

أما الحال لدى النحاة فيقصد به -كما جاء في ابن عقيل- الاسم الوصف الفضلة المبين لهيئة صاحبه، تقول:"يعيشُ الذليلُ حقيرًا ويعيشُ الحرًّ كريمًا".

ومن ذلك قول عديّ بن الرّعلاء:

ليس من ماتَ فاستَراحَ بميْتٍ

إنما الميْتُ مَيِّتُ الأحياء

إنَّما الميت من يعيشُ كئيبًا

كاسِفًا بالُه قليلَ الرَّجَاءِ3

ومن هذا التعريف السابق يتضح أنه يجب أن تتوافر في الحال الصفات التالية:

1 يدل البيت على استعمال كلمة "الحال" مؤنثة بدليل تأنيث الفعل لها في "أعجبتك".

2 يدل البيت على استعمال كلمة "الحال" مذكرة بدليل تذكير الفعل لها في "يسعد".

3 الميت: بسكون الياء مثل "الميت" بتشديد الياء في المعنى.

يقول: ليس الميت من يفارق الحياة فيستريح، إنما الميت -في رأيه- من يموت في الحياة، إذ ينسحق تحت أحداثها، فيعاني الكآبة وخيبة الرجاء.

ولقد احتوى البيت الثاني على ثلاث كلمات وقعت حالا هي على التوالي "كئيبا، كاسفا باله، قليل الرجاء".

ص: 454

أ- أن يكون الحال وصفا، والمقصود به -كما سبق- ما دل على معنى وصاحبه، وهو من المشتقات "اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، اسم التفضيل، أمثلة المبالغة" مثل: "ضاحك، مسرور، شَهْم، أهْدأ، لمَّاح" فهذه الصفات هي التي تقع حالا، أما مجيء الحال غير مشتق وغير وصف فله حديث سيأتي.

ب- أن يكون الحال فضلة، والمقصود بها -كما سبق- ما تجيء بعد استيفاء الجملة ركنيها الأساسيين من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر وليس معنى "الفضلة" أنها من فضول الكلام ويصح الاستغناء عنها من حيث المعنى.

ج - أن يكون مبينا لهيئة صاحبه، أو بعبارة أخرى: للكيفية التي هو عليها، أو بعبارة ابن هشام في قطر الندى: أن يكون صالحا للوقوع في جواب السؤال بكلمة "كيف"، وتلك علامة الحال التي نلجأ إليها لمعرفته في الجملة.

تلك الصفات الثلاث يجب توافرها مجتمعة متضامنة في الاسم الذي يطلق عليه نحويا "حال" لتكون الكلمة التي يطلق عليها ذلك منصوبة في الجملة التي ترد فيها.

عامل الحال:

الاسم المنصوب الذي يقع حالا شأنه شأن الأسماء الأخرى المنصوبة في أن عامله هو الفعل أو ما يشبه الفعل، فنقول:"أقبلَ الرّبيعُ منعشًا" أو "الرّبيعُ مقبل منعشا" فالعامل في الجملة الأولى هو الفعل "أقبل" وفي الثانية اسم الفاعل "مقبل" وهو اسم يشبه الفعل.

لكن يضاف هنا عامل آخر خاص بالحال يسمى "العامل المعنوي".

ص: 455

ويقصد به: ما تضمن معنى الفعل دون حروفه: "كأسماء الإشارة وحرف التمني وكاف التشبيه" فإنها تتضمن معنى أفعال هي على الترتيب "أشير، أتمنَّى، أشبّه" تقول: "تلك أرضُنا خضراءَ منبسطةً كأنها الجنةُ مصوَّرةً".

والخلاصة أن العامل في الحال واحد من ثلاثة:

1-

الفعل: بأقسامه الثلاثة الماضي والمضارع والأمر.

2-

ما يشبه الفعل: وهو ما تضمن معنى الفعل وحروفه من الأسماء كاسم الفاعل والمفعول.. إلخ.

3-

العامل المعنوي: وهو ما تضمن معنى الفاعل دون حروفه، كالإشارة والتشبيه والتمني.

صاحب الحال من حيث التعريف والتنكير:

صاحب الحال هو الاسم الذي وصفته الحال، أو بعبارة أخرى: بينت هيئته ووضحت كيفيته.

وفي هذا الموضوع ينبغي أن نتذكر الصلة بين الحال والخبر؛ لأن كلا منهما صفة لما هو له، أو حكم عليه، ومن أجل ذلك اشترط هناك في المبتدأ أن يكون معرفة، ولا يكون نكرة إلا بصفات خاصة، ذكرت في موضعها من مباحث المبتدأ، وهنا أيضا:

أولا: الأصل في صاحب الحال أن يكون معرفة، فنحن نقول:"ركبتُ السيارةَ مزدحمةً" أو "قطعتُ الشارعَ ماشيًا" أو "أقبلَ صديقي مستبشرًا" فأصحاب الحال في هذه الأمثلة -كما هو واضح- من المعارف.

ثانيا: يأتي صاحب الحال نكرة بمسوغات تشابه تلك التي ذكرت في باب المبتدأ وهي على التحديد ما يلي:

ص: 456

1-

أن تقع النكرة عامة في سياق النفي أو الاستفهام، كقول القرآن:{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} 1، وكقول الشاعر:

يا صَاحِ هل حُمَّ عيشٌ باقيًا فترى

لنفسك العُذْرَ في إبْعادها الأَملا2

2-

أن تخصص النكرة بالوصف أو بالإضافة، كقول القرآن:{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} 3 وقول الشاعر:

نجَّيت يا ربّ نوحًا واستجبتَ له

في فُلُكٍ مَاخرٍ في اليمِّ مشحونا

وعاشَ يدعو بآياتٍ مُبَيّنَةٍ

في قومه ألفَ عامٍ غيرَ خمسينا4

وقول القرآن: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} 5.

1 الآية 208 من سورة الشعراء.

2 حم: قدر.

يقول: هل قدر دوام الحياة لأحد فتتعلق بالآمال البعيدة!! لا أظن، والحياة أقصر مما تظن.

الشاهد: في جملة "هل حم عيش باقيًا" فإن صاحب الحال "عيش" وهو نكرة، سوغها وقوعها في سياق الاستفهام، فتفيد العموم.

3 من الآية 101 من سورة البقرة.

4 فلك: -بضم اللام وإسكانها- السفينة، ماخر في اليم: يشق الماء.

الشاهد: في الشطر الثاني للبيت الأول "في فلك ماخر في اليم مشحونا" صاحب الحال "فلك" نكرة، ومسوغ مجيئه نكرة وصفه بكلمة "ماخر في اليم".

5-

من الآية 10 من سورة فصلت.

ص: 457

3-

أن تتقدم الحال على صاحبها النكرة، كقول الشاعر:

لِمَيَّةَ موحِشًا طَلَلُ

يلوحُ كأنَّه خِلَلُ1

وقول الآخر:

وبالجسمِ منِّي بَيِّنًا لوْ علمتِه

شحوبٌ وإن تستشهِدِي العَيْنَ تَشْهَدِ2

ثالثا: يأتي صاحب الحال نكرة بدون أحد المسوغات الثلاثة السابقة وهذا قليل جدًّا، ومن هذا الحديث الذي روي عن عائشة رضي الله عنها قالت:"صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ، فصلَّى جالسا وصلَّى وراءه رجالٌ قياما".

والخلاصة في هذا الموضوع: أن الأصل في صاحب الحال أن يكون معرفة، ويأتي نكرة بمسوغ من المسوغات، وهذا خلاف الأصل، ويأتي نكرة بلا مسوغ على الإطلاق، وهذا قليل في اللغة.

1 مية: اسم الحبيبة، موحشا: خاليا، طلل: آثار الديار، خلل: الثياب الممزقة.

يقول: إن ما بقي من ديار "مية" بعد رحيلها خراب مهدم كالثياب القديمة ومسوغ مجيء الحال منها تقدم الحال عليها، وأصل الجملة "لمية طلل موحش".

2 الشاهد: في "بالجسم مني بينا شحوب" فإن صاحب الحال "شحوب" وهو نكرة، وسوغ مجيء الحال منه تقدم الحال عليه وهي "بينا" وأصل الجملة "بالجسم مني شحوب بين".

ص: 458

الحال من حيث التعريف والتنكير:

الأصل في الحال أن تكون نكرة، فلا تكون معرفة، هذا هو مذهب جمهور النحاة.

وقد وردت عبارات في اللغة العربية يبدو من لفظها أن الحال فيها معرفة لا نكرة، لكن النحاة اتفاقا مع قاعدتهم في أن الحال لا بد أن تكون نكرة لا يبقون تلك العبارات على ظاهر لفظها المعرف، بل يؤولونها بالنكرة أو بعبارة أوضح: يتخيلون لفظًا منكرًا من معاني ألفاظ الحال التي وردت معرفة وهذا التأويل أو التخيل -في رأى النحاة- هو وسيلة الاتفاق بين القاعدة وبين ما ورد من عبارات مأثورة لا تتفق معها.

والحق أن هذه العبارات المأثورة التي وردت فيها الحال معرفة لا يكاد أكثرها يستعمل الآن، والقليل منها هو المستعمل فقط، وإليك هذه العبارات وتأويل النحاة لها:

- ما قرئ من قوله تعالى: "لئن رجعنا إلى المدينة لَيَخْرُجَنَّ الْأَعَزُّ منها الأذلَّ"1، وتأويلها: ذليلا.

- ما نعبر به من قولنا: آمنتُ بالله وحْدَه، وتأويلها: منفردا.

- من كلام العرب: ادْخُلوا الأول فالأول، وتأويلها: مترتبين.

- ومنه أيضا: أرسلَها العِرَاكَ، وتأويلها: متزاحمة.

- ومنه أيضا: جاءوا الجَمَّاءَ الغَفِيرَ، وتأويلها: جميعًا.

1 من الآية 8 سورة المنافقون، والقراءة المشهورة:{لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} بضم الياء وكسر الراء، وهذه القراءة لا دليل فيها، فالجملة مكونة من "فعل وفاعل ومفعول".

ص: 459

- ومنه أيضًا: جاءُوا قَضَّهُمْ بِقَضِيضِهم، وتأويلها: جميعا.

وبعد: فلعلنا بعد هذا الحديث المستفيض عن تحديد معنى الحال، ثم عن الحال وصاحبها من حيث التعريف والتنكير يمكننا أن نفهم وأن نناقش تلك العبارة النحوية المشهورة بين المشتغلين بالنحو التي تقول:"ولا تكون الحال إلا نكرة، ولا يكون صاحبها إلا معرفة، ولا تكون الحال إلا بعد تمام الكلام".

المصطلحات النحوية في باب الحال:

من المفيد أن يذكر هنا أن باب الحال طويل جدا، وقد خرجت من تأملي لهذا الباب في الكثير من مراجع النحو أنه مما يعين على دراسة هذا الباب -على طوله- فهم المصطلحات النحوية التي يتردد في حديث النحاة عنه، وقد اخترت منها 12 مصطلحا تحيط -فيما أعتقد- بأهم ما ينبغي معرفته في هذا الباب.

الحال المبينة "المؤسسة" والحال المؤكدة:

جاء إليَّ صديقي ضاحكا. جاء إليَّ صديقي مقبلا.

جلس الطلابُ كُلُّهم منصتين. جلس الطلابُ كلُّهم جميعا.

هذا أبي مهندسًا. هذا أبي عطوفًا عَلَيَّ.

الحال المبينة: هي التي يصدق عليها التعريف الذي ذكر للحال فيما سبق بأنها اسم وصف فضلة مبين للهيئة، ويتضح من هذا التعريف لماذا سميت "المبينة" إذ تبين صفة صاحبها أو هيئته أو الكيفية التي هو عليها، ويحددها النحاة بقولهم:

ص: 460

هي التي لا يستفاد معناها بدون ذكرها، فهي إذن تعتبر أساسا لمعنى جديد لا يفهم من الجملة قبلها، ولهذا يطلق عليها أيضًا اسم "المؤسِّسَة".

الحال المؤكدة: هي التي يستفاد معناها من الكلام السابق عليها في جملتها، وفائدتها إذن تأكيد هذا المعنى المستفاد، ولهذا سميت "المؤكدة" ولها الصور الآتية:

1-

المؤكدة لعاملها: وذلك إذا كان معناها في هذا العامل، كقول القرآن:{فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً} 1 وقوله: {وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} 2.

2-

المؤكدة لصاحبها: وهي التي يستفاد معناها من صاحبها، كقول القرآن:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} 3.

3-

المؤكدة لمضمون الجملة: هي التي يستفاد معناها من النسبة بين الخبر والمبتدأ، على معنى أنه إذا ذكر المبتدأ ونسب له الخبر بعد ذلك، فهم معناها دون ذكرها، إذ تتضمن هذه النسبة معناها عادة، كما نقول "الأستاذ قويٌّ في مادّته مُفهِمًا" وكما نقول:"هذا أخوك ناصرا لك" أو "هذا أبي رحيمًا بي" ومن ذلك قول الشاعر:

أنا ابنُ دارةَ معروفًا بها نسبي

وهل بدارةَ يا للنَّاسِ من عَارِ4

1 من الآية 19 سورة النمل.

2 من الآية 60 سورة البقرة.

3 من الآية 99 سورة يونس.

4 دارة: اسم أم الشاعر.

الشاهد في قوله: "أنا ابن دارة معروفا بها نسبي" فإن الحال في هذه الجملة "معروفا بها نسبي" مؤكدة لمضمون الجملة "أنا ابن دارة" إذ لم تضف الحال شيئا جديدا لمعنى الجملة.

ص: 461

الحال المُنْتَقِلَة واللّازمة:

يبقى المسلمون نهارَ رمضان صائمين. خلق الله جسمَ الإنسانِ مستقيما.

ويقطعون مُعْظَمَ ليله ساهرين. ومنحه العقْلَ مفكِّرا.

ويتَّجهون إلى الله مبتهلين خاشعين. وشرع له الدِّينَ الحقَّ هاديًا.

تقدم في تعريف الحال أنها لا بد أن تكون وصفا، فهي في الحقيقة صفة تنسب إلى صاحبها، وهذه الصفة قد تكون صفة عارضة للمتصف بها، بمعنى أنها تحدث له ثم تزول عنه، وقد تكون صفة ملازمة له لا تنفك عنه لسبب عرفي أو خلقي، ويطلق على النوع الأول اسم "الحال المنتقلة" وهي الأصل في الحال، وأكثرها شيوعًا في الكلام العربي، ويطلق على النوع الثاني اسم "الحال اللازمة"، وهذه أقل من الأولى في الكلام العربي، وإن وردت فيه.

وعلى هذا يتحدد معنى المصطلحين السابقين كالآتي:

الحال المنتقلة: هي ما جاءت دالة على وصف عارض، يجيء ثم يذهب بالنسبة لصاحبه، تقول:"نَمَا النَّبَاتُ مخضرًّا" أو "تدلَّتْ فروعُ الأشجارِ مثمرةً".

الحال اللازمة: -كما يقول ابن هشام نصًّا- هي ما جاءت دالة على وصف ثابت، كقول الله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} 1. أي "مبينا" وقول العرب: "خَلَقَ اللهُ الزرافةَ يَديْهَا أطْوَلَ من رجليها" ا. هـ.

1 من الآية 114 سورة الأنعام.

ص: 462

ومن الشواهد التي أوردها "ابن عقيل" لهذه الحال الأخيرة -اللازمة- قول الشاعر:

فجاءتْ به سَبْطَ العِظَامِ كأنَّما

عمامتُه بين الرجال لِواءُ1

فسبط العظام، بمعنى طولها وامتدادها، وصف خلقي ملازم لصاحبه وهو دليل القوة والهيبة، يقابله قصر العظام، وهو دليل القماءة والضعف.

الحال المُشْتَقَّة والمُوَطِّئَة والجامدة:

مرة أخرى يذكر أنه اشترط في تعريف الحال أن تكون وصفا، ويقصد به الأسماء التي تؤخذ من مصادر عن طريق الاشتقاق دالة على الصفة "كاسم الفاعل أو اسم المفعول أو أفعل التفضيل أو الصفة المشبهة".

فالاسم الذي يقع حالا يكون من هذا الصنف غالبا، لكن ليس ذلك دائما، إذ يأتي أحيانا اسما جامدا موصوفا بمشتق أو غير موصوف بشيء على الإطلاق، والجامد الموصوف بالمشتق يطلق عليه اسم "الحال الموطئة" في مقابل "الحال الجامدة" التي لم توصف بشيء على الإطلاق.

وعلى ذلك تحدد المصطلحات الثلاثة السابقة بما يلي:

المشتقة: يقصد بها أن تكون وصفا مأخوذا من مصدر "اسم فاعل، اسم مفعول، صفة مشبهة، اسم تفضيل" كقولنا: "ارتفعت الشَّمْسُ متوهَّجةً وأرسلَت الحرارةَ مُحْرِقَةً".

1 سبط العظام: طويل العظام مستوي الخلقة، لواء: علم.

يقول: ولدته أمه مستوي الخلقة طويل العظام، فشب على ذلك، فإذا سار بين الناس ظهرت عمامته -لطول قامته- كأنها علم منشور فوق الناس.

الشاهد: في "جاءت به سبط العظام" فإن الحال "سبط العظام" حال لازمة؛ لأن ذلك أمر خلقي.

ص: 463

الموطئة: وهي ما كانت اسما جامدا موصوفا بمشتق، مثل:"تساقط الماء من السماء مطرًا غزيرًا" ومن ذلك قول القرآن: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} 1 وقوله: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} 2.

ومعني كلمة "موطئة" ممهدة فكأن الحال في الحقيقة هي الكلمة المشتقة التي وقعت صفة، أما الاسم الجامد فقد مهد لذلك المشتق، وكان وسيلة له.

الجامدة: هي الحال التي جاءت اسما جامدا، ويقصد به: ما لم يؤخذ من غيره سواء أكان اسم ذات أم اسم معنى، يلتزم بعض المعربين تأويلها بالمشتق، ومن أهم المواضع التي ترد فيها الحال الجامدة ما يلي:

1-

أن تدل على سعر: "بعتُه القمحَ إردبًّا بعشرة جنيهات"3 تأويلها: مسعَّرًا.

2-

أن تدل على المفاعلة: مثل "بعتُه يدًا بِيَدٍ" أي "مقابِضا" أو "قابلتُ صديقي وجْهًا لِوَجْهٍ" أي "مواجِها" أو "سلمتُ عليه يَدًا بِيَدٍ" أي "مُصافِحًا".

3-

أن تدل على تشبيه: بأن تكون الحال في قوة "المشبه به" كقولنا: "بدت الأرضُ من الفضاءِ كرةً" فهي في قوة "مُشَابِهَةً للكرة".

ومن ذلك قول هند بنت عتبة تحرض قريشا:

أفي السّلمِ أعيارًا جفَاءً وغلظَةً

وفي الحرب أشْبَاهَ النساء العَوَارِكِ4

1 من الآية 52 سورة المؤمنون.

2 من الآية 17 سورة مريم.

3 أحسن ما يقال في إعراب هذه الجملة أن "إردبا" حال، وأن الجار والمجرور بعدها صفه للحال، ومثلها تماما "بعته يدا بيد" وما يشبههما.

4 الأعيار جمع "عير" بفتح العين وسكون الياء وهو: الحمار، ويقول القاموس: إنه غلب على الوحشي، النساء العوارك: النساء الحائضات تذمهم في حالتي السلم والحرب؛ فهم في السلم كالحمر جفاء وغلظة، وفي الحرب كالنساء ضعفا وخوفا.

الشاهد: في الشطر الأول "أفي السلم أعيارا" فإن كلمة "أعيارا" حال جامدة، إذ دلت على المشابهة.

ص: 464

وقول أحد أصحاب عَلِيّ:

فما بالُنَا أمسِ أسْدَ العَرين

وما بالُنا اليومَ شاءَ النجَف1

4-

أن تكون الحال مصدرا. وذلك كثير في اللغة العربية، كقولنا:"تغير الجوُّ فجأةً" و "جاء الفرسُ ركْضا" و"قُتِلَ المجرمُ شنْقًا".

ومن الغريب أن هذا النوع الأخير مع كثرته يحكم عليه بأنه غير قياسي في اللغة.

والذي أراه أنه قياسي، وأن لنا أن نستعمله كما استعمله العرب فنأتي بالحال مصدرًا كما استعملوا ذلك.

الحال المتفردة والمتعددة:

لاحظ الأمثلة التالية:

- دعا المؤمنُ ربَّه راكعًا ساجدًا قائما قاعدًا. "صاحب الحال واحد الحال متعددة".

- ناجَى المؤمنُ ربَّه غفورًا تائبًا. "صاحب الحال متعدد، الحال متعددة، الدليل معنوي".

1 العرين: مكمن الأسد، النجف: حي من أحياء العراق.

الشاهد: في كلا الشطرين، الحال في الأول "أسد" والحال في الثاني "شاء" والاسمان جامدان لدلالتهما على التشبيه.

ص: 465

- كَبَّر الحُجَّاجُ لله سميعا مخلصين. "صاحب الحال متعدد، الحال متعددة، الدليل لفظي".

- انتصر العدلُ على القوةِ مندحرةً قويًّا. "صاحب الحال متعدد، الحال متعددة، الدليل لفظي".

- اختصم الباطل والحق قويًّا مقهورًا. "صاحب الحال متعدد، الحال متعددة، لا دليل".

سبق في باب خبر المبتدأ أن الخبر قد يأتي مفردا أو متعددا، وهذا الأمر الأخير غير العطف، تقول:"الحقُّ قويٌّ" وتقول: "الحقُّ قويٌّ قاهرٌ غلابٌ".

وهنا أيضًا في الحال تأتي متفردة ومتعددة على التوضيح التالي:

الحال المتفردة: هي ما كانت وصفا واحدا، وذلك هو الغالب في الحال حيث تأتي في اللغة العربية بكثرة من هذا الصنف. مثل "يدافعُ المؤمن عن قِيَمِه شجاعا".

الحال المتعددة: هي ما كانت أكثر من صفة؛ سواء أكانت لواحد فقط أم لمتعدد، تقول:"دافع المؤمن عن قِيَمِه مقتنعا شجاعا" بدون عطف والحال المتعددة تأتي على الصورتين التاليتين:

الصورة الأولى: أن تكون الحال متعددة وصاحبها واحدًا فقط، مثل:"أحبُّ المرءَ صادقا مستقيما" ومن ذلك ما ينسب قوله للمجنون:

عَلَيَّ إذا ما جئت ليلى بخفية

زيارةُ بيتِ اللهِ رجْلانَ حافيا

شكورًا لربي حين أبصرتُ وجهها

ورؤيتُها قد تسقني السُّمَّ صافيا1

1 خفية بضم الخاء وكسرها: دون أن يراني أحد، رجلان حافيا ماشيا دون نعل، قد تسقني: هكذا وردت، والأصل "تسقيني" وحذفت الياء لضرورة الشعر.

الشاهد: في البيت الأول: إذ تعددت الحال "رجلان حافيا" لواحد هو ياء المتكلم في قوله: "عَلَيّ".

ص: 466

الصورة الثانية: أن تكون متعددة وأصحابها متعددون أيضا وتحت هذه الصورة التفصيل التالي:

أ- أن يكون هناك دليل معنوي يوجه كل حال لصاحبها، مثل قولك:"تحدث الأستاذ مع الطالب مستمعا ناصحا" فمن البيّن أن "المستمع" هو الطالب عادة. وأن "الناصح" هو الأستاذ، وحينئذٍ لا داعي لترتيب الأحوال المتعددة.

ب- أن يكون هناك دليل لفظي يوجه كل حال لصاحبها -كالتثنية والجمع أو التذكير والتأنيث- كما تقول: "عشق المجنونُ ليلى مدلّهًا عفيفةً".

أو تقول: "زار الأصدقاءُ المريضَ مُمْتَنًّا مواسين"، فمن البيّن أنه في المثال الأول توجه الأحوال المتعددة بالتذكير والتأنيث، وفي المثال الثاني يوجهها الإفراد والتثنية والجمع، ومن هذا قول الشاعر:

لَقِيَ ابني أخوَيْه خائفًا

مُنجِدَيْهِ فأصابوا مَغْنَمًا1

وقول امرئ القيس:

1 من البيّن قي قوله: "لقي ابني أخويه خائفا منجديه" أن "الخائف" هو "الابن" وأن "منجديه" هما "أخويه" فالحال متعددة، وتوجه لأصحابها بالإفراد والتثنية.

ص: 467

خرجتُ بهَا أمشي تَجُرُّ وراءنا

على أثرَيْنَا ذَيْلَ مِرْطِ مرحل1

وهنا أيضا لا حاجة إلى ترتيب الأحوال المتعددة.

ج- ألا يكون هناك دليل يوجه الأحوال المتعددة لأصحابها، وحينئذٍ لا بد من الترتيب التالي:

تعتبر الحال الأولى للثاني والثانية للأول، وهكذا.. وهذا غريب؟!

ومن أمثلة النحو "لقيتُهُ مُصْعِدًا مُنْحَدِرًا" فكلمة "مصعدا" حال من ضمير الغائب، وكلمة "منحدرا" حال من ضمير المتكلم.

والذي أراه، إن لم يجانبني الصواب، أنه يجب هنا أن ترتب الحال ترتيبا على الأصل، بحيث تكون الأولى لصاحبها الأول، والثانية للثاني وهكذا؛ لأن ذلك هو الذي يتجه إليه الذهن حين النطق، فلِمَ نعكس الأمر بهذه الصورة الغريبة!! فإذا قلنا:"عامل الصديقُ صديقَه وَدُودا مخلصًا" كانت "ودودا" للأول "الصديق" وكانت "مخلصا" للثاني "صديقه" ولا داعي لعكس الموضوع.

وخلاصة هذا الموضوع كله: أن الحال المتعددة لمفرد أو المتعددة لمتعدد مع وجود الدليل المعنوي أو اللفظي لنسبتها لمن هي له لا يلزم فيها ترتيب.

وأما إذا تعددت لمتعدد بلا دليل، فإنها -في رأيي- يجب ترتيبها على الأصل.

1 المرط، بكسر الميم وسكون الراء: ثوب المرأة، مرحل: مخطط.

الشاهد: في "خرجت بها أمشي تجر وراءنا" هنا حالان جملتان: الأولى "أمشي" والثانية "تجر وراءنا" ومن البيّن أن صاحب الحال الأولى هو ضمير المتكلم في "خرجت" وأن صاحب الثانية هو ضمير الغائبة في "بها" يدل على ذلك التذكير والتأنيث والتكلم والغيبة.

ص: 468

الحال المفردة والجملة وشبه الجملة:

لاحظ الأمثلة التالية:

- وقف الشرطيُّ منَظِّما حركةَ المرور.

- ويسهرُ رجالُ الأمن محافظين على المواطنين.

الحال مفردة.

- يؤدي شرطيُّ المرورِ واجبَه بين مفارق، الطرق في الزّحام.

الحال شبه جملة.

- ويسهرُ رجالُ الأمن والمواطنون نائمون، فيطاردون الجريمةَ وهم معرَّضون للخطر.

الحال جملة.

تأتي الحال مفردة وجملة وشبه جملة -تماما كما كان الأمر في خبر المبتدأ- والأصل في الحال أن تكون مفردة، ويقابلها في ذلك شبه الجملة والجملة على التحديد التالي:

الحال المفردة: هي ما كانت غير جملة ولا شبه جملة، وإن كانت مثناة أو مجموعة، تقول:"من حقّ العاملِ للمجتمع أنْ يعيشَ مستريحا" وتقول: "من حقِّ العاملين لخير المجتمع أن يعيشوا مستريحين" وكلا المثالين من نوع المفرد.

شبه الجملة: يقصد بذلك أن تكون الحال ظرفا أو جارا ومجرورا، مثل قولك:"إن الحرمان وقتَ الحاجةِ أقَلّ أَلَمًا من العطاء مع المَنِّ" وتقول: "استمعتُ للنصيحة من لسانٍ مخلص"، قال ابن هشام: ويتعلقان "بمستقر أو استقر محذوفين".

الجملة: هي ما تكونت من مسند ومسند إليه، سواء أكانت اسمية أم

ص: 469

فعلية، تقول:"سهرتُ والناسُ نائمون" وتقول: "انتشر الناسُ في الأرْضِ يبتغون الرزق".

هذا، ومن أهم شروط الجملة التي تقع حالا، فعلية أم اسمية، أن يكون بها رابط يربطها بصاحبها، وهذا الرابط واحد من أمور ثلاثة:

أ- الواو: وتسمى "واو الحال" وعلامتها، كما يقول ابن عقيل، صحة وقوع "إذ" موقعها، تقول "ربَّما يتعبُ الجسمُ والضميرُ مستريحٌ وربما يرتاحُ الجسمُ والضميرُ مُتْعَبٌ" قال الله تعالى:{قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} 1.

ب- الضمير وحده: ويقصد بذلك الضمير الذي يرتبط بصاحب الحال ويعود إليه، تقول:"يعيش العلماء في عصرنا حياتهم لغيرهم"، ومن ذلك قول القرآن:{اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} 2.

ج- الواو والضمير جميعا: كقولك: "تتحرك عين المنافق وهي قلقة وتستقر عين المخلص وهي هادئة" ومن ذلك في القرآن: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} 3.

ذلك أصل الموضوع، أن الرابط في الجملة قد يكون الواو فقط أو الضمير فقط أو الواو والضمير جميعا، ويستدرك على هذا الأصل الملاحظتان التاليتان:

الأولى: أن الجملة الفعلية الواقعة حالا إذا كان فعلها مضارعا مثبتا، وتقدم عليها الحرف "قد" فإنها يجب أن يتقدم عليها "واو الحال" ولا تأتي

1 من الآية 14 من سورة يوسف.

2 من الآية 36 من سورة البقرة.

3 من الآية 243 من سورة البقرة.

ص: 470

بدونها، مثل قول القرآن:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ} 1.

الثانية: أن واو الحال يمتنع مجيئها مع بعض الجمل التي من أهمها ما يلي:

1-

الجملة الفعلية المبدوءة بمضارع مثبت، مثل:"وقف المنتصرُ يبتسمُ وجلس المهزومُ ينتحبُ".

2-

الجملة الفعلية المبدوءة بمضارع منفي بالحرف "لا" كقول الشاعر:

ولو أنَّ قومًا لارتفاعِ قبيلةٍ

دخلوا السماءَ دخلْتُها لا أُحْجَبِ2

3-

الجملة الفعلية المبدوءة بمضارع منفي بالحرف "ما" كقول مسكين الدارمي:

عَهِدْتُكَ ما تَصْبُو وفيكَ شَبيبةٌ

فما لَكَ بعد الشَّيبِ صبًّا مُتَيَّمًا3

4-

الجملة الحالية التي تأتي مؤكدة لمضمون الجملة قبلها، كقولنا:"هو الحقُّ لا شكَّ فيه" وقول القرآن: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً} 4.

1 من الآية 5 من سورة الصف.

2 يفخر بقومه، وبأنهم أسمى من كل القبائل، فلو طالت قبيلة السماء ودخلتها لكانت قبيلته.

الشاهد: أن الجملة الفعلية "لا أحجب" تقدم عليها حرف النفي "لا" وهذه لا تأتي الواو رابطا معها.

3 الشاهد: أن جملة الحال الفعلية "ما تصبو" تقدم عليها حرف النفي "ما" وهذه لا تأتي الواو رابطا معها، فهي ممنوعة.

4 من الآية 2 من سورة البقرة.

ص: 471

مسائل مهمة تتعلق بالحال:

الأولى: مجيء الحال من المضاف إليه.

لاحظ الأمثلة التالية:

من آياتِ الله إمساكُ الأرضِ في الفضاء مُعَلَّقَةً.

ومن أعظمِ آياته أن يستقرَّ ماءُ الأرضِ عليها مكوَّرَةً.

ومن رائع حكمته أن يبقى هواءُ الأرضِ حولها جاذبةً له.

من رأي جمهور النحاة أن الحال لا يأتي من "المضاف إليه" في اللغة العربية إلا إذا جاء "المضاف" على الصفات التالية:

أ- أن يكون المضاف اسما يقوم بوظيفة الفعل "كالمصدر واسم الفاعل.. إلخ" مثل: "من آيات الله إمساكُ الأرضِ في الفضاءِ مُعَلَّقَةً" ومن ذلك قول مالك بن الريب:

تقول ابنتي إنّ انطلاقَكَ واحدًا

إلى الرّوْعِ يومًا تَارِكِي لا أَبَا لِيَا1

ب- أن يكون المضاف جزءا من المضاف إليه، مثل:"ومن أعظم آياته أنْ يستقرَّ ماءُ الأرضِ عليها مكوَّرَةً" ومن ذلك قول القرآن: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} 2.

ج- أن يكون المضاف كجزء من المضاف إليه، مثل: "ومن رائع حكمته

1 الروع: الحرب.

الشاهد: في الشطر الأول "إن انطلاقك واحدا" فإن الحال "واحدا" جاء من المضاف إليه وهو "ضمير المخاطب"؛ لأن المضاف "انطلاق" مصدر يعمل عمل الفعل، والضمير مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله.

2 من الآية 17 من سورة الحجرات.

ص: 472

أن يبقي هواء الأرض حولها جاذبة له" ومن ذلك قول القرآن: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} 1.

هذا، ومن رأي أبي عَلِيّ الفارسي -وهو إمام نحوي جليل- جواز مجيء الحال من "المضاف إليه" مطلقًا دون هذه الصفات السابقة، ومن ذلك قول تأبّط شرًّا:

سلبتَ سِلاحِي بائِسا وَشَتَمْتَنِي

فيا خيْرَ مسلوبٍ ويا شرَّ سالبِ2

ويبدو أن لهذا الرأي الأخير وجاهته التي يؤيدها الاستعمال، إذ نقول:"نستقبل أضواءَ الصبَاحِ باكرًا" و"نستقبل أحداثَ اليومِ جديدا" و"نرى كلَّ يومٍ معالِمَ الحياةِ متجدِّدَة".

الثانية: ترتيب جملة الحال.

الأصل في اللغة العربية أنه يصح تأخر الحال عن عاملها وصاحبها ويصح توسطها بينهما أو تقدمها عليهما معا، وعلى ذلك فإن الصور الآتية كلها صحيحة لجملة واحدة.

يذهبُ الطالبُ إلى الجامعة نشيطا.

يذهب نشيطا الطالبُ إلى الجامعة.

نشيطا يذهب الطالبُ إلى الجامعة.

ومن ذلك قول عروة بن حزام:

1 من الآية 123 من سورة النحل.

2 الشاهد: في "سلبت سلاحي بائسا" حيث جاءت الحال "بائسا" من المضاف إليه "ياء المتكلم" ولم يكن المضاف على صفة من الصفات التي اشترطها النحاة، وهذا اتجاه مفيد منسوب لأبي على الفارسي.

ص: 473

حلفتُ برب الراكعين لربهم

خُشُوعًا وفوق الراكعين رقيبُ

لئن كان بردُ الماءِ هيمانَ صاديًا

إليّ حبيبًا إنها لحبيبُ1

فالكلمتان "هيمان، صاديا" حالان من ضمير المتكلم المجرور في "إلي" وهو متأخر.

لكن، يستدرك على هذا الأصل الأمران التاليان:

الأول: إذا كان الحال هو الاسم "كيف" فإنه يجب تقدمه.

هذا، وينبغي التنبه إلى أن كلمة "كيف" اسم مبني على الفتح، وله -كما يقال- صدارة الكلام، وتستعمل -كما جاء في "مغني اللبيب"- كما يلي:

1-

أن تكون أداة شرط غير جازمة، ويجيء بعدها فعلان متفقان في اللفظ والمعنى، مثل:"كيف تصنعُ أصنعُ".

2-

أن تكون اسم استفهام -وهو الاستعمال الغالب فيها- فإن كانت الجملة بعدها تحتاج إلى خبر، أعربت خبرا، مثل قولنا:"كيف حالك؟ " و"كيف كانت ليلتك؟ " و"كيف علمت الحقيقة؟ ".

فإن كانت الجملة بعدها لا تحتاج إلى خبر، أعربت حالا -وهذا هو المقصود هنا- ومن ذلك قول حافظ إبراهيم:

1 هيمان: مشتاق، صاديا: ظمآن، برد الماء: العذب.

يقول: أحلف بالراكعين وربهم إنني مشتاق إليها ظامئ للقاها، فأنا أحبها حبي للماء وأنا راغب فيه ظمآن.

الشاهد: في "هيمان صاديا" فهما حالان تقدمتا على صاحبهما، وفي ضمير المتكلم في "إلى".

ص: 474

كيفَ يَحْلُو من القويِّ التَّشَفِّي

في ضعيفٍ ألقى إليه القيادا1

الثاني: يحب تأخر الحال في مواضع، أهمها أن يكون العامل "فعل تعجب، اسم تفضيل، اسم فعل، عامل معنوي" كما يلاحظ في الأمثلة التالية:

ما أجْمَلَ القمرَ في ليالي الرّيف مشرقًا.

هواءُ الرّيف أنفعُ الأشياءِ نقيًّا.

فتلك هِبَاتُ الطبيعةِ لنا سخيَّةً.

الثالثة: حذف عامل الحال.

الأصل -كما سبق غير مرة- ألا يحذف من الكلام العربي شيء، وأن تكون كل أجزائه مذكورة، لكن في صناعة النحو صحة الحذف، ومن الأشياء التي تحذف أحيانا من جملة الحال عامل الحال، كما يلاحظ في النصوص التالية:

- قول القرآن: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} 2.

- قول العرب للقادم من الحج: "راشدًا مأجورًا".

- قول العرب في التوبيخ: "أتميميًّا مرة وقيسيًّا أخرى".

- قولنا بعد الطعام والشراب: "هنيئا لك".

1 من قصيدة حافظ إبراهيم في "مأساة دنشواي" وقد سيق البيت للتمثيل به.

موضع التمثيل "كيف يحلو من القوي التشفي" فإن كلمة "كيف" اسم استفهام في محل نصب حال، ويجب تقديمه على عامله؛ لأن له صدارة الكلام.

2 الآيتان3، 4 من سورة القيامة.

ص: 475