المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[السابع والعشرون الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف] - بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية - جـ ٣

[محمد الخادمي]

فهرس الكتاب

- ‌[السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ]

- ‌[مَبْحَثٌ فِي غَوَائِل الْبُخْل وَسَبَبِهِ وَآفَاتِهِ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ حُبُّ الْمَالِ لِلْحَرَامِ]

- ‌[مَبْحَثٌ فِي سَبَبِ حُبِّ الْمَالِ وَعِلَاجِهِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي الْإِسْرَاف]

- ‌[الْمَبْحَثُ الثَّانِي الْعِلَّةُ الْخَفِيَّةُ وَالسَّبَبُ الْأَصْلِيُّ فِي ذَمِّ الْإِسْرَاف]

- ‌[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ لِلْإِسْرَافِ فِي أَصْنَافِ الْإِسْرَافِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ الْإِسْرَافَ هَلْ يَقَعُ فِي الصَّدَقَةِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ فِي عِلَاجِ الْإِسْرَافِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ مِنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ الْعَجَلَةُ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْفَظَاظَةُ وَغِلْظَةُ الْقَلْبِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْوَقَاحَةُ قِلَّةُ الْحَيَاءِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْجَزَعُ وَالشَّكْوَى]

- ‌[الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ السُّخْطُ وَالتَّضَجُّرُ]

- ‌[الْأَرْبَعُونَ التَّعْلِيقُ ذِكْرُ قِوَامِ بِنْيَتِك عَنْ شَيْءٍ]

- ‌[الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ حُبُّ الْفَسَقَةِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بُغْضُ الْعُلَمَاءِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ الْجُرْأَةُ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْيَأْسُ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحُزْنُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا]

- ‌[السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْخَوْفُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا]

- ‌[السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْغِشُّ وَالْغُلُّ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ الْفِتْنَةُ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْمُدَاهَنَةُ]

- ‌[الْخَمْسُونَ الْأُنْسُ بِالنَّاسِ وَالْوَحْشَةُ لِفِرَاقِهِمْ]

- ‌[الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ الطَّيْشِ وَالْخِفَّةِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ الْعِنَادُ وَمُكَابَرَةُ الْحَقِّ وَإِنْكَارُهُ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ التَّمَرُّدُ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ الصَّلَفُ]

- ‌[السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ الْجَرْبَزَةُ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ الْبَلَادَةُ وَالْغَبَاوَةُ وَالْحَمَاقَةُ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ الشَّرَهُ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ الْخُمُودُ]

- ‌[السِّتُّونَ آخِرُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ]

- ‌[الصِّنْفُ الثَّانِي فِي آفَاتِ اللِّسَانِ وَهُوَ قِسْمَانِ]

- ‌[الْقِسْم الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ حِفْظِهِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ آفَاتِ اللِّسَانِ وَفِيهِ سِتَّةُ مَبَاحِثَ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي الْكَلَامِ الَّذِي الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرُ وَهُوَ سِتُّونَ]

- ‌[الْأَوَّلُ كَلِمَةُ الْكُفْرِ]

- ‌[الثَّانِي مَا فِيهِ خَوْفُ الْكُفْرِ]

- ‌[الثَّالِثُ الْخَطَأُ]

- ‌[الرَّابِعُ الْكَذِبُ]

- ‌[السَّادِسُ الْغِيبَةُ]

- ‌[السَّابِعُ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ النَّمِيمَةُ]

- ‌[الثَّامِنُ السُّخْرِيَةُ وَالِاسْتِهْزَاءُ]

- ‌[التَّاسِعُ اللَّعْنُ]

- ‌[الْعَاشِرُ السَّبُّ]

- ‌[الْحَادِي عَشَرَ الْفُحْشُ]

- ‌[الثَّانِيَ عَشَرَ الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالتَّعْيِيرُ]

- ‌[الثَّالِثَ عَشَرَ النِّيَاحَةُ]

- ‌[الرَّابِعَ عَشَرَ حُكْمُ الْمِرَاء]

- ‌[الْخَامِسَ عَشَرَ الْجِدَالُ]

- ‌[السَّادِسَ عَشَرَ الْخُصُومَةُ]

- ‌[السَّابِعَ عَشَرَ الْغِنَاءُ]

- ‌[الْوَصِيَّةُ لِلْمُغَنِّينَ وَالْمُغَنِّيَاتِ]

- ‌[التَّغَنِّي بِمَعْنَى حُسْنِ الصَّوْتِ بِلَا لَحْنٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَإِسْقَاطِ حَرْفٍ مِنْ الْقُرْآنُ]

- ‌[الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ الْمَوْضُوعَةِ الْمُحْدَثَةِ الْمُوَافِقَةِ لِعِلْمِ الْمُوسِيقَى]

- ‌[الِاسْتِغْنَاءُ بِالْقُرْآنِ عَنْ الْأَشْعَارِ وَأَحَادِيثِ النَّاسِ]

- ‌[الثَّامِنَ عَشَرَ إفْشَاءُ السِّرِّ]

- ‌[التَّاسِعَ عَشَرَ الْخَوْضُ فِي الْبَاطِلِ]

- ‌[الْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمَّنْ لَا حَقَّ فِيهِ]

- ‌[الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْعَوَامّ عَنْ كُنْهِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ السُّؤَالُ عَنْ الْمُشْكِلَاتِ الظَّاهِرَةِ فِي الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ الْخَطَأُ فِي التَّعْبِيرِ وَدَقَائِقُ الْخَطَأِ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ النِّفَاقُ الْقَوْلِيُّ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ كَلَامُ ذِي اللِّسَانَيْنِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَعْرُوفِ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ غِلْظَةُ الْكَلَامِ وَالْعُنْفُ فِيهِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ السُّؤَالُ وَالتَّفْتِيشُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ]

- ‌[الثَّلَاثُونَ افْتِتَاحُ الْجَاهِلِ الْكَلَامَ]

- ‌[الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ التَّكَلُّمُ عِنْدَ الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِغَيْرِ الْإِجَابَةِ]

- ‌[الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي حَالَ الْخُطْبَةِ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ كَلَامُ الدُّنْيَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي الْخَلَاءِ وَعِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ عِنْدَ الْجِمَاعِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الدُّعَاءُ عَلَى مُسْلِمٍ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ وَالظَّالِمِ بِالْبَقَاءِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ]

- ‌[الْأَرْبَعُونَ كَلَامُ الدُّنْيَا فِي الْمَسَاجِدِ]

- ‌[الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَضْعُ لَقَبِ سُوءٍ لِمُسْلِمٍ]

- ‌[الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ]

- ‌[الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ كَثْرَةُ الْحَلِفِ وَلَوْ عَلَى الصِّدْقِ]

- ‌[الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ سُؤَالُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ]

- ‌[السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ سُؤَالُ تَوْلِيَةِ الْأَوْقَافِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ طَلَبُ الْوِصَايَةِ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ رَدُّ عُذْرِ أَخِيهِ وَعَدَمُ قَبُولِهِ]

- ‌[الْخَمْسُونَ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ]

- ‌[الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ إخَافَةُ الْمُؤْمِنِ]

- ‌[الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ قَطْعُ كَلَامِ الْغَيْرِ وَحَدِيثِهِ بِكَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ]

الفصل: ‌[السابع والعشرون الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف]

مِنْ الْأَمْرِ «مَا شَاءَ» يَعْنِي أَنَّ قَضَاءَ حَاجَةِ مَنْ شَفَعَ بِتَقْدِيرِهِ تَعَالَى كَمَا أَنَّ عَدَمَهُ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ حَجَّ وَاعْتَمَرَ» وَفِي رِوَايَةٍ «كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ عُمُرَهُ» .

(وَفِي رِوَايَةٍ «كَانَ إذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا» عَلَيْهَا ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ (الْحَدِيثِ) السَّابِقِ (د عَنْ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا» يُثِبْكُمْ اللَّهُ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ فِيمَا لَا حَدَّ فِيهِ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ.

قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْخَيْرِ بِالْفِعْلِ وَالنَّسَبِ قَالَ فِي الْأَذْكَارِ تُسْتَحَبُّ الشَّفَاعَةُ إلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الْحُقُوقِ مَا لَمْ تَكُنْ فِي حَدٍّ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ كَالشَّفَاعَةِ إلَى نَاظِرِ طِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ وَقْفٍ فِي تَرْكِ بَعْضِ حَقِّ مَنْ فِي وِلَايَتِهِ فَشَفَاعَتُهُ مُحَرَّمَةٌ وَفِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَلَى رِوَايَةِ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَنَّ هَذَا تَمَامُ الْحَدِيثِ وَفِيهِ عَلَى تَخْرِيجِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى زِيدَ قَوْلُهُ «وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ»

قَالَ فِي شَرْحِهِ فَاشْفَعُوا لِمَنْ عَرَضَ حَاجَةً يَحْصُلْ لَكُمْ أَجْرُ الشَّفَاعَةِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ فَإِنْ قُبِلَ أَوْ لَمْ يُقْبَلْ فَبِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مِنْ مَكَارِمِ أَخْلَاقِ الْمُصْطَفَى لِيَصِلُوا جَنَاحَ السَّائِلِ وَطَالِبِ الْحَاجَةِ وَهُوَ تَخَلُّقٌ بِأَخْلَاقِهِ تَعَالَى حَيْثُ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ «اشْفَعْ تُشَفَّعْ» فَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَدَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ ثَوَابِهَا وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ وَرُبَّمَا يَعْرِضُ لَهُ مَا يَعْرِضُ فَتَصِيرُ الشَّفَاعَةُ وَاجِبَةً انْتَهَى «فَإِنِّي أُرِيدُ الْأَمْرَ» الَّذِي أَسْأَلُ فِيهِ «فَأَدَّخِرُهُ» أَيْ لَا أَفْعَلُهُ حَالًا لِيَحْصُلَ لَكُمْ الْأَجْرُ بِالشَّفَاعَةِ «كَيْمَا» لَفْظَةُ مَا زَائِدَةٌ «تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا» أَيْ يَحْصُلُ لَكُمْ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ بِسَبَبِ الشَّفَاعَةِ يَعْنِي أَنْتَظِرُ فِي حُصُولِ الْأَمْرِ إلَى شَفَاعَتِكُمْ لِيَحْصُلَ لَكُمْ أَجْرُ الشَّفَاعَةِ.

قَالَ فِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ شَفَاعَةٌ حَسَنَةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ» وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَالَ «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَسْأَلُنِي فَأَمْنَعُهُ لِكَيْ تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا» يَعْنِي عِنْدَ سُؤَالِ الرَّجُلِ مِنِّي شَيْئًا أَمْنَعُهُ لِكَيْ تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا. وَقَالَ الْحَسَنُ الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ يَجْرِي أَجْرُهَا لِصَاحِبِهَا مَا جَرَتْ مَنْفَعَتُهَا

وَيُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ صَدَقَةٌ وَصَدَقَةُ الرِّيَاسَةِ الشَّفَاعَةُ وَإِعَانَةُ الضُّعَفَاءِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ مَنْ كَانَ دَخَّالًا عَلَى الْأُمَرَاءِ وَلَا يَكُونُ مُشَفَّعًا فَهُوَ ضَالٌّ دَعِيٌّ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى دَاوُد أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَأُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ قَالَ يَا رَبِّ وَمَا تِلْكَ الْحَسَنَةُ قَالَ مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ انْتَهَى

[السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَعْرُوفِ]

(السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} [التوبة: 67] أَيْ مُتَشَابِهَةٌ فِي النِّفَاقِ وَالْبَعْدِ عَنْ الْإِيمَانِ كَأَبْعَاضِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ {يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ} [التوبة: 67] بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [التوبة: 67] بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ (وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالظُّلْمِ وَإِعَانَةُ الظَّلَمَةِ عَلَى ظُلْمِهِمْ بِالْقَوْلِ وَضِدِّهِ) وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ (فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) فَلَوْ أَقَامَهُ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِلَّا أَثِمَ الْكُلُّ (عِنْدَ الْقُدْرَةِ بِلَا ضَرَرٍ) لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ نَعَمْ لَوْ اقْتَحَمَ ذَلِكَ وَخَاضَ مَعَهُ بَذْلًا لِنَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى أُجِرَ وَلِلْمَالِ إنْ كَانَ لَهُ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ

ص: 243

فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَاهُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.

وَفِي بُسْتَانِ أَبِي اللَّيْثِ إنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ عَلَى الْقَبُولِ فَوَاجِبٌ وَلَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ إنْ شَفَعَ قَذَفُوهُ وَشَتَمُوهُ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ وَكَذَا ضَرْبُهُمْ إنْ لَمْ يَصْبِرْ بَلْ يَكُونُ بَاعِثًا لِلْعَدَاوَةِ وَلَوْ عَلِمَ صَبْرَهُ عَلَى ضَرْبِهِمْ وَعَدَمِ اشْتِكَائِهِ لِأَحَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ جِهَادٌ وَمِنْ عَمَلِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَوْ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَهُ وَلَا يَضْرِبُونَهُ وَيَشْتُمُونَهُ فَمُخَيَّرٌ وَالْأَفْضَلُ الْأَمْرُ وَقَالُوا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ تَابِعٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ فَإِنْ وَاجِبًا فَوَاجِبٌ وَإِنْ نَدْبًا فَنَدْبٌ وَإِنْ سُنَّةً فَسُنَّةٌ وَإِنْ فَرْضًا فَفَرْضٌ قِيلَ وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَوَاجِبٌ كُلُّهُ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُنْكَرِ تَرْكُهُ وَاجِبٌ أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمَا قَالَ الْمُحَقِّقُ الدَّوَانِيّ إنَّ الْمُنْكَرَ إنْ كَانَ حَرَامًا وَجَبَ النَّهْيُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ مَنْدُوبًا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} [آل عمران: 104] لَفْظَةُ مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيْ كُونُوا أُمَّةً يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ فَيَجِبُ عَلَى كُلٍّ عَيْنًا وَلَوْ فَاسِقًا كَمَا يَأْتِي مُفَصَّلًا وَالْأَكْثَرُ تَبْعِيضِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ الْكُلُّ بَلْ مَنْ عَلِمَ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ وَكَيْفِيَّةَ تَرْتِيبِ الْأَمْرِ وَالْمُبَاشَرَةِ فَإِنَّ الْجَاهِلَ قَدْ يَعْكِسُ وَيَغْلُظُ فِي مَقَامِ اللِّينِ وَبِالْعَكْسِ وَرُبَّمَا يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَزِيدُ الْمُنْكَرَ فَلَا يَصْلُحُ لَهُ كُلُّ أَحَدٍ بَلْ لَهُ شُرُوطٌ كَالْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ وَمَرَاتِبِ الِاحْتِسَابِ وَكَيْفِيَّةِ إقَامَتِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْقِيَامِ بِهَا.

وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ قَالُوا هُنَا خَمْسُ مَرَاتِبَ الْأُولَى التَّعْرِيفُ الثَّانِيَةُ الْوَعْظُ بِالْكَلَامِ اللَّطِيفِ فَهُمَا لَا يَحْتَاجَانِ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ الثَّالِثَةُ السَّبُّ وَالْعُنْفُ بِلَا فُحْشٍ بِنَحْوِ يَا جَاهِلُ يَا أَحْمَقُ أَلَا تَخَافُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَلْزَمُ إذْنُهُ أَيْضًا الرَّابِعَةُ الْمَنْعُ بِالْقَهْرِ كَكَسْرِ الْمَلَاهِي وَإِرَاقَةِ الْخَمْرِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِذْنِ أَيْضًا إذْ الْمُسْلِمُونَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا الْخَامِسُ التَّهْدِيدُ وَالتَّخْوِيفُ بِالضَّرْبِ أَوْ مُبَاشَرَتِهِ فَيُحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ وَأَلَّا يَنْجَرَّ إلَى الْقِتَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَذَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَيُقِيمُ التَّعْزِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ بِلَا حَاجَةٍ إلَى الْحَاكِمِ فَتَأَمَّلْ.

ثُمَّ قَالَ فِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ فَلَهُ حِسْبَةٌ لِوَالِدِهِ بِالْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ وَفِي الثَّالِثِ يُنْظَرُ إلَى قُبْحِ الْمُنْكَرِ وَإِلَى مِقْدَارِ الْأَذَى وَالسَّخَطِ فَإِنَّ الْمُنْكَرَ فَاحِشًا وَسَخَطَهُ قَرِيبًا كَإِرَاقَةِ خَمْرِ مَنْ لَا يَشْتَدُّ غَضَبُهُ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِنَّ الْمُنْكَرَ قَرِيبًا وَالسَّخَطَ شَدِيدًا كَكَسْرِ آنِيَةِ بِلَّوْرٍ عَلَيْهَا صُورَةُ حَيَوَانٍ فَيُكْتَفَى بِالْأَوَّلَيْنِ وَكَذَا الرَّعِيَّةُ مَعَ السُّلْطَانِ فَبِالْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَيُنْظَرُ إلَى تَفَاحُشِ الْمُنْكَرِ وَحَالِ الْمُحْتَسِبِ مَعَ الْإِمَامِ وَأَمَّا الْأُسْتَاذُ فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ لَا يَجِبُ عَلَى التِّلْمِيذِ احْتِرَامُهُ {يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104] عَامٌّ إلَى مَا فِيهِ صَلَاحٌ دِينِيٌّ أَوْ دُنْيَوِيٌّ {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] الْمَخْصُوصُونَ بِكَمَالِ الْفَلَاحِ «سُئِلَ عليه الصلاة والسلام مَنْ خَيْرُ النَّاسِ فَقَالَ؟ آمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ» .

وَفِي الْأَخْبَارِ كَلَامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لَا لَهُ إلَّا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ ذِكْرَ اللَّهِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110] (م عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا» مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَاهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ «فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» هُوَ أَقْوَى الْأَنْوَاعِ إنْ كَانَ مِمَّا يُزَالُ بِالْيَدِ كَكَسْرِ آلَةِ اللَّهْوِ وَآنِيَةِ الْخَمْرِ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ شَرْعًا.

وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ عَقْلًا ثُمَّ إنْ عَلِمَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ فَكِفَايَةٌ وَإِلَّا فَعَيْنٌ كَمَا فِي الْفَيْضِ «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ» الْإِنْكَارَ بِيَدِهِ بِأَنْ يَظُنَّ لُحُوقَ ضَرَرٍ بِهِ لِكَوْنِ فَاعِلِهِ أَقْوَى مِنْهُ «فَ» الْوَاجِبُ تَغْيِيرُهُ «بِلِسَانِهِ» كَاسْتِغَاثَةٍ أَوْ تَوْبِيخٍ أَوْ تَذْكِيرٍ بِاَللَّهِ أَوْ إغْلَاظٍ إنْ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ ظَاهِرًا كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَلَمْ يَخْتَصَّ بِالْعُلَمَاءِ وَإِلَّا فَمُخْتَصٌّ بِهِمْ أَوْ بِمَنْ عَلِمَهُ مِنْهُمْ وَأَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مَجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ يَعْتَقِدَ فَاعِلُهُ تَحْرِيمَهُ أَوْ حِلَّهُ وَضَعْفَ شُبْهَتِهِ جِدًّا كَنِكَاحِ مُتْعَةٍ وَلَا يُنَاقِضُهُ قَوْله تَعَالَى {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105] لِأَنَّ مَعْنَاهُ إذَا كُلِّفْتُمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ لَا يَضُرُّكُمْ تَقْصِيرُ غَيْرِكُمْ.

«فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ» لِوُجُودِ مَانِعٍ كَخَوْفِ فِتْنَةٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَالٍ مُحْتَرَمٍ أَوْ شَهْرِ سِلَاحٍ «فَبِقَلْبِهِ» يُنْكِرُهُ وُجُوبًا بِأَنْ يَكْرَهَهُ

ص: 244

وَيَعْزِمَ أَنْ لَوْ قَدَرَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَعَلَ وَهَذَا وَاجِبٌ عَيْنًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ فَأَفَادَ الْخَبَرُ وُجُوبَ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِكُلِّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ فَلَا يَكْفِي الْوَعْظُ لِمَنْ يُمْكِنُهُ إزَالَتُهُ بِيَدِهِ وَلَا الْقَلْبُ لِمَنْ يُمْكِنُهُ بِاللِّسَانِ.

«وَذَلِكَ» أَيْ مَا بِالْقَلْبِ «أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» أَيْ خِصَالِهِ أَوْ آثَارِهِ وَثَمَرَاتِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ مِنْ التَّصْدِيقِ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ وَصَلَاحُ الْإِيمَانِ وَجَرَيَانُ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ إنَّمَا يَسْتَمِرُّ عِنْدَ اسْتِحْكَامِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِمَعْنَى ضَعْفِ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ وَأَنَّ الْأَصَحَّ زِيَادَتُهُ مِنْ حَيْثُ الْقُوَّةُ وَنُقْصَانُهُ مِنْ حَيْثُ الضَّعْفُ (وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي كَوْنِ الْوُجُوبِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ) لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ وَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ فَالْوُجُوبُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ (وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ) قِيلَ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى) .

وَفِي الصُّرَّةِ عَنْ ابْنِ الْمَلِكِ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَالْمَعْرُوفُ ضِدُّهُ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِالْيَدِ لِكَوْنِ فَاعِلِهِ أَقْوَى مِنْهُ فَلْيُغَيِّرْهُ بِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَنْعِ بِالْقَوْلِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِقَلْبِهِ أَيْ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ» .

(وَقَالَ بَعْضُهُمْ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْحَاكِمِ) إذْ ذَلِكَ مِنْ الْغَيْرِ رُبَّمَا يُفْضِي إلَى الْفِتْنَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ (وَبِاللِّسَانِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَبِالْقَلْبِ عَلَى الْعَوَامّ) فِي التتارخانية أَنَّهُ اخْتِيَارُ الزَّنْدَوَسْتِيِّ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَا عَلَى الْفَتَاوَى أَنَّهُ يُقِيمُ التَّعْزِيرَ كُلُّ أَحَدٍ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ إذْ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ شَأْنُ الْأُمَرَاءِ وَبِاللِّسَانِ شَأْنُ الْعُلَمَاءِ فَكُلُّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى التَّغْيِيرِ بِالْيَدِ مُلْحَقٌ بِالْأُمَرَاءِ فَكَذَا الْأَخِيرَانِ كَيْفَ وَقَدْ يَعْرِضُ عَارِضٌ فَيَكُونُ مَا بِاللِّسَانِ بَلْ مَا بِالْقَلْبِ مُتَعَيِّنًا لِلْأُمَرَاءِ وَكَذَا الْأَخِيرَانِ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ

(وَهُوَ) أَيْ الْوُجُوبُ عَلَى هَذَا التَّوْزِيعِ (الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) ظَاهِرُهُ كَوْنُهُ رِوَايَةً غَيْرَ مَشْهُورَةٍ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَلِذَا أَوْجَبَ) إلَخْ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِ قَوْلِهِ مُطْلَقًا وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (الضَّمَانُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ إنْ كَانَ لَهَا قِيمَةٌ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ صَلَاحِيَّتِهَا لِلَّهْوِ) كَقِيمَتِهَا قَصْعَةً (وَكَانَ) ذَلِكَ الْكَسْرُ (بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ) وَكَذَا الْحُكَّامُ فَأَوْجَبَ الضَّمَانَ بِشَرْطَيْنِ: الْقِيمَةُ بِدُونِ

ص: 245

صَلَاحِيَةِ اللَّهْوِ وَكَوْنُ الْكَسْرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَإِذَا عُدِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَا ضَمَانَ عِنْدَهُ أَيْضًا وَعِنْدَهُمَا لَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا وَعَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِصَدْرِ الْإِسْلَامِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهَا الْكَثْرَةُ الْفَسَادُ بَيْنَ النَّاسِ.

وَكَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالْخُلَاصَةِ وَالدُّرَرِ وَفِي قَاضِي خَانْ إنْ أَتْلَفَ آلَاتِ اللَّعِبِ كَالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ فَإِنْ بِأَمْرِ الْقَاضِي لَا يَضْمَنُ وَعِنْدَهُمَا مُطْلَقًا وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا ضَمَانَ عَلَى كَاسِرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَكَذَا لَا ضَمَانَ فِي إرَاقَةِ خُمُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَكَسْرِ دِنَانِهَا وَشَقِّ زُقَاقِهَا إذَا أَظْهَرُوهَا وَشَرَطَ فِي الْعُيُونِ كَوْنَهُ بِرَأْيِ الْإِمَامِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة رَجُلٌ أَظْهَرَ الْفِسْقَ فِي دَارٍ يُتَفَقَّدُ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُفَّ عَنْهُ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي حَبْسِهِ أَوْ تَأْدِيبِهِ بِضَرْبِ سِيَاطٍ أَوْ إزْعَاجٍ عَنْ دِيَارِهِ.

وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَحْرَقَ بَيْتَ الْخَمَّارِ وَالْإِمَامُ الزَّاهِدُ الصَّفَّارُ أَمَرَ بِتَخْرِيبِ دَارِ الْفَاسِقِ ثُمَّ فِي الْقُنْيَةِ اتَّهَمَ الْجِيرَانُ جَارَهُمْ أَنَّهُ سَكْرَانُ فَاجْتَمَعُوا لِطَلَبِهِ مَعَ إمَامِ الْمَحَلَّةِ وَالْمُؤَذِّنِ وَغَيْرِهِمَا وَدَخَلُوا بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وَطَلَبُوا الزَّوَايَا وَالرُّفُوفَ فِي كُلِّ بَيْتٍ فَعَلُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا يُعَزَّرُونَ وَقِيلَ يُمْنَعُونَ أَشَدَّ الْمَنْعِ

(وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِهِ كَوْنُهُ عَامِلًا بِمَا أُمِرَ بِهِ وَنُهِيَ عَنْهُ) فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ رَأَى مُنْكَرًا وَهُوَ مِمَّنْ يَرْتَكِبُ هَذَا الْمُنْكَرَ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنْهُ نَعَمْ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَرْتَكِبُهُ.

وَفِي النِّصَابِ عَنْ أَنَسٍ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ «أُرِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِالْمَقَارِيضِ فَقُلْت مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَائِيلُ فَقَالَ خُطَبَاءُ أُمَّتِك الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ» وَفِيهِ كَلَامٌ سَتَقِفُ عَلَيْهِ.

(ططص عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى نَعْمَلَ بِهِ وَأَلَا نَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى نَجْتَنِبَهُ كُلَّهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلَّهُ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبُوهُ كُلَّهُ» .

قَالَ الْمُنَاوِيُّ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ الْمُنْكَرِ وَإِنْكَارُهُ مَعًا فَلَا يَسْقُطُ بِتَرْكِ أَحَدِهِمَا وُجُوبُ الْآخَرِ

ص: 246

وَلِهَذَا قِيلَ لِلْحَسَنِ فُلَانٌ لَا يَعِظُ وَيَقُولُ أَخَافُ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَفْعَلُ قَالَ وَأَيُّنَا يَفْعَلُ مَا يَقُولُ رَدُّ الشَّيْطَانَ لَوْ ظَفِرَ بِهَذَا فَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ.

وَلَوْ تَوَقَّفَ عَلَى الِاجْتِنَابِ لَرُفِعَ هَذَا الْبَابُ وَتَعَطَّلَ وَانْسَدَّ بَابُ النَّصِيحَةِ الَّتِي حَثَّ الشَّارِعُ عَلَيْهَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنْ قِيلَ إطْلَاقُهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2]{كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] وَقَوْلِهِ {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44] الْآيَةَ.

قُلْنَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ وَالْآيَةُ نَاهِيَةٌ عَلَى مَنْ يَعِظُ غَيْرَهُ وَلَا يَعِظُ نَفْسَهُ سُوءَ صَنِيعِهِ وَخُبْثَ نَفْسِهِ وَإِنْ فَعَلَهُ فِعْلَ الْجَاهِلِ بِالشَّرْعِ أَوْ الْأَحْمَقِ الْخَالِي عَنْ الْعَقْلِ فَإِنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا عِزُّ شَكِيمَتِهِ وَالْمُرَادُ بِهَا حَثُّ الْوَاعِظِ عَلَى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا بِالتَّكْمِيلِ لِيَقُومَ فَيُقِيمَ بِهِ لَا مَنْعُ الْفَاسِقِ عَنْ الْوَعْظِ فَإِنَّ الْإِخْلَالَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمَأْمُورِ بِهِمَا لَا يُوجِبُ الْإِخْلَالَ بِالْآخَرِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَاشِيَةِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَتَى بِالْمُنْكَرِ وَلَمْ يَنْهَ الْغَيْرَ يَكُونُ إثْمُهُ مُضَاعَفًا إثْمَ الْمُنْكَرِ وَإِثْمَ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَفِي النِّصَابِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي السِّرِّ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْقَبُولِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ فِي الْعَلَانِيَةِ فَقَدْ شَانَهُ وَمَنْ وَعَظَهُ فِي السِّرِّ فَقَدْ زَانَهُ فَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ فِي السِّرِّ فَبِالْعَلَانِيَةِ.

وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازَ دِينِهِ لَا حَمِيَّةَ نَفْسِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِشَجَرَةٍ تُعْبَدُ فَذَهَبَ إلَى بَيْتِهِ فَأَخَذَ فَأْسَهُ وَرَكِبَ حِمَارَهُ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الشَّجَرَةِ لِيَقْطَعَهَا فَلَقِيَهُ إبْلِيسُ عَلَى صُورَةِ إنْسَانٍ فَقَالَ لَهُ إلَى أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ رَأَيْت شَجَرَةً تُعْبَدُ فَأُرِيدُ قَطْعَهَا فَقَالَ إبْلِيسُ دَعْهَا فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ فَلَمْ يَرْجِعْ فَقَالَ إبْلِيسُ دَعْهَا وَأَنَا أُعْطِيك كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ فَتَرْفَعُ طَرَفَ فِرَاشِك فَتَجِدُهَا فَرَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ فَوَجَدَ ذَلِكَ أَيَّامًا ثُمَّ لَمْ يَجِدْ فَلَمَّا يَئِسَ أَخَذَ الْفَأْسَ وَذَهَبَ جَانِبَ الشَّجَرَةِ فَلَقِيَهُ إبْلِيسُ فَقَالَ لَا تُطِيقُ الْقَطْعَ الْآنَ أَمَّا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَكَانَ خُرُوجُك غَضَبًا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَا رَدُّوكَ وَأَمَّا الْآنَ فَلِعَدَمِ وُجْدَانِك الدِّرْهَمَ وَلَئِنْ تَقَدَّمْت لَيُدَقَّنَّ عُنُقُكَ فَرَجَعَ إلَى بَيْتِهِ وَتَرَكَ الشَّجَرَةَ.

(زطب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُهْلَكُ الْقَرْيَةُ وَفِيهَا الصَّالِحُونَ؟» وَمُقْتَضَى الصَّلَاحِ الْإِحْسَانُ فَضْلًا عَنْ الْإِهْلَاكِ «قَالَ نَعَمْ قِيلَ بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِتَهَاوُنِهِمْ» «وَسُكُوتِهِمْ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ» مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَنْعِ وَالتَّغْيِيرِ فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ هَذَا التَّهَاوُنُ وَالسُّكُوتُ مُوجِبًا لِلْهَلَاكِ فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ مَعَ الصَّلَاحِ

ص: 247

قُلْنَا الْمُرَادُ الصَّلَاحُ فِي اعْتِقَادِهِمْ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَفِي النِّصَابِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَتْ الْمَعَاصِي فَلَمْ يُنْكِرُوا فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْقَوْمُ جَمِيعًا لِلْعُقُوبَةِ.

وَفِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عليه الصلاة والسلام أَنِّي مُهْلِكٌ مِنْ قَوْمِك أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ خِيَارِهِمْ وَسِتِّينَ أَلْفًا مِنْ شِرَارِهِمْ قَالَ يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ فَمَا بَالُ الْأَخْيَارِ قَالَ إنَّهُمْ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ.

وَفِي النِّصَابِ «يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي مِنْ قُبُورِهِمْ إلَى اللَّهِ عز وجل عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ بِمَا دَاهَنُوا أَهْلَ الْمَعَاصِي وَكَفُّوا عَنْ نَهْيِهِمْ وَيَسْتَطِيعُونَ» .

وَفِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ظَالِمًا لَا يُجِلُّ كَبِيرَكُمْ وَلَا يَرْحَمُ صَغِيرَكُمْ وَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ وَيَسْتَنْصِرُونَ فَلَا يُنْصَرُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ فَلَا يُغْفَرُ لَهُمْ.

(حَدّ عَنْ عَدِيٍّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (ابْنِ عَمِيرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْخَاصَّةَ بِذُنُوبِ الْعَامَّةِ» إذْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى «حَتَّى يُرَى الْمُنْكَرُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ» أَيْ بَيْنَهُمْ فَالْأَظْهُرُ مُقْحَمٌ (وَ) الْحَالُ «هُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُونَهُ» لِمُدَاهَنَتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ فِي الدِّينِ فَيَعُمُّ الْعَذَابُ كُلَّهُمْ.

وَرُوِيَ أَنَّ جَبْرَائِيلَ عليه الصلاة والسلام حِينَ أُمِرَ أَنْ يُهْلِكَ قَوْمَ لُوطٍ بِأَعْمَالِهِمْ نَزَلَ فَضَرَبَ جَنَاحَهُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْمَاءِ وَنَهَضَ لِلْعُرُوجِ إلَى السَّمَاءِ وَعَلَى جَنَاحِهِ خَمْسُ مَدَائِنَ مِنْ مَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ فَنَظَرَ فِيهَا سَاعَةً فَرَأَى ثَمَانِينَ أَلْفًا مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَتَهَجَّدُونَ وَاَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ الْخَبَائِثَ لَا يَزِيدُونَ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ فَنَاجَى رَبَّهُ فَقَالَ إلَهِي كَيْفَ أُهْلِكُ قَوْمًا وَفِيهِمْ كَذَا وَكَذَا فِي التَّهَجُّدِ قَالَ يَا جَبْرَائِيلُ لَا أَتَقَبَّلُ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ.

أَخْرَجَ (عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ يَحْيَى بْنِ عُطَارِدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَا جَمِيعُ الْأَعْمَالِ الْبِرُّ» الطَّاعَةُ «وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ «عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ» فِي قِلَّتِهِ.

( «إلَّا كَنَفْثَةٍ» أَيْ كَنَفْخَةٍ ( «فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ» مَنْسُوبٌ إلَى اللُّجِّ وَهُوَ مُعْظَمُ الْمَاءِ أَيْ بَحْرٍ عَظِيمٍ لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ أَيْ كَإِلْقَاءِ بُزَاقٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَحْرِ فَكَمَا أَنَّ النَّفْثَةَ الْوَاحِدَةَ فِي جَنْبِ الْبَحْرِ الْعَمِيقِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ فَكَذَلِكَ ثَوَابُ سَائِرِ الْأَعْمَالِ فِي جَنْبِ ثَوَابِ الْحِسْبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ وَعَنْ الْمَوَاهِبِ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِعِظَمِ ثَوَابِهَا وَأَنَّهُ يَكَادُ أَنْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا إذْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَ النَّفْثَةِ وَالْبَحْرِ (فَمِنْ هَذَا) الْحَدِيثِ الَّذِي دَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْحِسْبَةِ.

(قَالَ الْفُقَهَاءُ الْحِسْبَةُ) أَيْ الْقِيَامُ بِنَامُوسِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَفِي النِّصَابِ تَفْصِيلُ مَعْنَى الِاحْتِسَابِ وَالْحِسْبَةِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ مُرِيدُهُ (آكَدُ مِنْ الْجِهَادِ)

ص: 248

وَإِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَفِي النِّصَابِ «قِيلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ صِلَةُ الرَّحِمِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ» .

وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110](فَإِنَّهُ) أَيْ الْجِهَادُ (لَا يَجُوزُ عِنْدَ تَيَقُّنِ الْقَتْلِ) قَتْلِ الْكَفَرَةِ (وَعَدَمِ النِّكَايَةِ) عَدَمِ الْجِرَاحَةِ وَالضَّرَرِ وَالتَّأْثِيرِ لَهُمْ (لِلْكَفَرَةِ) بِجِهَادِهِ مَعَهُمْ بِالْجُرْحِ وَالضَّرَرِ وَالتَّأْثِيرِ فِيهِمْ لِأَنَّهُ إلْقَاءٌ بِالْيَدِ إلَى التَّهْلُكَةِ بِلَا فَائِدَةٍ.

(وَتَجُوزُ الْحِسْبَةُ) حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُوا عَنْ فَائِدَةٍ إمَّا لِلسَّامِعِ أَوْ لِلْفَاسِقِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ وَلَوْ فَاسِقًا إذَا رَأَى أَوْ سَمِعَ بَذْلَ الْمُحْتَسِبِ نَفْسَهُ إحْيَاءً لِدِينِهِ يَكُونُ مُتَأَثِّرًا بِخِلَافِ الْكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ حَقًّا وَيَرْجُونَ فِي مُقَابَلَةِ الْقَتْلِ أَجْرًا فَضْلًا عَنْ التَّأْثِيرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي.

(وَيَكُونُ) حِينَئِذٍ لَوْ مَاتَ بِهَا (مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ)(صب) أَصْبَهَانِيٌّ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَزَالُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَنْفَعُ مَنْ قَالَهَا وَتَرُدُّ عَنْهُمْ الْعَذَابَ وَالنِّقْمَةَ» فِي الدَّارَيْنِ «مَا لَمْ يَسْتَخِفُّوا بِحَقِّهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الِاسْتِخْفَافُ بِحَقِّهَا قَالَ نَظَرُ الْعَبْدِ لِمَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُنْكِرُ وَلَا يُغَيِّرُ» مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.

(حك عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ)«سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ» بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ الْمُصْطَفَى عليه الصلاة والسلام اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَجْهُ السِّيَادَةِ تِلْكَ الْعُمُومَةُ أَوْ كَوْنُ قَتْلِهِ عَلَى أَشْنَعِ أُسْلُوبٍ أَوْ سَبْقُ غَزَوَاتِهِ «وَرَجُلٌ قَامَ إلَى أَمِيرٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ» بِالْمَعْرُوفِ «وَنَهَاهُ» عَنْ الْمُنْكَرِ «فَقَتَلَهُ» لِأَجْلِ أَمْرِهِ أَوْ نَهْيِهِ فَحَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالرَّجُلُ الْمَذْكُورُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ فِي الْآخِرَةِ لِمُخَاطَرَتِهِ بِأَنْفَسِ مَا عِنْدَهُ وَهِيَ نَفْسُهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ جَوَازُ تَخْشِينِ الْقَوْلِ مَعَ الْأَمِيرِ الْجَائِرِ وَتَغْلِيظِهِ وَإِنْ ظَنَّ قَتْلَهُ.

اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مَعَ الْأُمَرَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّعْرِيفِ وَالْوَعْظِ وَأَمَّا تَخْشِينُ الْقَوْلِ وَالْمَنْعُ بِالْقَهْرِ فَيُهَيِّجُ الْفِتْنَةَ فَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا اُخْتُصَّ الضَّرَرُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ فَيُنْدَبُ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِمَا بَعْدَهُ وَلِذَا كَانَ السَّلَفُ يَجْتَرِئُونَ عَلَى الْمُلُوكِ وَلَمْ يُبَالُوا بِبَلِيَّةٍ وَعَذَابٍ وَأَخْلَصُوا النِّيَّةَ فَلِهَذَا أَثَّرَ كَلَامُهُمْ فِي الظَّلَمَةِ وَلَيَّنَ قُلُوبَهُمْ الْقَاسِيَةَ.

وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ قَيَّدَتْ الْأَطْمَاعُ أَلْسُنَ الْعُلَمَاءِ فَسَكَتُوا وَإِنْ تَكَلَّمُوا لَمْ تُسَاعِدْ أَقْوَالُهُمْ فَلَمْ يَنْجُوا وَلَوْ قَصَدُوا اللَّهَ وَحَقَّ الْعِلْمِ لَأَفْلَحُوا فَفَسَادُ الرَّعِيَّةِ بِالْمُلُوكِ وَفَسَادُهُمْ بِفَسَادِ الْعُلَمَاءِ وَفَسَادُهُمْ بِاسْتِيلَاءِ حُبِّ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَمَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ حُبُّ الدُّنْيَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحِسْبَةِ عَلَى الْأَرَاذِلِ وَالصَّعَالِيكِ فَكَيْفَ عَلَى الْأَكَابِرِ وَالْمُلُوكِ اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا مِنْ الْعِلْمِ بِلَا عَمَلٍ وَالْمَيْلِ إلَى الدُّنْيَا وَلَا تَخْلِطْ أَعْمَالَنَا

ص: 249

بِالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ إنَّكَ أَنْتَ الْمُسْتَعَانُ يَا كَرِيمُ يَا مَنَّانُ وَتَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِالْإِحْسَانِ وَالْإِنْعَامِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ كَمَا فِي الْمِفْتَاحِ.

قَالَ فِي النِّصَابِ إنَّ زَاهِدًا كَسَرَ مَلَاهِيَ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةِ فَأَمَرَ بِإِلْقَائِهِ بَيْنَ الْأُسُودِ فَلَمَّا أُلْقِيَ وَدَخَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ افْتَتَحَ بِالصَّلَاةِ فَجَمَعَتْ عَلَيْهِ أُسُودُ الْبَيْتِ تَلْحَسُهُ بِأَلْسِنَتِهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ مَرْوَانُ قَالَ مَا فُعِلَ بِزَاهِدِنَا فَوَجَدُوهُ قَدْ اسْتَأْنَسَ بِالْأُسُودِ فَحَمَلُوهُ إلَى الْخَلِيفَةِ فَقَالَ أَلَمْ تَخَفْ مِنْهُمْ قَالَ لَا لِأَنِّي كُنْت مَشْغُولًا بِأَنَّ الْأُسُودَ تَلْحَسُ ثِيَابِي فَهَلْ لُعَابُهَا طَاهِرٌ أَوْ لَا فَتَفَكُّرِي فِي هَذَا مَنَعَنِي عَنْ الْخَوْفِ مِنْهَا فَتَعَجَّبَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ كَمَا سَبَقَ (د عَنْ)(أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدْرِيِّ.

(- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الْجِهَادِ» أَيْ مِنْ أَفْضَلِ أَنْوَاعِ الْجِهَادِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْعَامِّ «كَلِمَةُ عَدْلٍ» وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «كَلِمَةُ حَقٍّ» فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْآخَرِ «عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» أَيْ ظَالِمٍ لِأَنَّ مُجَاهَدَةَ الْعَدُوِّ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ رَجَاءٍ وَخَوْفٍ وَصَاحِبُ السُّلْطَانِ إذَا أَمَرَهُ بِمَعْرُوفٍ تَعَرَّضَ لِلتَّلَفِ فَأَفْضَلُ مِنْ جِهَةِ خَوْفِ التَّلَفِ وَلِأَنَّ ظُلْمَ الظَّالِمِ يَسْرِي إلَى جَمٍّ غَفِيرٍ فَإِذَا كَفَّهُ فَقَدْ أَوْصَلَ النَّفْعَ إلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ بِخِلَافِ قَتْلِ كَافِرٍ.

«أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ» شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَفِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ قَالَ أَبُو عَبِيدَةُ الْجَرَّاحُ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ عليه الصلاة والسلام رَجُلٌ قَامَ إلَى وَالٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ قَتَلَهُ أَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ فَإِنَّ الْقَلَمَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ عَاشَ مَا عَاشَ» .

(تَتِمَّةٌ) أَصْلُ الْجِهَادِ الْمَشَقَّةُ وَشَرْعًا بَذْلُ الْمَشَقَّةِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ وَيُطْلَقُ عَلَى مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَعَلَى تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ ثُمَّ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا ثُمَّ عَلَى تَعْلِيمِهَا وَأَمَّا مُجَاهَدَةُ الشَّيْطَانِ فَعَلَى دَفْعِ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ وَمَا يُزَيِّنُهُ مِنْ الشَّهَوَاتِ وَأَمَّا مُجَاهَدَةُ الْكُفَّارِ فَبِالْيَدِ وَالْمَالِ وَالْقَالَبِ وَالْقَلْبِ وَأَمَّا الْفُسَّاقُ فَبِالْيَدِ ثُمَّ اللِّسَانِ ثُمَّ الْقَلْبِ.

(فَائِدَةٌ) : الدَّمِيرِيُّ دَخَلَ النُّورُ الْبَكْرِيُّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الْجِهَادِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَأَنْتَ ظَالِمٌ فَأَمَرَ بِقَطْعِ لِسَانِهِ فَجَزِعَ وَاسْتَغَاثَ فَشَفَعَ لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ فَنَفَاهُ ثُمَّ قِيلَ فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَضَعَّفُوهُ وَقِيلَ إسْنَادُهُ لَيِّنٌ لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ الْكُلُّ مِنْ الْفَيْضِ.

(م عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إلَّا كَانَ لَهُ فِي أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ» حَوَارِيُّ الرَّجُلِ صَفْوَتُهُ وَخَاصَّتُهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوصِ نِيَّتِهِ وَصَفَاءِ عَقِيدَتِهِ مِنْ الْحَوَرِ وَهُوَ شِدَّةُ الْبَيَاضِ وَكَانَ أَصْحَابُ عِيسَى عليه الصلاة والسلام قَصَّارِينَ فَغَلَبَ عَلَيْهِمْ الِاسْمُ وَصَارَ كَالْعَلَمِ لَهُمْ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَنْ يَنْصُرُ نَبِيًّا وَيَتَّبِعُ هَدْيَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ تَشْبِيهَاتٌ بِأُولَئِكَ.

«وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إنَّهَا» أَيْ الْقِصَّةُ ( «يَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِ خُلُوفٌ» جَمْعُ خَلْفٍ بِالسُّكُونِ وَهُوَ الرَّدِيءُ مِنْ الْأَعْقَابِ

ص: 250

وَالْخَلَفُ بِالْفَتْحِ الصَّالِحُ مِنْهُمْ وَجَمْعُهُ أَخْلَافٌ يُقَالُ خَلَفُ سُوءٍ وَخَلَفُ صِدْقٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ} [مريم: 59] .

وَقَالَ لَبِيدٌ

ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ

وَبَقِيتُ فِي خَلَفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ

«يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» كَقَوْلِهِ تَعَالَى {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3]«وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ» مِنْ الْأَفْعَالِ الْغَيْرِ الْمَرْضِيَّةِ «فَمَنْ جَاهَدَهُمْ» بِتَغْيِيرِ مُنْكَرَاتِهِمْ «بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» كَامِلٌ كَانَ الْمُؤْمِنُ هُوَ لَا غَيْرُ.

«وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» كَذَلِكَ «وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ» بِأَنْ لَا يَرْضَى بِأَقْوَالِهِمْ الْمُنْكَرَةِ وَأَفْعَالِهِمْ الْقَبِيحَةِ «فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ» أَيْ الْجِهَادِ بِالْقَلْبِ «مِنْ» ثَمَرَاتِ «الْإِيمَانِ» أَوْ كَمَالِهِ «حَبَّةُ خَرْدَلٍ» .

وَعَنْ الْبَيْضَاوِيِّ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ مَعْنَاهُ أَنَّ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ أَنْ لَا يَسْتَحْسِنَ الْمَعَاصِيَ وَيَكْرَهَهَا بِقَلْبِهِ وَأَنْ يَمْتَنِعَ عَنْهَا أَوْ اشْتَغَلَ بِأَعْرَاضٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَلَذَّاتٍ مُخْدَجَةٍ عَاجِلَةٍ وَإِذَا زَالَ ذَلِكَ حَتَّى اسْتَصْوَبَ الْمَعَاصِيَ وَجَوَّزَ التَّدْلِيسَ عَلَى الْخَلْقِ وَالتَّلْبِيسَ فِي الْخُلُقِ خَرَجَ مِنْ دَائِرَةِ الْإِيمَانِ خُرُوجَ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَ اللَّهِ وَاعْتَقَدَ بُطْلَانَ أَحْكَامِهِ انْتَهَى.

كَمَا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام «مَنْ حَضَرَ مَعْصِيَةً فَكَرِهَهَا فَكَأَنَّمَا غَابَ عَنْهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَأَحَبَّهَا فَكَأَنَّهُ حَضَرَهَا» ثُمَّ إنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا مُنْكَرٌ وَأَنَا لَهُ مُنْكِرٌ.

(ت عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي» بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى عليه الصلاة والسلام «نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ» أَيْ جَالَسَ عُلَمَاؤُهُمْ مَعَ عُصَاتِهِمْ وَلَمْ يَهْجُرُوهُمْ زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ مُجَرَّدَ النَّهْيِ يَكْفِي فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْأَثِمِ «وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ» أَيْ سَوَّدَهَا اللَّهُ وَقَسَّاهَا بِسَبَبِ الْمُجَالَسَةِ وَالْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُشَارَبَةِ بِأَنْ خَلَقَ فِي قُلُوبِ عُلَمَائِهِمْ رِضًا وَمَيْلًا إلَى مَعَاصِيهِمْ فَصَارَتْ قُلُوبُ الْجَمِيعِ قَاسِيَةً بَعِيدَةً مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ فَاسْتَحَقُّوا جَمِيعًا اللَّعْنَ.

«وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُد وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -» أَيْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الزَّبُورِ وَالْإِنْجِيلِ وَقِيلَ إنَّ أَهْلَ إيلْيَاءَ لَمَّا اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ لَعَنَهُمْ دَاوُد عليه الصلاة والسلام فَمَسَخَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قِرَدَةً وَأَصْحَابُ الْمَائِدَةِ لَمَّا كَفَرُوا دَعَا عَلَيْهِمْ عِيسَى عليه الصلاة والسلام وَلَعَنَهُمْ فَأَصْبَحُوا خَنَازِيرَ وَكَانُوا خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى - {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 78]«ذَلِكَ» أَيْ اللَّعْنُ «بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ» بِاعْتِدَائِهِمْ عَنْ الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ «فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ لَا» أَيْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ إثْمِ الْمَعْصِيَةِ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ وَالْمَنْعِ.

( «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» بِالْفَتْحِ أَيْ تَعْطِفُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ عَطْفًا يَعْنِي حَتَّى تَمْنَعُوا الظَّلَمَةَ وَالْفَسَقَةَ عَنْ الظُّلْمِ

ص: 251

وَالْفِسْقِ وَتُمِيلُوهُمْ عَنْ الْبَاطِلِ إلَى الْحَقِّ (فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ أَنَّ مُجَرَّدَ النَّهْيِ لَا يَكْفِي فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْأَثِمِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْبُغْضِ وَالْغَضَبِ وَالْهِجْرَةِ وَعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا) عَمَّا يَفْعَلُونَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إذَا قَصَّهَا اللَّهُ أَوْ أَخْبَرَ بِهَا الرَّسُولُ بِلَا نَكِيرٍ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ هَذَا حُكْمُ الشَّرِيعَةِ السَّالِفَةِ فَلَا يُفْهَمُ كَوْنُهُ شَرِيعَةً لَنَا لِجَوَازِ النَّسْخِ وَأَيْضًا إنَّ جَرَيَانَ هَذَا الْحُكْمِ فِينَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقِ الْقِيَاسِ وَحُكْمُ أَصْلِهِ ثَابِتٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ثُمَّ عَنْ بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمَعْصِيَةُ إذَا اخْتَفَتْ لَمْ تَضُرَّ إلَّا صَاحِبَهَا وَإِذَا أُعْلِنَتْ ضَرَّتْ الْعَامَّةَ.

وَكَانَ الثَّوْرِيُّ إذَا رَأَى الْمُنْكَرَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بَالَ دَمًا فَحَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَمِيَّةِ وَالْغَيْرَةِ وَالصَّلَابَةِ بِهَذَا الْمَكَانِ كَمَا فِي النِّصَابِ وَفِي الشَّرِيعَةِ وَأَعْظَمُ الْوَاجِبِ عَلَى مَنْ يُخَالِطُ النَّاسَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْفَعُ عَمَلٌ لِلَّهِ مَعَ تَرْكِ الْغَضَبِ لِلَّهِ تَعَالَى وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ «قِيلَ أَوْ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْسَفُ الْأَرْضُ وَفِيهَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ بِادِّهَانِهِمْ وَسُكُوتِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي» .

وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَخَافَ فِي احْتِسَابِهِ إلَّا اللَّهَ بَلْ يَسْتَعِينُ وَيَدْخُلُ فِيهِ مُتَوَكِّلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى - {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 13]- حُكِيَ أَنَّ الشِّبْلِيَّ أَرَاقَ خَوَابِيَ خَمْرٍ لِلْمُعْتَصِمِ فِي سَفِينَةٍ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ إلَّا وَاحِدَةً وَالْقَوْمُ سُكُوتٌ مِنْ هَيْبَتِهِ فَأَتَى بِهِ الْمُعْتَصِمُ فَقَالَ لِمَ فَعَلْت فَقَالَ الشَّيْخُ أَيَّدَ اللَّهُ الْخَلِيفَةَ لَوْ عَلِمْت أَنَّ فِي بَطْنِك خَمْرًا لَشَقَقْته بِهَذِهِ الْحَرْبَةِ فَقَالَ تُرِيدُ بِهَذَا أَنْ أَقْتُلَك وَتَكُونَ شَهِيدًا فَلَا أَفْعَلُ ثُمَّ قَالَ لِمَ تَرَكْت الْخَابِيَةَ الْوَاحِدَةَ فَقَالَ لِأَنِّي وَجَدْت فِي نَفْسِي عِنْدَهَا شَيْئًا فَتَرَكْتهَا وَلَمْ أَهْرِقْهَا بِمُرَادِ نَفْسِي كَمَا فِي النِّصَابِ كَمَا سَبَقَ.

(مُهِمَّةٌ) قَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ وَمِنْ مُنْكَرَاتِ الْعَامَّةِ أَنْ يَقْعُدَ فِي بَيْتِهِ وَلَا يَصْرِفَ مَا فَضَلَ مِنْ فُرُوضِ الْعَيْنِ إلَى فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَأَنْ يَخْرُجَ إلَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لِبَلَدِهِ وَيُعَلِّمَ أَهْلَهَا أَرْكَانَ الصَّلَاةِ وَشَرَائِطَهَا وَسَائِرَ الْفَرَائِضِ إلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ الْبَعْضُ وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّبْلِيغُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا يَجِبُ تَبْلِيغُهَا وَالْأَثِمُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْفُقَهَاءِ أَشَدُّ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ أَوَّلًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَهْلِ بَيْتِهِ ثُمَّ لِأَقَارِبِهِ وَجِيرَانِهِ ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَنْ يَخْرُجَ إلَى السُّوقِ وَيُغَيِّرَ مُنْكَرَاتِهِمْ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَغْيِيرِ الْبَعْضِ فَلَا يَكُونُ عَدَمُ تَغْيِيرِ الْبَوَاقِي عُذْرًا فِي عَدَمِ الْخُرُوجِ وَيَتَعَدَّى مِنْهُمْ إلَى أَهْلِ الْقُرَى ثُمَّ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَهَكَذَا إلَى أَقْصَى الْعَالَمِ فَإِنْ

ص: 252