الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمُفَارَقَةُ فَاسْتَأْذَنَ صَاحِبَهُ فَقَالَ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَصْحَبَ أَحَدًا إلَّا إذَا كَانَ فَوْقَنَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلَنَا فَلَا تُصَاحِبْهُ فَقَالَ الرَّجُلُ زَالَ مِنْ قَلْبِي إرَادَةُ الْمُفَارَقَةِ، وَفِيهَا صَحِبَ رَجُلٌ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُ قَالَ نَبِّهْ عَيْبِي فَقَالَ إنِّي أُحِبُّك فَاسْتَحْسَنْتُ مِنْك مَا رَأَيْتُ فَسَلْ غَيْرِي عَنْ عَيْبِك وَفِيهَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَتَى أَلْقَى أَحِبَّائِي فَقَالَ أَصْحَابُهُ بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا أَوَلَسْنَا أَحِبَّاءَك فَقَالَ أَنْتُمْ أَصْحَابِي أَحِبَّائِي قَوْمٌ لَمْ يَرَوْنِي وَآمَنُوا بِي، وَأَنَا إلَيْهِمْ بِالْأَشْوَاقِ» .
وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَقُولُ كُلُّ إنْسَانٍ يَأْنِسُ بِشَكْلِهِ كَمَا أَنَّ كُلَّ طَيْرٍ يَأْنِسُ مَعَ جِنْسِهِ فَرَأَى يَوْمًا غُرَابًا مَعَ حَمَامَةٍ فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا طَارَا فَإِذَا هُمَا أَعْرَجَانِ فَقَالَ مِنْ هُنَا اتَّفَقَا وَرُوِيَ أَنَّ كَلْبًا لِحُبِّهِ الْمُطِيعِينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنِ إذَا أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَحَبَّ أَوْلِيَاءَهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْعُيُونِ، وَأَنَا أَقُولُ عَشَرَةٌ مِنْ الْحَيَوَانِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَرَفِ الصُّحْبَةِ
[الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ الْجُرْأَةُ]
(الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ)
(الْجُرْأَةُ) وَهِيَ الْإِقْدَامُ وَالتَّهَوُّرُ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَلَا تَفَكُّرٍ وَقِيلَ عَنْ التَّحْقِيقِ وَالْمُجْتَرِئُونَ (عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) كَالْفَرَاعِنَةِ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عَلَى اللَّهِ وَالدَّجَاجِلَةِ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَالزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي الْأَدْيَانِ وَالشَّرَائِعِ وَالظَّلَمَةِ الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْفَسَقَةِ الَّذِينَ يُجَاهِرُونَ بِالْمَعَاصِي عَلَانِيَةً وَلَا يَتَحَاشَوْنَ مِنْ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَيْسَ مِنْهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ آنِفًا.
(وَالْأَمْنُ مِنْ عَذَابِهِ وَسَخَطِهِ) أَيْ غَضَبِهِ وَبَطْشِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَمْنَ كُفْرٌ وَالْمَقَامُ فِيمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا يَكُونُ كُفْرٌ إمَّا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا هُوَ بِالظَّنِّ فَفِيهِ أَيْضًا تَأَمُّلٌ (وَضِدُّهُ الْخَوْفُ فَإِنْ كَانَ مَعَ الِاسْتِعْظَامِ) لَهُ تَعَالَى بِاعْتِقَادِ عَظَمَتِهِ (وَالْمَهَابَةِ) أَيْ هَيْبَتِهِ (يُسَمَّى) ذَلِكَ الْخَوْفُ (خَشْيَةٌ) فَالْخَوْفُ مُطْلَقٌ وَالْخَشْيَةُ مُقَيَّدٌ وَالثَّانِيَةُ مَا يَكُونُ فِي الْأَنْبِيَاءِ إذْ لَيْسَ لَهُمْ خَوْفٌ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ وَلَا مِنْ عَذَابِ النَّارِ بَلْ لِكَمَالِ عِرْفَانِهِمْ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ كَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَنَا أَعْرَفُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» فَكُلَّمَا ازْدَادَتْ الْمَعْرِفَةُ ازْدَادَتْ الْخَشْيَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] وَذَلِكَ مُشَارٌ بِمَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فَتَكُونُ الْخَشْيَةُ خَاصَّةً دُونَ الْخَوْفِ (وَحَقِيقَتُهُ رَعْدَةٌ تَحْدُثُ) أَيْ حَرَكَةُ تَحْصُلُ (فِي الْقَلْبِ عَنْ ظَنٍّ مَكْرُوهٍ) يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ مُطْلَقًا (يَنَالُهُ) أَيْ الْخَائِفَ (وَسَبَبُهُ) أَيْ الْخَوْفِ (ذِكْرُ الذُّنُوبِ) وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الْعِقَابِ عَاجِلًا وَآجِلًا (وَ) ذِكْرُ (شِدَّةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَ) ذِكْرُ (ضَعْفِ النَّفْسِ عَنْ احْتِمَالِهَا) أَيْ الْعُقُوبَةِ (وَقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْك مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَأَنْتَ عَبْدٌ ذَلِيلٌ عَاجِزٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَقَدْ خَلَقَك وَرَزَقَك)
حِسِّيًّا هُوَ مَا يُقِيمُ بِهِ بِنْيَتَك أَوْ مَعْنَوِيًّا مَا يُقِيمُ بِهِ بُنْيَانَ نَفْسِك وَرُوحِك مِنْ الْإِدْرَاكَاتِ وَالْعُلُومِ وَالْفُهُومِ (وَهَدَاك) إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُوَصِّلِ إيَّاكَ إلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ (وَأَنْتَ) مَعَ ذَلِكَ (تُخَالِفُهُ) بِتَرْكِ مَأْمُورَاتِهِ وَإِتْيَانِ مَنْهِيَّاتِهِ (وَتَعْصِيهِ) بِالْإِقْدَامِ عَلَى مَحَارِمِهِ (وَيُثْمِرُ) أَيْ الْخَوْفُ (الْحُزْنَ وَهُوَ) أَيْ الْحُزْنُ (حَصْرُ النَّفْسِ) وَحَبْسُهَا (عَنْ النُّهُوضِ) أَيْ الشُّرُوعِ وَالْإِقْدَامِ (فِي الطَّرَبِ) فِي السُّرُورِ.
(وَ) يُثْمِرُ (التَّوَجُّعَ عَلَى الذَّنْبِ الْمَاضِي وَالتَّأَسُّفَ عَلَى الْعُمْرِ وَالطَّاعَةِ الْفَائِتَيْنِ) وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ صَاحِبُ الْحُزْنِ يَقْطَعُ مِنْ طَرِيقِ اللَّهِ مَا لَا يَقْطَعُهُ مَنْ فَقَدَ حُزْنَهُ سِنِينَ وَفِي الْخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبَّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ» وَقِيلَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَلْبِ حُزْنٌ خَرِبَ كَمَا أَنَّ الدَّارَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ تَخْرَبُ وَسَمِعَتْ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ رَجُلًا يَقُولُ وَاحُزْنَاه قَالَتْ قُلْ وَاقِلَّةَ حُزْنَاهُ وَلَوْ كُنْت مَحْزُونًا لَمْ يَتَهَيَّأْ لَك تَنَفُّسٌ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ أَكْثَرُ مَا يَجِدُهُ الْمُؤْمِنُ فِي صَحِيفَتِهِ مِنْ الْحَسَنَاتِ الْهَمُّ وَالْحُزْنُ وَكَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ إنَّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ زَكَاةً وَزَكَاةُ الْعَقْلِ طُولُ الْحُزْنِ (وَ) يُثْمِرُ الْخَوْفُ أَيْضًا (الْخُشُوعَ وَهُوَ قِيَامُ الْقَلْبِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَقِّ)(بِهَمٍّ) أَيْ حُزْنٍ (مَجْمُوعٍ) عَلَى التَّوَجُّهِ لِلْحَقِّ سبحانه وتعالى (وَقِيلَ تَذَلُّلُ الْقُلُوبِ لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ) لِكَمَالِ عَظَمَتِهِ وَنِهَايَةِ شَرَفِهِ وَعِزَّتِهِ وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ مَنْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ وَقِيلَ عَلَامَةُ الْخُشُوعِ أَنَّهُ إذَا أُغْضِبَ أَوْ خُولِفَ أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ يَسْتَقْبِلُ ذَلِكَ بِالْقَبُولِ وَقَالَ بَعْضٌ خُشُوعُ الْقَلْبِ قَيْدُ الْعُيُونِ عَنْ النَّظَرِ وَالْخَاشِعُ مَنْ خَمَدَتْ نِيرَانُ شَهْوَتِهِ وَسَكَنَ دُخَانُ صَدْرِهِ وَأَشْرَقَ نُورُ التَّعْظِيمِ مِنْ قَلْبِهِ فَمَاتَتْ شَهَوَاتُهُ وَحَيَّ قَلْبُهُ فَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْخُشُوعُ الْخَوْفُ الدَّائِمُ اللَّازِمُ وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَجُلًا مُنْقَبِضَ الظَّاهِرِ مُنْكَسِرَ الشَّاهِدِ قَدْ زَوَى مَنْكِبَيْهِ فَقَالَ يَا فُلَانُ الْخُشُوعُ هَاهُنَا وَأَشَارَ إلَى صَدْرِهِ لَا هَاهُنَا وَأَشَارَ إلَى مَنْكِبَيْهِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي صَلَاتِهِ بِلِحْيَتِهِ «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» وَيُقَالُ الْخُشُوعُ مُقَدِّمَاتُ غَلَبَةِ الْهَيْبَةِ وَيُقَالُ هُوَ قُشَعْرِيرَةٌ تَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ بَغْتَةً عِنْدَ مُفَاجَأَةِ كَشْفِ الْحَقِيقَةِ (وَالْيَقِينَ) أَيْ يُثْمِرُ الْيَقِينَ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْمَقَامُ (عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ اسْتِيلَاءُ الْعِلْمِ) قِيلَ اللَّدُنِّي (عَلَى الْقَلْبِ) فَيَخْرُجُ بِهِ مَا لِلدُّنْيَا وَلِلنَّفْسِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكَرْبِ (وَاسْتِغْرَاقِهِ) أَيْ الْقَلْبِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ فَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ تَدْبِيرِهِ فَيَكُونُ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (يُقَالُ لَا يَقِينَ لِفُلَانٍ لِلْمَوْتِ) قِيلَ الْأَوْلَى بِالْمَوْتِ لِأَنَّ تَعْدِيَتَهُ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْبَاءِ عَلَى مَا فِي الْمِصْبَاحِ أَقُولُ فَحِينَئِذٍ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْأَوْلَى بِالْمَوْتِ أَوْ الْمَوْتُ بِلَا جَارٍّ بَلْ أَنْ يُقَالَ الصَّوَابُ بَدَلَ الْأَوْلَى فَافْهَمْ.
وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ أَنَّ أَقَلَّ الْيَقِينِ إذَا وَصَلَ إلَى الْقَلْبِ يَمْلَأُ الْقَلْبَ نُورًا أَوْ يَنْفِي عَنْهُ كُلَّ قَرِيبٍ يَمْتَلِئُ الْقَلْبُ بِهِ شُكْرًا وَمِنْ اللَّهِ خَوْفًا.
وَعَنْ سَهْلٍ ابْتِدَاءُ الْيَقِينِ الْمُكَاشَفَةُ وَحَرَامٌ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ أَنْ يَشُمَّ رَائِحَةَ الْيَقِينِ وَفِيهِ سُكُونٌ إلَى غَيْرِ اللَّهِ.
وَعَنْ ذِي النُّونِ الْيَقِينُ دَاعٍ إلَى قَصْرِ الْأَمَلِ وَقَصْرُ الْأَمَلِ إلَى الزُّهْدِ وَالزُّهْدُ يُوَرِّثُ الْحِكْمَةَ وَالْحِكْمَةُ تُوَرِّثُ النَّظَرَ فِي الْعَوَاقِبِ وَعَنْهُ أَيْضًا ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْيَقِينِ قِلَّةُ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَتَرْكُ الْمَدْحِ لَهُمْ فِي الْعَطِيَّةِ وَالتَّنَزُّهُ عَنْ ذَمِّهِمْ عِنْدَ الْمَنْعِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ يَقِينِ الْيَقِينِ - النَّظَرُ إلَى اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ - وَالرُّجُوعُ إلَيْهِ فِي كُلِّ أَمْرٍ - وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إذَا لَمْ يَسْتَوْلِ ذِكْرُهُ) أَيْ الْمَوْتِ (عَلَى قَلْبِهِ وَلَمْ يَسْتَعِدَّ لَهُ)
لِلْمَوْتِ (وَالْعُبُودِيَّةَ) أَيْ يُثْمِرُ الْعُبُودِيَّةَ (وَهِيَ أَنْ تَكُونَ) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (عَبْدَهُ) بِأَنْ تَكُونَ فِي طَاعَتِهِ (فِي كُلِّ حَالٍ) فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْخَطْبِ وَالرَّخَاءِ وَالسِّرِّ وَالْعَلَنِ (كَمَا أَنَّهُ رَبُّكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ) فَكَمَا لَمْ يَخْرُجْ هُوَ عَنْ رُبُوبِيَّتِك فَلَا تَخْرُجُ أَنْتَ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ (وَهِيَ) أَيْ الْعُبُودِيَّةُ (أَتَمُّ مِنْ الْعِبَادَةِ) قِيلَ هُنَا فَأَوَّلًا عِبَادَةٌ ثُمَّ عُبُودِيَّةٌ ثُمَّ عُبُودَةٌ فَالْعِبَادَةُ لِلْعَوَامِّ وَالْعُبُودِيَّةُ لِلْخَوَاصِّ وَالْعُبُودَةُ لِخَاصِّ الْخَاصِّ أَوْ الْعِبَادَاتُ لِمَنْ لَهُ عِلْمُ الْيَقِينِ وَالْعُبُودِيَّةُ لِمَنْ لَهُ عَيْنُ الْيَقِينِ وَالْعُبُودَةُ لِمَنْ لَهُ حَقُّ الْيَقِينِ أَوْ الْعِبَادَةُ لِأَصْحَابِ الْمُجَاهَدَاتِ وَالْعُبُودِيَّةُ لِأَرْبَابِ الْمُكَابَدَاتِ وَالْعُبُودَةُ أَهْلُ الْمُشَاهَدَاتِ (وَيَلْزَمُهَا) أَيْ الْعُبُودِيَّةَ (الْحُرِّيَّةُ وَهِيَ) أَيْ الْحُرِّيَّةُ (أَنْ لَا يَكُونَ الْعَبْدُ تَحْتَ رِقِّ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ سُلْطَانُ الْمُكَوِّنَاتِ) وَعَلَامَةُ صِحَّتِهِ سُقُوطُ التَّمْيِيزِ عَنْ قَلْبِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وَحَقِيقَةِ الْحُرِّيَّةِ فِي كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ فَإِذَا صَدَقَتْ لِلَّهِ عُبُودِيَّتُهُ خَلَصَتْ عَنْ رِقِّ الْأَغْيَارِ حُرِّيَّتُهُ. اعْلَمْ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ هِيَ الِانْطِلَاقُ عَنْ رِقِّ الْأَغْيَارِ فَحُرِّيَّةُ الْعَامَّةِ عَنْ رِقِّ الْمُرَادَاتِ لِفِنَاءِ إرَادَتِهِمْ فِي إرَادَةِ الْحَقِّ وَحُرِّيَّةُ الْخَوَاصِّ عَنْ رِقِّ الرُّسُومِ وَالْآثَارِ لِانْمِحَاقِهِمْ فِي تَجَلِّي نُورِ الْأَنْوَارِ (وَيَلْزَمُهَا) أَيْ الْعُبُودِيَّةَ (الْإِرَادَةُ أَيْضًا) كَمَا لَزِمَهَا الْحُرِّيَّةُ (وَهِيَ نُهُوضُ الْقَلْبِ) جِدَّةً (فِي طَلَبِ الْحَقِّ) أَيْ الْمَعْرِفَةِ الذَّوْقِيَّةِ الْوِجْدَانِيَّةِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْكَشْفِ لَا الْمَعْرِفِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْأَدِلَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52]- (بِالْخُرُوجِ عَنْ الْعَادَةِ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا سِوَاهُ قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ الْإِرَادَةُ بَدْءُ طَرِيقِ السَّالِكِينَ وَهِيَ اسْمٌ لِأَوَّلِ مَنْزِلِ الْقَاصِدِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا سَمَّى ذَلِكَ إرَادَةً لِتَقَدُّمِهَا عَلَى كُلِّ أَمْرٍ فَمَا لَمْ يُرِدْ الْعَبْدُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ فَالْمُرِيدُ مَنْ لَهُ إرَادَةٌ كَالْعَالِمِ مَنْ لَهُ عِلْمٌ ثُمَّ قَالَ وَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي مَعْنَى الْإِرَادَةِ فَكُلٌّ عَبَّرَ بِمَا لَاحَ لِقَلْبِهِ فَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ هِيَ تَرْكُ مَا عَلَيْهِ الْعَادَةُ وَعَادَةُ النَّاسِ التَّفْرِيجُ فِي أَوْطَانِ الْغَفْلَةِ وَالرُّكُونُ إلَى اتِّبَاعِ الشَّهْوَةِ وَالْإِخْلَادُ إلَى مَا دَعَتْ إلَيْهِ الْمَنِيَّةُ وَالْمُرِيدُ مُنْسَلِخٌ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَصَارَ خُرُوجُهُ أَمَارَةً عَلَى صِحَّةِ الْإِرَادَةِ فَإِنَّ تَرْكَ الْعَادَةِ أَمَارَةُ الْإِرَادَةِ وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ كُنْت فِي الْبَادِيَةِ وَحْدِي فَضَاقَ صَدْرِي فَقُلْت يَا إنْسُ كَلِّمُونِي يَا جِنُّ كَلِّمُونِي فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ إيشْ تُرِيدُ فَقُلْت اللَّهَ فَقَالَ الْهَاتِفُ مَنْ قَالَ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ كَلِّمُونِي مَتَى يُرِيدُ اللَّهَ وَالْمُرِيدُ لَا يَفْتُرُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الظَّاهِرِ بِنَعْتِ الْمُجَاهَدَاتِ وَفِي الْبَاطِنِ بِوَصْفِ الْمُكَابَدَاتِ فَارَقَ الْفِرَاشَ وَلَازَمَ الِانْكِمَاشَ وَتَحَمَّلَ الْمَصَائِبَ وَرَكِبَ الْمَتَاعِبَ وَعَالَجَ الْأَخْلَاقَ وَمَارَسَ الْأَشْوَاقَ وَعَانَقَ الْأَهْوَالَ وَفَارَقَ الْأَشْكَالَ.
وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ الْإِرَادَةُ لَوْعَةٌ فِي الْفُؤَادِ وَلَذْعَةٌ فِي الْقَلْبِ وَغَرَامٌ فِي الضَّمِيرِ وَانْزِعَاجٌ فِي الْبَاطِنِ وَقِيلَ مِنْ صِفَةِ الْمُرِيدِينَ التَّحَبُّبُ إلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ وَالْخُلُوصُ فِي نَصِيحَةِ الْأُمَّةِ وَالْأُنْسُ بِالْخَلْوَةِ وَالصَّبْرُ عَلَى مُقَاسَاةِ الْأَحْكَامِ وَالْإِيثَارُ لِأَمْرِهِ وَالْإِحْيَاءُ مِنْ نَظَرِهِ وَبَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي مَحْبُوبِهِ وَالتَّعَرُّضُ لِكُلِّ سَبَبٍ يُوَصِّلُ إلَيْهِ وَالْقَنَاعَةُ بِالْخُمُولِ وَعَدَمُ الْقَرَارِ بِالْقَلْبِ إلَى أَنْ يُوَصِّلَ إلَى الرَّبِّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ آفَةُ الْمُرِيدِ ثَلَاثَةٌ التَّزْوِيجُ وَكَتْبُهُ الْحَدِيثَ وَالْأَسْفَارُ وَقِيلَ لِبَعْضٍ لِمَ تَرَكْت كِتَابَةَ الْحَدِيثِ قَالَ مَنَعَنِي مِنْهَا الْإِرَادَةُ وَقَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ إذَا رَأَيْت الْمُرِيدَ يُرِيدُ غَيْرَ مُرَادِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ أَظْهَرَ نَذَالَتَهُ.
وَعَنْ الْجُنَيْدِ إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالْمُرِيدِ خَيْرًا أَوْقَعَهُ إلَى الصُّوفِيَّةِ وَمَنَعَهُ عَنْ صُحْبَةِ الْقُرَّاءِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ لَا يَكُونُ الْمُرِيدُ مُرِيدًا حَتَّى لَا يَكْتُبَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الشِّمَالِ عِشْرِينَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْمُرِيدُ إذَا سَمِعَ شَيْئًا مِنْ عُلُومِ الْقَوْمِ فَعَمِلَ بِهِ صَارَ حِكْمَةً إلَى آخِرِ عُمْرِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَوْ تَكَلَّمَ بِهِ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ وَمَنْ سَمِعَ شَيْئًا مِنْ عُلُومِهِمْ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ كَانَ حِكَايَةً يَحْفَظُهَا أَيَّامًا ثُمَّ يَنْسَاهَا وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ أَشَدُّ شَيْءٍ عَلَى الْمُرِيدِ مُعَاشَرَةُ الْأَضْدَادِ وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ حُسَيْنٍ إذَا رَأَيْت الْمُرِيدَ يَشْتَغِلُ بِالرُّخَصِ وَالْكَسْبِ فَلَيْسَ يَجِيءُ
مِنْهُ شَيْءٌ.
وَعَنْ الْجُنَيْدِ حِينَ سُئِلَ عَنْ مُجَارَاةِ الْحِكَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ الْحِكَايَاتُ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ تَعَالَى يُقَوِّي بِهَا قُلُوبَ الْمُرِيدِينَ وَعَنْهُ أَيْضًا الْمُرِيدُ الصَّادِقُ غَنِيٌّ عَنْ عِلْمِ الْعُلَمَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُرِيدِ وَالْمُرَادُ عِنْدَ الْقَوْمِ أَنَّ الْمُرِيدَ هُوَ الْمُبْتَدِئُ وَالْمُرَادُ هُوَ الْمُنْتَهَى أَوْ الْمُرِيدُ الَّذِي نُصِّبَ بِعَيْنِ التَّعَبِ وَأُلْقَى فِي مُقَاسَاةِ الْمَشَاقِّ وَالْمُرَادُ الَّذِي لَقِيَ الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ وَسُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الْقَاصِدِينَ مُخْتَلِفَةٌ فَأَكْثَرُهُمْ يُوَفَّقُونَ لِلْمُجَاهَدَاتِ ثُمَّ يَصِلُونَ بَعْدَ مُقَاسَاةِ اللَّتَيَّا وَاَلَّتِي إلَى سَنِيِّ الْمَعَالِي فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُكَاشَفُونَ فِي الِابْتِدَاءِ بِجَلِيلِ الْمَعَانِي وَيَصِلُونَ إلَى مَا لَا يَصِلُ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الرِّيَاضَاتِ إلَّا أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يُرَدُّونَ إلَى الْمُجَاهَدَاتِ بَعْدَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُمْ مَا فَاتَهُمْ مِنْ الْأَحْكَامِ يَعْنِي مِنْ أَحْكَامِ آدَابِ أَهْلِ الرِّيَاضَةِ.
وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ أَنَّ مُوسَى مُرِيدٌ حَيْثُ قَالَ - {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه: 25]- وَنَبِيَّنَا عليه الصلاة والسلام مُرَادٌ حَيْثُ - قَالَ لَهُ {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1]- وَقَالَ مُوسَى - {أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143]- وَقَالَ لِنَبِيِّنَا - {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان: 45]- وَقِيلَ أَرْسَلَ ذُو النُّونِ إلَى أَبِي يَزِيدَ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ إلَى مَتَى النَّوْمُ وَالرَّاحَةُ وَقَدْ جَاوَزَتْ الْقَافِلَةُ فَقَالَ أَبُو يَزِيدَ قُلْ لِأَخِي ذِي النُّونِ الرَّجُلُ مَنْ يَنَامُ اللَّيْلَ كُلَّهُ ثُمَّ يُصْبِحُ فِي الْمَنْزِلِ قَبْلَ الْقَافِلَةِ فَقَالَ ذُو النُّونِ هَنِيئًا لَهُ هَذَا الْكَلَامُ لَا تَبْلُغُهُ أَحْوَالُنَا انْتَهَى كَلَامُ الْقُشَيْرِيَّةِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) لَعَلَّهُ حُجَّةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ كَوْنِ الْخَشْيَةِ خَوْفًا مَعَ الِاسْتِعْظَامِ وَالْمَهَابَةِ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُمَا إنَّمَا يَكُونُ بِالْعِلْمِ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] الْعَارِفُونَ بِجَلَالِ ذَاتِهِ وَعَظَمَةِ صِفَاتِهِ قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى انْحِصَارِ الْخَوْفِ مَعَ الِاسْتِعْظَامِ أَيْ الْخَشْيَةِ فِي الْعُلَمَاءِ وَإِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ اللَّهِ عَالِمًا وَلِذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ فَلَيْسَ بِعَالَمٍ كَمَا فِي الْحَاشِيَة وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ أَنَّ الْخَشْيَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِمَعْرِفَةِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ تُوجِبُ الْخَوْفَ وَاحْتِرَاقَ الْقَلْبِ فَيَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ بِالنُّحُولِ وَالْبُكَاءِ وَقَدْ تَنْشَقُّ الْمَرَارَةُ فَيَمُوتُ، وَالْجَوَارِحِ بِالْكَفِّ عَنْ الْمَعَاصِي وَالْتِزَامِ الطَّاعَاتِ وَفِي الصِّفَاتِ بِقَمْعِ الشَّهَوَاتِ إلَى أَنْ تَصِيرَ مَكْرُوهَةً عِنْدَهُ فَلَا يَتَفَرَّغُ إلَّا لَهُ تَعَالَى بِالْمُرَاقَبَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ فِي الْأَنْفَاسِ فَقُوَّةُ الْمُرَاقَبَةِ عَلَى قُوَّةِ الْخَوْفِ وَقُوَّةُ الْخَوْفِ عَلَى قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِجَلَالِهِ تَعَالَى وَعُيُوبِ النَّفْسِ وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الْخَوْفِ الْكَفُّ عَنْ الْمَحْظُورَاتِ وَيُسَمَّى وَرَعًا وَإِنْ زَادَ إلَى الْكَفِّ عَنْ الشُّبُهَاتِ فَتَقْوَى لِأَنَّهَا فَرْطُ الصِّيَانَةِ وَتَرْكُ مَا يُرِيبُهُ إلَى مَا لَا يُرِيبُهُ وَتَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ لَعَلَّ مِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ شَيْخِ شَيْخِنَا مُحَمَّدٍ مُرَادٍ الْبُخَارِيِّ النَّقْشَبَنْدِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أَنَّهُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فَوْقَ سُوقٍ سَقْفٌ بُنِيَ بِالظُّلْمِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَمُرَّ مِنْ تَحْتِهِ وَلَا يَرُوحَ مِنْ ظِلِّهِ وَإِذَا وَصَلَ مِنْ التَّجَرُّدِ إلَى أَنْ لَا يَبْنِيَ مَا لَا يَسْكُنُهُ وَلَا يَجْمَعَ مَا لَا يَلْبَسُهُ وَلَا يَأْكُلَهُ وَلَا يَلْتَفِتَ إلَى دُنْيَا يُفَارِقُهَا وَلَا يَصْرِفَ نَفَسًا مِنْ أَنْفَاسِهِ إلَى غَيْرِهِ تَعَالَى فَيُسَمَّى صَاحِبُهُ صِدِّيقًا فَسَبَبُ الْجَمِيعِ الْخَشْيَةُ وَسَبَبُهَا الْمَعْرِفَةُ وَالْمَعْرِفَةُ بِدَوَامِ الْفِكْرِ وَهُوَ بِدَوَامِ الذِّكْرِ وَإِنَّمَا يَتَيَسَّرُ هَذَا بِانْقِلَاعِ حُبِّ الدُّنْيَا وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِتَرْكِ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِقَمْعِ الشَّهَوَاتِ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِنَارِ الْخَوْفِ فَالْخَشْيَةُ شَيْءٌ يَحْصُلُ بِهِ الْعِفَّةُ وَالْوَرَعُ وَالتَّقْوَى وَالْمُجَاهَدَةُ {ذَلِكَ} [البينة: 8] أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْجِنَانِ وَالرِّضْوَانِ {لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8] فَإِنَّ الْخَشْيَةَ كَمَا عَرَفْت مِلَاكُ الْأَمْرِ وَبَاعِثُ كُلُّ خَيْرٍ لَعَلَّ هَذِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى فَضْلِ الْخَشْيَةِ (دُنْيَا صف) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْأَصْفَهَانِيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَ أَتَّقِي النَّارَ؟ قَالَ بِدُمُوعِ عَيْنَيْك» أَيْ بِكَثْرَةِ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى فُرُطَاتِهِ وَسَقَطَاتِهِ «فَإِنَّ عَيْنًا بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى» مِنْ قَبِيلِ وَصْفِ النَّكِرَةِ الْعَامَّةِ بِالصِّفَةِ الْعَامَّةِ
«لَا تَمَسُّهَا النَّارُ أَبَدًا» إنْ لَمْ يَعْرِضْ مُنَافِيَهُ أَوْ مَا دَامَ عَلَى الْخَشْيَةِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ دُخُولِ النَّارِ وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ» فَهُوَ فِي الْمَعْنَى تَعَلَّقَ بِالْمُحَالِ
(حب. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِيه عَنْ رَبِّهِ عز وجل حَدِيثٌ قُدْسِيٌّ وَهُوَ مَا يَكُونُ لَفْظُهُ مِنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَمَعْنَاهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقُرْآنُ مَا يَكُونُ مِنْ اللَّهِ لَفْظًا وَمَعْنَى وَالْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ مَا يَكُونُ مِنْ النَّبِيِّ لَفْظًا وَمَعْنَى وَفِي الْمَشَارِقِ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالْإِلْهَامِ أَوْ الْمَنَامِ فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِعِبَارَةٍ مِنْ نَفْسِهِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَمْنَيْنِ إذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا آمَنْته» بِالْمَدِّ أَيْ جَعَلْته آمِنًا مِنْ الْعَذَابِ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِذَا أَمِنَنِي» بِالْقَصْرِ «فِي الدُّنْيَا» بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ وَالِانْكِبَابِ عَلَى الْمَعْصِيَاتِ «أَخَفْته» مِنْ الْإِخَافَةِ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» كِنَايَةٌ عَنْ عِقَابِهِ فِيهَا لَعَلَّ هَذَا الْأَمْنَ شَامِلٌ لِمَا يَكُونُ كُفْرًا وَمَا دُونَهُ لَكِنْ احْتِجَاجُ الْمُصَنِّفُ بِمَا لَا يَكُونُ كُفْرًا فَمَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا خَوْفُهُ أَشَدَّ كَانَ أَمْنُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدَّ وَبِالْعَكْسِ لِأَنَّ مَنْ أُعْطِيَ عِلْمَ الْيَقِينِ فِي الدُّنْيَا طَالَعَ الصِّرَاطَ وَأَهْوَالَهُ بِقَلْبِهِ فَذَاقَ مِنْ الْخَوْفِ وَرَكِبَ مِنْ الْأَهْوَالِ مَا لَا يُوصَفُ فَيَضَعُهُ عَنْهُ غَدًا وَلَا يُذِيقُهُ مَرَارَتَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَنْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا مِمَّا يَصْنَعُ اسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْ سُؤَالِهِ فِي الْقِيَامَةِ وَلَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ حَيَاءَيْنِ كَمَا لَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ خَوْفَيْنِ.
قَالَ الْعَارِفُونَ الْخَوْفُ خَوْفَانِ خَوْفُ عِقَابٍ وَخَوْفُ
جَلَالٍ وَالْأَوَّلُ نَصِيبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَالثَّانِي نَصِيبُ أَهْلِ الْقُلُوبِ وَالْأَوَّلُ يَزُولُ وَالثَّانِي لَا يَزُولُ.
قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ كُلَّمَا صِرْت أَقْرَبَ فَأَمْرُك أَخْوَفُ وَالْمُعَامَلَةُ أَشَدُّ وَالْخَطَرُ أَعْظَمُ فَإِذَنْ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَمْنِ وَكَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ يَقُولُ كَيْفَ تَأْمَنُ وَإِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عليه الصلاة والسلام يَقُولُ {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] وَيُوسُفُ عليه الصلاة والسلام يَقُولُ {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} [يوسف: 101] وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَا يَزَالُ يَقُولُ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ كَأَنَّهُ فِي سَفِينَةٍ يَخْشَى الْغَرَقَ وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَبْكِي كُلَّ لَيْلَةٍ فَقِيلَ أَبُكَاؤُك لِلذُّنُوبِ فَحَمَلَ تِبْنًا فَقَالَ الذُّنُوبُ عَلَى اللَّهِ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا إنَّمَا أَخْشَى أَنْ يَسْلُبَنِي الْإِسْلَامَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى
(ت. عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي أَرَى» فِي مُلْكِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَلَكُوتِهِ مِنْ الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْأَنْوَارِ الْجَلَّالِيَّةِ وَالْجَمَالِيَّةِ «مَا لَا تَرَوْنَ» لِانْحِجَابِ الْقُلُوبِ وَقُصُورِ الْبَصَائِرِ عَنْ النُّفُوذِ فِي عَوَالِمِ الْغُيُوبِ «وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ» أَنْتُمْ بِالِالْتِهَاءِ بِالْأَغْيَارِ وَالِاشْتِغَالِ بِحَوَادِثِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَامْتِلَاءِ الْأَفْكَارِ مِنْ أَوْسَاخِ الْأَكْدَارِ «أَطَّتْ» مِنْ أَطَّ الرَّجُلُ يَئِطُّ أَطِيطًا وَأَطِيطُ الْإِبِلِ حَنِينُهَا مِنْ ثِقَلِ الْأَحْمَالِ «السَّمَاءُ» مِنْ ثِقَلِ مَا فِيهَا وَهَذَا مَثَلٌ لِكَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ كَثْرَةً لَا يَسَعُهَا عَقْلُ الْبَشَرِ فَهُوَ تَقْرِيبٌ أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيبُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى «وَحُقَّ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَوْ الْفَاعِلِ «لَهَا» أَيْ السَّمَاءِ «أَنْ تَئِطَّ» أَيْ يَظْهَرَ لَهَا ذَلِكَ الصَّوْتُ «مَا فِيهَا» أَيْ فِي السَّمَاءِ «مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى سَاجِدًا» تَعْظِيمًا لِجَلَالِهِ وَأَدَاءً لِحَقِّ رُبُوبِيَّتِهِ «وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ» مِنْ عِظَمِ جَلَالَتِهِ «لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» لِغَلَبَةِ الْخَوْفِ وَالشَّفَقَةِ مِنْ الِانْتِقَامِ
«وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ» مِنْ هَوْلِ مَا عَلِمْتُمْ «وَلَخَرَجْتُمْ إلَى الصُّعُدَاتِ» أَيْ إلَى وُجُوهِ الْأَرَاضِي «تَجْأَرُونَ» تَسْتَغِيثُونَ بِالدُّعَاءِ «إلَى اللَّهِ تَعَالَى» مِنْ رُؤْيَتِكُمْ إفْرَاطَ قُصُورِكُمْ فِي خِدْمَةِ مَوْلَاكُمْ وَقُوَّةِ تَقَاعُدِكُمْ عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ أَيْ لَخَرَجْتُمْ إلَى الْمَفَاوِزِ الصَّحَارِي وَتَوَطَّنْتُمْ فِي الْجِبَالِ وَالْمَغَارَاتِ لِلتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَلِلْعُزْلَةِ وَالْوِحْدَةِ لِتَحْصِيلِ الطَّاعَاتِ وَرَغَبَاتِ الْعِبَادَاتِ (لَوَدِدْت) تَمَنَّيْت مِنْ عِظَمِ مَا أَرَى وَأَسْمَعُ وَأَعْلَمُ (أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ) تُقْطَعُ بِالْعَضُدِ وَهُوَ حَدِيدَةٌ تُتَّخَذُ لِقَطْعِ الشَّجَرِ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ) - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوَدِدْت» أَيْ تَمَنَّيْت «أَنِّي كُنْت شَجَرَةً تُعْضَدُ» أَيْ تُقْطَعُ فَيُوقَدُ بِهَا كَذَا قِيلَ لَكِنْ الظَّاهِرُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ فَاعِلَ قَالَ ضَمِيرٌ لِأَبِي ذَرٍّ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى كَالثَّانِيَةِ لِأَبِي ذَرٍّ أَدْرَجَهُ بِكَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ
فِي صُدُورِ مِثْلِهِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام نَوْعَ بُعْدٍ لِكَوْنِهِ مَغْفُورًا لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ
أَقُولُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ «لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا» وَقَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ خَوْفَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِمْ فَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ لِخَوْفِ الْعَذَابِ بَلْ لِمَهَابَتِهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَةِ قَدْرِ عَظَمَتِهِ وَجَلَالَتِهِ (وَعَنْ الْفُضَيْلِ رحمه الله) بْنِ عِيَاضٍ الْوَلِيِّ الْجَلِيلِ خُرَاسَانِيِّ الْأَصْلِ مِنْ نَاحِيَةِ مَرْوَ مَاتَ فِي مَكَّةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَمِنْ مَقُولِهِ إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا أَكْثَرَ غَمَّهُ وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا أَوْسَعَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ إذَا مَاتَ الْفُضَيْلُ ارْتَفَعَ الْحُزْنُ وَمِنْ مَقُولِهِ لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا بِزَخَارِفِهَا عُرِضَتْ عَلَيَّ وَلَا أُحَاسَبُ عَلَيْهَا لَكُنْت أَتَقَذَّرُ عَلَيْهَا كَمَا يَتَقَذَّرُ أَحَدُكُمْ مِنْ الْجِيفَةِ إذَا مَرَّ بِهَا أَنْ تُصِيبَ ثَوْبَهُ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرَّازِيّ صَحِبْت الْفُضَيْلَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَمَا رَأَيْته ضَاحِكًا وَلَا مُتَبَسِّمًا إلَّا يَوْمَ مَاتَ ابْنُهُ فَقُلْت لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ أَحَبَّ أَمْرًا فَأَحْبَبْته كَذَا فِي الْقُشَيْرِيَّةِ (إنِّي لَا أَغْبِطُ) مِنْ الْغِبْطَةِ (مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا وَلَا عَبْدًا صَالِحًا) هُوَ مَنْ صَرَفَ عُمْرَهُ فِي طَاعَتِهِ تَعَالَى الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّنَزُّلِ خِلَافُ التَّرَقِّي لَكِنْ ذِكْرُ الْآخَرِ بَعْدَ الْأَوَّلَيْنِ لِمُجَرَّدِ الْبَسْطِ وَالْإِطْنَابِ وَإِلَّا فَكَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِمَا وَأَشَارَ إلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ (أَلَيْسَ هَؤُلَاءِ يُعَايِنُونَ الْقِيَامَةَ) أَهْوَالَهَا وَأَحْوَالَهَا لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْصُومَ لَيْسَ لَهُ خَوْفُ الْقِيَامَةِ فَظَاهِرُهُ يُنَافِي عِصْمَتَهُمْ إلَّا أَنْ يُقَالَ خَوْفُهُمْ مِنْ الْمُعَايَنَةِ لَا لِنَفْسِهِمْ بَلْ لِغَيْرِهِمْ كَالْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنْبِيَائِهِمْ أَوْ يَزْدَادُ خَوْفُ الْمَهَابَةِ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ لِازْدِيَادِ الْمَعْرِفَةِ بِظُهُورِ آثَارِ الْقُدْرَةِ الْقَوِيَّةِ (إنَّمَا أَغْبِطُ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ إذْ الْغِبْطَةُ: تَمَنِّي مِثْلِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ كَانَ الْفُضَيْلُ شَاطِرًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ بَيْنَ أَبِي وَرْدٍ وَسَرْخَسَ
وَكَانَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَرَقَّى الْجُدْرَانَ إلَيْهَا سَمِعَ تَالِيًا يَتْلُو - {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16]- فَقَالَ يَا رَبِّ قَدْ تُبْت فَرَجَعَ فَأَدَّاهُ اللَّيْلُ إلَى خَرِبَةٍ فَإِذَا فِيهَا رِفْقَةٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَرْتَحِلُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ حَتَّى نُصْبِحَ فَإِنَّ فُضَيْلًا عَلَى الطَّرِيقِ يَقْطَعُ عَلَيْنَا قَالَ فَتَابَ الْفُضَيْلُ وَآمَنَهُمْ وَجَاوَرَ الْحَرَمَ حَتَّى مَاتَ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي رَوْضَةِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ بِغَيْرِ هَذَا (وَعَنْ عَطَاءِ) بْنِ أَبِي رَبَاحٍ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ (لَوْ أَنَّ نَارًا أُوقِدَتْ فَقِيلَ مَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِيهَا صَارَتْ) أَيْ تِلْكَ النَّفْسُ (لَا شَيْئًا)
أَيْ مَعْدُومًا لَا يَرَى الْقِيَامَةَ وَالْحِسَابَ كَالْحَيَوَانَاتِ (لَخَشِيت أَنْ أَمُوتَ مِنْ الْفَرَحِ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ) مِنْ الْوُصُولِ (إلَى النَّارِ) لِأَنَّ الْفَرَحَ الْغَالِبَ قَدْ يُؤَدِّي إلَى الْمَوْتِ وَإِنَّمَا قَالَ لَخَشِيت إلَخْ لِعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِهِ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى النَّارِ فَيُحْشَرُ فِي الْقِيَامَةِ فَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ لَخَشِيت أَنْ أَمُوتَ مِنْ الْفَرَحِ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إلَى النَّارِ وَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومَ الْوُجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَقُولُ هَذَا مِثْلُهُ تَصْوِيرٌ لِرُتْبَةِ خَوْفِ اللَّهِ وَتَنْظِيرٌ لِشِدَّةِ هَوْلِ الْقِيَامَةِ وَتَهْوِيلُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْعُصَاةِ وَإِلَّا فَالْوُجُودُ مِنْ أَشْرَفِ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ وَطَلَبَ شُكْرَهَا مِنْهُمْ فَلَا يَلْزَمُ الْكُفْرَانُ أَيْضًا
(وَعَنْ السَّرِيِّ) السَّقَطِيِّ خَالِ الْجُنَيْدِ وَأُسْتَاذِهِ وَتِلْمِيذِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ أَوْحَدِ زَمَانِهِ فِي الْوَرَعِ وَالْأَحْوَالِ السُّنِّيَّةِ رَوَى أَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي السُّوقِ فَجَاءَ مَعْرُوفٌ يَوْمًا وَمَعَهُ صَبِيٌّ يَتِيمٌ فَقَالَ اُكْسُ هَذَا الْيَتِيمَ فَكَسَاهُ فَفَرِحَ بِهِ وَقَالَ بَغَّضَ اللَّهُ إلَيْك الدُّنْيَا وَأَرَاحَك مِمَّا كُنْت فِيهِ فَقَامَ مِنْ الْحَانُوتِ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَنُقِلَ عَنْهُ: كُلُّ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ بَرَكَاتِ مَعْرُوفٍ وَيُحْكَى عَنْهُ أَنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي الِاسْتِغْفَارِ مِنْ قَوْلِي الْحَمْدُ لِلَّهِ مَرَّةً قِيلَ لَهُ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ وَقَعَ بِبَغْدَادَ حَرِيقٌ فَاسْتَقْبَلَنِي وَاحِدٌ فَقَالَ لَمْ يُحْرَقْ حَانُوتُك فَقُلْت: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَمُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَنَا نَادِمٌ عَلَى مَا قُلْت حَيْثُ أَرَدْت لِنَفْسِي خَيْرًا مِمَّا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ وَعَنْ الْجُنَيْدِ يَقُولُ سَمِعْت السَّرِيَّ يَقُولُ أُعَرِّفُك طَرِيقًا مُخْتَصَرًا قَصْدًا إلَى الْجَنَّةِ فَقُلْت لَهُ مَا هُوَ فَقَالَ أَنْ لَا تَسْأَلَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا وَلَا تَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا وَلَا يَكُونَ مَعَك شَيْءٌ تُعْطِي أَحَدًا وَعَنْ الْجُنَيْدِ يَقُولُ دَخَلْت يَوْمًا عَلَى السَّرِيِّ وَهُوَ يَبْكِي فَقُلْت مَا يُبْكِيك فَقَالَ جَاءَتْنِي الْبَارِحَةَ الصِّبْيَةُ فَقَالَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةُ حَارَّةٌ فَخُذْ الْكُوزَ فَعَلِّقْهُ هَاهُنَا ثُمَّ إنِّي غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَرَأَيْت جَارِيَةً مِنْ أَحْسَنِ الْخَلْقِ قَدْ نَزَلَتْ مِنْ السَّمَاءِ فَقُلْت لِمَنْ أَنْتِ فَقَالَتْ لِمَنْ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ الْمُبَرَّدَ فِي الْكِيزَانِ فَتَنَاوَلْت الْكُوزَ فَضَرَبْت بِهِ الْأَرْضَ (أَنَّهُ قَالَ أَنَا أَنْظُرُ فِي أَنْفِي فِي الْيَوْمِ كَذَا وَكَذَا) قِيلَ كِنَايَةٌ عَنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ (مَرَّةً) تَمْيِيزٌ لِكَذَا وَكَذَا لَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي الْفِقْهِ (مَخَافَةَ أَنْ تَسْوَدَّ صُورَتِي لِمَا أَتَعَاطَاهُ) مِنْ الْفُرُطَاتِ وَالتَّقْصِيرَاتِ
(وَعَنْهُ) أَيْ السَّرِيِّ (أَنَّهُ قَالَ أَشْتَهِي) أُحِبُّ (أَنْ أَمُوتَ بِبَلْدَةٍ غَيْرِ بَغْدَادَ مَخَافَةَ أَنْ لَا يَقْبَلَنِي قَبْرِي) فَيَلْفِظَنِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (فَأَفْتَضِحَ) بَيْنَ الْأَحْبَابِ وَالْأَبَاعِدِ الْكُلُّ مَتْنًا وَشَرْحًا مِنْ الْقُشَيْرِيَّةِ هَذَا خَوْفُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَمَّا خَوْفُ غَيْرِهِمْ فَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى جَبْرَائِيلَ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَصْرُخُ إلَهِي لَا تُغَيِّرْ اسْمِي وَلَا تُبَدِّلْ جِسْمِي وَإِنَّ إبْلِيسَ بَعْدَ عِبَادَتِهِ ثَمَانِينَ أَلْفَ سَنَةٍ آلَى أَنْ لَا يَتْرُكَ مَوْضِعَ قَدَمٍ إلَّا وَقَدْ سَجَدَ فَتَرَكَ أَمْرًا وَاحِدًا فَلَعَنَهُ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا أَلِيمًا أَبَدَ الْآبِدِينَ وَأَنَّ آدَمَ صَفِيَّ اللَّهَ وَنَبِيَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ وَحَمَلَهُمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ إلَى جِوَارِهِ ثُمَّ بِأَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ فَأَوْقَعَهُ بِالْأَرْضِ وَبَكَى إلَى مِائَتَيْ سَنَةٍ وَتَبِعَتْهُ ذُرِّيَّتُهُ فِيهَا إلَى الْأَبَدِ وَأَنَّ نُوحًا مَعَ كَوْنِهِ شَيْخَ الْمُرْسَلِينَ الَّذِي احْتَمَلَ فِي أَمْرِ دِينِهِ مَا احْتَمَلَ فَبِقَوْلِهِ كَلِمَةً وَاحِدَةً نُودِيَ - {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46]- حَتَّى قِيلَ إنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَيَاءً مِنْ اللَّهِ وَأَنَّ إبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إلَّا هَفْوَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَمْ خَافَ وَتَضَرَّعَ إلَى أَنْ قَالَ - {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي} [الشعراء: 82]- حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ بَكَى مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ إلَى أَنْ أَرْسَلَ
تَعَالَى جَبْرَائِيلَ يَقُولُ يَا إبْرَاهِيمُ هَلْ رَأَيْت خَلِيلًا يُعَذِّبُ خَلِيلَهُ بِالنَّارِ فَقَالَ يَا جَبْرَائِيلُ إذَا ذَكَرْتُ خَطِيئَتِي نَسِيت خُلَّتَهُ وَأَنَّ مُوسَى عليه الصلاة والسلام لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إلَّا لَطْمَةٌ عَلَى خَدِّهِ كَمْ خَافَ وَتَضَرَّعَ وَقَالَ {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16] وَفِي زَمَانِهِ بَلْعَمُ بْنُ بَاعُورَا كَانَ لَهُ قُوَّةُ رُؤْيَةِ الْعَرْشِ وَيُوضَعُ فِي مَجْلِسِهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَحْبَرَةٍ لِلْمُتَعَلِّمِينَ فَمَيْلُهُ إلَى الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا مَيْلَةً وَاحِدَةً وَتَرْكُهُ لِوَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ سَلَبَ اللَّهُ مَعْرِفَتَهُ وَأَوْقَعَهُ فِي بَحْرِ الضَّلَالَةِ أَبَدَ الْآبِدِينَ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ سُخْطِهِ وَقَطِيعَةِ خِذْلَانِهِ الَّذِي لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ فَانْظُرْ حُبَّ الدُّنْيَا وَشُؤْمَهَا مَاذَا يَجْلِبُ لِلْعُلَمَاءِ خَاصَّةً فَتَنَبَّهْ فَالْأَمْرُ خَطِيرٌ وَالْعُمْرُ قَصِيرٌ وَفِي الْعَمَلِ تَقْصِيرٌ وَالنَّاقِدُ بَصِيرٌ وَأَنَّ دَاوُد عليه الصلاة والسلام أَذْنَبَ ذَنْبًا وَاحِدًا فَبَكَى إلَى أَنْ نَبَتَ الْعُشْبُ فِي الْأَرْضِ مِنْ دُمُوعِهِ وَقَالَ: أَمَا تَرْحَمُ بُكَائِي وَتَضَرُّعِي فَأُجِيبَ يَا دَاوُد نَسِيت ذَنْبَك وَذَكَرْت بُكَاءَك وَلَمْ يَقْبَلْ تَوْبَتَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً
وَأَنَّ يُونُسَ عليه الصلاة والسلام بِغَضَبٍ وَاحِدٍ سَجَنَهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَسَبَّحَ وَشَفَعَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} [القلم: 49]- وَأَنَّ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ قَوْله تَعَالَى - {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ - الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح: 2 - 3] وَ {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2]- «كَانَ يُصَلِّي كُلَّ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَيَقُولُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» .
«وَكَانَ يُصَلِّي اللَّيْلَ وَيَقُولُ أَعُوذُ بِعَفْوِك مِنْ عِقَابِك وَبِرِضَاك مِنْ سَخَطِك» .
الْكُلُّ مِنْ مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ وَالتَّأْوِيلِ لِمَا ذُكِرَ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ فَافْهَمْ.
ثُمَّ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ نُصْحَ الْإِخْوَانِ اسْتِشْفَاقًا بِهِمْ فَقَالَ (فَيَا أَيُّهَا الْإِخْوَانُ) الْفَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَعْلُولِ إذْ مَا ذُكِرَ مِنْ خَوْفِ الْمُقَرَّبِينَ عِلَّةٌ لِمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ وَعَبَّرَ بِالْإِخْوَانِ إذْ مَعْنَى الْأُخُوَّةِ يُوجِبُ الشَّفَقَةَ فَالنَّصِيحَةُ لَهُمْ تَرْغِيبًا لِمَا يَنْفَعُهُمْ وَتَرْهِيبًا مِمَّا يَضُرُّهُمْ (ذَوُو الْإِجْرَامِ) جَمْعُ جُرْمٍ قِيلَ أَيْ أَصْحَابُ الْمَعَاصِي الْعَظِيمَةِ وَالْأَوْزَارِ الْفَخِيمَةِ (اُنْظُرُوا إلَى هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ الْكِرَامِ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْعِظَامِ بَلْ الْأَنْبِيَاءِ الْفِخَامِ (وَالْمَشَايِخِ الْبَرَرَةِ) جَمْعُ بَرٍّ (الْخِيرَةِ) بِمَعْنَى الْخِيَارِ (الْعِظَامِ) أَشْكَلَ بِأَنَّهُ جَمْعُ عَظْمٍ وَجَمْعُ عَظِيمٍ إنَّمَا هُوَ عُظَمَاءُ (كَيْفَ خَافُوا) أَيْ كَيْفِيَّةُ خَوْفِهِمْ مِنْ الْقُوَّةِ (مَخَافَةً لَيْسَ فِينَا عُشْرُ عُشْرِهَا) مَعَ مَا كَانَ فِينَا مِنْ التَّقْصِيرَاتِ وَالزَّلَّاتِ وَالْمُيُولَاتِ الْفَاسِدَةِ وَتَبَعِيَّةِ النَّفْسِ الْأَمَارَةِ الْكَاسِدَةِ وَارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِصْرَارِ الصَّغَائِرِ دَائِمًا مَعَ عَدَمِ إتْيَانِ طَاعَتِهِ بِشَرَائِطِهَا وَعَدَمِ أَدَاءِ عِبَادَتِهِ بِكَمَالِهَا وَهُمْ مُتَجَرِّدُونَ عَنْ عَوَائِقِ أَنْفُسِهِمْ وَمُتَبَحِّرُونَ فِي اسْتِغْرَاقِ قُدْسِهِمْ صَارِفُونَ دَقَائِقَ أَوْقَاتِهِمْ إلَى رِضَا رَبِّهِمْ وَبَاذِلُونَ جُهْدَهُمْ إلَى تَبَعِيَّةِ نَبِيِّهِمْ (وَنَحْنُ أَحَقُّ بِهَا) بِالْمُخَالَفَةِ (مِنْهُمْ بِمَرَاتِبَ) كَثِيرَةٍ (لَا تُحْصَى وَلَا سَبَبَ لِهَذَا) الْأَمْنِ مِنَّا وَالْخَوْفِ مِنْهُمْ (إلَّا أَنَّ قُلُوبَنَا غَافِلَةٌ) عَنْ اللَّهِ لَاهِيَةٌ بِزَخَارِفِ الدُّنْيَا عَنْ مُطَالَعَةِ اللَّاهُوتِ وَالْجَبَرُوتِ (قَاسِيَةٌ) غَلِيظَةٌ لَا تَتَّعِظُ بِالْمَوَاعِظِ (وَقُلُوبُهُمْ ذَاكِرَةٌ) لَهُ تَعَالَى بِحَيْثُ لَا تَغِيبُ لَحْظَةً (زَاكِيَةٌ) طَيِّبَةٌ طَاهِرَةٌ عَنْ الْأَوْسَاخِ وَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ مُلْهٍ عَنْ اللَّهِ فَهُوَ نَجِسٌ (صَافِيَةٌ) مِنْ أَكْدَارِ الشَّوَاغِلِ وَالْحُظُوظِ النَّفْسَانِيَّةِ (فَمَا بَقِيَ فِينَا) عَلَى حَسْبِ عَادَتِهِ تَعَالَى (سَبَبُ رَجَاءِ) رَحْمَتِهِ تَعَالَى وَخَلَاصِ قَهْرِهِ (إلَّا أَنَّ كُلَّنَا اشْتَاقَ) لَعَلَّ الْأَوْلَى نَشْتَاقُ (إلَيْهِمْ وَأَحَبَّ) فَإِنَّ الْمَحَبَّةَ مُوجِبَةٌ لِلْوَصْلَةِ كَمَا قَالَ
(وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَمَا مَرَّ «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» فَعَلَى قَدْرِ الْمَحَبَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَدْرُ الْمَعِيَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ لَكِنْ
فِي أَصْلِ الْكَرَامَةِ لَا فِي جَمِيعِ الدَّرَجَاتِ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ كَمَا نُسِبَ إلَى الشَّافِعِيِّ رحمه الله قَوْلُهُ
أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْت مِنْهُمْ
…
وَلَكِنِّي بِهِمْ أَرْجُو الشَّفَاعَةَ
وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا حَشَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي زُمْرَتِهِمْ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا وَوَالَاهُمْ حَشَرَهُ اللَّهُ فِيهِمْ» قَالَ فِي شَرْحِهِ فَمَنْ أَحَبَّ أَوْلِيَاءَ الرَّحْمَنَ فَهُوَ مَعَهُمْ فِي الْجِنَانِ وَمَنْ أَحَبَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ فَهُوَ مَعَهُمْ فِي النِّيرَانِ فَالْمُحِبُّ مَعَ مَحْبُوبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِي حَدِيثِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ «وَلَا يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْمًا إلَّا جَعَلَهُ مِنْهُمْ» وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِهِمْ ثُمَّ قَالَ أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت فَأَعَادَهَا أَبُو ذَرٍّ فَأَعَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام» لَكِنْ يُعَارِضُ مِثْلَهُ قَوْلُ الْحَسَنِ يَا ابْنَ آدَمَ لَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ فَإِنَّك لَنْ تَلْحَقَ الْأَبْرَارَ إلَّا بِأَعْمَالِهِمْ فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُحِبُّونَ أَنْبِيَاءَهُمْ وَلَيْسُوا مَعَهُمْ.
وَعَنْ الْغَزَالِيِّ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْمَحَبَّةِ مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةٍ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ لَيْسَتْ بِمُفِيدَةٍ.
وَعَنْ الْفُضَيْلِ أَتُرِيدُ أَنْ تَسْكُنَ الْفِرْدَوْسَ وَتُجَاوِرَ الرَّحْمَنَ فِي دَارِهِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِأَيِّ عَمَلٍ عَمِلْت بِأَيِّ شَهْوَةٍ تَرَكْت بِأَيِّ غَيْظٍ كَظَمْت بِأَيِّ رَحِمٍ وَصَلْت وَأُجِيبَ الْمُحِبُّ لِقَوْمٍ إمَّا مُوَافِقٌ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَإِمَّا مُخَالِفٌ فِي الْكُلِّ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ وَلَا يُحْشَرُ مَعَهُمْ وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْغَزَالِيُّ كَلَامَ الْحَسَنِ وَإِمَّا مُوَافِقٌ فِي الْبَعْضِ مُخَالِفٌ فِي الْبَعْضِ فَإِنْ خَالَفَهُمْ فِي الْإِيمَانِ فَلَيْسَ مِنْهُمْ قَطْعًا فَمَحَبَّةُ الْيَهُودِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَإِنْ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِيمَانِ وَالْمُخَالَفَةُ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ تَرْجِيحًا لِلْغَيْرِ وَكَسَلًا بِلَا اعْتِنَاءٍ لَهَا فَلَا يَنْفَعُهُ مُجَرَّدُ الْمَحَبَّةِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرْجِيحًا وَكَسَلًا بَلْ عَجْزٌ مَعَ اجْتِهَادٍ وَتَقْصِيرٌ بِضَرُورَةٍ فَيُرْجَى لُحُوقُهُ بِهِمْ وَحَشْرُهُ مَعَهُمْ وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ وَلِهَذَا اشْتَدَّ فَرَحُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ لَعَلَّ تَحْقِيقَهُ شَرْطِيَّةُ أَنْ يَعْمَلَ الْمُحِبُّ جِنْسَ عَمَلِ الْمَحْبُوبِينَ حَسْبَمَا اسْتَطَاعَ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَمْثَالِ أَعْمَالِهِمْ أَعْيَانًا وَأَفْرَادًا فَهَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِهِ (إنْ كَانَ مُجَرَّدُ الْمَحَبَّةِ مِنْهَا) لَهُمْ لِصَلَاحِهِمْ (بِدُونِ الِاتِّبَاعِ) فِي الْجَمِيعِ (يُعْتَدَّ بِهَا) أَيْ بِالْمَحَبَّةِ وَبِالْجُمْلَةِ مَحَبَّةُ الصَّالِحِينَ أَمْرٌ مُهِمٌّ رَجَاءَ اللِّحَاقِ بِهِمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا قَالَ شَاءَ الْكَرْمَانِيُّ مَا تَعَبَّدَ مُتَعَبِّدٌ بِأَكْثَرَ مِنْ التَّحَبُّبِ إلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَإِذَا أَحَبَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ فَأَحَبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ مَنْ صَحِبَ الْأَوْلِيَاءَ بِصِدْقٍ أَلْهَاهُ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَمِيعِ أَشْغَالِهِ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ هَذَا مَعَ الْأَوْلِيَاءِ لَا يَشُمَّ رَائِحَةَ الِاشْتِغَالِ بِاَللَّهِ أَبَدًا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَجَلِيِّ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ قَالَ فَقُلْت يَا سَيِّدِي أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فَقَالَ وُقُوفُك بَيْنَ يَدَيْ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ كَحَلْبِ شَاةٍ خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ إرَبًا إرَبًا فَقُلْت حَيًّا وَمَيِّتًا؟ فَقَالَ نَعَمْ.
ثُمَّ أَقُولُ تَفْصِيلًا آخَرَ لَعَلَّك لَا تَسْأَمُ وَلَا تَمَلُّ لِنَفَاسَتِهِ وَعِزَّةِ مَطْلُوبِهِ إذْ إنَّ الْمَحَبَّةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لِشَيْءٍ مَا لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى الْغَيْرِ كَالدَّرَاهِمِ فَإِنْ أُرِيدَ التَّوَسُّلُ إلَى مَذْمُومٍ فَمَذْمُومٌ وَإِنْ إلَى مَمْدُوحٍ فَمَمْدُوحٌ وَإِلَى مُبَاحٍ فَمُبَاحٌ إذْ لِلْوَسَائِلِ أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَحَبَّةُ اللَّهِ قَصْدًا وَأَمَّا لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ لِحَظٍّ أُخْرَوِيٍّ كَمَنْ يُحِبُّ شَيْخَهُ وَأُسْتَاذَهُ لِتَوَسُّلِهِمَا إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا الْفَوْزُ وَكَذَا مَحَبَّةُ الْأُسْتَاذِ تِلْمِيذَهُ وَكَذَا مَحَبَّةُ الْمَالِ لِيَتَقَرَّبَ بِهِ إلَيْهِ تَعَالَى أَوْ لِيَتَفَرَّغَ بِهِ إلَى الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَكَذَا مَحَبَّةُ امْرَأَتِهِ الصَّالِحَةِ لِيَتَحَصَّنَ بِهَا عَنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ فَهُوَ مُحِبٌّ لِلَّهِ وَإِمَّا لِذَاتِهِ يَعْنِي يُحِبُّ لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ لَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَمْرٍ وَرَاءَ ذَاتِهِ وَهَذَا أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَمِنْ آثَارِ هَذَا الْحُبِّ أَنْ يَتَعَدَّى مِنْ الْمَحْبُوبِ إلَى مُتَعَلَّقَاتِهِ وَمُنَاسَبَاتِهِ حَتَّى مَنْزِلَتِهِ وَمَحَلَّتِهِ وَجِيرَانِهِ حَتَّى قِيلَ إنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا أَحَبَّ الْمُؤْمِنَ أَحَبَّ كَلْبَهُ فَكَذَا إذَا غَلَبَ حُبُّ اللَّهِ يَتَعَدَّى إلَى كُلِّ مَوْجُودٍ سِوَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ آثَارِهِ كَمَنْ أَحَبَّ خَطَّ حَبِيبِهِ وَصَنْعَتِهِ.
وَكَذَلِكَ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا حَمَلَ إلَيْهِ بَاكُورَةً مَسَحَ بِهَا عَيْنَهُ وَأَكْرَمَهَا وَقَالَ إنَّهَا قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِرَبِّهَا وَإِنْ كَانَ الْحُبُّ لَحَظٍّ يَنَالُ مِنْ الْمَحْبُوبِ كَحُبِّ الْمَوْتَى مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ لِيَنَالَ مِنْهُمْ مَا يَنَالُ حَالًا وَمَآلًا فَحُبٌّ لِلَّهِ
أَيْضًا ثُمَّ تَضَرَّعَ الْمُصَنِّفُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهَمُّ (فَيَا غِيَاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ) الْغَوْثُ الْمَدَدُ (وَيَا مُجِيبَ الْمُضْطَرِّينَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62] وَقَالَ - {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] وَقَالَ {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]- (وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ قَالَ ثَلَاثًا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ نَادَاهُ مُنَادِيَانِ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أَقْبَلَ عَلَيْك فَسَلْ مَا شِئْت» (وَيَا غَافِرَ الْمُذْنِبِينَ بِحُرْمَةِ حَبِيبِك الْمُصْطَفَى وَنَبِيِّك الْمُجْتَبَى) الْمُخْتَارِ مِنْ بَيْنَ الْخَلْقِ (عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَزْكَاهَا) أَنْمَاهَا وَأَزْيَدُهَا (وَمِنْ التَّحِيَّاتِ) التَّعْظِيمَاتِ (أَوْفَاهَا) أَكْمَلُهَا وَأَعْلَاهَا (وَجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْمَعِينَ وَ) بِحُرْمَةِ (أَصْحَابِ حَبِيبِك) الْإِضَافَةُ لِلتَّعْظِيمِ وَالِاشْتِشْفَاقِ (هُمْ السَّابِقُونَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ السَّابِقِينَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة: 10]{أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 11](رَضِيتَ) يَا رَبَّنَا (عَنْهُمْ وَهُمْ عَنْك رَاضُونَ) وَقُلْت فِي شَأْنِهِمْ {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 18] الْآيَةَ وَقُلْت {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [البينة: 8](وَ) بِحُرْمَةِ (التَّابِعِينَ لَهُمْ) أَيْ لِلصَّحَابَةِ (بِإِحْسَانٍ عَلَيْهِمْ) أَيْ التَّابِعِينَ (الرَّحْمَةُ وَالْغُفْرَانُ) كَأَنَّهُ بَدَلُ دُعَاءِ الصَّحَابَةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ رَضِيت وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا قَالُوا يَنْبَغِي التَّرْضِيَةُ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّرَحُّمُ لِسَائِرِ الْمَشَايِخِ (ارْحَمْنَا فَإِنَّا مُجْرِمُونَ وَبِالْآثَامِ وَالْخَطَايَا مُعْتَرِفُونَ) .
قَالَ فِي الْحِصْنِ الْحَصِينِ عِنْدَ تَعْدَادِ آدَابِ الدُّعَاءِ وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الْعِظَامِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَيَتَوَسَّلَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْبِيَائِهِ وَالصَّالِحِينَ وَيَعْتَرِفَ بِالذَّنْبِ وَلَا يَخُصَّ نَفْسَهُ إنْ إمَامًا وَيَسْأَلَ بِعَزْمٍ وَرَغْبَةٍ وَجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ بِحُسْنِ رَجَاءٍ وَيُكَرِّرَ الدُّعَاءَ وَيُلِحَّ فِيهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ هُنَا مُرَاعَاةً لِمَا ذُكِرَ (وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا فِي الْفَيْضِ عَنْ الشَّعْرَانِيِّ عَنْ الْبُرْهَانِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ وَقَعَ فِي ذَنْبٍ وَاحِدٍ طُولَ عُمْرِهِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الرِّضَا وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُ الْعَفْوَ فَإِذَا حَصَلَ حَصَلَ الرِّضَا كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الصَّالِحِينَ الْكُمَّلِ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى فَلَعَلَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ بَلْ الْأَحْوَالِ وَلِذَا قَالُوا الْأَوْلَى لِلْعَوَامِّ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ وَلِلْخَوَاصِّ الدُّعَاءُ بِإِلْحَاقِ الرُّفَقَاءِ الْعَلِيَّةَ وَالدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةَ وَلِذَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْفَوْزَ بِالْقَضَاءِ وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ وَمُرَافَقَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ» .
وَقَدْ قِيلَ مِنْ دُعَاءِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اللَّهُمَّ اجْعَلْ دَرَجَاتِنَا فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَاحْشُرْنَا مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَفِي الْحَدِيثِ فِي الدُّعَاءِ «وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا» قَالَ فِي شَرْحِهِ وَلَعَمْرِي إنَّهُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) أَيْ الصَّالِحِينَ - وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِمْ (إنَّك أَنْتَ الرَّحِيمُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لَا يُخَصُّ بِالْآخِرَةِ وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ يَصِفَهُ تَعَالَى بِمَا يُنَاسَبُ دُعَاءَهُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَأَوْصَافِهِ وَلِذَا قَالَ أَيْضًا (الْغَفَّارُ وَلِعُيُوبِ عِبَادِك) فِي الْإِضَافَةِ اسْتِعْطَافٌ وَاسْتِرْحَامٌ (الْمُذْنِبِينَ سَتَّارُ) لَعَلَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّعْظِيمِ فَافْهَمْ (آمِينَ آمِينَ) تَكْرِيرٌ لِرِعَايَةِ نَدْبِيَّةِ الْإِلْحَاحِ كَمَا أُشِيرَ آنِفًا مَعْنَاهُ اسْتَجِبْ دُعَاءَنَا وَقِيلَ وَقِيلَ (يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ) قِيلَ هُمَا