الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مِنْ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ أَيْ الْبَالِغِ فِي الرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ الْغَايَةَ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا يُقَالُ أَفْعَلُ التَّفْضِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى كِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ الصِّفَةِ إلَى غَايَةٍ لَا تُدْرِكُهَا الْخَلْقُ.
فَإِنْ قِيلَ هَاتَانِ الْكَلِمَتَانِ تَقْتَضِيَانِ ثُبُوتَ الرَّحْمَةِ وَزِيَادَةَ الْكَرَمِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى قُلْنَا أَوَّلًا قَدْ سَقَطَ هَذَا مِمَّا ذَكَرْنَا آنِفًا وَثَانِيًا مِثْلُهُمَا مِنْ قَبِيلِ فَرْضِ الْمُحَالِ كَمَا فِي أَحْسَنِ الْخَالِقِينَ أَوْ لِلْمُشَارَكَةِ فِي جِنْسِ الرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ وَلَوْ صُورَتَيْنِ أَوْ وَلَوْ فِي اعْتِقَادِهِمْ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
ثُمَّ فَلْنُوَاظِبْ بِأَدْعِيَةٍ صَحَّتْ عَنْ عَارِفِي خَوَاصِّ الْأَدْعِيَةِ وَمَبْلَغِ مَا هُوَ أَهَمُّ وَأَنْفَعُ لَنَا سِيَّمَا الْمُنَاسِبُ فِي مَقَامِنَا نَحْوُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك حُبَّك وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّك وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّك اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّك أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَمِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي حُبَّك وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَك اللَّهُمَّ فَمَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوتًا لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْت عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك» اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَبِيَّنَا لَنَا فَرَطًا وَحَوْضَهُ لَنَا مَوْرِدًا اللَّهُمَّ اُحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ وَاسْتَعْمِلْنَا بِسُنَّتِهِ وَتَوَفَّنَا عَلَى مِلَّتِهِ وَاجْعَلْنَا فِي حِزْبِهِ اللَّهُمَّ وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ كَمَا آمَنَّا بِهِ وَلَمْ نَرَهُ اللَّهُمَّ وَلَا تُفَرِّقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ حَتَّى تُدْخِلَنَا مُدْخَلَهُ وَاجْعَلْنَا مِنْ رُفَقَائِهِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا آمِينَ ثُمَّ آمِينَ بِحُرْمَةِ مَنْ بَعَثْته رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
[الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْيَأْسُ]
(الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ)(الْيَأْسُ) أَيْ قَطْعُ الرَّجَاءِ وَالْأَمَلِ (مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ تَذَكُّرُ فَوَاتِ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ) لِغَلَبَةِ ذَنْبِهِ وَمُبَالَغَةِ فُرُطَاتِهِ (وَقَطْعِ الْقَلْبِ عَنْ ذَلِكَ) بِأَنْ يَخْرُجَ عَنْ قَلْبِهِ رَجَاءُ الرَّحْمَةِ (وَهُوَ كُفْرٌ) يُرِيدُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ جَعْلِ قَسِيمِ الشَّيْءِ قِسْمًا مِنْهُ إذْ الْكُفْرُ ذُكِرَ مُقَدَّمًا وَإِنْ اُعْتُبِرَ مَا يُقَالُ إنَّهُ إذَا قُوبِلَ الْخَاصُّ بِالْعَامِ يُرَادُ مِنْ الْعَامِ مَا عَدَا الْخَاصِّ فَبَعْدَهُ تَسْلِيمُ صِحَّتِهِ هُنَا بَعْدَ هَذِهِ الْمَسَافَةِ الْكَثِيرَةِ يُوجَدُ الْكُفْرُ أَيْضًا فِي ضِمْنِ أَكْثَرِ الْأَقْسَامِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِهِ تَضَمُّنًا وَمُطَابَقَةً لَكِنْ الْمُنَاسِبُ بَعْدَ تَسْلِيمِ ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ فَافْهَمْ (كَالْأَمْنِ وَضِدُّهُ الرَّجَاءُ وَهُوَ ابْتِهَاجٌ) سُرُورٌ (فِي الْقَلْبِ بِمَعْرِفَةِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِرْوَاحُهُ) طَلَبُ رَاحَتِهِ (إلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ) أَيْ إلَى رَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]«وَأَنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ عَلَى غَضَبِي» وَفِي الْخَبَرِ «إذَا قَالَ الْعَبْدُ يَا كَرِيمُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا عَبْدِي مَاذَا رَأَيْت مِنْ كَرَمِي وَأَنْتَ فِي السِّجْنِ اصْبِرْ حَتَّى تَرَى كَرَمِي فِي الْجَنَّةِ» .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى إنَّ إبْلِيسَ لَيَرْفَعَ رَأْسَهُ لِمَا يَرَى مِنْ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ وَفِي الْمَشَارِق عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَلَا يُجِيرُهُ مِنْ النَّارِ وَلَا أَنَا أَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِي إلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى» وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَوْهِينَ أَمْرِ الْعَمَلِ بَلْ نَفْيَ الِاغْتِرَارِ بِهِ (وَسَبَبُهُ ذِكْرُ سَوَابِقِ فَضْلِهِ إلَيْنَا مِنْ غَيْرِ أَمَلٍ وَلَا شَفِيعٍ) لَعَلَّهَا نَحْوُ نِعْمَةِ الْوُجُودِ وَالْعَقْلِ وَسَائِرِ الْحَوَاسِّ وَالصُّورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَمَا يَقُومُ بِهَا مِنْ النِّعَمِ الْخَارِجِيَّةِ بَلْ نَحْوُ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ وَمَا يُبْنَى عَلَيْهِ (وَمَا وَعَدَ مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِهِ) مِنْ الْجِنَانِ وَالرِّضْوَانِ وَرُؤْيَةِ الرَّحْمَنِ (دُونَ اسْتِحْقَاقِنَا إيَّاهُ) كَمَا هُوَ مُعْتَقَدُنَا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ كَمَا سَبَقَ (وَمَا وَعَدَ مِنْ سَعَةِ رَحْمَتِهِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي تَفْسِيرِ الْمَقَامِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إنْسَانًا ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ فَأَتَى إلَى رَاهِبٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ لَا فَقَتَلَهُ وَجَعَلَ يَسْأَلُ فَقَالَ رَجُلٌ ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى نِصْفَ الطَّرِيقِ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالْعَذَابِ فَأَوْحَى إلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي
وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي وَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» وَأَيْضًا فِيهِ عَلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِطَرِيقٍ آخَرَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الزمر: 53] الْآيَةَ) بِالْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَالظُّلْمِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي الْإِسْرَافُ الْإِفْرَاطُ فِي الْجِنَايَةِ وَعَنْ الرَّاغِبِ هُوَ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي فِعْلٍ يُجَبُّ وَالذَّنْبُ عَامٌ فِيهِ وَفِي التَّقْصِيرِ {لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53] لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ أَيْ مَغْفِرَةِ وَقَبُولِ التَّوْبَةِ {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .
عَنْ مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ الْكَبِيرِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَقِّ وَحْشِيٍّ حَيْثُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ وَحْشِيًّا قَاتِلَ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَتَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ أَنِّي أُرِيدُ الْإِسْلَامَ لَكِنْ مَنَعَنِي قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان: 68]- فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى {إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا} [الفرقان: 70] الْآيَةَ فَكَتَبَهَا إلَى وَحْشِيٍّ فَكَتَبَ وَحْشِيٌّ وَلَا أَدْرِي هَلْ أَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116]- فَكَتَبَهَا إلَى وَحْشِيٍّ فَكَتَبَ وَحْشِيٌّ أَيْضًا إنَّ فِيهَا شَرْطًا لَا أَدْرِي هَلْ يَشَاءُ مَغْفِرَتِي أَوْ لَا فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ} [الزمر: 53] الْآيَةَ» انْتَهَى وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ إلَّا مِنْ سِعَةِ رَحْمَتِهِ وَأَنَّهَا أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6] فَإِنَّهُ الَّذِي يَهَبُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً بِإِيمَانِ سَاعَةٍ
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] كَسَحَرَةِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ إلَى أَنْ حَلَفُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ فَبِقَوْلِهِمْ مَرَّةً آمَنَّا عَنْ اعْتِقَادٍ وَهَبَ لَهُمْ جَمِيعَ فُرُطَاتِهِ إلَى أَنْ جَعَلَهُمْ رُءُوسَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ فَهَذَا حَالُ مَنْ وَجَدَهُ سَاعَةً بَعْدَ ذَلِكَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ فَكَيْفَ حَالُ مَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي تَوْحِيدِهِ لَا يَرَى لَهُ أَهْلًا غَيْرَهُ تَعَالَى فِي الدَّارَيْنِ أَمَا تَرَى أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ طُولَ أَعْمَارِهِمْ فَبِقَوْلِهِمْ {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الكهف: 14] قَبِلَهُمْ وَأَعَزَّهُمْ إلَى أَنْ قَالَ {وَنُقَلِّبُهُمْ} [الكهف: 18] وَأَعْظَمَ لَهُمْ الْحُرْمَةَ وَالْمَهَابَةَ حَتَّى قَالَ لِأَكْرَمِ خَلْقِهِ {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} [الكهف: 18] الْآيَةَ بَلْ كَيْفَ أَكْرَمَ كَلْبًا تَبِعَهُمْ حَتَّى ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ تَعَالَى مِرَارًا وَأَدْخَلَهُ فِي جَنَّتِهِ فَهَذَا فَضْلُهُ لِكَلْبٍ خَطَا خُطُوَاتٍ مَعَ قَوْمٍ عَرَفُوهُ أَيَّامًا مِنْ غَيْرِ عِبَادَةٍ فَكَيْفَ فَضْلُ الْمُؤْمِنِ خَدَمَهُ سَبْعِينَ سَنَةً وَلَوْ عَاشَ سَبْعِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يَقْصِدُ الْعُبُودِيَّةَ أَمَا سَمِعْت عِتَابَهُ تَعَالَى إبْرَاهِيمَ فِي دُعَائِهِ عَلَى الْمُجْرِمِينَ بِالْهَلَاكِ وَعَاتَبَ مُوسَى فِي أَمْرِ قَارُونَ فَقَالَ اسْتَغَاثَ بِك قَارُونُ فَلَمْ تُغِثْهُ فَوَعِزَّتِي لَوْ اسْتَغَاثَ بِي لَعَفَوْت عَنْهُ ثُمَّ كَيْفَ عَاتَبَ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ فِيمَا رُوِيَ أَنَّهُ «دَخَلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ فَرَأَى قَوْمًا يَضْحَكُونَ فَقَالَ لِمَ تَضْحَكُونَ لَا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ الْحَجَرِ رَجَعَ إلَيْهِمْ الْقَهْقَرَى فَقَالَ جَاءَنِي جَبْرَائِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَك لَا تُقَنِّطْ عِبَادِي مِنْ رَحْمَتِي {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49] » .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِالْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ الْوَالِدَةِ الشَّفِيقَةِ بِوَلَدِهَا» (دُنْيَا.
عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيَغْفِرَنَّ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةً»
عَظِيمَةً أَوْ كَثِيرَةً «مَا خَطَرَتْ قَطُّ عَلَى قَلْبِ أَحَدٍ» لِغَايَةِ الْكَثْرَةِ وَنِهَايَةِ الْجَلَالَةِ عَلَى أَصْحَابِ الْإِجْرَامِ وَالْقَبَائِحِ «حَتَّى إنَّ إبْلِيسَ» مَعَ غَايَتِهِ فِي الْجِنَايَةِ وَعِرْفَانِهِ بِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ الرَّحْمَةِ أَبَدَ الْآبِدِينَ «لَيَتَطَاوَلُ» أَيْ يَمُدُّ عُنُقَهُ وَيُخْرِجُ رَأْسَهُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ «رَجَاءَ أَنْ تُصِيبَهُ» قِيلَ السِّرُّ الْمَخْفِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى - {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10]- «أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِحَبِيبِهِ وَهَبْتُك ثُلُثَ أُمَّتِك فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ حَتَّى تَرَى رَحْمَتِي بِعِبَادِي وَأَهَبُ لَك الثُّلُثَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَرَى أَهْلُ الْمَحْشَرَةِ مَنْزِلَتَك عِنْدِي» (خ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ» أَيْ خَلَقَ «كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ» أَيْ أَثْبَت فِي عِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ قَالَ الْقَاضِي يَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ حَكَمَ حُكْمًا جَازِمًا وَوَعَدَ وَعْدًا لَازِمًا لَا خُلْفَ فِيهِ فَشَبَّهَ الْحُكْمَ الْجَازِمَ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ نَسْخٌ وَلَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَغْيِيرٌ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ إذَا اقْتَضَى أَمْرًا وَأَرَادَ إحْكَامَهُ عَقَدَ عَلَيْهِ سِجِلًّا وَحَفِظَهُ لِيَكُونَ حُجَّةً بَاقِيَةً مَحْفُوظَةً مِنْ
التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ «إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» وَفِي رِوَايَةٍ «تَغْلِبُ غَضَبِي»
أَيْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ بِكَثْرَةِ آثَارِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ قِسْطَ الْخَلْقِ مِنْ الرَّحْمَةِ أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِمْ مِنْ الْغَضَبِ لِنَيْلِهِمْ إيَّاهَا بِلَا اسْتِحْقَاقٍ وَإِنَّ قَلَمَ التَّكْلِيفِ مَرْفُوعٌ عَنْهُمْ إلَى الْبُلُوغِ وَلَا يُعَجِّلُ لَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ إذَا عَصَوْا بَلْ يَرْزُقُهُمْ وَيَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ وَمَا تَعَلَّقَ بِالرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ فِعْلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَضَبِ وَيُرْوَى أَنَّهُ «إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَ اللَّهُ كِتَابًا مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فِيهِ إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي فَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ وَشَفَعَتْ النَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيُخْرِجُ مِثْلِيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» .
وَيُرْوَى «فَيَقْبِضُ قَبْضَةً فَيَخْرُجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ» (خ م. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا» قِيلَ التَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ وَالتَّحْقِيرِ تَعْظِيمًا لِرَحْمَتِهِ تَعَالَى (فَمِنْ) أَجْلِ «ذَلِكَ الْجَزَاءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ» أَوْ تَرَاحُمُ جَمِيعِ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَنْشَأُ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدِ فَمَحَبَّةُ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ لِأَوْلَادِهِمَا مِنْ تِلْكَ الرَّحْمَةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ «حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ» كَالْفَرَسِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ «حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» بِحَافِرِهَا فَيَتَوَجَّعَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ إذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ إلَّا كَدَارِ الْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ وَالْقُرْآنِ وَالرَّحْمَةِ فِي قَلْبِهِ فَكَيْفَ الظَّنُّ بِمِائَةِ رَحْمَةٍ فِي الْآخِرَةِ وَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ وَالْجَزَاءِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ وَلَا يَخْفِي أَنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى مَا فِي شَرْحِ الْحَاكِمِ مِنْ أَنَّ الرَّجَاءَ إنَّمَا يَكُونُ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَعْمَالِ لِأَنَّ مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَهُ وَمَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْهُ.
وَأَمَّا الرَّجَاءُ بِلَا عَمَلٍ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْمَعَاصِي فَلَيْسَ بِرَجَاءٍ بَلْ أَمْنِيَّةٌ وَاغْتِرَارٌ مَذْمُومٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} [الأعراف: 169] كَمَا قَالَ الْكَرْخِيُّ رَجَاءُ الْجَنَّةِ بِلَا عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنْ الذُّنُوبِ وَرَجَاءُ الشَّفَاعَةِ بِلَا سَبَبٍ نَوْعٌ مِنْ الْغُرُورِ وَرَجَاءُ رَحْمَةِ مَنْ لَا يُطَاعُ جَهْلٌ وَحُمْقٌ قَالُوا الرَّجَاءُ مَعَ الْإِصْرَارِ كَطَلَبِ النَّارِ مِنْ الْجَمْرِ كَمَا فِي حَدِيثِ «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ» وَقَالَ الْحَسَنُ إنَّ قَوْمًا أَلْهَتْهُمْ أَمَانِيُّ الْمَغْفِرَةِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ الدُّنْيَا بِلَا حَسَنَةٍ بِاعْتِقَادِ حُسْنِ الظَّنِّ وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ فَلَوْ صَادِقًا لَأَحْسَنَ الْعَمَلَ وَتَلَا قَوْله تَعَالَى {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [فصلت: 23] كَتَبَ أَبُو عُمَرَ إلَى بَعْضِ إخْوَانِهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّك قَدْ أَصْبَحْت تَأْمُلُ بِطُولِ عُمْرِك وَتَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْأَمَانِيَ بِسُوءِ فِعْلِك وَإِنَّمَا تَضْرِبُ حَدِيدًا بَارِدًا.
(وَ) زَادَ (فِي رِوَايَةٍ م «وَأَخَّرَ اللَّهُ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَالْمُرَادُ بِمِثْلِ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ لِيُفْهَمَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقِسْطَيْنِ مِنْ الرَّحْمَةِ لِأَهْلِ الدَّارَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ السَّالِكَ الْعَارِفَ لَا يَغْتَرُّ بِظَاهِرِ مِثْلِ هَذِهِ النُّصُوصِ بَلْ لَا يَتْرُكُ الْعَمَلَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا} [الكهف: 110]- ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ لَا يَكُونُ بِدُونِ الْآخَرِ لِأَنَّ الرَّجَاءَ بِلَا خَوْفٍ أَمْنٌ وَالْخَوْفَ بِلَا رَجَاءٍ قُنُوطٌ قَالُوا هُمَا كَزَوِّجِي الْمِقْرَاضِ وَجَنَاحَيِّ الطَّيْرِ إذَا اعْتَدَلَا طَارَ وَإِذَا زَادَ أَحَدُهُمَا يَطِيرُ تَامًّا وَإِذَا ذَهَبَا بِالْكُلِّيَّةِ صَارَ كَالْمَيِّتِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَرْجُوهَا وَإِنَّمَا يَنْجُو مِنْ النَّارِ مَنْ يَخَافُهَا» (م. عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَوْتَهُ لَيْسَ بِالشَّهَادَةِ كَمَا قِيلَ إنَّهُ اُسْتُشْهِدَ فِي نَاحِيَةِ إسْلَامْبُولَ فِي مَعْرَكَةٍ حِينَ جَاءَ مَعَ يَزِيدَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ مَبْطُونًا فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ (أَنَّهُ قَالَ كُنْت كَتَمْت عَنْكُمْ حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ) أَيْ أُخْبِركُمُوهُ وَأَصْلُ سَوْفَ لِاسْتِقْبَالِ الْبَعِيدِ وَالْوَقْتُ هُنَا ضَيِّقٌ فَلِتَحْقِيقِ الْوَعْدِ كَمَا قِيلَ لَعَلَّ وَجْهَ الْكَتْمِ وَهْمُ اغْتِرَارِ الْعَوَامّ بِظَاهِرِهِ فَيَضْعُفُوا فِي الْعَمَلِ وَوَجْهَ الْإِخْبَارِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ أَوْ لِأَنَّ هَذَا الْوَهْمَ قَدْ زَالَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْ مَنْ أَخْبَرَهُمْ هُمْ الْخَوَاصُّ أَوْ قَدْ خَرَجَ مِنْ خَاطِرِهِ فَخَطَرَ بِبَالِهِ عِنْدَ دَوَاعِي هَوْلِ الْمَوْتِ بِمُلَاحَظَةِ دَوَاعِي الرَّحْمَةِ (وَقَدْ أُحْبِطَ بِنَفْسِي) بِمَجِيءِ الْمَوْتِ (سَمِعْته يَقُولُ «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ» أَيْ أَذَهَبَكُمْ