الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ الْإِسْرَافَ هَلْ يَقَعُ فِي الصَّدَقَةِ]
(الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ)(فِي أَنَّ الْإِسْرَافَ هَلْ يَقَعُ فِي الصَّدَقَةِ) فَيَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ كَمَا عَرَفْت (رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ) أَحَدُ أَعْلَامِ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمُفَسِّرِينَ قَرَأَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، وَعَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ يُقَالُ مَاتَ، وَهُوَ سَاجِدٌ (أَنَّهُ قَالَ لَوْ كَانَ أَبُو قُبَيْسٍ) جَبَلٌ عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ وَيُقَالُ لَهُ جَبَلُ الْأَمِينِ (ذَهَبًا لِرَجُلٍ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ وَالْآثَارِ، وَعَدَمِ تَنَافِي مَاهِيَّةِ الصَّدَقَةِ وَعَدَمِ شُمُولِ مَاهِيَّةِ الْإِسْرَافِ (، وَلَوْ أَنْفَقَ) أَيْ أَعْطَى فَلِلْمُشَاكَلَةِ أَوْ لِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (دِرْهَمًا) وَاحِدًا (أَوْ مُدًّا) رُبْعَ صَاعٍ (فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ مُسْرِفًا) فَمَا أُنْفِقَ فِي سَبِيلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كَثُرَ فَلَيْسَ بِسَرَفٍ، وَفِي مَعْصِيَتِهِ فَسَرَفٌ، وَإِنْ قَلَّ لَكِنْ لَعَلَّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِعَدَمِ ضَرُورَتِهِ كَاضْطِرَارِ قُوتِهِ الْيَوْمِيِّ مَثَلًا إذْ لَا يَجُوزُ تَصَدُّقُ نَحْوِ هَذَا الْقَدْرِ حِينَئِذٍ (وَفِي هَذَا الْمَعْنَى) أَيْ فِي حَقِّ عَدَمِ كَوْنِ الْإِنْفَاقِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى سَرَفًا وَلَوْ كَثُرَ، وَرُدَّ (قَوْلُ حَاتِمٍ) الطَّائِيِّ قِيلَ هُوَ الْمَشْهُورُ بِالسَّخَاءِ وَالْجُودِ (حِينَ قِيلَ لَهُ لَا خَيْرَ فِي السَّرَفِ فَقَالَ لَا سَرَفَ فِي الْخَيْرِ) لَعَلَّ حَاتِمًا مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ لِعِلْمِهِ أَوْ صَلَاحِهِ وَزُهْدِهِ وَرِيَاضَتِهِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا يُقَالُ إنَّ حَاتِمًا كَافِرٌ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَا ذُكِرَ هُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ كَلَامٌ عَقْلِيٌّ مُطَابِقٌ لِلنَّقْلِ فَيُطَابِقُ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ فِي مَضْمُونِهِ (فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ ظَاهِرِهِ) أَيْ ظَاهِرِ كَلَامِ مُجَاهِدٍ وَحَاتِمٍ مَثَلًا (أَنْ لَا سَرَفَ فِي الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ لَهُ ضَرُورَةُ احْتِيَاجٍ أَوْ لَا
(وَهَذَا) الظَّنُّ (فَاسِدٌ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ يَظْهَرُ مِمَّا نُورِدُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) مِنْ قَوْلِنَا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَالْقَاضِي وَ) الْإِمَامُ الْفَخْرُ (الرَّازِيّ) صَاحِبُ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ (وَغَيْرُهُمْ) لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُنْصِفْ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ بَلْ لَمْ يُصِبْ فِي الِاحْتِجَاجِ قَالَ فِي مِعْيَارِ السَّعَادَةِ فَاَلَّذِينَ أَخْطَئُوا فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ اعْتَقَدُوا مَذَاهِبَ بَاطِلَةً، وَعَمَدُوا إلَى الْقُرْآنِ فَتَأَوَّلُوهُ عَلَى رَأْيِهِمْ وَأُصُولِ مَذْهَبِهِمْ مِثْلُ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ الْأَصَمِّ وَالْجُبَّائِيِّ وَالزَّمَخْشَرِيِّ، وَأَمْثَالِهِمْ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْعِبَارَةِ يَدُسُّ الْبِدَعَ فِي كَلَامِهِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ كَصَاحِبِ الْكَشَّافِ وَنَحْوِهِ حَتَّى قَالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَشَّافَ كِتَابٌ عَظِيمٌ فِي بَابِهِ وَمُصَنِّفَهُ إمَامٌ فِي فَنِّهِ إلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ مُبْتَدِعٌ مُتَجَاهِرٌ بِبِدْعَتِهِ يَضَعُ مِنْ قَدْرِ النُّبُوَّةِ كَثِيرًا وَيُسِيءُ أَدَبَهُ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالْوَاجِبُ كَشْطُ مَا فِي كِتَابِ الْكَشَّافِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا أَنَّ الْأَعَاجِمَ يَدْرُسُونَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيَجِبُ مَنْعُ مَنْ لَا يَرْسَخُ فِي الشَّرِيعَةِ وَالسُّنَّةِ قَدَمُهُ عَنْهَا، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي إتْقَانِ السُّيُوطِيّ.
وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا الرَّازِيّ مَلَأَ تَفْسِيرَهُ بِأَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ وَخَرَجَ مِنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ حَتَّى يَقْضِيَ النَّاظِرُ الْعَجَبَ مِنْ عَدَمِ مُطَابَقَةِ الْآيَةِ قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ جَمَعَ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً طَوِيلَةً لَا حَاجَةَ بِهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا التَّفْسِيرَ إلَى آخِرِ مَا قَالَ فِيهِ ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ شَافِعِيُّونَ، وَلَا خَيْرَ فِي الِاحْتِجَاجِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ إذْ لَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْخِلَافِيَّاتِ فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ عَلَى هَذَا الِاحْتِجَاجِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي دَفْعِ الْأَوَّلِ أَيْضًا إنَّ الِاحْتِجَاجَ رَاجِعٌ إلَى جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ اُعْتُرِفَ أَنَّهُ كِتَابٌ عَظِيمٌ فِي بَابِهِ أَيْ الْعَرَبِيَّةِ فَافْهَمْ.
(إدْخَالُ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ عَلَيْهِ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [البقرة: 3](لِلْكَفِّ عَنْ الْإِسْرَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ) فَفِي الْإِنْفَاقِ أَيْ الصَّدَقَةِ سَرَفٌ
(بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ) أَيْ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ (أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْإِنْفَاقِ صَرْفُ الْمَالِ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ هِدَايَتِهِ تَعَالَى وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَلَاحُ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِيمَا هُوَ نَافِلَةٌ، وَهَذَا الْإِنْفَاقُ زَكَاةُ فَرْضٍ (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَآتُوا حَقَّهُ} [الأنعام: 141] أَيْ الْوَاجِبَ فِيهِ (يَوْمَ حَصَادِهِ) يُرِيدُ بِهِ مَا كَانَ يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْحَصَادِ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ لَا الزَّكَاةَ الْمُقَدَّرَةَ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وَقِيلَ الزَّكَاةَ، وَالْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، وَالْأَمْرُ بِإِتْيَانِهِ يَوْمَ الْحَصَادِ لِيُهْتَمَّ بِهِ حِينَئِذٍ حَتَّى لَا يُؤَخَّرَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْأَدَاءِ؛ وَلِيُعْلَمَ أَنَّ الْوُجُوبَ بِالْإِدْرَاكِ لَا بِالتَّنْقِيَةِ.
{وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]- قَالَ السَّابِقُونَ) أَيْ الْمَذْكُورُونَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ (أَيْ، وَلَا تُسْرِفُوا فِي الصَّدَقَةِ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّدَقَةِ سَرَفٌ لَمَا نَهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُتَصَوَّرًا (لِمَا رُوِيَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ رضي الله عنه) الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّهُ صَرَمَ» أَيْ قَطَعَ «خَمْسَمِائَةِ نَخْلَةٍ» أَيْ قَطَعَ ثَمَرَهَا وَجَمَعَهُ «ثُمَّ قَسَمَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ» عَلَى الْفُقَرَاءِ «وَلَمْ يَتْرُكْ لِأَهْلِهِ شَيْئًا فَنَزَلَتْ {وَلا تُسْرِفُوا} [الأنعام: 141] أَيْ لَا تُعْطُوا كُلَّهُ» .
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ)(رحمه الله «قَالَ جَدَّ» أَيْ قَطَعَ «مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَخْلَةً فَلَمْ يَزَلْ يَتَصَدَّقُ» بِالتَّمْرِ «حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ» لِأَهْلِهِ «فَنَزَلَ {وَلا تُسْرِفُوا} [الأنعام: 141] » ، وَقَالَ السُّدِّيَّ رحمه الله أَيْ، وَلَا تُعْطُوا أَمْوَالَكُمْ) بِالْكُلِّيَّةِ إلَى الْفُقَرَاءِ (فَتَقْعُدُوا فُقَرَاءَ) أَيْ فَتَصِيرُوا مُحْتَاجِينَ بِالْإِسْرَافِ (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29] .
وَقَالَ جَابِرٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «جَاءَ غُلَامٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ أُمِّي تَسْأَلُك كَذَا وَكَذَا» كِنَايَةً عَنْ تَعْدَادِ الشَّيْءِ، وَعِدَّتِهِ، وَتَعَدُّدُ الْأَمْرِ كِنَايَةٌ عَمَّا يُرَادُ بِهِ «فَقَالَ عليه الصلاة والسلام مَا عِنْدَنَا الْيَوْمَ شَيْءٌ) فَذَهَبَ إلَى أُمِّهِ فَقَالَتْ قُلْ لَهُ إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيك الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْك فَجَاءَ، وَ (قَالَ فَتَقُولُ لَك) أُمِّي (اُكْسُنِي قَمِيصَك) فَدَخَلَ عليه الصلاة والسلام بَيْتَهُ (فَخَلَعَ قَمِيصَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ وَجَلَسَ فِي الْبَيْتِ عُرْيَانًا» ، وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَأَذَّنَ بِلَالٌ لِلصَّلَاةِ وَانْتَظَرُوا رَسُولَ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام يَخْرُجُ» أَيْ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَمْ يَخْرُجْ «وَاشْتَغَلَتْ الْقُلُوبُ» وَتَرَدَّدَتْ بِعَدَمِ خُرُوجِهِ «فَدَخَلَ بَعْضُهُمْ فَإِذَا هُوَ عَارٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ» {وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29] {فَتَقْعُدَ} [الإسراء: 29] فِي بَيْتِك {مَلُومًا} [الإسراء: 29] عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ {مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] مَكْشُوفًا مِنْ حَسَرَ عَنْ ذِرَاعِهِ أَيْ كَشَفَ (كَذَا ذَكَرَهُ السَّابِقُونَ) مِنْ الْمُفَسِّرِينَ الْمَذْكُورِينَ
(خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» لَفْظُ ظَهْرِ مُقْحَمٌ وَالْغِنَى هُنَا مُجَرَّدُ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْغَيْرِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ لَا الْغِنَى الشَّرْعِيُّ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَنْدَمُ غَالِبًا وَنُكِّرَ غِنًى لِلتَّفْخِيمِ، وَلَا يُنَافِيهِ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جَهْدُ الْمُقِلِّ» ؛ لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ تَتَفَاوَتُ حَسْبَ الْأَشْخَاصِ، وَقُوَّةِ التَّوَكُّلِ أَوْ الْمُرَادُ بِالْمُقِلِّ الْغَنِيُّ الْقَلْبِ كَمَا فِي الْفَيْضِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرْضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» قَالَ النَّوَوِيُّ مَذْهَبُنَا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَلَا لَهُ عِيَالٌ لَا يَصْبِرُونَ وَيَكُونُ هُوَ يَصْبِرُ عَلَى الْفَقْرِ فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ هَذِهِ الشُّرُوطَ فَمَكْرُوهٌ. آخِرُ الْحَدِيثِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «وَابْدَأْ» أَمْرٌ مِنْ الْبَدْءِ أَيْ ابْتَدِئْ «بِمَنْ تَعُولُ» أَيْ بِمَنْ تَلْزَمُك نَفَقَتُهُ وَالْمَعْنَى أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ قَدْرِ كِفَايَةِ عِيَالِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِظَهْرِ الْغِنَى مَا يَفْضُلُ عَنْ الْعِيَالِ، وَعَنْ النَّوَوِيِّ أَيْ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ بَعْدَهَا غِنًى يَسْتَظْهِرُ بِهِ صَاحِبُهَا عَلَى مَصَالِحِهِ إذْ الْمُتَصَدِّقُ بِمَالِهِ كُلِّهِ يَنْدَمُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَقِيلَ أَيْ مَا كَانَ بَعْدَ الصَّدَقَةِ مَا يَقُومُ بِحُقُوقِ النَّفْسِ وَالْعِيَالِ، وَعَلَيْهِ يَشْكُلُ بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الحشر: 9] إذْ نُزُولُهَا لِأَنْصَارِيٍّ آثَرَ عَلَى احْتِيَاجِ نَفْسِهِ أَوْ عَلَى احْتِيَاجِ صَبِيِّهِ فَقِيرًا مُهَاجِرِيًّا وقَوْله تَعَالَى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: 8] أَيْ عَلَى شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَقُوَّةِ الشَّهْوَةِ لَهُ لَعَلَّ الْجَوَابَ عَنْ الْحَدِيثِ السَّابِقِ جَوَابٌ هُنَا أَيْضًا ثُمَّ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ مِنْ الْجَامِعِ وَقَعَ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الْحَدِيثَ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ تَبْقِيَةَ بَعْضِ الْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِكُلِّهِ إلَّا لِأَهْلِ الْيَقِينِ كَالصِّدِّيقِ وَأَضْرَابِهِ، وَمَحْصُولُهُ أَنَّ الْفَضِيلَةَ تَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ، وَقُوَّةِ التَّوَكُّلِ وَضَعْفِ الْيَقِينِ كَمَا مَرَّ.
وَعَنْ الطَّبَرَانِيِّ «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ غِنًى» أَيْ مَا بَقِيَتْ لَك بَعْدَ إخْرَاجِهَا كِفَايَةٌ لَك؛ وَلِعِيَالِك، وَقِيلَ مَا حَصَلَ بِهِ لِلسَّائِلِ غِنًى عَنْ سُؤَالٍ كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَلْفٍ فَأَعْطَاهُ لِمِائَةِ رَجُلٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ الْغِنَى بِخِلَافِ إعْطَائِهِ لِوَاحِدٍ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» .
(غ) الْبَغَوِيّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ عِنْدِي دِينَارٌ» قِيلَ وَزْنُهُ إحْدَى وَسَبْعُونَ شَعِيرَةً وَالْمَشْهُورُ أَنَّ تَدْوِيرَهُ فِي خِلَافَةِ الْفَارُوقِ رضي الله عنه وَكَانَ قَبْلَهُ عَلَى شَبَهِ النَّوَاةِ بِلَا نَقْشٍ ثُمَّ نُقِشَ فِي زَمَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ «فَقَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «ابْدَأْ بِنَفْسِك» «قَالَ عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ» أَيْ أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِنْفَاقِ وَبَيْنَ الِادِّخَارِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» .
(م عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْدَأْ بِنَفْسِك» أَيْ بِمَا تَحْتَاجُهُ
«فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا» ؛ لِأَنَّك الْمَخْصُوصُ بِالنِّعْمَةِ الْمُنْعَمِ عَلَيْك بِهَا وَكَوْنُهُ صَدَقَةً؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْوُجُوبِ إنْ مِنْ حَلَالٍ «فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِك» فَهُوَ زَوْجُك قَدَّمَ الزَّوْجَةَ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا مُعَاوَضَةٌ وَمَا بَعْدَهَا مُوَاسَاةٌ «فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِك» شَيْءٌ «فَلِذِي قَرَابَتِك» ؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْك فَصِلَةُ أَرْحَامٍ «فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِك شَيْءٌ فَهَكَذَا، وَهَكَذَا» أَيْ بَيْنَ يَدَيْك، وَعَنْ يَمِينِك وَشِمَالِك كَنَّى بِهِ عَنْ تَكْثِيرِ الصَّدَقَةِ وَتَنْوِيعِ جِهَاتِهَا قَالَ الْمُحَقِّقُ أَبُو زُرْعَةَ: مَحَلُّ تَقْدِيمِ النَّفْسِ فِيمَنْ لَا يَصْبِرُ، وَإِلَّا فَالْإِيثَارُ مَحْبُوبٌ وَمَحْمُودٌ جَاءَ بِمَدْحِهِ الْقُرْآنُ.
وَفِيهِ أَنَّ الْحُقُوقَ وَالْفَضَائِلَ إذَا تَزَاحَمَتْ قُدِّمَ الْآكَدُ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي صَدَقَةِ النَّفْلِ تَنْوِيعُهَا فِي وُجُوهِ الْبِرِّ بِالْمَصْلَحَةِ، وَلَا يَحْصُرُهَا فِي النَّفَقَةِ وَمِثْلُهُ التَّصَدُّقُ بِثَمَنِ الْعَبْدِ إلَى الْفُقَرَاءِ الْمُتَكَثِّرَةِ أَفْضَلُ مِنْ إعْتَاقِ عَيْنِ الْعَبْدِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَالْعَمَلُ بِالْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ النُّطْقِ إذَا فُهِمَ الْمُرَادُ بِهَا إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ لَمْ يَكْتَفُوا بِإِشَارَةِ النَّاطِقِ إلَّا فِي الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ كَذَا فِي الْفَيْضِ ثُمَّ إنَّهُ لَوْ أَنْفَقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَعَ احْتِيَاجِهِ بِدُونِ الصَّبْرِ مِنْهُ أَوْ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ يَكُونُ مُسْرِفًا كَمَا نُقِلَ عَنْ الْحَاشِيَةِ.
(وَقَالَ خ وَمَنْ تَصَدَّقَ، وَ) الْحَالُ (هُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ) ، وَأَوْلَى أَوْ أَوْجَبُ (أَنْ يُقْضَى مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَهُوَ) أَيْ الصَّدَقَةُ (رَدٌّ عَلَيْهِ) مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَقِيلَ أَيْ غَيْرُ نَافِذٍ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ سَفِيهٌ مُسْرِفٌ وَتَصَرُّفُهُ مَرْدُودٌ مُطْلَقًا عِنْدَ الْبَعْضِ مِنْهُمْ الْبُخَارِيُّ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ نَافِذٌ قَبْلَ حَجْرِ الْقَاضِي مَرْدُودٌ بَعْدَهُ وَالْحَجْرُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَافِذٌ إلَّا أَنْ يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَى قَوْلِهِمَا، وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي حَجْرُهُ عِنْدَهُ كَذَا قِيلَ (وَقَالَ) أَيْ الْبُخَارِيُّ (فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ) أَيْ الْأَهْلِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ (بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ) بَلْ يَجِبُ تَرْكُ الصَّدَقَةِ لِيُوصِلَ حَقَّ كُلِّ ذِي حَقٍّ إلَيْهِ فَاسْتِخْرَاجُ الْبُخَارِيِّ الْحُكْمَ مِنْ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُجْتَهِدًا كَمَا قِيلَ، وَقِيلَ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ فَيَكُونُ الِاسْتِخْرَاجُ لَا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ مَا يَعْرِفُهُ الْعَالِمُ الْعَامِّيُّ مِنْ النَّصِّ لِوُضُوحِ دَلَالَتِهِ فَحِينَئِذٍ لَا حُسْنَ فِي تَخْصِيصِ التَّفْرِيعِ إلَى الْبُخَارِيِّ فَتَأَمَّلْ.
(وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ) ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ مُجْتَهِدِي الْمَشَايِخِ آثَرَ كَوْنَ الْعَمَلِ أَفْضَلَ مِنْ الْعِلْمِ فَتَقَاعَدَ عَنْ التَّصْنِيفِ وَالتَّدْرِيسِ فَتَفَرَّغَ لِلزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ (أَنَّهُ قَالَ لَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَنْ يَصْطَبِغَ) خُبْزَهُ (بِالزَّيْتِ أَوْ بِالْخَلِّ مَا لَمْ يَقْضِ دَيْنَهُ) ؛ لِأَنَّ هَذَا تَرَفُّهٌ، وَقَضَاءُ الْحَقِّ الْوَاجِبِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ هَذَا إمَّا مَذْهَبٌ مُخْتَصٌّ بِهَذَا الْوَلِيِّ أَوْ أَنَّ مَالَهُ لَا يَفِي دَيْنَهُ لِتَسَاوِي الدَّيْنِ أَوْ لِغَلَبَتِهِ عَلَى الْمَالِ (وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ) الْعَسْقَلَانِيُّ (قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ) الْمَالِكِيُّ أَحَدُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ (أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمِدْيَانَ) أَيْ مَنْ كَثُرَ دَيْنُهُ (لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ وَيَتْرُكَ قَضَاءَ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ