الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَعَنْ الذَّخِيرَةِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْأَعْيَادِ وَعَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَجَازَ الْغِنَاءَ فِي الْعُرْسِ قَالَ فِي التتارخانية مَنْ يَقُولُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْوَلِيمَةِ لَا يَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِضَرْبِ الدُّفُوفِ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْوَلِيمَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَلَوْ بِالدُّفِّ» وَكَذَلِكَ التَّغَنِّي رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَفِي دِهْلِيزِهِ جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَتُغَنِّيَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ عليه الصلاة والسلام دَعْهُمَا فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ عِيدٌ» انْتَهَى وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «قَالَ دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا» .
وَفِي الْأَكْمَلِ فِي حَدِيثِ اتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ «يَا أَبَا بَكْرٍ إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا» وَأَبَاحَ الْغِنَاءَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَحَرَّمَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ احْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالْمَانِعُونَ خَصُّوهُ بِالشُّجَاعَةِ وَالْقِتَالِ وَنَحْوِهِمَا وَالْكَلَامُ فِيهَا يَهِيجُ إلَى الشُّرُورِ وَالْبَطَالَةِ انْتَهَى ثُمَّ قِيلَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَعْيَادِ وَالْعُرْسِ مِنْ أَئِمَّتِنَا بَلْ هُوَ حَرَامٌ فِيهِمَا أَيْضًا عِنْدَنَا بِخِلَافِ التَّغَنِّي وَحْدَهُ لِدَفْعِ الْوَحْشَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ مَشَايِخِنَا أَقُولُ قَدْ عَرَفْت مِمَّا نَقَلْنَا عَنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا ذَكَرَهُ (وَالصَّوَابُ مَنْعُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ لِلنَّاسِ أَوْ لِدَفْعِ الْوَحْشَةِ أَوْ فِي الْأَعْيَادِ وَالْعُرْسِ (فِي هَذَا الزَّمَانِ) لِأَنَّهُ زَمَانُ فَسَادٍ وَفِسْقٍ لَعَلَّ هَذَا مِنْ الْمُصَنِّفِ فَيَرُدُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الرَّأْيِ وَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ مُنْقَرِضُونَ فِي زَمَانِهِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْأَصْلَ الْكُلِّيَّ لَا يَسْقُطُ بِالْعَوَارِضِ وَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ هُوَ الْعَدَمُ وَإِنَّهُ مُؤَدٍّ إلَى سُوءِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ مَعَ كَوْنِهِ قِيَاسَ شَاهِدٍ عَلَى غَائِبٍ وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْفَاسِدَ لَا يَكُونُ مَقِيسًا عَلَيْهِ وَأَيْضًا إنْ عُلِمَ فَسَادُ أَهْلِ الزَّمَانِ بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ فَلَيْسَ بِمَسْمُوعٍ وَإِنْ بِالنَّاقِصِ فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ فَتَأَمَّلْ فِي أَكْثَرِ ذَلِكَ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ جَانِبَ الْمَنْعِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْمَذَاهِبِ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ مَعَ الِاتِّفَاقِ وَهُوَ الْعَزِيمَةُ وَهُوَ طَرِيقُ الْوَرَعِ (وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا) التَّغَنِّيَ وَحْدَهُ (بِالْأَشْعَارِ لِأَنَّ التَّغَنِّيَ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ) الظَّاهِرُ سَوَاءٌ أُخِذَا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ لَا (يَسْتَلْزِمُ اللَّحْنَ وَاللَّحْنُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ) الظَّاهِرُ قَيْدٌ لِحُرْمَةِ اللَّحْنِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ حُرْمَةَ اللَّحْنِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَاللَّحْنُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ وَفِي رِسَالَةِ الْمَوْلَى أَبِي السُّعُودِ وَقَدْ أَجَازَ هُوَ أَيْ السَّرَخْسِيُّ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ التَّغَنِّيَ وَاللَّحْنَ فِي الْأَذَانِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغْلٍ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ وَقَالَ لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِي لَرَجَّعْت» وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ «الْأَلْحَانِ مَكَانَ التَّرْجِيعِ» وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ وَكَانَ يَقْرَأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ بِالْأَلْحَانِ وَيُعْجِبُهُمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَمَا وَرَدَ فِي جَوَازِ التَّغَنِّي وَاللَّحْنِ فِي الْقُرْآنِ وَارِدٌ فِي سَائِرِ الْأَذْكَارِ دَلَالَةً ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ الْبَزَّازِيِّ وَاللَّحْنُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِ كَمَا لَا يُعْتَدُّ بِإِكْفَارِ مُسْتَحِلِّ الرَّقْصِ إلَخْ انْتَهَى مُلَخَّصًا فَدَعْوَى الِاتِّفَاقِ فِي حُرْمَةِ اللَّحْنِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي وَلَوْ جُعِلَ قَوْلُهُ بِلَا خِلَافٍ قَيْدًا لِلِاسْتِلْزَامِ بِمَعْنَى إذَا تَغَنَّى فِي الْقُرْآنِ لَزِمَ اللَّحْنُ الْحَرَامَ إلَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا اللُّزُومُ بِلَا خِلَافٍ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ وَجْهُ حُسْنٍ عَلَى أَنَّ فِي اسْتِلْزَامِ التَّغَنِّي لِلَّحْنِ خَفَاءٌ
[التَّغَنِّي بِمَعْنَى حُسْنِ الصَّوْتِ بِلَا لَحْنٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَإِسْقَاطِ حَرْفٍ مِنْ الْقُرْآنُ]
(وَأَمَّا)(التَّغَنِّي بِمَعْنَى حُسْنِ الصَّوْتِ بِلَا لَحْنٍ) وَلَا زِيَادَةٍ وَإِسْقَاطِ حَرْفٍ (فَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ رَزَّاقٌ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ» أَيْ الْهَجُوا بِقِرَاءَتِهِ وَاشْغَلُوا أَصْوَاتَكُمْ بِهِ وَاتَّخِذُوهُ شِعَارًا وَزِينَةً لِأَصْوَاتِكُمْ وَزِيدَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ «فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يُزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا» وَفِي الْفَيْضِ وَفِي رِوَايَةٍ بِحُسْنِ الصَّوْتِ وَجُودَةِ الْأَدَاءِ بَعْثٌ لِلْقُلُوبِ لِاسْتِمَاعِهِ وَتَدَبُّرِهِ وَالْإِصْغَاءِ إلَيْهِ قَالَ التوربشتي هَذَا إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ التَّغَنِّي عَنْ التَّجْوِيدِ وَإِلَّا عَادَ الِاسْتِحْبَابُ كَرَاهَةً وَأَمَّا التَّكْلِيفُ بِأَوْزَانِ الْمُوسِيقَى فَمِنْ أَسْوَأِ الْبِدَعِ فَيَجِبُ عَلَى التَّالِي التَّعْزِيرُ وَعَلَى السَّامِعِ النَّكِيرُ قِيلَ فِيهِ: نُدِبَ سَمَاعُ حَسَنِ الصَّوْتِ (وَفِي رِوَايَةِ د س «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ
بِأَصْوَاتِكُمْ» يَعْنِي زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْخَشْيَةِ لِلَّهِ تَعَالَى حَالَ الْقِرَاءَةِ كَمَا «سُئِلَ مَنْ أَحْسَنُ صَوْتًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ إذَا سَمِعْته رَأَيْت أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ» وَقِيلَ فِيهِ حَثٌّ عَلَى تَرْتِيلِهِ وَرِعَايَةِ إعْرَابِهِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ بِهِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى تَرْكِ اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ فَإِنَّهُ أَوْقَعُ لِلْقَلْبِ وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا وَأَرَقُّ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أَذِنَ اللَّهُ» بِمَعْنَى اسْتَمَعَ وَتَقَرَّبَ فَإِنَّ مَعْنَى الْإِصْغَاءِ مُحَالٌ هُنَا فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِنَحْوِ إجْزَالِ الثَّوَابِ وَقَبُولِ الْقِرَاءَةِ وَالرِّضَا وَالْإِقْبَالِ بِالرَّأْفَةِ «لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» أَيْ يَجْهَرَ وَيُحْسِنَ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ بِخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ وَتَرْقِيقٍ وَتَحْسِينٍ يَعْنِي مَا رَضِيَ اللَّهُ مِنْ الْمَسْمُوعَاتِ شَيْئًا هُوَ أَرْضَى عِنْدَهُ وَلَا أَحَبُّ لَهُ مِنْ قَوْلِ نَبِيٍّ يَجْهَرُ وَيُحَسِّنُ صَوْتَهُ إلَخْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَكْثِيرَ الْأَلْحَانِ كَمَا يَفْعَلُهُ أَبْنَاءُ الزَّمَانِ إذْ الْقُلُوبُ اللَّاهِيَةُ وَالْأَفْئِدَةُ السَّاهِيَةُ تَتَزَيَّنُ لِلنَّاسِ وَلَا تَطْرُدُ الْخَنَّاسَ بَلْ تَزِيدُ فِي الْوَسْوَاسِ (وَفِي رِوَايَةٍ «لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» فَذَلِكَ شَأْنُ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا «لَمْ يَبْعَثْ اللَّهُ نَبِيًّا إلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ وَكَانَ نَبِيُّكُمْ أَحْسَنَهُمْ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُمْ صَوْتًا» وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ كَانَ دَاوُد عليه الصلاة والسلام يَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِهِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ إذَا قَرَأَ الزَّبُورَ وَكَانَ يُحْمَلُ فِي مَجْلِسِهِ أَرْبَعُمِائَةِ جِنَازَةً مِمَّنْ قَدْ مَاتَ مِمَّنْ سَمِعُوا قِرَاءَتَهُ؛ وَلِذَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَقَدْ أُوتِيت مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد» عليه الصلاة والسلام (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» خ عَنْهُ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (مَرْفُوعًا «لَيْسَ مِنَّا» أَيْ: الْعَامِلِينَ بِسُنَّتِنَا الْجَارِينَ عَلَى طَرِيقَتِنَا أَوْ مُسْتَحِقِّ شَفَاعَتِنَا «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» لَمْ يُحْسِنْ صَوْتَهُ بِهِ لِأَنَّ التَّطْرِيبَ بِهِ أَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ وَأَدْعَى لِلِاسْتِمَاعِ وَهُوَ كَالْحَلَاوَةِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الدَّوَاءِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ اللَّفْظَ وَلَا يُخِلَّ بِالنَّظْمِ وَلَا يُخْفِيَ حَرْفًا وَإِلَّا حَرُمَ إجْمَاعًا قَالَ ابْنُ مُلَيْكٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ حَسَّنَهُ مَا اسْتَطَاعَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَسْتَغْنِي رَدَّهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الِاسْتِغْنَاءَ لَقَالَ مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ وَعَنْ شَرْحِ الْآثَارِ لِلشَّيْخِ الْكَلَابَاذِيِّ إذَا أَصَابَ إنْسَانًا غَمٌّ أَوْ ضَاقَ صَدْرُهُ مِنْ أَمْرِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَسَلَّى وَيَتَفَرَّجَ رُبَّمَا تَغَنَّى وَهُوَ أَنْ يُنَغِّمَ وَيُرَجِّعَ صَوْتَهُ بِشَيْءٍ مِنْ نَحْوِ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْمَنْظُومِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَفَاضِلُ الْأَوْلِيَاءِ هُمُومُهُمْ الْمَعَادُ وَكَرْبُهُمْ الدِّينُ وَوَحْشُهُمْ مِمَّا دُونَ اللَّهِ وَضِيقُ صَدْرِهِمْ عَمَّا يَشْغَلُهُمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى عز وجل فَهَلْ لَا يَتَفَرَّجُونَ إلَّا بِذِكْرِ رَبِّهِمْ وَلَا يَتَسَلَّوْنَ مِنْ غُمُومِهِمْ وَهُمُومِهِمْ إلَّا بِمَوْلَاهُمْ فَيُرَجِّعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ مِنْ مَحْبُوبِهِمْ اللَّهِ تَعَالَى بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ بِخَشْيَةٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَرِقَّةٍ مِنْ أَفْئِدَتِهِمْ وَنِيرَانُ مَحَبَّتِهِ بَيْنَ ضُلُوعِهِمْ وَمَاءُ الِاشْتِيَاقِ يَجْرِي عَلَى خُدُودِهِمْ فَتَحْسُنُ لِذَلِكَ أَصْوَاتُهُمْ لِأَنَّ الصَّوْتَ بِالْقُرْآنِ هُوَ قِرَاءَتُهُ عَلَى خَشْيَةٍ مِنْ اللَّهِ (وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّغَنِّي فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَعْنَى الْمَشْهُورُ مِنْهُ) أَيْ التَّغَنِّي وَهُوَ التَّرَنُّمُ وَالتَّنْغِيمُ مَعَ التَّحْرِيفِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ بَيْنَ أَهْلِ الْمُوسِيقَى فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ إثَارَةِ الشَّهَوَاتِ الْخَفِيَّةِ بِالْقُلُوبِ اللَّاهِيَةِ وَالْأَفْئِدَةِ السَّاهِيَةِ تَتَزَيَّنُ لِلنَّاسِ وَلَا تَطْرُدُ الْخَنَّاسَ وَتَزِيدُ فِي الْوَسْوَاسِ
بِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ الْأَوَّلُ أَنْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ (قَارِئَ الْقُرْآنِ مُثَابٌ مِنْ غَيْرِ تَحْسِينٍ مِنْهُ صَوْتَهُ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (فَضْلًا عَنْ التَّغَنِّي) بِالْمَعْنَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ (فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ) تَارِكُهُ وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ أَنَّ تَارِكَ التَّغَنِّي مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ (وَهَذَا الْوَجْهُ للتوربشتى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) شَارِحِ الْمَصَابِيحِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي حَدِيثِ لَيْسَ مِنَّا آنِفًا الْمُرَادُ مِنْ التَّغَنِّي تَحْسِينُ الصَّوْتِ كَمَا مَرَّ ثُمَّ قَالَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَسْتَغْنِي رَدَّهُ الشَّافِعِيُّ كَمَا سَبَقَ ثُمَّ قَالَ نَعَمْ اعْتَرَضَ التوربشتي عَلَى الْأَوَّلِ بَعْدَمَا رَجَّحَ مَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ مِنَّا وَعِيدٌ وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ قَارِئَ الْقُرْآنِ يُثَابُ مِنْ غَيْرِ تَحْسِينِ صَوْتِهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُسْتَحِقًّا لِلْوَعِيدِ وَهُوَ مَأْجُورٌ لَعَلَّ حَاصِلَهُ أَنَّ التَّغَنِّيَ فِي الْحَدِيثِ إمَّا بِمَعْنَى تَحْسِينِ الصَّوْتِ أَوْ بِمَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ لَكِنَّ الْمُقَدَّمَ بَاطِلٌ أَيْ لَيْسَ التَّغَنِّي تَحْسِينَ الصَّوْتِ فَالتَّالِي أَنَّ كَوْنَهُ بِمَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ حَقٌّ أَمَّا بَيَانُ الْمُقَدِّمَةِ الِاسْتِثْنَائِيَّة أَنَّ التَّغَنِّيَ فِي الْحَدِيثِ تَرْكُهُ مُوجِبٌ لِلْوَعِيدِ وَحُسْنَ الصَّوْتِ لَيْسَ تَرْكُهُ مُوجِبًا لِلْوَعِيدِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الثَّوَابِ بِلَا تَحْسِينِ صَوْتٍ إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَوْلُ التوربشتي عَلَى الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ فَقَطْ وَمَطْلُوبُ الْمُصَنِّفِ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ يَعْنِي الْمَطْلُوبُ عَدَمُ كَوْنِ التَّغَنِّي فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ وَاللَّازِمُ مِنْ التوربشتي هُوَ فِي بَعْضِهَا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ وَأَيْضًا التَّغَنِّي الْمَنْفِيُّ فِي مَطْلُوبِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى التَّرَنُّمِ كَمَا أُشِيرَ لَهُ وَالتَّغَنِّي فِي التوربشتي بِمَعْنَى الصَّوْتِ الْحَسَنِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَرَنُّمٌ فَلَا تَقْرِيبَ وَأَيْضًا قَوْلُهُ فَضْلًا عَنْ التَّغَنِّي مَعَ عَدَمِ كَوْنِهِ مَوْجُودًا فِي كَلَامِ التوربشتي لَيْسَ لَهُ مَحْصُولٌ بَلْ اخْتِلَالٌ وَأَيْضًا فِي كَلَامِهِ بَحْثٌ تَأَمَّلْ تَنَلْ (وَالثَّانِي أَنَّهُ يُعَارِضُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إرَادَةِ الْمَشْهُورِ فِي الْأَحَادِيثِ (مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ) فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ لَعَلَّهُ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ الْمُحَدِّثِ الْمَشْهُورِ لِتَغْيِيرِهِ الْأُسْلُوبَ (عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ» أَيْ نَظْمِهَا «وَأَصْوَاتِهَا» أَيْ تَرَنُّمَاتِهَا الْحَسَنَةِ الَّتِي لَا يَخْتَلُّ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ الْحُرُوفِ عَنْ مَخْرَجِهِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ النَّظْمِ يُورِثُ نَشَاطًا لِلْقَارِئِ فَإِذَا قَرَأَ بِالْأَلْحَانِ الْمَذْكُورَةِ تَضَاعَفَ فِيهِ النَّشَاطُ وَالِانْبِسَاطُ وَحَنَّتْ إلَيْهِ الْقُلُوبُ الْقَاسِيَةُ وَكُشِفَتْ عَنْ الْبَصَائِرِ الْغَشَاوَةُ الْغَاشِيَةُ اعْلَمْ أَنَّ اللَّحْنَ قَدْ يَكُونُ بِتَحْرِيفِ الْكَلِمَاتِ بِزِيَادَةِ حَرْفٍ سَوَاءٌ كَانَ حَرْفَ مَدٍّ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ بِنَقْصٍ وَقَدْ يَكُونُ بِتَغْيِيرِ صِفَاتِ حُرُوفِهَا بِأَنْ يُنْقِصَ أَوْ يَزِيدَ شَيْئًا مِنْ كَيْفِيَّاتِ الْحُرُوفِ كَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالْمَدَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْإِدْغَامِ وَالْإِخْفَاءِ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ وَتَوْفِيرِ الْغُنَّاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَطُولُ تَعْدَادُهَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ التَّوْحِيدِ كَمَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ اللَّحْنُ بِمَعْنَى التَّغَنِّي وَبِمَعْنَى مُجَرَّدِ حُسْنِ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِ شَيْءٍ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ وَتَفْصِيلُ لُحُونِ الْعَرَبِ الْأَصْوَاتُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي هِيَ مَدُّ الْمَمْدُودِ وَقَصْرُ الْمَقْصُورِ وَتَرْقِيقُ الْمُرَقَّقِ وَتَفْخِيمُ الْمُفَخَّمِ وَإِدْغَامُ الْمُدْغَمِ وَإِظْهَارُ الْمُظْهَرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ «وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ» مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُخْرِجُونَ الْقُرْآنَ عَنْ مَوْضِعِهِ بِالتَّمْطِيطِ بِحَيْثُ يُزَادُ حَرْفٌ وَيُنْقَصُ حَرْفٌ فَإِنَّهُ حَرَامٌ إجْمَاعًا كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ كَذَا فِي الْفَيْضِ فَتَأَمَّلْ
«وَلُحُونِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ» الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى «فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ بَعْدِي قَوْمٌ يُرَجِّعُونَ» بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يُرَدِّدُونَ «الْقُرْآنَ» يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِقِرَاءَتِهِ مَرَّةً وَيَخْفِضُونَ أُخْرَى وَمِنْهُ تَرْجِيعُ الْأَذَانِ إذْ هُوَ تَفَاوُتُ ضُرُوبِ الْحَرَكَاتِ فِي الصَّوْتِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ «تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ» أَيْ أَهْلِ الْغِنَاءِ «وَالرَّهْبَانِيَّةِ» وَهُمْ النَّصَارَى «وَ» أَهْلُ «النَّوْحِ لَا يُجَاوِزُ» مَعْنَاهُ وَحُكْمُهُ «حَنَاجِرَهُمْ» جَمْعُ حَنْجَرَةٍ وَهِيَ الْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ «مَفْتُونَةٌ قُلُوبُهُمْ» بِأَنْوَاعِ الْفِتَنِ نَحْوُ مَحَبَّةِ الشُّبَّانِ وَالنِّسَاءِ «وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ» أَيْ حَالُهُمْ الْقَبِيحَةُ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُهُمْ وَفِي الْبُخَارِيِّ «إنَّ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ سُورَةَ الْفَتْحِ فَرَجَّعَ فِيهَا» وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ التَّلْحِينِ الْمَذْمُومِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ الْمَطْلُوبِ وَأَنَّ الْمَذْمُومَ هُوَ إخْرَاجُ الْحَرْفِ عَمَّا يَجُوزُ لَهُ فِي الْأَدَاءِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْجُمْهُورِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْهُ فِي الْقِرَاءَةِ فَمَنَعَهُ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ مَا اسْمُك قَالَ مُحَمَّدٌ قَالَ أَيُعْجِبُك أَنْ يُقَالَ لَك يَا مُوحَامَدُ كَذَا فِي الْفَيْضِ فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ تَأْوِيلُ التَّغَنِّي فِي الْأَحَادِيثِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ قُلْنَا بَلْ هُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْحَظْرَ يَرْجِعُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَإِنَّ أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ فِي جَانِبِهِ تَأَمَّلْ ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى تَخْرِيجِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ شَارِحُهُ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ لَا يَصِحُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ رِجَالِهِ مَجْهُولٌ وَبِوَاقِيهِ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَالتَّدْلِيسِ وَعَنْ الْمِيزَانِ لَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ وَمُنْكَرٌ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ السَّابِقُ فَمِنْ تَخْرِيجِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ وَالْكُلُّ عَلَى رِوَايَةِ سَعْدٍ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِطَعْنِهِ كَمَا فِي الْفَيْضِ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ وَأَمَّا تَرْجِيحُ الْحَظْرِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ عِلَّتِهِ فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ ثُبُوتِ الصِّحَّةِ وَسَلَامَةِ السَّنَدِ فَافْهَمْ (وَ) يُعَارِضُ (مَا خَرَّجَهُ بِرّ) ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَنْبَسٍ) قِيلَ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ (وَسَيَجِيءُ فِي دُعَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ) وَفِيهِ نَشْءٌ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ لِيُغْنِيَهُمْ بِالْقُرْآنِ وَإِنْ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا قَالَ فِي الْفَيْضِ فِيهِ عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُعَارِضُ الْأَوَّلَ أَيْضًا فَلَعَلَّ التَّعْوِيلَ عَلَى أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ فَكَانَ التَّرْتِيبُ عَلَى صَنْعَةِ التَّرَقِّي (وَالثَّالِثُ أَنَّ الْفُقَهَاءَ صَرَّحُوا بِكَوْنِ التَّالِي بِالتَّغَنِّي وَالسَّامِعِ لَهُ آثِمِينَ) فِي التَّغَنِّي لِفِعْلِ الْأَوَّلِ وَرِضَا الثَّانِي (قَالَ الْبَزَّازِيُّ رحمه الله قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ مَعْصِيَةٌ وَالتَّالِي وَالسَّامِعُ آثِمَانِ وَكَذَا فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى وَقَالَ الْبَزَّازِيُّ أَيْضًا اللَّحْنُ فِيهِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} [الزمر: 28] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُدَّعَى هُوَ التَّغَنِّي وَالْمَذْكُورُ فِي الدَّلِيلِ اللَّحْنُ وَدَعْوَى اتِّحَادِهِمَا لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ كَمَا سَبَقَ وَدَعْوَى أَنَّ الْإِرَادَةَ مِنْ اللَّحْنِ التَّغَنِّي قَرِيبٌ إلَى التَّحَكُّمِ وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ وَقَدْ سَمِعْت عَنْ أَبِي السُّعُودِ أَنَّ قَوْلَ الْبَزَّازِيِّ وَاللَّحْنُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِوُجُودِ الْمُخَالِفِ (وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَا يَحِلُّ التَّرْجِيعُ) أَيْ الْإِخْلَالُ بِحَقِّ الْحَرْفِ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ (فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَا التَّطْرِيبُ فِيهِ وَلَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ إلَيْهِ لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِفِعْلِ الْفَسَقَةِ فِي حَالِ فِسْقِهِمْ وَهُوَ التَّغَنِّي) ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّرْجِيعَ وَالتَّطْرِيبَ لَيْسَ نَفْسَ التَّغَنِّي بَلْ شُبِّهَ بِهِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ نَفْسُ التَّغَنِّي فَالْمَقْصُودُ أَنَّ التَّغَنِّيَ بِالْقُرْآنِ لَيْسَ بِحَلَالٍ
لِشَبَهِهِ بِتَغَنِّي الْفَسَقَةِ ثُمَّ الْمَذْكُورُ فِي الْفَتَاوَى أَنَّ الْمُتُونَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الشُّرُوحِ وَالشُّرُوحَ عَلَى الْفَتَاوَى فِي الْوَثَائِقِ فَالْأَوْلَى عَكْسُ التَّرْتِيبِ عَلَى أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْمَقْصُودِ أَوْضَحُ مِمَّا فِيهِ قَبْلَهُ وَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَقَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ وَالْأَلْحَانُ إنْ لَمْ يُغَيِّرْ الْكَلِمَةَ عَنْ مَوْضِعِهَا بَلْ يُحَسِّنُهُ) وَهُوَ التَّغَنِّي الْمَمْدُوحُ الْمُتَقَدِّمُ (تَحْسِينُ الصَّوْتِ وَتَزْيِينُ الْقِرَاءَةِ فَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا) كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ فِي الْإِتْقَانِ يُسَنُّ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيبُهَا لِحَدِيثِ «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ «حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا وَحَدِيثِ «حُسْنُ الصَّوْتِ زِينَةٌ» وَفِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ حَسَّنَهُ مَا اسْتَطَاعَ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ إلَى حَدِّ التَّمْطِيطِ (وَإِنْ كَانَ يُغَيِّرُ الْكَلِمَةَ) وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ النَّقْلِ (عَنْ مَوْضِعِهَا يُوجِبُ فَسَادَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ فَسَادُ كَمَالِ الصَّلَاةِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ تَغْيِيرِ الْكَلِمَةِ التَّغْيِيرُ الْفَاحِشُ الْمُؤَدِّي إلَى الْفَسَادِ عَلَى مَا ذَكَرُوا وَإِلَّا فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ تَغْيِيرٍ مُفْسِدًا (وَقَالَ التوربشتي الْقِرَاءَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُهِيجُ) مِنْ التَّهْيِيجِ أَيْ التَّحْرِيكِ (الْوَجْدَ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ وَيُورِثُ الْحُزْنَ وَيَجْلِبُ الدَّمْعَ مُسْتَحَبَّةٌ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ التَّغَنِّي عَنْ التَّجْوِيدِ وَلَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ مُرَاعَاةِ النَّظْمِ فِي الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ) بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ (فَإِذَا انْتَهَى إلَى ذَلِكَ وَعَادَ الِاسْتِحْبَابُ فِيهِ كَرَاهَةً) أَيْ تَحْرِيمِيَّةً (وَأَمَّا الَّذِي أَحْدَثَهُ الْمُتَكَلِّفُونَ) فِي تَرْوِيجِ التَّغَنِّي (وَأَبْدَعَهُ الْمُرْتَهِنُونَ) الْمُرْتَكِبُونَ (بِمَعْرِفَةِ الْأَوْزَانِ وَعِلْمِ الْمُوسِيقَى) عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ الْأَنْغَامُ وَأَقْسَامُهَا وَشُعَبُهَا (فَيَأْخُذُونَ فِي كَلَامِ اللَّهِ مَأْخَذَهُمْ) أَيْ كَأَخْذِهِمْ وَمَشْرُوعِهِمْ (فِي النَّشِيدِ) ضَرْبٌ مِنْ الشِّعْرِ (وَالْغَزَلِ) مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّسَاءِ مِنْ الْأَبْيَاتِ (وَالْمَثْنَوِيَّاتِ) مَا يَكُونُ مَثْنَى مَثْنَى (حَتَّى لَا يَكَادَ السَّامِعُ يَفْهَمُهُ مِنْ كَثْرَةِ النَّغَمَاتِ وَالتَّقْطِيعَاتِ) بِاعْتِبَارِ مِيزَانِ الْأَوْزَانِ (فَإِنَّهُ مِنْ أَشْنَعِ الْبِدَعِ) كَذَا نُقِلَ عَنْ أَكْمَلِ الْمَشَارِقِ (وَأَسْوَأِ الْأَحْدَاثِ فِي الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ تَحْرِيفٌ وَتَبْدِيلٌ فِي كَلِمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى (وَنَرَى أَدْنَى الْأَقْوَالِ وَأَهْوَنَ الْأَحْوَالِ فِيهِ أَنْ نُوجِبَ عَلَى السَّامِعِ النَّكِيرَ) مِنْ الْإِنْكَارِ (وَعَلَى التَّالِيَ التَّعْزِيرَ) لِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ لَمْ يَتَقَدَّرْ فِيهَا حَدٌّ فَفِيهَا التَّعْزِيرُ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَالْحُكَّامِ إقَامَتُهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى انْدِرَاسِ الْمَعَانِي بِفَسَادِ الْمَبَانِي وَإِلَى ذَهَابِ الْأَحْكَامِ وَالْتِبَاسِ الشَّرِيعَةِ عَلَى أُولِي الْأَفْهَامِ قِيلَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ شَرَعَ فِي أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ (وَقَالَ النَّوَوِيُّ) أَقُولُ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ إنَّ التُّورْبَشْتِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا مَرَّ وَالنَّوَوِيُّ رَجُلٌ عَظِيمٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ أَبِي يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ قِيلَ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ رَأَى الشَّافِعِيَّ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى جَعْلِهِ فِي مَذْهَبِهِ وَيَفْتَخِرُ بِهِ