الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مُبْتَلًى أَوْ صَغِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ تَحْمِلُهُ عَلَى الْإِحْسَانِ لَهُ وَاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ بِهِ وَالسَّعْيِ فِي كَشْفِ مَا بِهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الرَّحْمَةَ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ يَعْطِفُ الْحَيَوَانُ عَلَى نَوْعِهِ وَوَلَدِهِ وَيَحِنُّ عَلَيْهِ حَالَ ضَعْفِهِ وَحِكْمَتُهَا تَصْغِيرُ الْقَوِيِّ لِلضَّعِيفِ، وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ فِي هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي ثَمَرَتُهَا هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي هِيَ حِفْظُ النَّوْعِ رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ مِائَةٍ ادَّخَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ فَمَنْ كَانَ فِيهِ الرَّحْمَةُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَسَيَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تِلْكَ الدَّارِ عَلَى قَدْرِ رَحْمَتِهِ فَمَنْ سُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ بِالْقَسْوَةِ وَالْغِلْظَةِ، وَعَدَمِ اللُّطْفِ بِضَعِيفٍ وَشَفَقَةٍ بِمُبْتَلًى فَقَدْ شَقِيَ حَالًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى شِقْوَتِهِ مَآلًا نَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
هَذَا ثُمَّ قِيلَ هُنَا بِنَحْوِ أَمْثَالِ الْعَرَبِ لَا تَكُنْ رَطْبًا فَتُعْصَرْ، وَلَا يَابِسًا فَتُكْسَرْ وَبِنَحْوِ حَدِيثِ «لَا تَكُنْ مُرًّا فَتُعْقَى أَيْ تُكْرَهَ، وَلَا حُلْوًا فَتُسْرَطَ» وَيَقُولُ لُقْمَانُ لِابْنِهِ لَا تَكُنْ حُلْوًا فَتُؤْكَلَ، وَلَا مُرًّا فَتُلْفَظَ فَفِي هَذَا كُلِّهِ نَهْيٌ عَنْ اللِّينِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ بَعْضَهَا لَا يَصْلُحُ إشْكَالًا عَلَى الْحَدِيثِ فِي نَفْسِهِ، وَفِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ «الْمُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ جَوَّادٌ سَمْحٌ لَهُ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَالْكَافِرُ فَظٌّ غَلِيظٌ لَهُ خُلُقٌ سَيِّئٌ» .
وَأَسْبَابُهَا أَيْ الْفَظَاظَةِ النَّوْمُ عَلَى الطَّعَامِ قَبْلَ انْهِضَامِهِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى اللَّحْمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَثْرَةُ الضَّحِكِ وَالتَّوَغُّلُ عَلَى الْقِيلِ وَالْقَالِ وَالتَّكَلُّمُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَالتَّوَغُّلُ عَلَى الْفِقْهِ دُونَ عِلْمِ الزُّهْدِ، وَعَلَامَتُهَا جُمُودُ الْعَيْنِ، وَعَبُوسَةُ الْوَجْهِ وَكَثْرَةُ الْمُجَادَلَةِ وَالتَّعَصُّبُ، وَلُزُومُ الظَّوَاهِرِ، وَالْعَمَلُ بِالْعُرْفِ دُونَ الشَّرْعِ وَتَرْكُ الصَّدَقَةِ وَآفَاتُهَا السُّقُوطُ فِي نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبُعْدُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْخِذْلَانُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَعِلَاجُهَا مَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ، وَإِكْثَارُ الصَّدَقَةِ وَمُجَالَسَةُ الْفُقَرَاءِ وَالْجُوعُ وَالذِّكْرُ، وَضِدُّهَا اللِّينُ وَرِقَّةُ الْقَلْبِ وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ وَالْأُلْفَةُ وَيُقَالُ الْعُنْفُ نَتِيجَةُ الْفَظَاظَةِ وَالرِّفْقُ نَتِيجَةُ اعْتِدَالِ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «يَا عَائِشَةُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الْخَيْرِ الْحَدِيثَ: إذْ بِهِ تُنَالُ الْمَطَالِبُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ وَبِفَوْتِهِ يَفُوتَانِ
[السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْوَقَاحَةُ قِلَّةُ الْحَيَاءِ]
(السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْوَقَاحَةُ قِلَّةُ الْحَيَاءِ) . (وَضِدُّهَا الْحَيَاءُ، وَهُوَ انْحِصَارُ النَّفْسِ) احْتِبَاسُهَا (خَوْفَ ارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ) أَوْ خَوْفَ تَرْكِ الْجَمِيلِ أَوْ خَوْفَ لُحُوقِ الْعُيُونِ، وَعَنْ شَرْحِ الْقُرْطُبِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ الْحَيَاءُ انْقِبَاضٌ وَحِشْمَةٌ يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَمَا يُطَّلَعُ مَا مِنْهُ عَلَى مَا يُسْتَقْبَحُ وَيُذَمُّ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ غَرِيزِيٌّ فِي الْفِطْرَةِ وَمِنْهُ مُكْتَسَبٌ لِلْإِنْسَانِ كَمَا قِيلَ فِي الْعَقْلِ
رَأَيْت الْعَقْلَ عَقْلَيْنِ
…
فَمَطْبُوعٌ وَمَصْنُوعٌ
وَلَا يَنْفَعْ مَصْنُوعٌ إذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعٌ
…
كَمَا لَا تَنْفَعُ الْعَيْنُ
وَضَوْءُ الشَّمْسِ مَمْنُوعٌ
أَقُولُ تَخْصِيصُ الْغَرِيزِيِّ بِالْحَيَاءِ تَحَكُّمٌ إذْ هُوَ مُشْتَرَكٌ فِي جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ كَمَا مَرَّ.
وَقَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ الْمَطْلَبُ الثَّانِي فِي تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ قَبُولُ الْأَخْلَاقِ التَّغْيِيرَ بِطَرِيقِ الرِّيَاضَةِ، وَقَدْ أَنْكَرَ التَّغْيِيرَ بَعْضُ مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ وَالْبَطَالَةُ، وَلَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِأَنْ يُجَرِّبَ ذَلِكَ لِقُصُورِهِ وَنَقْصِهِ.
وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْخُلُقُ الْبَاطِنُ بِمَنْزِلَةِ الْخُلُقِ الظَّاهِرِ وَإِذَا لَا يَتَغَيَّرُ هَذَا فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَاكَ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْغَضَبَ مَثَلًا مِنْ مُقْتَضَى الْمِزَاجِ وَالطَّبْعِ وَكَذَا الشَّهْوَةُ فَكَيْفَ يَتَبَدَّلَانِ،. فَنَقُولُ لَوْ لَمْ تَقْبَلْ التَّغْيِيرَ لَبَطَلَتْ الْوَصَايَا وَالْمَوَاعِظُ وَالتَّأْدِيبَاتُ، وَلَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ» مَعْنًى، وَإِذَا أَمْكَنَ تَغْيِيرُ أَخْلَاقِ الْبَهَائِمِ فَالْإِنْسَانُ أَوْلَى، وَكَشْفُ الْغِطَاءِ فِيهِ أَنَّ قَمْعَ الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ بِالْكُلِّيَّةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِنُ لَنَا بِالرِّيَاضَةِ تَعْدِيلُهُمَا وَصَرْفُهُمَا إلَى مَا خُلِقَا لِأَجْلِهِ نَعَمْ الْجِبِلَّاتُ مُخْتَلِفَةٌ بِالسُّرْعَةِ وَالْبُطْءِ فِي التَّغْيِيرِ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا قُوَّةُ الْغَرِيزَةِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَامْتِدَادِ مُدَّةِ الْوُجُودِ وَثَانِيهِمَا تَأَكُّدُهُ
بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ وَرُؤْيَةِ مَرَضِيَّاتِهِ، وَالنَّاسُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ:
الْأَوَّلُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ الْعِلْمِ بِالْقُبْحِ وَالْحُسْنِ وَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فِطْرَتُهُ فَهَذَا أَسْرَعُ الْقَبُولِ لِلْعِلَاجِ فَإِنْ صَادَفَ مُرْشِدًا يَحْسُنُ خُلُقُهُ فِي أَقْرَبِ زَمَانٍ.
الثَّانِي أَنْ يَعْرِفَ الْقَبِيحَ وَزُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَمَعَ ذَلِكَ عَلِمَ تَقْصِيرَهُ، وَهَذَا أَضْعَفُ مِنْ الْأَوَّلِ إذْ تَضَاعَفَتْ فِيهِ الْوَظِيفَةُ بِقَلْعِ مَا رَسَخَ فِيهِ أَوَّلًا وَبِغَرْسِ مَوَادِّ الصَّلَاحِ ثَانِيًا.
الثَّالِثُ أَنْ يَعْتَقِدَ الْأَخْلَاقَ الْقَبِيحَةَ حَقًّا وَجَمِيلًا وَتَرَبَّى عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا يَكَادُ يَمْتَنِعُ مُعَالَجَتُهُ، وَلَنْ يُرْجَى صَلَاحُهُ إلَّا عَلَى النُّدْرَةِ وَذَلِكَ تَضَاعَفَ فِيهِ أَسْبَابُ الضَّلَالِ.
الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ نَشْؤُهُ عَلَى الضَّلَالِ الْفَاسِدِ وَمَعَ ذَلِكَ يَرَى الْفَضْلَ فِيهِ وَيَتَبَاهَى بِهِ، وَهَذَا هُوَ أَضْعَفُ الْمَرَاتِبِ فَالْأَوَّلُ جَاهِلٌ، وَالثَّانِي جَاهِلٌ وَضَالٌّ، وَالثَّالِثُ جَاهِلٌ وَضَالٌّ وَفَاسِقٌ، وَالرَّابِعُ جَاهِلٌ وَضَالٌّ وَفَاسِقٌ وَشِرِّيرٌ.
(ت عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ» بِتَرْكِ الشَّهَوَاتِ وَالنَّهِمَاتِ وَتَحَمُّلِ الْمَكَارِهِ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى تَصِيرَ مَدْبُوغَةً فَعِنْدَهَا تَطْهُرُ الْأَخْلَاقُ وَتُشْرِقُ أَنْوَارُ الْأَسْمَاءِ فِي صَدْرِ الْعَبْدِ فَيُقَرِّرُ عِلْمَهُ بِاَللَّهِ فَيَعِيشُ غَنِيًّا بِاَللَّهِ مَا عَاشَ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَيْسَ حَقُّ الْحَيَاءِ مِنْ اللَّهِ مَا تَحْسَبُونَهُ بَلْ إنَّهُ يَحْفَظُ نَفْسَهُ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ عَمَّا لَا يَرْضَاهُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الْحَيَاءُ حَقُّ التَّقْوَى، وَلَا يَخَافُ الْعَبْدُ حَتَّى يَسْتَحْيِيَ، وَهَلْ وَجِلَ أَهْلُ التَّقْوَى إلَّا مِنْ الْحَيَاءِ. «قُلْنَا إنَّا لَنَسْتَحْيِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ» أَيْ لَيْسَ مَا تَسْتَحْيُونَ حَيَاءً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ «، وَلَكِنْ الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ» كَعَدَمِ السَّجْدَةِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى، وَعَدَمِ صَلَاةٍ بِرِيَاءٍ «وَمَا وَعَى» أَيْ مَا جَمَعَهُ الرَّأْسُ مِنْ اللِّسَانِ وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ قِيلَ مِنْ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ حَتَّى لَا تَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا لَا يَحِلُّ «وَالْبَطْنَ» بِأَكْلِ الْحَلَالِ بَلْ الطَّيِّبِ مِنْهُ «وَمَا حَوَى» مَا جَمَعَهُ الْبَطْنُ مِنْ نَحْوِ الْفَرْجِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَلْبِ فَإِنَّ هَذِهِ لِأَعْضَاءٍ مُتَّصِلَةٌ بِالْجَوْفِ أَيْ الْبَطْنِ، وَالتَّعْبِيرُ فِي الْأَوَّلِ بِمَا وَعَى، وَفِي الثَّانِي بِمَا حَوَى لِلتَّفَنُّنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ كُفَّ عَنْك لِسَانَك فَلَا تَنْطِقْ بِهَا إلَّا خَيْرًا، وَأَنَّهُ شَطْرُ الْإِنْسَانِ كَمَا قِيلَ
لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ
…
فَلَمْ يَبْقَ إلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ
كَمَا فِي خَبَرِ «مَنْ صَمَتَ نَجَا» ، وَعَدَمُ ذِكْرِ اللِّسَانِ لِيَشْمَلَ نَحْوَ الْفَمِ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ سُدَّ سَمْعَك أَيْضًا مِنْ الْإِصْغَارِ إلَى مَا لَا يَعْنِيك وَاغْضُضْ عَيْنَيْك عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَلَا تَمُدَّ عَيْنَيْك إلَى مَا تَمَتَّعَ بِهِ أَعْدَاؤُهُ تَعَالَى مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا كَيْفَ لَا، وَهُوَ رَائِدُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ سُلْطَانُ الْجَسَدِ وَمُضْغَةٌ إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. وَهُنَا نُكْتَةٌ فِي عَطْفِ مَا وَعَى عَلَى الرَّأْسِ فَحِفْظُ الرَّأْسِ مُجْمَلًا عِبَارَةٌ عَنْ التَّنَزُّهِ عَنْ الشِّرْكِ فَلَا يَضَعُ رَأْسَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ سَاجِدًا وَلَا يَرْفَعُهُ تَكَبُّرًا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَعَلَ الْبَطْنَ قُطْبًا يَدُورُ عَلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مِنْ نَحْوِ الْقَلْبِ وَالْفَرْجِ، وَفِي عَطْفِ مَا حَوَى عَلَى الْبَطْنِ إشَارَةٌ إلَى حِفْظِهِ مِنْ الْحَرَامِ وَالِاحْتِرَازِ مِنْ أَنْ يُمْلَأَ مِنْ الْمُبَاحِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُهُ «وَتَذْكُرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى» يَعْنِي، وَلْيَذْكُرْ صَيْرُورَتَهُ فِي الْقَبْرِ عِظَامًا بَالِيَةً؛ لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ عِظَامَهُ تَصِيرُ بَالِيَةً، وَأَعْضَاءَهُ مُتَمَزِّقَةً هَانَ عَلَيْهِ مَا فَاتَهُ مِنْ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ، وَأَهَمَّهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ طَلَبِ الْآجِلَةِ، وَعَمِلَ عَلَى إجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمِهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ «وَمَنْ أَرَادَ» سَعَادَةَ «الْآخِرَةَ» ، وَفَوْزَهُ بِنَعِيمِهَا «تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا وَآثَرَ الْآخِرَةَ عَلَى الْأُولَى» ؛ لِأَنَّهُمَا ضَرَّتَانِ مَتَى أَرْضَيْت إحْدَاهُمَا أَسْخَطْت الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ خُلِقَتْ لِحُظُوظِ الْأَرْوَاحِ وَالدُّنْيَا لِلْمُيُولَاتِ الْهَوَائِيَّةِ النَّفْسَانِيَّةِ فَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَتَشَبَّثَ بِالدُّنْيَا كَانَ كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ مَلِكٍ دَعَاهُ لِضِيَافَتِهِ، وَعَلَى عَاتِقِهِ جِيفَةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ حَيَاؤُهُ مِنْ الْمَلِكِ فَكَذَا مُرِيدُ الْآخِرَةِ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِالدُّنْيَا فَمَنْ أَرَادَ اللَّهَ فَلْيَرْفُضْ جَمِيعَ مَا سِوَاهُ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَرَى إلَّا إيَّاهُ «فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ» كُلَّهُ
«فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ» عَنْ الطِّيبِيِّ فَمَنْ أَهْمَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ عُهْدَةِ الِاسْتِحْيَاءِ وَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ جِبِلَّةَ الْإِنْسَانِ مِنْ رَأْسِهِ إلَى قَدَمِهِ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ مَعْدِنُ الْعَيْبِ، وَمَكَانُ الْمُحَارَبَةِ فَرَأْسُ حَقِّ الْحَيَاءِ تَرْكُ الْمَرْءِ مَا لَا يَعْنِيهِ وَشُغْلُهُ بِمَا يَعْنِيهِ عَلَيْهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْرَثَهُ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحَيَاءُ مَرَاتِبُ أَعْلَاهَا الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ اللَّهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَهُوَ مَقَامُ الْمُرَاقَبَةِ الْمُوصِلُ إلَى مَقَامِ الْمُشَاهَدَةِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ صَحِيحٍ وَمَرِيضٍ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ بِحَيْثُ يَصِيرُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ وَالْمَرِيضُ أَوْلَى. وَقِيلَ حَقُّ الْحَيَاءِ تَرْكُ الشَّهَوَاتِ وَتَحَمُّلُ الْمَكَارِهِ وَالْمَشَاقِّ، وَإِيثَارُ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَوَى نَفْسِهِ، وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا خَرَجَ لَيْلًا، وَأَخَذَ بِيَدِ امْرَأَةٍ وَدَعَاهَا إلَى الْفُجُورِ وَخَلَا بِهَا فِي مَوْضِعٍ فَقَالَتْ أَفَلَا تَسْتَحْيِي مِنْ الَّذِي خَلَقَنَا وَيَطَّلِعُ عَلَيْنَا فَتَرَكَهَا وَتَابَ فَرُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَسُئِلَ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ غُفِرَ لِي بِتَرْكِي ذَنْبًا وَاحِدًا مَخَافَةً مِنْهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} [النازعات: 40] الْآيَةَ ثُمَّ إنَّهُ، وَإِنْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَكِنْ عَنْ الْمِيزَانِ أَنَّهُ وَاهٍ، وَعَنْ التِّرْمِذِيِّ غَرِيبٌ وَبَعْضٌ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.
(ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ الْحَيَاءُ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ هُوَ غَرِيزِيٌّ أَصْلًا وَاكْتِسَابِيٌّ كَمَالًا، وَقَدْ عَرَفْت كَرَّتَيْنِ «مِنْ الْإِيمَانِ» لِمَنْعِهِ مِنْ الْفَوَاحِشِ، وَإِقْدَامِهِ عَلَى الْبِرِّ وَالْخَيْرِ عَنْ الزَّمَخْشَرِيِّ جُعِلَ كَالْبَعْضِ مِنْهُ لِمُنَاسَبَتِهِ لَهُ فِي مَنْعِ الْمَعَاصِي. «وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ» أَيْ يُوصِلُهُ إلَيْهَا «وَالْبَذَاءُ» بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَمَدٍّ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ «مِنْ الْجَفَاءِ» بِالْمَدِّ أَيْ الطَّرْدِ وَالْإِعْرَاضِ وَتَرْكِ الصِّلَةِ وَالْبِرِّ «وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ» يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي خَبَرٍ آخَرَ «، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» .
(تَنْبِيهٌ)
سُئِلَ بَعْضُهُمْ هَلْ كَوْنُ الْحَيَاءِ مِنْ الْإِيمَانِ مُقَيَّدٌ أَوْ مُطْلَقٌ؟ . فَقَالَ مُقَيَّدٌ بِتَرْكِ الْحَيَاءِ الْمَذْمُومِ شَرْعًا، وَإِلَّا فَعَدَمُهُ مَطْلُوبٌ فِي النُّصْحِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتَرْكُهُ فِيهَا مِنْ النُّعُوتِ الْإِلَهِيَّةِ {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً} [البقرة: 26] ، {وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 53] وَأَنْشَدُوا
إنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ جَاءَ بِهِ
…
لَفْظُ النَّبِيِّ وَخَيْرٌ كُلُّهُ انْتَبِهْ
إنَّ الْحَيَاءَ لَمِنْ أَسْمَاءِ الْإِلَهِ وَقَدْ
…
جَاءَ التَّخَلُّقُ بِالْأَسْمَاءِ فَاحْفَظْ بِهِ
وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «الْحَيَاءُ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ» قِيلَ فِي شَرْحِهِ؛ لِأَنَّ مَبْدَأَهُ وَمُنْتَهَاهُ يُفْضِيَانِ إلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ، وَتَرْكُ الْقَبِيحِ خَيْرٌ لَا مَحَالَةَ فَكَأَنَّهُ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ؛ وَلِأَنَّ مَنْ اسْتَحْيَا مِنْ الْخَلْقِ قَلَّ شَرُّهُ، وَكَثُرَ خَيْرُهُ وَغَلَبَ عَلَيْهِ السَّخَاءُ وَالسَّمَاحُ الْمُوصِلَانِ إلَى دِيَارِ الْأَفْرَاحِ.
وَفِيهِ أَيْضًا الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ مَقْرُونَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ إلَّا جَمِيعًا قَالَ الطِّيبِيُّ فِيهِ رَائِحَةُ التَّجْرِيدِ حَيْثُ جَرَّدَ مِنْ الْإِيمَانِ شُعْبَةً مِنْهُ وَجَعَلَهَا قَرِينًا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ كَأَنَّهُمَا رَضِيعَا لِبَانِ ثَدْيٍ أَيْ تَقَاسَمَا أَنْ لَا يَفْتَرِقَا. وَفِيهِ أَيْضًا الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا فَإِذَا
رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ قِيلَ عَنْ الرَّاغِبِ الْحَيَاءُ انْقِبَاضُ النَّفْسِ عَنْ الْقَبَائِحِ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ خَيْرٍ وَعِفَّةٍ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ الْمُسْتَحْيِي فَاسِقًا، وَلَا الْفَاسِقُ مُسْتَحِيًا لِتَنَافِي اجْتِمَاعِ الْعِفَّةِ وَالْفِسْقِ، وَقَلَّمَا يَكُونُ الشُّجَاعُ مُسْتَحِيًا لِتَنَافِي الشَّجَاعَةِ مَعَ الْجُبْنِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» وَفِي آخَرَ «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ» ؛ لِأَنَّ الْحَيَاءَ مِنْ النَّاسِ يُفْضِي إلَى الْحَيَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِنْ قِيلَ قَدْ يَكُونُ الْحَيَاءُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالْإِمَامَةِ وَالْوَعْظِ وَالنَّصِيحَةِ وَتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ، وَأَدَاءِ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ قُلْنَا هَذَا لَيْسَ بِحَيَاءٍ حَقِيقَةً، وَإِنْ اصْطَلَحَهُ النَّاسُ بَلْ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ وَخَوْرٌ إذْ كَمَا عَرَفْت أَنَّهُ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ مَنْ كَسَا الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ» أَيْ سُكُوتُ اللِّسَانِ تَحَرُّزًا عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْبُهْتَانِ «شُعْبَتَانِ مِنْ الْإِيمَانِ» فَإِنَّ الْإِيمَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى الْحَيَاءِ فَيَتْرُكُ الْقَبَائِحَ وَيَمْنَعُ الِاجْتِرَاءَ عَلَى الْكَلَامِ خَوْفًا مِنْ عَثْرِ اللِّسَانِ وَالْوَقِيعَةِ فِي الْبُهْتَانِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ فِي قَرْنٍ - أَيْ هُمَا فِي حَبْلٍ - فَإِذَا أُسْلِبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ الْآخَرُ» وَالْمُرَادُ هُوَ الْحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ فَمَذْمُومٌ جِدًّا كَمَا عَرَفْت، وَفِي آخَرَ أَيْضًا «الْحَيَاءُ زِينَةٌ» ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الرُّوحِ وَالرُّوحُ سَمَاوِيٌّ، وَعَمَلُ أَهْلِ السَّمَاءِ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَالنَّفْسُ شَهْوَانِي أَرْضِيٌّ مَيَّالٌ إلَى شَهْوَةٍ أُخْرَى، وَهَكَذَا لَا يَهْدَأُ، وَلَا يَسْتَقِرُّ فَأَعْمَالُنَا مُخْتَلِفَةٌ فَمَرَّةً عُبُودِيَّةٌ وَمَرَّةً رُبُوبِيَّةٌ وَمَرَّةً عَجْزٌ وَمَرَّةً اقْتِدَارٌ فَإِذَا رِيضَتْ وَذُلِّلَتْ وَأُدِّبَتْ، وَكَانَ السُّلْطَانُ وَالْغَلَبَةُ لِلرُّوحِ جَاءَ الْحَيَاءُ، وَهُوَ خَجِلُ الرُّوحِ مِنْ كُلِّ مَا لَا يَصْلُحُ فِي السَّمَاءِ، وَذَلِكَ يُزَيِّنُ الْجَوَارِحَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ.
وَمِنْهُ الْوَقَارُ وَالْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْحَيَاءُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ فِي النِّسَاءِ وَوَاحِدَةٌ فِي الرِّجَالِ» كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَشَرْحِهِ فَيْضِ الْقَدِيرِ. (ت عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا كَانَ الْفُحْشُ» مِثْلُ قُبْحٍ وَزْنًا، وَالْمَعْنَى: كُلُّ شَيْءٍ جَاوَزَ الْحَدَّ فَهُوَ فَاحِشٌ وَالْقَوْلُ السَّيِّئُ. «فِي شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ» مِنْ الشَّيْنِ أَيْ الْعَيْبِ «وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ» مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ «إلَّا زَانَهُ» مِنْ الزِّينَةِ عَنْ الطِّيبِيِّ أَيْ لَوْ قَدَرَ أَنْ يَكُونَ الْفُحْشُ أَوْ الْحَيَاءُ فِي جَمَادٍ لَشَانَهُ أَوْ زَانَهُ فَكَيْفَ بِالْإِنْسَانِ، وَأَشَارَ بِهَذَيْنِ إلَى أَنَّ الْأَخْلَاقَ الرَّذِيلَةَ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ بَلْ هِيَ الشَّرُّ كُلُّهُ وَالْحَسَنَةُ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ بَلْ هِيَ الْخَيْرُ كُلُّهُ (، وَأَفْضَلُ الْحَيَاءِ الْحَيَاءُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي (ثُمَّ) الْحَيَاءُ (مِنْ النَّاسِ فِيمَا لَا مَعْصِيَةَ، وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ. وَأَمَّا مَا فِيهِ إحْدَاهُمَا كَالْحَيَاءِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتَرْكِ السُّنَنِ كَالسِّوَاكِ)
لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْوُضُوءِ، وَكَذَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَإِنْ قِيلَ بِعَدَمِ سُنِّيَّتِهِ عِنْدَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا حَقَّقْنَا فِي رِسَالَةٍ (وَالطَّيْلَسَانُ) هُوَ ثَوْبٌ يُجْعَلُ فَوْقَ الْعِمَامَةِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ هُوَ ثَوْبٌ طَوِيلٌ عَرِيضٌ قَرِيبٌ مِنْ الرِّدَاءِ مُرَبَّعٌ يُجْعَلُ فَوْقَ الْعِمَامَةِ إلَخْ ثُمَّ قَالَ هُوَ مَنْدُوبٌ اتِّفَاقًا وَيَتَأَكَّدُ لِصَلَاةٍ وَجُمُعَةٍ، وَعِيدٍ وَمَجْمَعٍ وَيُقَالُ لَهُ الْقِنَاعُ أَيْضًا كَمَا يُقَالُ لِلتَّطَيْلُسِ التَّقَنُّعُ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ التَّقَنُّعُ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِي خَبَرٍ «لَا يُقَنَّعُ إلَّا مَنْ اسْتَكْمَلَ الْحِكْمَةَ» فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَلِلطَّيْلَسَانِ فَوَائِدُ جَلِيلَةٌ كَصَلَاحِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَاسْتِحْيَاءِ اللَّهِ وَخَوْفِهِ إذْ شَأْنُ الْخَائِفِ الْآبِقِ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَكَجَمْعِهِ الْكُفْرَ؛ لِأَنَّهُ يُغَطِّي أَكْثَرَ الْوَجْهِ فَيَجْمَعُ هِمَّتَهُ وَيُحْضِرُ قَلْبَهُ مَعَ رَبِّهِ وَيَمْتَلِئُ بِشُهُودِهِ وَذِكْرِهِ وَتُصَانُ جَوَارِحُهُ عَنْ الْمُخَالَفَاتِ وَنَفْسُهُ عَنْ الشَّهَوَاتِ، وَهَذِهِ أَسْبَابٌ لِإِفَاضَةِ أَنْوَاعِ الْجَلَالَةِ وَالْمَهَابَةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضٌ: الطَّيْلَسَانُ الْخَلْوَةُ الصُّغْرَى. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ التَّقَنُّعُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ بِطَرَفِ الْعِمَامَةِ وَبِرِدَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِيَقِيَ نَحْوَ الْعِمَامَةِ مِمَّا بِهِ مِنْ الدُّهْنِ وَصَحَّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «أَتَى بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ لِلْهِجْرَةِ مُتَقَنِّعًا بِثَوْبِهِ» ثُمَّ قَالَ أَنْكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ الطَّيْلَسَانَ لِعَدَمِ النَّقْلِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام، وَلَا عَنْ صَحَابَتِهِ بَلْ هُوَ فِعْلُ الدَّجَّالِ وَلِإِنْكَارِ أَنَسٍ؛ وَلِكَرَاهَةِ جَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا فِعْلُهُ عليه الصلاة والسلام فَلِضَرُورَةِ الِاخْتِفَاءِ بِلَا عَادَةٍ، وَكَذَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ يُكْثِرُ التَّقَنُّعَ ثُمَّ أَجَابَ الْهَيْتَمِيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَلْبَسْهُ يَرُدُّهُ خَبَرُ «كَانَ يُكْثِرُ الْقِنَاعَ» . وَقَوْلُهُ
وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ يَرُدُّهُ خَبَرُ الْحَاكِمِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى لِرَجُلٍ مُقَنَّعٍ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -» ، وَأَيْضًا رُئِيَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُقَنَّعٌ، وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الطَّيَالِسَةَ ثُمَّ قَالَ هُوَ مُبَاحٌ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَلْ سُنَّةٌ فِي الصَّلَاةِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ صَارَ شِعَارَ قَوْمٍ كُرِهَ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّهُ إخْلَالٌ بِالْمُرُوءَةِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا أَيْضًا.
ثُمَّ أَقُولُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الطَّيْلَسَانِ هُنَا التَّسْوِيمُ لِكَوْنِ سُنِّيَّتِهِ آكَدُ؛ وَلِكَوْنِهِ فِي نَظَرِ أَهْلِ الشَّرْعِ أَهَمَّ إذْ التَّسْوِيمُ الَّذِي هُوَ إرْخَاءُ ذَنَبِ الْعِمَامَةِ هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] ، وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «تَسَوَّمُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ»
وَكَيْفِيَّتُهُ إرْسَالُهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ قَرِيبًا إلَى الْقَفَا مِنْ جَانِبِ الْيَسَارِ، وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذَنِّبُوا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يُذَنِّبُ» ، وَعَنْهُ أَيْضًا «رَكْعَتَانِ مَعَ الذَّنَبِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا ذَنَبٍ» ، وَعَنْ الطِّيبِيِّ التَّسْوِيمُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَفِي الْفَتَاوَى سُنَّةٌ أَيْضًا، وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ، وَفِي صُرَّةِ الْفَتَاوَى سُئِلَ صَاحِبُ الْمِنَحِ عَنْ إرْسَالِ الْعَذَبَةِ هَلْ هِيَ سُنَّةٌ عَلَى الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ، وَهَلْ تَارِكُ الْعَذَبَةِ يَكُونُ فَاسِقًا أَوْ لَا، وَلَوْ ضَحِكَ إنْسَانٌ عَلَى مَنْ يُرْسِلُ الْعَذَبَةِ هَلْ يَكْفُرُ أَوْ لَا، وَأَجَابَ الْمَنْقُولُ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ كَالْخُلَاصَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَشَرْحِ الشِّرْعَةِ أَنَّ الْعَذَبَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهُوَ إرْسَالُ ذَنَبِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ قِيلَ شِبْرٌ وَقِيلَ إلَى وَسَطِ الظَّهْرِ، وَقِيلَ إلَى مَوْضِعِ الْجُلُوسِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ، وَلَا يَفْسُقُ بِتَرْكِهِ لَكِنَّهُ مُسِيءٌ، وَكَرَاهِيَةٌ فَيَأْثَمُ، وَلَوْ بِيَسِيرٍ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمَّا كَانَتْ طَرِيقَةَ الرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ، وَكَانَ سَبِيلُهَا الْإِحْيَاءَ دُونَ الْإِمَاتَةِ كَانَتْ حَقًّا عَلَيْنَا فَعُوتِبْنَا عَلَى تَرْكِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّرْكُ عَلَى طَرِيقِ التَّهَاوُنِ وَالِاسْتِخْفَافِ فَحِينَئِذٍ يَكْفُرُ أَوْ يَفْسُقُ لِرُجُوعِ ذَلِكَ إلَى صَاحِبِهَا ثُمَّ هَذَا إذَا تَرَكَ سُنَّةَ الْهَدْيِ.
وَأَمَّا سُنَنُ الزَّوَائِدِ فَتَارِكُهَا لَا يَسْتَوْجِبُ إسَاءَتَهُ وَبِهِ صَرَّحَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ، وَعَنْ الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ قَصَصْت شَارِبَك، وَأَلْقَيْت الْعِمَامَةَ عَلَى الْعَانِقِ اسْتِخْفَافًا يَكْفُرُ أَوْ قَالَ مَا أَقْبَحَ امْرَأً قَصَّ شَارِبَهُ، وَلَفَّ طَرَفَ الْعِمَامَةِ عَلَى الْعُنُقِ كَفَرَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. انْتَهَى.
وَعَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ أَنَّ الشِّبْرَ لِلْعَوَامِّ، وَإِلَى وَسَطِ الظَّهْرِ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَإِلَى الْمَقْعَدِ لِلْمُفْتِي، وَإِرْسَالُهُ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ كَمَا عَرَفْت، وَقِيلَ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، وَقِيلَ أَيُّ مَوْضِعٍ كَانَ، فَفَوْقَ الْأُذُنَيْنِ أَوْ قُدَّامَهُ بِدْعَةٌ، وَقِيلَ إرْسَالُهُ تَحْتَ الْحَنَكِ، وَقِيلَ إرْسَالُهُ مِنْ الْقُدَّامِ سُنَّةٌ، وَعَنْ الطِّيبِيِّ قَدْرُ ثَلَاثِ قَبَضَاتٍ لِضَعِيفِ الْإِيمَانِ، وَقَبْضَتَانِ لِمُتَوَسِّطِ الْإِيمَانِ، وَأَزْيَدُ مِنْهَا لِكَامِلِ الْإِيمَانِ. وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الْحُجَّةِ أَنَّ التَّسْوِيمَ لِلْقَاضِي قَدْرُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أُصْبُعًا؛ وَلِلْخَطِيبِ إحْدَى وَعِشْرِينَ؛ وَلِلْعُلَمَاءِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - سَبْعَةَ عَشْرَةَ؛ وَلِلْعَوَامِّ سَبْعٌ؛ وَلِلصُّوفِيِّ الْعَامِّيِّ أَرْبَعُ أَصَابِعَ، وَفِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ لِابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ عَمَّمَ ابْنُ عَوْفٍ وَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ثُمَّ قَالَ فَالسُّنَّةُ تَحْصُلُ بِكُلٍّ لَكِنْ الْأَفْضَلُ مَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ السَّدْلَ مِنْ وَرَاءُ، وَأَمَامُ لِمَنْ أَرَادَ إرْخَاءَ طَرَفَيْهَا، وَإِلَّا فَالْمُكَتَّفِي بِوَاحِدٍ فَالْأَفْضَلُ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ ثُمَّ الْمَنْكِبِ، وَأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يُسْدِلُ دَائِمًا، وَعَنْ عَبْدِ الْحَقِّ السُّنَّةُ إرْخَاءُ طَرَفِهَا وَيَتَحَنَّكُ بِهِ، وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ قِيلَ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ عَمَائِمُ الشَّيْطَانِ.
(وَ) تَرْكُ (تَقْصِيرِ الثِّيَابِ) إذْ السُّنَّةُ جَعْلُهَا لِأَنْصَافِ السَّاقِ، وَهُوَ مُبَاحٌ إلَى الْكَعْبِ وَمَا جَاوَزَهُ حَرَامٌ مَعَ الْخُيَلَاءِ مَكْرُوهٌ عِنْدَ فَقْدِهَا قَالَ فِي الشِّرْعَةِ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْبَسُ قَمِيصًا تَارَةً إلَى الرُّسْغِ ذَيْلُهُ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ مُسْتَوِيَ الْكُمَّيْنِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ فَعَلَى هَذَا تَقْصِيرُ الثِّيَابِ سُنَّةٌ، وَفِي شَرْحِهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَطَعَ قَمِيصَهُ مِنْ رَأْسِ الْأَصَابِعِ فَعَابَهُ الْخَوَارِجُ فَقَالَ أَتَعِيبُونَنِي عَلَى لِبَاسٍ هُوَ أَبْعَدُ عَنْ الْكِبْرِ، وَأَجْدَرُ أَنْ يُقْتَدَى فِي الْمُسْلِمِ ثُمَّ قَالَ فِي الشِّرْعَةِ وَإِسْبَالُ الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ بِدْعَةٌ أَيْ تَطْوِيلُهُمَا، وَفِي شَرْحِهِ عَنْ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ قَالَ عليه الصلاة والسلام «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إزَارَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ، وَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
(وَ) تَرْكُ (تَرْقِيعِهَا) قَالَ فِي الشِّرْعَةِ، وَعَنْ سُنَّةِ الْإِسْلَامِ لُبْسُ الْمُرَقَّعِ وَالْخَشِينِ، وَأَيْضًا هُوَ مِنْ سُنَّةِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ
لِعِيسَى عَلَيْهِ، وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ قَصْعَةٌ لِلشُّرْبِ وَمُشْطٌ لِلِحْيَتِهِ، وَإِبْرَةٌ لِخَيْطِ خِرْقَتِهِ فَلَمَّا رَأَى وَاحِدًا يَشْرَبُ بِكَفِّهِ رَمَى الْقَصْعَةَ وَرَأَى آخَرَ يُخَلِّلُ لِحْيَتِهِ بِأَصَابِعِهِ فَرَمَى الْمُشْطَ وَبَقَّى الْإِبْرَةَ فَلَمَّا عَرَجَ إلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ اجْتَمَعَتْ الْمَلَائِكَةُ حَوْلَهُ يَتَبَرَّكُونَ وَيَمْسَحُونَ بِمُرَقَّعَتِهِ فَعَدُّوا رِقَاعَ خِرْقَتِهِ قَرِيبًا إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَبَكَوْا، وَقَالُوا إلَهَنَا أَمَا كَانَ عِيسَى عِنْدَك يُسَاوِي قَمِيصًا جَدِيدًا مِنْ دُنْيَاك فَنُودِيَ بِهِمْ أَنَّ جَمِيعَ الدُّنْيَا لَا يُسَاوَى بِعُضْوِ حَبِيبِي عِيسَى لَكِنْ فَتِّشُوا هَلْ تَجِدُونَ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا فَوَجَدُوا إبْرَةً فَقَالَ تَعَالَى، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَوْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ هَذِهِ الْإِبْرَةُ لَرَفَعْته إلَى حَضْرَةِ الْقُدْسِ، وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ عِيسَى عليه الصلاة والسلام يَلْبَسُ الشَّعْرَ وَيَأْكُلُ مِنْ الشَّجَرِ وَيَبِيتُ حَيْثُ أَمْسَى. وَفِي الْبُسْتَانِ كَانَ عُمَرُ يَخْطُبُ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ لَهُ سَبْعُ رِقَاعٍ نَعَمْ يَجُوزُ تَرْكُ الرِّقَاعِ فِيمَا يُخَافُ عَيْبَةُ النَّاسِ وَتَحْقِيرُهُمْ كَمَا فِي مُطْلَقِ الثِّيَابِ الْخَشِنَةِ قَالَ فِي الْبُسْتَانِ عَنْ الشَّعْبِيِّ الْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ مَا لَا يُزْرِيك السُّفَهَاءُ، وَلَا يَعِيبُك الْفُقَهَاءُ (وَ) تَرْكُ (الْمَشْيِ حَافِيًا) بِلَا نَعْلَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ (وَرُكُوبُ الْحِمَارِ) عَارِيًّا أَوْ عَلَى الْإِكَافِ (وَالْإِكَافُ، وَلَعْقُ الْأَصَابِعِ) بَعْدَ الطَّعَامِ لَا فِي أَثْنَائِهِ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْأَدَبِ (وَ) لَعْقُ (الْقَصْعَةِ) ، وَفِي الْبُسْتَانِ وَمِنْ السُّنَّةِ لَعْقُ أَصَابِعِهِ قَبْلَ الْمَسْحِ بِالْمِنْدِيلِ وَتَرْكُهُ مِنْ أَمْرِ الْعَجَمِ، وَأَمْرِ الْجَبَابِرَةِ وَيُقَالُ الْقَصْعَةُ تَسْتَغْفِرُ لِمَنْ يَلْعَقُهَا، وَعَنْهُ عليه الصلاة والسلام «أَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، وَعَلَى الَّذِينَ يَلْعَقُونَ أَصَابِعَهُمْ» ، وَكَانَ «يَأْمُرُ بِلَعْقِ الْقَصْعَةِ» ، «وَكَانَ لَا يَمْسَحُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُصَّهَا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ طَعَامٍ يُبَارَكُ لَهُ» (وَأَكْلُ مَا سَقَطَ عَلَى السُّفْرَةِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الطَّعَامِ) فِي الْبُسْتَانِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ أَكَلَ مَا سَقَطَ مِنْ الْمَائِدَةِ لَمْ يَزَلْ فِي سَعَةٍ مِنْ الرِّزْقِ وَوُقِيَ الْحُمْقَ عَنْهُ، وَعَنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ» ، وَعَنْهُ أَيْضًا «إذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، وَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى، وَلَا يَتْرُكُهَا لِلشَّيْطَانِ» (وَالْجَهْرُ بِالسَّلَامِ وَرَدُّهُ) قَالَ فِي الْبُسْتَانِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَتَيْتُمْ الْمَجْلِسَ فَسَلِّمُوا عَلَى الْقَوْمِ، وَإِذَا رَجَعْتُمْ فَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ فَإِنَّ التَّسْلِيمَ عِنْدَ الرُّجُوعِ أَفْضَلُ مِنْ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى» ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْمَوْتِ فَقِيلَ الرَّدُّ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]- وَالْأَمْرُ لِلْفَرِيضَةِ، وَقِيلَ التَّسْلِيمُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ سَابِقٌ
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ إنْ لَمْ يَرُدُّوا السَّلَامَ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، وَلَعَنَتْهُمْ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ يَكْفِي رَدُّ وَاحِدٍ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْكُلِّ ثُمَّ قَالَ الْإِسْمَاعُ فِي الرَّدِّ وَالسَّلَامِ لَازِمٌ، وَإِلَّا لَمْ يَسْقُطْ الْفَرْضُ، وَلَمْ تَحْصُلْ السُّنَّةُ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَى وَاحِدٍ يَقُولُ وَعَلَيْكُمْ بِخِطَابِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ الْمَلَائِكَةَ. انْتَهَى إيجَازًا.
(وَالْأَذَانُ وَالْإِمَامَةُ) عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَاشِيَةِ جَمَعَ اثْنَانِ فِي وَقْتٍ فَتَرَكَا الْإِمَامَةَ فَصَلَّيَا فُرَادَى أَثِمَا بِإِثْمَيْنِ إثْمٌ بِتَرْكِ الْإِمَامَةِ، وَإِثْمٌ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَإِذَا أَمَّ أَحَدُهُمَا لَمْ يَأْثَمَا. انْتَهَى. (وَ) تَرْكُ (نَحْوِ ذَلِكَ) مِنْ السُّنَنِ كَالِاعْتِكَافِ وَتَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ (فَمَذْمُومٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الِامْتِنَاعَ (فِي الْحَقِيقَةِ جُبْنٌ) أَيْ ضَعْفُ قَلْبٍ، وَقِلَّةُ شَجَاعَةٍ (وَضَعْفٌ فِي الدِّينِ) إذْ لَوْ كَانَ قَوِيًّا لَمَا يَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ (أَوْ رِيَاءٌ أَوْ كِبْرٌ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ حَيَاءٌ فَحَيَاءٌ مِنْ النَّاسِ وَوَقَاحَةٌ) أَيْ عَدَمُ حَيَاءٍ (لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَلِرَسُولِهِ وَجُرْأَةٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَوْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَعَ الْمَدِّ (عَلَيْهِمَا) عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ (وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ بِالْحَيَاءِ مِنْ النَّاسِ) أَمَّا اللَّهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الرَّسُولُ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ عليه الصلاة والسلام هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْفِيفِ، وَإِلَّا فَكُفْرٌ قَالُوا مَنْ خَفَّفَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام فَحُكْمُهُ السَّيْفُ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِكُفْرِهِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ (فَمَا حَالُ مَنْ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ خَالِقِهِ) الَّذِي هُوَ الْمُبْدِئُ وَالْمُعِيدُ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، وَهُوَ الَّذِي