الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
«شَرِّ عِبَادِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَا الْوَجْهَيْنِ» فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ «الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِحَدِيثٍ وَهَؤُلَاءِ» جَمَاعَةً أُخْرَى «بِحَدِيثٍ» آخَرَ إذًا الْمُعَادُ الْمُنَكَّرُ غَيْرُ الْأَوَّلِ إذْ هُوَ مَنْبَعُ إيقَاظِ الْفِتْنَةِ وَمَعْدِنُ الْفَسَادِ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ (وَفِي رِوَايَةٍ «يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ» آخَرَ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِصْلَاحِ وَإِلَّا فَمَحْمُودٌ
[السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ]
(السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ)(الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ) بِأَنْ تُخَالِفَ الشَّرْعَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ} [النساء: 85] نَصِيبٌ {مِنْهَا} [النساء: 85] مِنْ وِزْرِهَا (د طب حك عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «مَنْ حَالَتْ» مِنْ الْحَيْلُولَةِ «شَفَاعَتُهُ» أَيْ صَارَتْ حَائِلَةً وَمَانِعَةً «دُونَ حَدٍّ» إقَامَتِهِ «مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» فَلَمْ يَقُمْ لِشَفَاعَتِهِ «فَقَدْ ضَادَّ» أَيْ خَالَفَ «اللَّهَ تَعَالَى» هَذَا إذَا شَفَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بَعْدَ الثُّبُوتِ عِنْدَهُ بِالْبَيِّنَةِ وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ إلَى الشُّهُودِ بِأَنْ يُقَالَ السَّتْرُ أَفْضَلُ فِي الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْمُدَّعِي فِي قَطْعِ الْيَدِ وَالْقِصَاصِ وَحْدِ الْقَذْفِ قَبْلَ الثُّبُوتِ لِدَرْءِ الْحُدُودِ فَيَجُوزُ بَلْ يُسْتَحَبُّ إذَا تَابَ الْجَانِي وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتُبْ فَلَا يَجُوزُ أَصْلًا.
وَعَنْ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلنَّوَوِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْت يَدَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ «فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ أُسَامَةُ اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ» .
(وَهِيَ) أَيْ الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ (كَثِيرَةٌ مِنْهَا الشَّفَاعَةُ لِتَقْلِيدِ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ) بِكِسْرَةِ الْهَمْزَةِ (وَالتَّوْلِيَةُ) لِلْأَوْقَافِ وَالْوَصَايَا (مُطْلَقًا) أَهْلًا أَوْ لَا (لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِهَا وَ) عَنْ (الشَّفَاعَةِ فِيهَا) وَعَنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى رِوَايَةِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَنْ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِّلَ إلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ جُبِرَ عَلَيْهِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» .
(وَمِنْهَا)(الشَّفَاعَةُ لِلْإِمَامَةِ) فِي الصَّلَاةِ (لِمَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا) إمَّا بِسُوءِ الِاعْتِقَادِ كَأَهْلِ الْهَوَى أَوْ لِعَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الطَّهَارَةِ بِأَنْ لَا يُبَالِيَ بِالنَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ لِلصَّلَاةِ فِي الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ أَوْ الْمَكَانِ أَوْ لِعَدَمِ وُصُولِ مَاءِ الطَّهَارَةِ لِلْأَعْضَاءِ الْوَاجِبِ تَطْهِيرُهَا أَوْ لِعَدَمِ قِرَاءَةِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ فَإِذَا فُقِدَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَحَقَّقَتْ الْأَهْلِيَّةُ كَمَا ذَكَرَ الْمُحَشِّي وَكَذَا الشَّفَاعَةُ لِمَنْ لَا يُرَاعِي تَعْدِيلَ الْأَرْكَانِ (أَوْ وُجِدَ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ) كَالشَّفَاعَةِ لِمَنْ كَانَتْ إمَامَتُهُ مَكْرُوهَةً مِثْلِ الْفَاسِقِ وَالْأَعْرَابِيِّ وَوَلَدِ الزِّنَا وَالْعَبْدِ وَالْأَعْمَى.
(وَكَذَا)(الْأَذَانُ) لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ أَوْ مُغَنِّيًا سِيَّمَا عَلَى رَأْيِ الْمُصَنِّفِ أَوْ يَلْحَنُ فِي الْأَذَانِ فَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ ذَا لَحْنٍ وَتَغَنٍّ تَحَقَّقَتْ الْأَهْلِيَّةُ.
(وَالتَّعْلِيمُ) أَيْ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْلُومٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ التَّجْوِيدَ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَدَيِّنًا فِي حَقِّ أَوْلَادِ النَّاسِ لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ الْأَوْلَى (وَالتَّدْرِيسُ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ أَوْ وُجِدَ الْأَوْلَى مِنْهُ بِأَنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ غَيْرَ مُدَاوِمٍ عَلَى الدَّرْسِ وَلَا عِبْرَةَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْفَقْرِ بَلْ الْعِبْرَةُ بِالْأَهْلِيَّةِ وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ فَلَا يَغُرَّنَّكَ الْغَرُورُ بِأَنَّ هَذَا فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ وَذَلِكَ لَيْسَ كَذَا فَعَلَيْك الْإِعَانَةُ لِلْمُحْتَاجِ وَكَذَا الْقِرَاءَةُ بِالْأُجْرَةِ حَرَامٌ مُطْلَقًا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي.
وَلَوْ وُجِدَ غَنِيٌّ أَهْلٌ وَفَقِيرٌ لَيْسَ بِأَهْلٍ يَشْفَعُ لِلْأَهْلِ وَلَوْ غَنِيًّا دُونَ غَيْرِهِ وَلَوْ فَقِيرًا كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمَوَاهِبِ (وَنَحْوِهَا) مِنْ الشَّفَاعَةِ بِمَا لَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ (وَسَبَبُهَا) أَيْ سَبَبُ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ (الْجَهْلُ) بِعَاقِبَتِهَا مِنْ الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ (وَالطَّمَعِ) فِيهَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَشْفُوعِ (وَحُبُّ الْأَقْرِبَاءِ وَالْأَحِبَّاءِ) فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى الشَّفَاعَةِ لَهُمْ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ بَلْعَمٍ (وَحُبُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحُبُّ نَفْسِهِ أَوْلَى وَأَحَقُّ) مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ مِنْ خَيْرِ الدَّارَيْنِ وَمَحَبَّةُ نَفْسِهِ مِنْ السَّعْيِ فِي نَجَاتِهَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُؤْثِرُ نَفْعَ غَيْرِهِ عَلَى ضَرَرِهِ.
(وَ) سَبَبُهَا أَيْضًا (الْحَيَاءُ مِنْ النَّاسِ) إنْ لَمْ يَشْفَعْ يُعَيِّرُونَهُ أَوْ يَنْسُبُونَهُ إلَى مَا لَا يَرْضَى (وَالْحَيَاءُ مِنْ الْخَالِقِ الْمُنْعِمِ الضَّارِّ النَّافِعِ أَقْدَمُ) لِأَنَّ النِّعْمَةَ وَالْخَلْقَ وَالنَّفْعَ وَالضُّرَّ مِنْ أَسْبَابِ الْحَيَاءِ وَاَللَّهُ الْمُعْطِي الْمَانِعُ (وَأَلْزَمُ) مِنْ الْحَيَاءِ مِنْ النَّاسِ لِعَجْزِهِمْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَانْقِطَاعِ الرَّجَاءِ مِنْهُمْ (وَ) سَبَبُهَا أَيْضًا (الْخَوْفُ مِنْ الْعَدَاوَةِ) أَيْ عَدَاوَةِ الْمَشْفُوعِ لَهُ إنْ لَمْ يَشْفَعْ لَهُ (أَوْ) الْخَوْفُ مِنْ (ذَهَابِ الْمَنْصِبِ وَالرِّزْقِ الدَّارِّ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ كَثِيرُ الْخَيْرِ (وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) لِأَنَّك عَرَفْت أَنَّ النَّفْعَ وَالضُّرَّ وَالْعَطَاءَ وَالْمَنْعَ لَيْسَ إلَّا مِنْهُ تَعَالَى وَأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى عِصْيَانِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْوَصْلَةِ إلَى زَخَارِفِ الدُّنْيَا وَتَقْدِيمَ خَوْفِ فَوْتِ الدُّنْيَا عَلَى خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُوجِبُ إلَّا الْوِزْرَ وَالْوَبَالَ.
(وَضِدُّهَا الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ) وَهِيَ الشَّفَاعَةُ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ فِي الشَّرْعِ كَالشَّفَاعَةِ لِإِحْقَاقِ حَقِّ مُسْلِمٍ وَدَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ لَهُ وَدَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} [النساء: 85] ظَاهِرُهُ حُصُولُ الْأَجْرِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهُ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ رَاعَى بِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ وَدَفَعَ عَنْهُ ضُرًّا أَوْ جَلَبَ لَهُ نَفْعًا ابْتِغَاءً لِوَجْهِ اللَّهِ وَمِنْهَا الدُّعَاءُ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ قَالَ عليه الصلاة والسلام «مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ اُسْتُجِيبَ لَهُ وَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ وَلَك مِثْلُ ذَلِكَ» وَيَقْرَبُ مِنْ الشَّفَاعَةِ الْحَسَنَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى الْهُدَى وَالْخَيْرِ وَالْحَسَنَةِ كَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ وَمَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ
مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَأَعْظَمُ الْهُدَى هُدَى مَنْ دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَأَدْنَاهُ هُدًى مَنْ دَعَا إلَى إمَاطَةِ الْأَذَى وَلِذَا عَظُمَ شَأْنُ الْفَقِيهِ الدَّاعِي الْمُنْذِرِ حَتَّى فُضِّلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَلْفِ عَابِدٍ وَلِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُمُّ الْأَشْخَاصَ وَالْأَعْصَارَ إلَى يَوْمِ الدِّينِ ثُمَّ قَالَ:
(تَنْبِيهٌ) أَخَذَ الْمَقْرِيزِيُّ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ كُلَّ أَجْرٍ حَصَلَ لِلشَّهِيدِ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ بِسَبَبِهِ مِثْلُهُ وَالْحَيَاةُ أَجْرٌ فَيَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ مِثْلُهَا زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ الْخَاصِّ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى هِدَايَةِ الْمُهْتَدِي وَعَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأُجُورِ عَلَى حَسَنَاتِهِ الْخَاصَّةِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي لَا تَصِلُ جَمِيعَ الْأُمَّةِ وَلَا يَبْلُغُونَ مِعْشَارَ مِعْشَارِهَا فَجَمِيعُ حَسَنَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَةِ فِي صَحَائِفِ نَبِيِّنَا زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَعَ مُضَاعَفَةٍ لَا يُحْصِيهَا إلَّا اللَّهُ لِأَنَّ كُلَّ مُهْتَدٍ وَعَامِلٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرٌ وَيَتَجَدَّدُ لِشَيْخِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِثْلَا ذَلِكَ الْأَجْرِ وَلِشَيْخِ شَيْخِهِ مِثْلَاهُ وَلِلشَّيْخِ الثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ وَلِلرَّابِعِ ثَمَانِيَةٌ وَهَكَذَا تُضَاعَفُ كُلُّ مَرْتَبَةٍ بِعَدَدِ الْأُجُورِ الْحَاصِلَةِ بَعْدَهُ لِلنَّبِيِّ وَبِذَلِكَ يُعْرَفُ تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلَى الْخَلْفِ فَإِذَا فَرَضْت الْمَرَاتِبَ عَشْرًا بَعْدَ النَّبِيِّ كَانَ لِلنَّبِيِّ مِنْ الْأَجْرِ أَلْفٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ فَإِذَا اهْتَدَى بِالْعَاشِرِ حَادِي عَشَرَ صَارَ أَجْرُ النَّبِيِّ أَلْفَيْنِ وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَهَكَذَا كُلَّمَا ازْدَادُوا وَاحِدًا يَتَضَاعَفُ مَا كَانَ قَبْلَهُ أَبَدًا انْتَهَى أَقُولُ وَمِثْلُهُ لِلْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ بَلْ كُلُّ مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ وَهُدًى ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ «مَنْ دَعَا إلَى هُدًى» أَنَّ كُلَّ أَجْرٍ حَصَلَ لِلدَّالِّ وَالدَّاعِي حَصَلَ لِلْمُصْطَفَى مِثْلُهُ زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ الْخَاصِّ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى دَلَالَتِهِ وَهِدَايَتِهِ لِلْمُهْتَدِي وَعَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأُجُورِ عَلَى حَسَنَاتِهِ الْخَاصَّةِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْمَعَارِفِ وَالْأُجُورِ الَّتِي لَا تَصِلُ جَمِيعُ الْأُمَّةِ إلَى عَرْفِ نَشْرِهَا وَلَا يَبْلُغُونَ عُشْرَ عُشْرِهَا وَهَكَذَا نَقُولُ إنَّ حَسَنَاتِنَا وَأَعْمَالَنَا الصَّالِحَةَ وَعِبَادَاتِ كُلِّ مُسْلِمٍ مُسَطَّرَةٌ فِي صُحُفِ نَبِيِّنَا زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ وَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأُجُورِ بِعَدَدِ أُمَّتِهِ أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ لَا تُحْصَى وَيَقْصُرُ الْعَقْلُ عَنْ إدْرَاكِهَا لِأَنَّ كُلَّ مُهْتَدٍ وَدَالٍّ وَعَالِمٍ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَتَجَدَّدُ لِشَيْخِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِثْلُ ذَلِكَ الْأَجْرِ.
وَلِشَيْخِ شَيْخِهِ مِثْلَاهُ وَلِلشَّيْخِ الثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ وَالرَّابِعِ ثَمَانِيَةٌ وَهَكَذَا يُضَاعَفُ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ بِعَدَدِ الْأُجُورِ الْحَاصِلَةِ قَبْلَهُ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمُصْطَفَى إذَا فُرِضَتْ الْمَرَاتِبُ عَشْرًا بَعْدَ النَّبِيِّ كَانَ لِلنَّبِيِّ مِنْ الْأَجْرِ أَلْفٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ فَإِذَا اهْتَدَى بِالْعَاشِرَةِ حَادِيَ عَشَرَ صَارَ أَجْرُ النَّبِيِّ أَلْفَيْنِ وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَهَكَذَا كُلَّمَا زَادَ وَاحِدٌ يَتَضَاعَفُ مَا كَانَ قَبْلَهُ أَبَدًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَحْصُرُهُ إلَّا اللَّهُ فَكَيْفَ إذَا أُخِذَ مَعَ كَثْرَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَاحِدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِعَدَدِ الْأُجُورِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَى فِعْلِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكُلُّ مَا يَحْصُلُ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ حَاصِلٌ بِجُمْلَتِهِ لِلنَّبِيِّ وَبِهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ السَّلَفِ عَلَى الْخَلَفِ وَأَنَّهُ كُلَّمَا ازْدَادَ الْخَلَفُ ازْدَادَ أَجْرُ السَّلَفِ وَتَضَاعَفَ وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْمَعْنَى وَرُزِقَ التَّوْفِيقَ انْبَعَثَتْ هِمَّتُهُ إلَى التَّعْلِيمِ وَرَغِبَ فِي نَشْرِ الْعِلْمِ لِيُضَاعَفَ أَجْرُهُ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ عَلَى الدَّوَامِ وَيَكُفُّ عَنْ إحْدَاثِ الْبِدَعِ وَالْمَظَالِمِ فَإِنَّهَا تُضَاعَفُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ مَا دَامَ يَعْمَلُ بِهَا عَامِلٌ فَلْيَتَأَمَّلْ الْمُسْلِمُ هَذَا الْمَعْنَى وَسَعَادَةَ الدَّالِّ عَلَى الْخَيْرِ وَشَقَاوَةَ الدَّالِّ عَلَى الشَّرِّ.
وَقَدْ مَرَّ بَعْضُ هَذَا فِي حَدِيثِ مَنْ دَعَا انْتَهَى أَقُولُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي حَدِيثِ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً» وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ مُلْحَقَتَانِ بِهَا.
(خ م عَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ «جَالِسًا فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ» شَيْئًا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ «فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ» الشَّرِيفِ الْمُبَارَكِ قَبْلَ الْجَوَابِ لِلسَّائِلِ.
«وَقَالَ اشْفَعُوا» لِأَرْبَابِ الْحَوَائِجِ الْمُبَاحَةِ كَدَفْعِ ظُلْمٍ وَتَخْلِيصِ عَطَاءٍ وَنَحْوِهِمَا وَكَذَا فِي الْعَفْوِ عَنْ ذَنْبٍ لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُذْنِبُ مُصِرًّا وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِيَرْتَدِعَ عَنْ الذَّنْبِ وَالْإِصْرَارِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ اشْفَعُوا فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ أَخِيكُمْ «تُؤْجَرُوا» بِمُجَرَّدِ الشَّفَاعَةِ قُبِلَتْ أَوْ لَا بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَبُولِ «وَيَقْضِي اللَّهُ» يَحْكُمُ «عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ»