الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عمل الأفعال في الجملة:
1-
المقصود بالمصطلحات النحوية الأربعة "الناقص، التام" و "اللازم، المتعدي".
2-
ما يتفق كل من اللازم والمتعدي في أدائه في الجملة نحويًّا.
3-
الأفعال المتعدّية مع المفعول به واحدا أو أكثر.
4-
الأفعال اللازمة والنصب على نزع الخافض.
الناقص: هو مصطلح خاص بنوعين من النواسخ -مر الحديث عنهما- "كان وأخواتها، كاد وأخواتها" ويقصد به -كما سبق- ما لا يكتفي بمرفوعه إذ لا بد له من المنصوب وهو خبره، كقولنا:"صار الصّعبُ سهلا" وكذلك ما نسب إلى عَلِيّ رضى الله عنه: "كاد الفقرُ أن يكونَ كُفرا".
التام: هذا المصطلح يطلق على الأفعال باعتبارين:
أحدهما: ما يطلق عليه الناقص من الأفعال النواسخ، ومعناه -كما سبق أيضا- ما يكتفي بمرفوعه ولا يحتاج لمنصوب، كما جاء في الأثر:"كان اللهُ ولا شيءَ معه فخلق السماواتِ والأرضَ" وتقول أيضا: "انتهيتُ من العمل أو أوْشَكْتُ".
ثانيهما: ما يقابل الناقص من الأفعال، ومعناه حينئذٍ هو: ما كان من الأفعال غير ناقص، مثل الأفعال "قام، جلس، انتصر، التقى، فهم، سمع".
وينبغي أن يلاحظ أن الناقص لا شأن له بما نحن بصدده من الحديث عن عمل الأفعال؛ لأنه يدخل على المبتدأ والخبر، فيرفع أحدهما، وينصب الآخر، فهو صورة خاصة مر الحديث عنها في مكانها.
كما ينبغي أن نلاحظ ثانيا أن الفعل الناقص إذا استعمل تاما، فإنه حينئذٍ يدخل في باب الفعل اللازم الذي يكتفي بمرفوعه -كما سيأتي- فيكون جملة مكونة من فعل وفاعل.
كما ينبغي أن يلاحظ ثالثا أن معنى "التام" على الاعتبار الأخير يشمل المصطلحين التاليين "اللازم، المتعدي" إذ تندرج الأفعال اللازمة والمتعدية كلها تحت مصطلح "التمام".
اللازم: يسمى أيضا "القاصر" والمراد ما يقتصر على الفاعل، ولا يتجاوزه إلى المفعول به لينصبه، أو ما يأتي معه بعد الفاعل جار ومجرور له صلة به تقول مثلا:"التقى الجمعان فانتصرت الشجاعةُ والمبدأ وانهزم الجبنُ والتخاذلُ" وتقول أيضا: "التقيتُ بصديقي وذهبنا للنزهة".
المتعدّي: ويسمى أيضا "المجاوِز" وهو ما ينصب بعده المفعول به واحدًا أو أكثر من واحد، كقولك:"أرسلت خطابا وجاءني الرد" وكذلك: "رأيتُ الهدى حقًّا فاتبعته، وعلمتُ الباطلَ ضلالًا فاجتنبته".
ما يتفق اللازم والمتعدي في أدائه في الجملة:
كلا الفعلين اللازم والمتعدي يشتركان -أو يتفقان- في أنهما يؤديان في الجملة الفعلية التي يردان فيها الأمرين التاليين:
أولا: أنهما يرفع بعدهما الفاعل ما داما واردين على صيغتهما الأصلية فتقول: "أقلَعَت السفينةُ من الميناء، وأخذتْ طريقها في البحر".
فإذا بني الفعل للمجهول رفع النائب عن الفاعل، تقول:"أُعْلِنَت النتيجةُ وزُفَّ الخبرُ إليّ" ويمثل ذلك قول القرآن: {وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} 1.
ثانيا: أن كلا من اللازم والمتعدى يأتي معه الأسماء المنصوبة -ما عدا
1 من الآية 44 من سورة هود.
المفعول به- فكل منهما يأتي بعده المفاعيل الأربعة الباقية: المفعول المطلق، المفعول لأجله، المفعول معه، وكذلك الحال والتمييز والمستثنى.
تقول مثلا: "فرحتُ فَرحًا لا يُوصف؛ ابتهاجًا بصديقي يومَ عَوْدَتِه من الخارج بعد غُرْبةٍ طويلة" وكذلك تقول: "ذاكرتُ مذاكرةَ المتَأنّي؛ رغبةً في الفهم والتحصيل مستعينا على ذلك بالصبر والاستمرار".
فمن البيّن أن الفعل الأول "فرح" فعل لازم، وقد جاء في جملته -على الترتيب- مفعول مطلق "فرحا" ثم مفعول لأجله "ابتهاجا" ثم مفعول فيه "يوم" و"بعد"، وفي المثال الثاني الفعل متعدٍّ وهو "ذاكر" وقد جاء في جملته -على الترتيب- مفعول مطلق "مذاكرة" ومفعول لأجله "رغبة" وحال "مستعينا" وكلها -كما نعلم- أسماء منصوبة جاءت مع الفعل اللازم والمتعدي.
والخلاصة أن كلا الفعلين -اللازم والمتعدي- يأتي بعدهما الأسماء المرفوعة وكذلك الأسماء المنصوبة ما عدا المفعول به فإنه خاص بالمتعدي.
الأفعال المتعدية مع المفعول به:
قال ابن هشام في شذور الذهب نصا: "وقد قسمت الفعل بحسب المفعول به تقسيما بديعا ا. هـ". والحق أنه تحدث عن هذا الموضوع بطريقة رائعة بحيث يمكن أن أضيف إلى كلمته السابقة القول: "بأن هذا التقسيم لم يُسْبَقْ به ولم يلحق به" وفي هذه الفكرة ينبغي الاعتراف بمتابعته بصورة عامة وإن اختلف منهج العرض وأسلوبه وأمثلته.
فالفعل المتعدي -بحسب المفعول به- يأتي في أقسام ثلاثة رئيسية ويندرج تحت كل قسم منها صور من الأفعال وهي:
الأول: ما ينصب بعده مفعول به واحد فقط.
الثاني: ما ينصب بعده مفعولان.
الثالث: ما يُنصب بعده ثلاثة مفعولات.
ما يُنْصَبُ بعده مفعول واحد:
يأتي على الصور الثلاث الآتية:
1-
ما يأتي بعده مفعول دائما ولا يتخلف عنه، وذلك كثير جدا من الأفعال، مثل "سمع، أجاب، صلّى" كقولك: "سمعتُ الأذانَ، فأجبْتُ الدُّعاءَ، وصليتُ الفريضةَ".
2-
ما يأتي بعده مفعول به ينصب أحيانا ويجر بحرف الجر أحيانا أخرى، ومن ذلك "شكر، نصح، قصد" تقول: "شكرتُ المعروفَ" أو "شكرتُ للمعروفِ" وتقول: "نصحتُ الصديقَ" أو "نصحتُ للصديقِ" ومن ذلك قول القرآن: {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ} 1، و:{وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} 2.
3-
ما يأتي بعده مفعول به منصوب، وقد لا يوجد المفعول بالمرة، فيكون الفعل حينئذٍ لازما، ومن ذلك "فَغَر" نقول:"فَغَرَ فَاه" إذا فتحه أو "فغر فُوه" انفتح.
ما يُنْصَب بعده مفعولان:
ويأتي أيضا على الصور الثلاث الآتية:
1-
ما يأتي بعده مفعولان منصوبان، وقد ينقطع عنهما فيستعمل فعلا لازما، ومن ذلك الفعلان "زاد، نقص" تقول "زدتُ الوزنَ قنطارا". وأيضا قول القرآن: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} 3، وتقول:"زاد ماءُ النيل، فزاد الخيرُ وعمَّ" وتقول أيضا:
1 من الآية 114 سورة النحل.
2 من الآية 152 سورة البقرة.
3 من الآية 6 سورة الجن.
"نقص قدْرُ البخيلِ بين الناس"، و"نقصتُ الغاشَّ درجاتٍ".
2-
ما يأتي بعده مفعولان أولهما منصوب دائمًا، وثانيهما قد يأتي منصوبًا وقد يأتي مجرورا بحرف الجر، والمشهور من ذلك عشرة أفعال هي "أَمَرَ. استغْفَرَ، اخْتَارَ، صَدَّقَ، زَوَّجَ، كَسَى، سَمّى، دَعا، كَالَ، وَزَنَ" فلنطبق ذلك على الشواهد التالية:
- قول عمرو بن معد يكرب:
أمرتُكَ الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْتَ به
…
فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ1
- قول القرآن: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} 2.
- قول الآخر:
أستغفرُ اللهَ ذنبًا لستُ مُحْصِيَه
…
ربَّ العبادِ إليه الوَجْهُ والعملُ2
1 ذا نشب: النشب -كما جاء في القاموس- المال الأصيل من الناطق والصامت.
كأنما البيت وصية لابنه، بأن يفعل الخير كما أمره أبوه، وقد تركه ذا مال وعقار يعينه على فعله.
الشاهد: في "أمرتك الخير" فإن الفعل "أمر" نصب مفعولين، أولهما ضمير المخاطب، والثاني "الخير"، ولو قال في غير الشعر:"أمرتك بالخير" لصح أيضا.
2 من الآية 44 سورة البقرة.
3 الشاهد: في "أستغفر الله ذنبا" فإن الفعل "أستغفر" نصب مفعولين هما "الله" و"ذنبا" ولو قال في غير الشعر: "أستغفر الله من ذنب" لصح أيضا.
- قول الشاعر:
وسمَّيتُهُ يحيى لِيَحْيَا فلم يكنْ
…
لأمرٍ قَضاهُ الله في الناسِ من بُدِّ1
- قول القرآن: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} 2.
- قول القرآن: {وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} 3.
3-
ما يأتي بعده مفعولان منصوبان دائما؛ وهو نوعان:
الأول: ما ليس أصل المفعولين المبتدأ والخبر، وهي الأفعال "كَسَا، أَلْبَس، أعْطى، مَنَح" تقول: "أعطيتُ الوفاءَ حقَّه، ومنحتُ الواجبَ شرفَه" ونقول: "ألْبست الفتاةُ الجمالَ خُلقًا فكستْهُ جلالًا".
الثاني: ما أصل المفعولين المبتدأ والخبر، وذلك باب "ظنَّ وأخواتها". سواء الأفعال الدالة على القلوب أو التَّصيير، وقد سبق الحديث عن هذا الباب في نواسخ المبتدأ والخبر.
ما ينصب بعده ثلاثة مفعولات:
وهو الأفعال "أعْلَم، أرَى، أنْبأ، نَبَّأ، أخْبَر، خبَّرَ، حدَّثَ" وقد تقدم ذكر هذا الباب في النواسخ أيضا.
النَّصبُ على نزع الخافض:
هذا تعبير شائع بين المعربين، إذ يصفون أحيانا بعض الكلمات المنصوبة
1 سميته يحيي: "يحيى" علم منقول من الفعل، ليحيا: ليعيش.
يقول: لقد سميت ابني "يحيى" ليعيش وتطول حياته، فمات، ولا دافع لقضاء الله.
الشاهد: في "سميته يحيى" فإن الفعل "سمى" نصب مفعولين، أولهما "ضمير الغائب" والثاني "يحيى"، ولو قال في غير الشعر:"وسميته بيحيى" لصح أيضا.
2 من الآية 152 سورة آل عمران.
3 من الآية 54 سورة الدخان.
بقولهم: "منصوب بنزع الخافض" ولهذا التعبير أصل يتعلق بما نحن بصدده في دراسة اللازم والمتعدي.
لقد مر في معرفة الفعل اللازم أنه قد يقتصر على الفاعل بعده، كقولنا:"ارتقى المجدُّ" و"وانتصرَ المثابرُ" وقد يأتي بعده الجار والمجرور، كقولك:"ارتقى المجدُّ إلى غايته""انتصرَ المثابرُ على كلِّ صعب".
وفي هذه الصورة الأخيرة -الجار والمجرور- يمكن أن يستغنى عن حرف الجر، وينصب المجرور بعده، ويطلق عليه حينئذٍ أنه "منصوب على نزع الخافض".
ويتحقق النصب على نزع الخافض في النثر والشعر على النحو التالي:
أولا: التوسع في الكلام المنثور -وأكثر ما يأتي في أسماء المكان المختصة- كقولك: "ذهبتُ الشّامَ" و"دخلتُ الدارَ" و"صلَّيْتُ المسجدَ" و"سرتُ الطريقَ".
ثانيا: لغة الشعر الخاصة وما تفرضه من ترك حرف الجر، ومن ذلك الشواهد التالية:
- قول جرير:
تمرُّون الدِّيارَ ولم تَعُوجُوا
…
كلامُكُم عَلَيَّ إذنْ حَرَامُ1
1 لم تعوجوا: لم تنعطفوا إلينا للزيارة.
الشاهد: في "تمرون الديار" فإن "الديار" منصوب على نزع الخافض، وأصل الكلام "تمرون بالديار" فحذف الجار وأوصل الفعل، وهذه لغة الشعر الخاصة.
- قول عمر بن أبي ربيعة:
غضبتْ أن نظرتُ نحو نساءٍ
…
ليس يعرفْنَنِي مَرَرْنَ الطريقَا1
هذا، ويقول النحاة عن النوعين السابقين بأن ذلك سماعي لا يقاس عليه، والحق أنه لا حاجة لهذا التضييق والتوقف على ما ورد عن العرب؛ لأن حاجة الناثر للتوسع وحاجة الشاعر للغته الخاصة لا تتوقف على عصر دون عصر، ولا قائل دون آخر، فالأحسن -إن لم يجانبني الصواب- أن يباح ذلك لأصحاب الحاجة إليه نثرا أو شعرا.
ثالثا: يطّرد ترك حرف الجر مع الحروف المصدرية الثلاثة "أنْ، أنَّ، كي" تقول: "تألمتُ أنْ أصبتَ وفرحتُ أنَّك نجوتَ، وجئت كي أهنئَك".
ومن ذلك:
- قول القرآن: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ} 2.
- قول الفرزدق:
وما زرتُ ليلى أن تكونَ حبيبةً
…
إليَّ ولا دينٍ بها أنا طَالِبُه3
1 الشاهد: في "مررن الطريقا" فإن كلمة "الطريق" منصوبة على نزع الخافض وأصل الكلام "مررن في الطريق" فحذف الجار وأوصل الفعل، وهذه لغة الشعر.
2 من الآية 63 سورة الأعراف.
3 يقول: ما زرت ليلى لحب ولا دين لي عندها، كانت زيارتي بريئة مجرد زيارة!
الشاهد: في قوله: "أن تكون حبيبة" فإن "أن والفعل" مؤولان بمصدر مجرور بالخافض المحذوف، والتقدير "لكونها حبيبة" بدليل أنه عطف بالجر في قوله "ولا دين" فهو عطف على المصدر المؤول المجرور تقديرا، والمنصوب على نزع الحافض.
وتؤول هذه الحروف المصدرية مع ما بعدها بمصدر منصوب على نزع الخافض "طبق هذا على الأمثلة والشواهد".
يقول ابن عقيل عن هذا الموضوع كله "وحاصله أن الفعل اللازم يصل إلى المفعول بحرف الجر، ثم إن كان المجرور غير "أنّ وأنْ" لم يجز حذف حرف الجر إلا سماعا، وإن كان "أنّ وأنْ" جاز قياسا عند أمْن اللَّبْس ا. هـ.