المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[العشرون سؤال المال والمنفعة الدنيوية ممن لا حق فيه] - بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية - جـ ٣

[محمد الخادمي]

فهرس الكتاب

- ‌[السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ]

- ‌[مَبْحَثٌ فِي غَوَائِل الْبُخْل وَسَبَبِهِ وَآفَاتِهِ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ حُبُّ الْمَالِ لِلْحَرَامِ]

- ‌[مَبْحَثٌ فِي سَبَبِ حُبِّ الْمَالِ وَعِلَاجِهِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي الْإِسْرَاف]

- ‌[الْمَبْحَثُ الثَّانِي الْعِلَّةُ الْخَفِيَّةُ وَالسَّبَبُ الْأَصْلِيُّ فِي ذَمِّ الْإِسْرَاف]

- ‌[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ لِلْإِسْرَافِ فِي أَصْنَافِ الْإِسْرَافِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ الْإِسْرَافَ هَلْ يَقَعُ فِي الصَّدَقَةِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ فِي عِلَاجِ الْإِسْرَافِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ مِنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ الْعَجَلَةُ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْفَظَاظَةُ وَغِلْظَةُ الْقَلْبِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْوَقَاحَةُ قِلَّةُ الْحَيَاءِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْجَزَعُ وَالشَّكْوَى]

- ‌[الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ السُّخْطُ وَالتَّضَجُّرُ]

- ‌[الْأَرْبَعُونَ التَّعْلِيقُ ذِكْرُ قِوَامِ بِنْيَتِك عَنْ شَيْءٍ]

- ‌[الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ حُبُّ الْفَسَقَةِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بُغْضُ الْعُلَمَاءِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ الْجُرْأَةُ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْيَأْسُ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحُزْنُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا]

- ‌[السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْخَوْفُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا]

- ‌[السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْغِشُّ وَالْغُلُّ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ الْفِتْنَةُ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْمُدَاهَنَةُ]

- ‌[الْخَمْسُونَ الْأُنْسُ بِالنَّاسِ وَالْوَحْشَةُ لِفِرَاقِهِمْ]

- ‌[الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ الطَّيْشِ وَالْخِفَّةِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ الْعِنَادُ وَمُكَابَرَةُ الْحَقِّ وَإِنْكَارُهُ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ التَّمَرُّدُ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ الصَّلَفُ]

- ‌[السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ الْجَرْبَزَةُ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ الْبَلَادَةُ وَالْغَبَاوَةُ وَالْحَمَاقَةُ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ الشَّرَهُ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ الْخُمُودُ]

- ‌[السِّتُّونَ آخِرُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ]

- ‌[الصِّنْفُ الثَّانِي فِي آفَاتِ اللِّسَانِ وَهُوَ قِسْمَانِ]

- ‌[الْقِسْم الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ حِفْظِهِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ آفَاتِ اللِّسَانِ وَفِيهِ سِتَّةُ مَبَاحِثَ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي الْكَلَامِ الَّذِي الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرُ وَهُوَ سِتُّونَ]

- ‌[الْأَوَّلُ كَلِمَةُ الْكُفْرِ]

- ‌[الثَّانِي مَا فِيهِ خَوْفُ الْكُفْرِ]

- ‌[الثَّالِثُ الْخَطَأُ]

- ‌[الرَّابِعُ الْكَذِبُ]

- ‌[السَّادِسُ الْغِيبَةُ]

- ‌[السَّابِعُ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ النَّمِيمَةُ]

- ‌[الثَّامِنُ السُّخْرِيَةُ وَالِاسْتِهْزَاءُ]

- ‌[التَّاسِعُ اللَّعْنُ]

- ‌[الْعَاشِرُ السَّبُّ]

- ‌[الْحَادِي عَشَرَ الْفُحْشُ]

- ‌[الثَّانِيَ عَشَرَ الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالتَّعْيِيرُ]

- ‌[الثَّالِثَ عَشَرَ النِّيَاحَةُ]

- ‌[الرَّابِعَ عَشَرَ حُكْمُ الْمِرَاء]

- ‌[الْخَامِسَ عَشَرَ الْجِدَالُ]

- ‌[السَّادِسَ عَشَرَ الْخُصُومَةُ]

- ‌[السَّابِعَ عَشَرَ الْغِنَاءُ]

- ‌[الْوَصِيَّةُ لِلْمُغَنِّينَ وَالْمُغَنِّيَاتِ]

- ‌[التَّغَنِّي بِمَعْنَى حُسْنِ الصَّوْتِ بِلَا لَحْنٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَإِسْقَاطِ حَرْفٍ مِنْ الْقُرْآنُ]

- ‌[الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ الْمَوْضُوعَةِ الْمُحْدَثَةِ الْمُوَافِقَةِ لِعِلْمِ الْمُوسِيقَى]

- ‌[الِاسْتِغْنَاءُ بِالْقُرْآنِ عَنْ الْأَشْعَارِ وَأَحَادِيثِ النَّاسِ]

- ‌[الثَّامِنَ عَشَرَ إفْشَاءُ السِّرِّ]

- ‌[التَّاسِعَ عَشَرَ الْخَوْضُ فِي الْبَاطِلِ]

- ‌[الْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمَّنْ لَا حَقَّ فِيهِ]

- ‌[الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْعَوَامّ عَنْ كُنْهِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ السُّؤَالُ عَنْ الْمُشْكِلَاتِ الظَّاهِرَةِ فِي الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ الْخَطَأُ فِي التَّعْبِيرِ وَدَقَائِقُ الْخَطَأِ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ النِّفَاقُ الْقَوْلِيُّ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ كَلَامُ ذِي اللِّسَانَيْنِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَعْرُوفِ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ غِلْظَةُ الْكَلَامِ وَالْعُنْفُ فِيهِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ السُّؤَالُ وَالتَّفْتِيشُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ]

- ‌[الثَّلَاثُونَ افْتِتَاحُ الْجَاهِلِ الْكَلَامَ]

- ‌[الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ التَّكَلُّمُ عِنْدَ الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِغَيْرِ الْإِجَابَةِ]

- ‌[الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي حَالَ الْخُطْبَةِ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ كَلَامُ الدُّنْيَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي الْخَلَاءِ وَعِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ عِنْدَ الْجِمَاعِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الدُّعَاءُ عَلَى مُسْلِمٍ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ وَالظَّالِمِ بِالْبَقَاءِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ]

- ‌[الْأَرْبَعُونَ كَلَامُ الدُّنْيَا فِي الْمَسَاجِدِ]

- ‌[الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَضْعُ لَقَبِ سُوءٍ لِمُسْلِمٍ]

- ‌[الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ كَثْرَةُ الْحَلِفِ وَلَوْ عَلَى الصِّدْقِ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ سُؤَالُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ سُؤَالُ تَوْلِيَةِ الْأَوْقَافِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ طَلَبُ الْوِصَايَةِ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ رَدُّ عُذْرِ أَخِيهِ وَعَدَمُ قَبُولِهِ]

- ‌[الْخَمْسُونَ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ]

- ‌[الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ إخَافَةُ الْمُؤْمِنِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ قَطْعُ كَلَامِ الْغَيْرِ وَحَدِيثِهِ بِكَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ]

الفصل: ‌[العشرون سؤال المال والمنفعة الدنيوية ممن لا حق فيه]

الْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ لَكِنْ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ فَافْهَمْ (أَنَّهُ) أَيْ ابْنَ مَسْعُودٍ (قَالَ أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَايَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ خَوْضًا فِي الْبَاطِلِ) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا الْمَرْمُوزُ لَهُ بِقَوْلِهِ (دُنْيَا مُرْسَلًا) بِأَنْ يَقُولَ التَّابِعِيُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فَفِي قَبُولِهِ خِلَافٌ لَكِنْ عِنْدَنَا مَقْبُولٌ مُطْلَقًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ (عَنْ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ) التَّابِعِيِّ الْحَافِظِ الْمَشْهُورِ، وَالْمَرْفُوعُ مَا أُضِيفَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ كَمَا فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ

[الْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمَّنْ لَا حَقَّ فِيهِ]

(الْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمَّنْ لَا حَقَّ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْئُولِ مِنْهُمَا (وَهُوَ حَرَامٌ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ) كَالْفَقْرِ وَقُوَّةِ الْحَاجَةِ وَغَيْرِهِ مِمَّا سَيَجِيءُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (خ م عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَ» الْحَالُ أَنَّهُ «لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مِزْعَةُ» قِطْعَةُ «لَحْمٍ» وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَلْحَقُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْهَوَانِ وَذُلِّ السُّؤَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَحْمُ وَجْهِهِ سَاقِطٌ إمَّا عُقُوبَةً لَهُ أَوْ عَلَامَةً يَعْرِفُ النَّاسُ بِهَا أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَأَلَ سُؤَالًا لَا يَجُوزُ لَهُ وَتَخْصِيصُ الْوَجْهِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِهِ لَهَا وَقْعٌ لِبَذْلِ وَجْهِهِ الَّذِي أُمِرَ بِصَوْنِهِ عَنْهُ وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ مَا شُرِعَ لَهُ كَذَا عَنْ الْقُرْطُبِيِّ شَرْحِ مُسْلِمٍ (د س) دَاوُد وَابْنُ السُّنِّيِّ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْمَسَائِلُ» جَمْعُ مَسْأَلَةٍ بِمَعْنَى السُّؤَالِ «كُدُوحٌ» بِالْفَتْحِ مُبَالَغَةٌ نَحْوُ صَبُورٍ وَالْكَدْحُ الْجُرْحُ مِنْ نَحْوِ خَدْشٍ أَوْ عَضٍّ يَعْنِي يُرِيقُ بِالسُّؤَالِ مَاءَ وَجْهِهِ «يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ» بِمَا يَعْلُوهُ مِنْ الْهَوَانِ بِسَبَبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ «فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى اللَّحْمَ عَلَى وَجْهِهِ» بِتَقْلِيلِ السُّؤَالِ

«وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» بِلَا لَحْمٍ «إلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ» ذَا رَأْيٍ وَحُكْمٍ وَمَالِكٌ بِيَدِهِ بَيْتُ الْمَالِ وَهُوَ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ فِيهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ حَقَّهُ مِنْهُ «أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا» أَيْ فِي حَقِّ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ وَسَيَجِيءُ حَاصِلُهُ أَنَّ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ سَبَبٌ لِكُدُوحِ الْوَجْهِ وَجُرُوحِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا مَسْأَلَةَ الَّذِي هُوَ مَصْرِفُ بَيْتِ الْمَالِ حَقُّهُ مِنْهُ وَمَسْأَلَةَ رَجُلٍ فِي حَقِّ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ لِاضْطِرَارِهِ (طط عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً عَنْ ظَهْرِ غِنًى» أَيْ بِلَا ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ «اسْتَكْثَرَ بِهَا مِنْ رَضْفِ» حِجَارَةٌ مُحْمَاةٌ «جَهَنَّمَ قَالُوا وَمَا ظَهْرُ غِنًى قَالَ عَشَاءُ لَيْلَةٍ» قُوتُ لَيْلَةٍ وَمَا يَدْفَعُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ مِنْ الثِّيَابِ وَأَثَاثِ الْمَنْزِلِ

ص: 225

بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُهَا وَيَلْحَقُ بِهِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ فَمَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمٍ لَا يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ (ت عَنْ حُبْشِيٍّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى وَزْنِ كُرْسِيٍّ (بْنِ جُنَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ) قَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ» قُوَّةٍ عَلَى الْعَمَلِ وَالْكَسْبِ (سَوِيٍّ) صَحِيحِ الْأَعْضَاءِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ قِيلَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ تَحِلُّ الزَّكَاةُ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَإِنْ كَانَ كَسُوبًا إلَّا الْعَامِلَ وَالْغَازِيَ الْمُنْقَطِعَ وَالْغَارِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَالْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ فَإِنَّ الدَّاعِيَ إلَى إعْطَائِهِمْ لَيْسَتْ الْحَاجَةُ «لَا تَحِلُّ إلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ» مُلْصِقٍ بِالدَّقْعَاءِ أَيْ التُّرَابِ كِنَايَةً عَنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ «أَوْ غُرْمٍ» أَيْ دَيْنٍ «مُفْظِعٍ» مِنْ الْفَظَاعَةِ شَدِيدٍ غَايَةَ الشِّدَّةِ بِأَنْ يَكُونَ دَيْنًا جَاوَزَ الْحَدَّ الْمُعْتَادَ «أَوْ دَمٍ مُوجِعٍ» كَالدِّيَةِ فَيَجُوزُ السُّؤَالُ لِيُؤَدِّيَ الدِّيَةَ وَيَقْطَعَ الْخُصُومَةَ.

«وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ» لِيُكْثِرَ «بِهِ مَالَهُ كَانَ خُمُوشًا» جِرَاحَةً وَأَثَرًا «فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرَضْفًا» حَجَرًا مَحْمِيًّا «يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ» الْأَمْرُ لِلتَّهْدِيدِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرَ جَهَنَّمَ فَلْيَسْتَقِلَّ مِنْهُ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» قَالَ الشَّارِحُ أَمْرُ تَوْبِيخٍ وَتَهْدِيدٍ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالُوا مَنْ قَدَرَ عَلَى قُوتِ يَوْمٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ السُّؤَالُ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الدَّافِعَ إنْ عَلِمَ بِحَالِهِ أَثِمَ لِإِعَانَتِهِ عَلَى مُحَرَّمٍ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ هِبَةً لِصِحَّتِهَا لِلْغَنِيِّ.

(فَائِدَةٌ)

أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ مُصَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ لِابْنِ أَخِيهِ إذَا كَانَتْ لَك حَاجَةٌ فَاكْتُبْهَا فِي رُقْعَةٍ فَإِنِّي أَصُونُ وَجْهَك عَنْ الذُّلِّ

يَا أَيُّهَا الْبَاغِي نَوَالَ الرِّجَالْ

وَطَالِبَ الْحَاجَاتِ مِنْ ذِي النَّوَالْ

لَا تَحْسَبَنَّ الْمَوْتَ مَوْتَ الْبِلَى

فَإِنَّمَا الْمَوْتُ سُؤَالُ الرِّجَالْ

كِلَاهُمَا مَوْتٌ وَلَكِنَّ ذَا

أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ذُلُّ السُّؤَالْ

وَفِيهِ أَيْضًا مَنْ سَأَلَ النَّاسَ مِنْ غَيْرِ فَقْرٍ بَلْ لِتَكْثِيرِ الْمَالِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الْجَمْرَ يَعْنِي يُعَاقَبُ بِالنَّارِ وَقَدْ يُجْعَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ يَطْعَمُهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى صُورَةِ الْجَمْرِ كَمَا يُكْوَى مَانِعُ الزَّكَاةِ بِهَا.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَاتَّفَقُوا عَلَى النَّهْيِ عَنْ السُّؤَالِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَفِي الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَالثَّانِي يَحِلُّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ وَلَا يُؤْذِيَ الْمَسْئُولَ وَإِلَّا حَرُمَ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْفَيْضِ «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَا تَسْأَلُنَّ» بِضَمِّ اللَّامِ «أَحَدًا شَيْئًا» التَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ «وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَثَوْبَانُ يَنْزِلَانِ عِنْدَ سُقُوطِ سَوْطِهِمَا فِي أَجْمَعِ مَا يَكُونُ مِنْ النَّاسِ» أَيْ أَجْمَعِ الْجَمْعِ الَّذِي مِنْ النَّاسِ وَقِيلَ ضَمِيرُ مَا فِي يَكُونُ مِنْهُمْ مُفَسَّرٌ بِقَوْلِهِ مِنْ النَّاسِ أَيْ يَنْزِلَانِ عِنْدَ سُقُوطِهِ فِي أَجْمَعِ أَوْقَاتِ كَوْنِ النَّاسِ عِنْدَهُمَا وَلَا يَسْأَلَانِ أَحَدًا بِأَنْ يَقُولَ نَاوِلُونِيهِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ قَالَ فِي الْحُكْمِ رُبَّمَا اسْتَحْيَا الْعَارِفُ أَنْ يَرْفَعَ حَاجَتَهُ إلَى مَوْلَاهُ

ص: 226

اكْتِفَاءً بِمَشِيئَتِهِ فَكَيْفَ لَا يَسْتَحِيُ أَنْ يَرْفَعَهَا إلَى خَلِيقَتِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ احْتَاجَتْ رَابِعَةٌ فَقِيلَ لَهَا لَوْ أَرْسَلْت إلَى قَرِيبِك فُلَانٍ فَبَكَتْ وَقَالَتْ اللَّهُ أَعْلَمُ أَنِّي أَسْتَحْيِي مِنْ سُؤَالِهِ الدُّنْيَا وَهُوَ يَمْلِكُهَا فَكَيْفَ أَسْأَلُهَا مَنْ لَا يَمْلِكُهَا كَمَا فِي الْفَيْضِ وَأَنَا أَقُولُ إنَّ الْأُسْتَاذَ الْوَالِدَ الْمَرْحُومَ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِغُفْرَانِهِ وَأَسْكَنَهُ فِي فَرَادِيسِ جِنَانِهِ كَانَ مُبْتَلًى بِالْفَقْرِ سِيَّمَا فِي أَوَّلِ حَالِهِ فَعِنْدَ حِكَايَتِهِ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ فَقْرِهِ قِيلَ لَهُ هَلْ تَدْعُوا إلَى اللَّهِ بِحُصُولِ كِفَايَتِك قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَدْعُ إلَيْهِ قَطُّ لِأَجْلِ الدُّنْيَا بَلْ كُلَّمَا أَرَدْت ذَلِكَ غَلَبَ عَلَيَّ الْحَيَاءُ وَلَمْ أَقْدِرْ

(وَلَا يَقُولَانِ لِلْمُشَاةِ عِنْدَهُمَا نَاوِلْنِيهِ) لِامْتِثَالِهِمَا أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَالَ الِامْتِثَالِ (فَدَلَّ أَنَّ حُرْمَةَ السُّؤَالِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْمَالِ بَلْ تَعُمُّ الِاسْتِخْدَامَ خُصُوصًا إنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ) لِأَنَّ جَمِيعَ مَنَافِعِهِ مَمْلُوكٌ لِلْمَوَالِي فَيَكُونُ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ وَذَا لَا يَجُوزُ.

(وَأَمَّا صَبِيُّ نَفْسِهِ) مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ (فَيَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُ إنْ كَانَ فَقِيرًا) ضِدَّ غِنَى الْأُضْحِيَّةِ (أَوْ أَرَادَ تَهْذِيبَهُ) أَيْ تَطْهِيرَهُ عَنْ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ (وَتَأْدِيبَهُ) لِيُعَرِّفَهُ مَا يَنْفَعُ دِينًا أَوْ دُنْيَا قَالَ الْإِيثَارُ عَنْ الذَّخِيرَةِ إذَا مَلَأَ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ الْكُوزَ مِنْ مَاءِ الْحَوْضِ وَأَرَاقَ بَعْضَهُ فِي الْحَوْضِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ ذَلِكَ الْحَوْضِ لِأَنَّهُ خَلَطَ بِهِ مِلْكَهُ وَلَا يُمْكِنُ تَمَيُّزُهُ وَكَذَا لَوْ جَاءَ صَبِيٌّ بِالْكُوزِ مِنْ مَاءٍ مُبَاحٍ لَا يَحِلُّ لِأَبَوَيْهِ أَنْ يَشْرَبَا مِنْهُ إذَا كَانَا غَنِيَّيْنِ لِأَنَّ الْمَاءَ صَارَ مِلْكَهُ بَعْدَ الْأَخْذِ وَلَا يَحِلُّ لَهُمَا الْأَكْلُ مِنْ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ (وَالضَّرُورَةُ الَّتِي تُبِيحُ السُّؤَالَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الْكَسْبِ لِلْمَرَضِ أَوْ الضَّعْفِ) مِنْ نَحْوِ الْهَرَمِ وَالْكِبَرِ (وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمٍ) لِأَنَّهُ آخِرُ الْكَسْبِ (وَسُؤَالُ الصَّدَقَةِ) النَّفْلِ (وَالزَّكَاةِ سَوَاءٌ) فِي الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ (بِخِلَافِ سُؤَالِ حَقِّهِ مِنْ الدَّيْنِ) لِأَنَّهُ طَلَبُ حَقِّهِ (أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَصْرِفِهِ) أَيْ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ مِمَّنْ هُوَ أَمِينٌ لَهُ (وَاسْتِخْدَامِ مَمْلُوكِهِ وَأَجِيرِهِ وَزَوْجَتِهِ فِي مَصَالِحِ الْبَيْتِ) كَطَبْخِ الطَّعَامِ وَغَسْلِ الْأَوَانِي وَغَسْلِ الثِّيَابِ وَكَنْسِ الْبَيْتِ وَبَسْطِ الْفِرَاشِ وَرَفْعِهِ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ دِيَانَةً لَا قَضَاءً وَلَا يَجُوزُ ضَرْبُهَا عِنْدَ عَدَمِ فِعْلِهَا وَلَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهَا فِي خَارِجِ الْبَيْتِ وَلَا يَجُوزُ إطَاعَتُهَا لِلزَّوْجِ إنْ أُمِرَ بِهَا لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي.

أَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخْدُمُ وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إتْيَانُهَا بِخَادِمَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَالْعُرْفُ مَرْجِعُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي التَّنْوِيرِ إنْ امْتَنَعَتْ مِنْ الطَّحْنِ وَالْخَبْزِ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْدُمُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامٍ مُهَيَّئٍ وَإِلَّا لَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ امْرَأَةِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهَا كَانَتْ تَعْلِفُ فَرَسَ زَوْجِهَا وَتَكْفِيهِ مُؤْنَتَهُ وَتَسُوسُهُ وَتَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ وَتَعْلِفُهَا وَتَسْقِي الْمَاءَ وَتَعْجِنُ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَالْمُرُوآتِ الَّتِي أَطْبَقَ النَّاسُ عَلَيْهَا وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَخْدُمُ زَوْجَهَا بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَنَحْوِهَا تَبَرُّعًا وَإِحْسَانًا مِنْهَا إلَى زَوْجِهَا وَحُسْنَ مُعَاشَرَةٍ وَفِعْلَ مَعْرُوفٍ مَعَهُ بِلَا وُجُوبٍ فَلَا تَأْثَمُ بِالتَّرْكِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ إلْزَامُهَا شَيْئًا بَلْ تَفَضُّلِيٌّ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَمْكِينُهُ مِنْ نَفْسٍ وَمُلَازَمَةُ الْبَيْتِ (وَتِلْمِيذِهِ بِإِذْنِهِ إنْ كَانَ بَالِغًا أَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ صَبِيًّا) فَإِنَّ الصَّبِيَّ

ص: 227

مَحْجُورٌ عَلَيْهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي مَنَافِعِ نَفْسِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ (وَأَقْبَحُ السُّؤَالِ مَا كَانَ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى)

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إعْطَاءِ مَنْ يَسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ رِعَايَةً لِجَانِبِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَمَنْ تَابَعَهُ لَا يُعْطَى لَهُ زَجْرًا لَهُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ أَقُولُ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ التَّفْصِيلُ إنَّ السُّؤَالَ مِنْ قَبِيلِ الْجَوَازِ سِيَّمَا الْوَاجِبُ فَيُعْطَى لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لِوَجْهِ اللَّهِ وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِ الصَّلَاحِيَّةِ لَهُ اعْلَمْ أَنَّ مِقْدَارَ الْغِنَى الْمُحَرِّمِ لِلسُّؤَالِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَفْصِيلٍ وَهُوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لَا حَقَّ لِابْنِ آدَمَ إلَّا فِي ثَلَاثٍ طَعَامٌ يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ وَثَوْبٌ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ وَبَيْتٌ يَسْكُنُهُ فَمَا زَادَ فَهُوَ حِسَابٌ؛ هَذِهِ أَجْنَاسُهَا. وَأَمَّا أَقْدَارُهَا فَالثَّوْبُ مَثَلًا يُرَاعَى فِيهِ مَا يَلِيقُ بِذَوِي الدَّيْنِ وَهُوَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَقَمِيصٌ وَمِنْدِيلٌ وَسَرَاوِيلُ وَمَدَاسٌ»

وَكَذَا أَثَاثُ الْبَيْتِ لَا يُطْلَبُ كَوْنُ الْأَوَانِي مِنْ النُّحَاسِ وَالصُّفْرِ فِيمَا يَكْفِي فِيهِ الْخَزَفُ فَيَقْتَصِرُ مِنْ الْعَدَدِ عَلَى وَاحِدٍ وَمِنْ النَّوْعِ عَلَى أَخَسِّ أَجْنَاسِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنْ الْعَادَةِ

وَأَمَّا الطَّعَامُ فَقَدْرُهُ فِي الْيَوْمِ مُدٌّ وَهُوَ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ وَنَوْعُهُ مَا يُقْتَاتُ وَلَوْ الشَّعِيرَ وَالْأُدْمَ عَلَى الدَّوَامِ فَضْلٌ وَقَطْعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ إضْرَارٌ وَفِي طَلَبِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ رُخْصَةٌ وَأَمَّا الْمَسْكَنُ فَأَقَلُّهُ مَا يَجْزِي مِنْ حَيْثُ الْمِقْدَارُ وَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ زِينَةٍ ثُمَّ هَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ حَقِيقَةً ثُمَّ الْحَاجَةُ إلَيْهَا إمَّا فِي الْحَالِ مِنْ طَعَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ أَوْ مَأْوًى يَسْكُنُهُ فَلَا شَكَّ فِي حِلِّ السُّؤَالِ وَأَمَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَثَلَاثُ دَرَجَاتٍ أَمَّا مَا يُحْتَاجُ فِي غَدٍ وَبَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ خَمْسِينَ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ فَالسَّائِلُ الَّذِي لَهُ وَلِعِيَالِهِ قُوتُ سَنَةٍ فَسُؤَالُهُ حَرَامٌ لِأَنَّ ذَلِكَ غَايَةُ الْغِنَى وَأَمَّا مَا دُونَ السَّنَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ إنْ كَانَ غَنِيًّا فِي الْحَالِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الْفُرْصَةِ فِي الِاسْتِقْبَالِ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ لَا يُعْطِيهِ إذَا أَخَّرَ لِأَنَّ الْبَقَاءَ سَنَةً مُمْكِنٌ عَادَةً وَيَدْخُلُ فِيهِ خُرُوجُ طَلَبَةِ الْعُلُومِ فِي الْمَوَاسِمِ لِإِدْخَارِ قُوتِ سَنَةٍ لِأَنَّهُمْ يَتَفَرَّغُونَ لِلْعِلْمِ وَلَا يَعْتَدُّونَ لِلْكَسْبِ وَلَيْسَ لَهُمْ أَمْوَالٌ صَالِحَةٌ لِمَصَارِفِهِمْ الضَّرُورِيَّةِ وَإِنْ كَانَ لِعِلَّةِ خَوْفِ الْعَجْزِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ضَعِيفًا وَكَانَ مَا لِأَجْلِهِ السُّؤَالُ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ وَالْإِصْغَاءِ إلَى تَخْوِيفِ الشَّيْطَانِ وَحَالُ مَنْ يَسْأَلُ لِحَاجَةٍ وَرَاءَ يَوْمِهِ وَحَالُ مَنْ مَلَكَ مَالًا مَوْرُوثًا وَادَّخَرَهُ لِحَاجَةٍ وَرَاءَ السَّنَةِ سِيَّانِ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَا مُبَاحَيْنِ فِي الْفَتْوَى الظَّاهِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (طب عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ» تَتِمَّةُ الْحَدِيثِ - «وَمَلْعُونٌ مَنْ يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْرًا» - أَيْ قَبِيحًا لَا يَلِيقُ بِالسُّؤَالِ

قَالَ الْعِرَاقِيُّ لَعْنَةُ فَاعِلِ ذَلِكَ لَا يُنَاقِضُهَا اسْتِعَاذَةُ النَّبِيِّ بِوَجْهِ اللَّهِ لِأَنَّ مَا هُنَا جَانَبَ طَلَبَ تَحْصِيلِ الشَّيْءِ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَذَاكَ فِي سُؤَالِ الْخَالِقِ أَوْ الْمَنْعُ فِي الْأَمْرِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْجَوَازُ فِي الْأُخْرَوِيِّ قِيلَ عَنْ الْهَيْتَمِيِّ فِي رِجَالِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُ (د عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ» اُسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ سُؤَالَ اللَّهِ بِوَجْهِهِ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا مَنْهِيٌّ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا بَلْ يُسْأَلُ بِهِ الْجَنَّةُ نَحْوُ نَسْأَلُك الْجَنَّةَ بِوَجْهِك الْكَرِيمِ وَنَسْأَلُك بِوَجْهِك الْكَرِيمِ أَنْ تُدْخِلَنَا الْجَنَّةَ رُوِيَ نَفْيًا وَنَهْيًا وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَسْأَلُوا مِنْ النَّاسِ شَيْئًا بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى نَحْوَ أَعْطِنِي شَيْئًا بِوَجْهِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْحُطَامِ وَذِكْرُ الْجَنَّةِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّنْبِيهِ بِهِ عَلَى الْأُمُورِ الْعِظَامِ لَا لِلتَّخْصِيصِ فَلَا يُسْأَلُ اللَّهُ بِوَجْهِهِ فِي الْأُمُورِ الدَّنِيَّةِ بِخِلَافِ الْأُمُورِ الْعِظَامِ تَحْصِيلًا أَوْ دَفْعًا (وَمِنْ

ص: 228