المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[التاسع والأربعون المداهنة] - بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية - جـ ٣

[محمد الخادمي]

فهرس الكتاب

- ‌[السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ]

- ‌[مَبْحَثٌ فِي غَوَائِل الْبُخْل وَسَبَبِهِ وَآفَاتِهِ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ حُبُّ الْمَالِ لِلْحَرَامِ]

- ‌[مَبْحَثٌ فِي سَبَبِ حُبِّ الْمَالِ وَعِلَاجِهِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي الْإِسْرَاف]

- ‌[الْمَبْحَثُ الثَّانِي الْعِلَّةُ الْخَفِيَّةُ وَالسَّبَبُ الْأَصْلِيُّ فِي ذَمِّ الْإِسْرَاف]

- ‌[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ لِلْإِسْرَافِ فِي أَصْنَافِ الْإِسْرَافِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ الْإِسْرَافَ هَلْ يَقَعُ فِي الصَّدَقَةِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ فِي عِلَاجِ الْإِسْرَافِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ مِنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ الْعَجَلَةُ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْفَظَاظَةُ وَغِلْظَةُ الْقَلْبِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْوَقَاحَةُ قِلَّةُ الْحَيَاءِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْجَزَعُ وَالشَّكْوَى]

- ‌[الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ السُّخْطُ وَالتَّضَجُّرُ]

- ‌[الْأَرْبَعُونَ التَّعْلِيقُ ذِكْرُ قِوَامِ بِنْيَتِك عَنْ شَيْءٍ]

- ‌[الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ حُبُّ الْفَسَقَةِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بُغْضُ الْعُلَمَاءِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ الْجُرْأَةُ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْيَأْسُ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحُزْنُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا]

- ‌[السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْخَوْفُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا]

- ‌[السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْغِشُّ وَالْغُلُّ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ الْفِتْنَةُ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْمُدَاهَنَةُ]

- ‌[الْخَمْسُونَ الْأُنْسُ بِالنَّاسِ وَالْوَحْشَةُ لِفِرَاقِهِمْ]

- ‌[الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ الطَّيْشِ وَالْخِفَّةِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ الْعِنَادُ وَمُكَابَرَةُ الْحَقِّ وَإِنْكَارُهُ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ التَّمَرُّدُ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ الصَّلَفُ]

- ‌[السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ الْجَرْبَزَةُ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ الْبَلَادَةُ وَالْغَبَاوَةُ وَالْحَمَاقَةُ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ الشَّرَهُ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ الْخُمُودُ]

- ‌[السِّتُّونَ آخِرُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ]

- ‌[الصِّنْفُ الثَّانِي فِي آفَاتِ اللِّسَانِ وَهُوَ قِسْمَانِ]

- ‌[الْقِسْم الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ حِفْظِهِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ آفَاتِ اللِّسَانِ وَفِيهِ سِتَّةُ مَبَاحِثَ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي الْكَلَامِ الَّذِي الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرُ وَهُوَ سِتُّونَ]

- ‌[الْأَوَّلُ كَلِمَةُ الْكُفْرِ]

- ‌[الثَّانِي مَا فِيهِ خَوْفُ الْكُفْرِ]

- ‌[الثَّالِثُ الْخَطَأُ]

- ‌[الرَّابِعُ الْكَذِبُ]

- ‌[السَّادِسُ الْغِيبَةُ]

- ‌[السَّابِعُ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ النَّمِيمَةُ]

- ‌[الثَّامِنُ السُّخْرِيَةُ وَالِاسْتِهْزَاءُ]

- ‌[التَّاسِعُ اللَّعْنُ]

- ‌[الْعَاشِرُ السَّبُّ]

- ‌[الْحَادِي عَشَرَ الْفُحْشُ]

- ‌[الثَّانِيَ عَشَرَ الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالتَّعْيِيرُ]

- ‌[الثَّالِثَ عَشَرَ النِّيَاحَةُ]

- ‌[الرَّابِعَ عَشَرَ حُكْمُ الْمِرَاء]

- ‌[الْخَامِسَ عَشَرَ الْجِدَالُ]

- ‌[السَّادِسَ عَشَرَ الْخُصُومَةُ]

- ‌[السَّابِعَ عَشَرَ الْغِنَاءُ]

- ‌[الْوَصِيَّةُ لِلْمُغَنِّينَ وَالْمُغَنِّيَاتِ]

- ‌[التَّغَنِّي بِمَعْنَى حُسْنِ الصَّوْتِ بِلَا لَحْنٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَإِسْقَاطِ حَرْفٍ مِنْ الْقُرْآنُ]

- ‌[الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ الْمَوْضُوعَةِ الْمُحْدَثَةِ الْمُوَافِقَةِ لِعِلْمِ الْمُوسِيقَى]

- ‌[الِاسْتِغْنَاءُ بِالْقُرْآنِ عَنْ الْأَشْعَارِ وَأَحَادِيثِ النَّاسِ]

- ‌[الثَّامِنَ عَشَرَ إفْشَاءُ السِّرِّ]

- ‌[التَّاسِعَ عَشَرَ الْخَوْضُ فِي الْبَاطِلِ]

- ‌[الْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمَّنْ لَا حَقَّ فِيهِ]

- ‌[الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْعَوَامّ عَنْ كُنْهِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ السُّؤَالُ عَنْ الْمُشْكِلَاتِ الظَّاهِرَةِ فِي الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ الْخَطَأُ فِي التَّعْبِيرِ وَدَقَائِقُ الْخَطَأِ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ النِّفَاقُ الْقَوْلِيُّ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ كَلَامُ ذِي اللِّسَانَيْنِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَعْرُوفِ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ غِلْظَةُ الْكَلَامِ وَالْعُنْفُ فِيهِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ السُّؤَالُ وَالتَّفْتِيشُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ]

- ‌[الثَّلَاثُونَ افْتِتَاحُ الْجَاهِلِ الْكَلَامَ]

- ‌[الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ التَّكَلُّمُ عِنْدَ الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِغَيْرِ الْإِجَابَةِ]

- ‌[الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي حَالَ الْخُطْبَةِ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ كَلَامُ الدُّنْيَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي الْخَلَاءِ وَعِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ عِنْدَ الْجِمَاعِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الدُّعَاءُ عَلَى مُسْلِمٍ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ وَالظَّالِمِ بِالْبَقَاءِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ]

- ‌[الْأَرْبَعُونَ كَلَامُ الدُّنْيَا فِي الْمَسَاجِدِ]

- ‌[الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَضْعُ لَقَبِ سُوءٍ لِمُسْلِمٍ]

- ‌[الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ كَثْرَةُ الْحَلِفِ وَلَوْ عَلَى الصِّدْقِ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ سُؤَالُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ سُؤَالُ تَوْلِيَةِ الْأَوْقَافِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ طَلَبُ الْوِصَايَةِ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ رَدُّ عُذْرِ أَخِيهِ وَعَدَمُ قَبُولِهِ]

- ‌[الْخَمْسُونَ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ]

- ‌[الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ إخَافَةُ الْمُؤْمِنِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ قَطْعُ كَلَامِ الْغَيْرِ وَحَدِيثِهِ بِكَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ]

الفصل: ‌[التاسع والأربعون المداهنة]

إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ» لَعَلَّ هَذَا أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَظُنَّ ذَلِكَ وَإِلَّا فَمِنْ قَبِيلِ إلْقَاءِ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ (وَقِسْ عَلَى هَذَا) فَمَا أَدَّى إلَى فِتْنَةٍ دِينِيَّةٍ فَاجْتَنِبْهُ أَوْ إلَى فِتْنَةٍ بَدَنِيَّةٍ إنْ كَانَ لِغَيْرِك فَاجْتَنِبْهُ أَيْضًا إنْ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا وَإِنْ كَانَ لَك وَأَنْتَ صَابِرٌ فَجَائِزٌ وَجِهَادٌ وَإِلَّا فَاجْتَنِبْهُ (وَحَسْبُك فِي آفَةِ الْفِتْنَةِ قَوْله تَعَالَى - {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] أَيْ الْمِحْنَةُ الَّتِي يُفْتَتَنُ بِهَا الْإِنْسَانُ أَصْعَبُ مِنْ الْقَتْلِ بِدَوَامِ تَعَبِهَا وَتَأَلُّمِ النَّفْسِ بِهَا وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ اجْتَنَبَ الْفِتَنَ» أَيْ بَعُدَ عَنْهَا كَلُزُومِ الْبَيْتِ «وَلَمَنْ اُبْتُلِيَ» أَيْ بِالْفِتَنِ بِفَتْحِ اللَّامِ جَوَابُ قَسَمٍ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ «فَصَبَرَ» عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْفِتْنَةِ وَصَبَرَ عَلَى ظُلْمِ النَّاسِ لَهُ وَتَحَمَّلَ أَذَاهُمْ، وَفِيهِ أَيْضًا الْفِتْنَةُ تَجِيءُ فَتَنْسِفُ الْعِبَادَ أَيْ تُهْلِكُهُمْ وَيَنْجُو الْعَالِمُ مِنْهَا بِعِلْمِهِ قَدْ تَكُونُ فِي النُّفُوسِ بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا كَالْمَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْجَاهِ وَقَدْ تَكُونُ فِي الْقُلُوبِ بِالْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ إلَى أَنْ تَرْتَقِيَ إلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَالْفِتَنُ فِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ وَهِيَ الْعُظْمَى وَفِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ وَأَصْلُ الْكُلِّ تَقْدِيمُ الرَّأْيِ عَلَى الشَّرْعِ فَفِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ إنَّمَا تُدْفَعُ بِكَمَالِ الْبَصِيرَةِ وَالْيَقِينِ وَفِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ إنَّمَا تُدْفَعُ بِكَمَالِ الْعَقْلِ وَالصَّبْرِ وَالدِّينِ فَالنَّجَاةُ إنَّمَا هِيَ بِالْعِلْمِ وَمَا عَدَاهُ فِي الْهَلَاكِ هَذَا عُصَارَةُ مَا فِي الْفَيْضِ

[التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْمُدَاهَنَةُ]

(التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْمُدَاهَنَةُ) مِنْ الدُّهْنِ كَأَنَّ صَاحِبَهَا بِمَنْزِلَتِهِ فِي عَدَمِ الصَّلَابَةِ. قِيلَ هِيَ فِي الشَّرْعِ: عَدَمُ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ رِعَايَةً لِجَانِبِ مُرْتَكِبِهِ أَوْ لِجَانِبِ غَيْرِهِ أَوْ لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالدِّينِ وَقِيلَ مُعَاشَرَةُ الْفُسَّاقِ وَإِظْهَارُ الرِّضَا بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا (وَهِيَ الْفُتُورُ وَالضَّعْفُ فِي أَمْرِ الدِّينِ كَالسُّكُوتِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْمَعَاصِي وَالْمَنَاهِي مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّغْيِيرِ بِلَا ضَرَرٍ) دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ (فَهَذَا) أَيْ الْفُتُورُ أَوْ السُّكُوتُ حِينَئِذٍ (حَرَامٌ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ «السَّاكِتَ عَنْ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ»

ص: 127

لِكَوْنِهِ دَلِيلَ الرِّضَا سِيَّمَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الصَّمْتُ خَيْرٌ إلَّا فِي الْخَيْرِ وَيُقَالُ قُلْ الْحَقَّ وَإِلَّا فَاسْكُتْ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قِيلَ أَوْ قُلْت «يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْسَفُ الْأَرْضُ وَفِيهَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ بِإِدْهَانِهِمْ وَسُكُوتِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي» وَعَنْهُ عليه الصلاة والسلام «أَنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يُحْشَرُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ بِمَا دَاهَنُوا وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ وَجَالَسُوهُمْ» وَعَنْ حُسْنِ التَّنْبِيهِ لِلنَّجْمِ الْغَزِّيِّ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَا آتَى اللَّهُ تَعَالَى عَالِمًا عِلْمًا إلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ مِنْ الْمِيثَاقِ مَا أَخَذَ مِنْ النَّبِيِّينَ مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ} [البقرة: 159] وَلِهَذَا كَانَ الثَّوْرِيُّ إذَا رَأَى الْمُنْكَرَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بَالَ دَمًا وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَتْ الْمَعَاصِي فَلَمْ يُنْكِرُوا فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْقَوْمُ جَمِيعًا الْعُقُوبَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَحْيُهُ تَعَالَى إلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ مِنْ إهْلَاكِ قَوْمِهِ خِيَارُهُمْ كَذَا وَشِرَارُهُمْ كَذَا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى - {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25](وَضِدُّهُ الصَّلَابَةُ فِي أَمْرِ الدِّينِ قَالَ تَعَالَى {يُجَاهِدُونَ} [المائدة: 54] أَيْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المائدة: 54] ابْتِغَاءَ رِضَا اللَّهِ {وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: 54] عَلَى ذَلِكَ مِنْ النَّاسِ «وَقَالَ) عليه الصلاة والسلام لِأَبِي ذَرٍّ (قُلْ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا» عَلَى الْمَأْمُورِ وَعَلَى الْآمِرِ لِلْأَوْهَامِ الْهَائِلَةِ مِنْ قَوْلِهِ

رأضيم در بَاطِن ارحكم بركرجة

رويم ترتش شدكه الْحَقّ مَرَّ

وَفِي النِّصَابِ أَنَّ زَاهِدًا كَسَرَ مَلَاهِيَ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةِ فَأَمَرَ بِأَنْ يُلْقَى بَيْنَ يَدَيْ الْأُسُودِ فَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَاجْتَمَعَتْ الْأُسُودُ وَقَدْ لَحِسَتْهُ بِأَلْسِنَتِهَا وَهُوَ يُصَلِّي وَلَا يُبَالِي فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ اُنْظُرُوا فَنَظَرُوا فَإِذَا الْأُسُودُ قَدْ اسْتَأْنَسُوا بِهِ فَحَمَلُوهُ إلَى الْخَلِيفَةِ قَالَ أَمَا كُنْت تَخَافُ مِنْهُمْ قَالَ الزَّاهِدُ لَا كُنْت مَشْغُولًا مُتَفَكِّرًا طُولَ اللَّيْلِ لَمْ أَتَفَرَّغْ إلَى خَوْفِهِمْ فَقَالَ فِيمَ تَتَفَكَّرُ قَالَ هَذِهِ الْأُسُودُ لَحِسُونِي أَلُعَابُهُمْ طَاهِرٌ أَمْ نَجِسٌ؟ فَهَذَا التَّفَكُّرُ مَنَعَنِي مِنْ الْخَوْفِ فَتَعَجَّبَ وَخَلَّى سَبِيلَهُ انْتَهَى مُلَخَّصًا.

(فَإِنْ كَانَ سُكُوتُهُ) عَنْ أَمْرٍ بِالْبِرِّ وَالنَّهْيِ عَنْ الْوِزْرِ (لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ) أَيْ السُّكُوتُ (مُدَارَةً جَائِزَةٌ) مَعْنَى الْمُدَارَاةِ أَنْ يَبْتَسِمَ وَيَضْحَكَ وَإِنْ كَانَ قَلْبُهُ يُنْكِرُ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مُدَارَةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ» قَالَ فِي شَرْحِهِ الْمُدَارَاةُ اللِّينُ وَالتَّعَطُّفُ يَعْنِي مَنْ اُبْتُلِيَ بِمُخَالَطَةِ النَّاسِ مُعَامَلَةً وَمُعَاشَرَةً وَتَلَطَّفَ وَلَمْ يُنَفِّرْهُمْ كُتِبَ لَهُ صَدَقَةٌ وَالْمُدَارَةُ مَحْثُوثٌ عَلَيْهَا مَأْمُورٌ بِهَا وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ

اتَّسَعَتْ دَارُ مَنْ يُدَارِي

وَضَاقَتْ أَسْبَابُ مَنْ يُمَارِي

وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الْمُدَارَاةُ الرِّفْقُ بِالْجَاهِلِ فِي التَّعْلِيمِ وَبِالْفَاسِقِ فِي النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ وَتَرْكِ الْأَغْلَاطِ عَلَيْهِ وَالْمُدَاهَنَةُ مُعَاشَرَةُ الْفَاسِقِ وَإِظْهَارُ الرِّضَا بِمَا هُوَ فِيهِ الْأُولَى مَنْدُوبَةٌ وَالثَّانِيَةُ مُحَرَّمَةٌ.

وَعَنْ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ النَّاسُ ثَلَاثَةٌ:

أَحَدُهُمْ: مِثْلُ الْغِذَاءِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَالْآخَرُ مِثْلُ الدَّوَاءِ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَالثَّالِثُ مِثْلُ الدَّاءِ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لَكِنْ الْعَبْدُ قَدْ يُبْتَلَى بِهِ وَهُوَ الَّذِي لَا أُنْسَ فِيهِ وَلَا نَفْعَ فَتَجِبُ مُدَارَاتُهُ إلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا «أُمِرْت بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أُمِرْت بِالْفَرَائِضِ» كَمَا فِي شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ (بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ)

ص: 128