الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصل في ذكر أبناء بنات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم]
اعلم أن أبناء بنات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أربعة: واحد من زينب، وواحد من رقية، واثنان من فاطمة، عليهنّ السلام جميعا.
فأما ابن زينب بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فإنه علي بن أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، كان مسترضعا في بني غاضرة، فافتصله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبوه يومئذ مشرك،
وقال صلى الله عليه وسلم: من شاركني في شيء فأنا أحق به منه،
وأردفه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على راحلته، وقد توفي وقد ناهز الاحتلام [ (1) ] .
وأما الّذي من رقية، فعبد اللَّه بن عثمان بن عفان، به كان يكنى عثمان رضي الله عنه، بعد ما كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو، وتوفي وقد ناهز الاحتلام وهو ابن ست سنين، ودخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبره، وذلك سنة أربع من الهجرة [ (2) ]، ويقال: نقره ديك فمرض من ذلك ومات،
ويروى أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وضعه في حجره ودمعت عينه وقال: إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء، وصلى عليه،
ونزل عثمان في حفرته [ (3) ] .
[ (1) ] وقال ابن عساكر: ذهب بعض أهل العلم بالنسب أنه قتل يوم اليرموك، (الإصابة) : 4/ 571، ترجمة رقم (5694)، (الاستيعاب) : 3/ 1134، ترجمة رقم (1857)، وذكر الحديث كاملا فقال: من شاركني في شيء فأنا أحق به منه، وأيما كافر شارك مسلما في شيء فالمسلم أحق به منه.
[ (2) ] وقال أبو سعيد النيسابورىّ في كتاب (شرف المصطفى) : ذكروا أن عبد اللَّه بن عثمان مات قبل أمه بسنة، قال الحافظ ابن حجر في (الإصابة) : فعلى هذا يكون مات في السنة الأولى من الهجرة إلى المدينة، وقال مصعب الزبيري: لما هاجر عثمان ومعه رقية إلى أرض الحبشة، ولدت له هناك غلاما سماه عبد اللَّه وكني به، وكان قبل ذلك يكنى أبا عمرو. (الإصابة) : 5/ 20، ترجمة رقم (6189 ز) ، وأخرج أبو نعيم من طريق حجاج بن أبي منيع، عن جده، عن الزهري نحوه. (المرجع السابق) .
[ (3) ](مسند أحمد) : 6/ 265، حديث رقم (21269)، (السنن الكبرى للبيهقي) : 4/ 65، كتاب الجنائز، باب الرغبة في أن يتعزى بما أمر اللَّه تعالى به من الصبر والاسترجاع، وقال في آخره تعليقا:
رواه البخاري في (الصحيح) عن عبدان، وأخرجه مسلم من أوجه عن عاصم، (سنن ابن ماجة) :
1/ 506، كتاب الجنائز، باب (53) ما جاء في البكاء على الميت، حديث رقم (1588)، (كنز العمال) : 3/ 162، باب الرحمة بالضعفاء والأطفال والشيوخ والأرامل والمساكين وغيرهم، حديث رقم (5967) ، وعزاه إلى الطبراني عن جرير.
وأما ابنا فاطمة فحسن وحسين عليهما السلام وعلى أمهما وأبيهما، [ف] الحسن بن علي بن أبي طالب أبو محمد، سيد شباب أهل الجنة، ولدته فاطمة عليها السلام في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة على الصحيح [ (1) ] ، وعقّ عنه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بكبش، وأذّن صلى الله عليه وسلم في أذنه.
خرج الحاكم من حديث عبد اللَّه بن أبي رافع، قال: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أذّن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة [ (2) ]، رواه أبو داود [ (3) ] والترمذي وقال: حديث صحيح [ (4) ] .
[ (1) ] قال الحافظ ابن حجر: ولد في نصف شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، قاله ابن سعد، وابن البرقي، وغير واحد. وقيل: في شعبان منها، وقيل: ولد سنة أربع، وقيل سنة خمس، والأول أثبت.
(الإصابة) : 2/ 68، ترجمة رقم (1721) .
وقال ابن عبد البر: ولد في النصف الأول من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة. وهذا أصح ما قيل في ذلك إن شاء اللَّه تعالى، وعقّ عنه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم سابعه بكبش، وحلق رأسه، وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة (الاستيعاب) : 1/ 383- 384، باب الأفراد في الحاء، ترجمة رقم (555) .
[ (2) ](المستدرك) : 3/ 197، كتاب معرفة الصحابة، باب ومن مناقب الحسن والحسين ابني بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حديث رقم (4827/ 425) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، لكن قال الذهبي في (التلخيص) : عاصم بن عبد اللَّه ضعّف، ورقم (4828/ 426) وهو
قول النبي صلى الله عليه وسلم: زني شعر الحسين وتصدقي بوزنه فضة، وأعطي القابلة رجل العقيقة.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، لكن قال الذهبي في (التلخيص) : لا. يعني ليس بصحيح كما قال الحاكم.
قال محققه: هذا الحديثان اللذان رواهما أبو عبد اللَّه الحاكم في (المستدرك) كانا في شأن الحسين رضي اللَّه تعالى عنه، ولعل هذا حدث لكل منهما إن صحت الرواية في ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
[ (3) ](صحيح سنن أبي داود) : 3/ 961، باب (116) في الصبي يولد فيؤذن في أذنه.
[ (4) ](سنن الترمذي) : 4/ 82، كتاب الأضاحي، باب (17) الأذان في أذن المولود، حديث رقم (1514)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، (جامع الأصول) : 1/ 383- 384، حديث رقم (176)، وقال في آخره: زاد رزين في كتابه: قرأ في أذنه سورة الإخلاص وحنكه بتمرة.
ولم أجد هذه الزيادة في الأصول، (شعب الإيمان) : 6/ 389، الباب الستون من شعب الإيمان وهو باب في حقوق الأولاد والأهلين، حديث رقم (8617) ، كلاهما عن عبد اللَّه بن أبي رافع.
قال الحافظ البيهقي: فكل من ولد له من المسلمين ذكر أو أنثى فعليه أن يحمد اللَّه جلّ ثناؤه على أن أخرج من صلبه نسمة مثله، تدعى له، وتنسب إليه، فيعبد اللَّه لعبادته، ويكثر به في الأرض أهل طاعته، ثم يؤمر به حدثان مولده بعدة أشياء:
أولها: أن يؤذن في أذنيه حين يولد، وذلك بأن يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى.
الثانية: أن يحنكه بتمر، فإن لم يجد فبحلو يشبهه، وينبغي أن يتولى ذلك منه من برجى خيره وبركته.
والثالثة: أن يعق عنه.
وروى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عقّ عن الحسن والحسين كبشا، ذكره أبو داود، وذكر جرير بن حازم عن قتادة عن أنس، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عقّ عن الحسن والحسين كبشين [ (1) ] .
وذكر يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قال: عقّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين يوم السابع، وحلق رأسه، وأمر أن يتصدّق بزنته فضة، فوزن شعر أحد الحسنين فوجده ثلثي درهم، وكان قد سماه علي رضي الله عنه حربا، فسماه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حسنا [ (2) ] .
قال ابن الأعرابي، عن المفضل الضبي، أن اللَّه حجب اسم الحسن والحسين حتى سمي بهما النبي صلى الله عليه وسلم ابنيه الحسن والحسين، قال ابن الأعرابي: فقلت له:
فالذين باليمن؟ قال: [][ (3) ] حسن وحسين، ولا يعرف قبلهما إلا اسم [][ (3) ] بلاد بني عندها قبل بسطام بن قيس الشيبانيّ، قال ابن غنم:
[ () ] والرابعة: أن يحلق عقيقته وهو شعر رأسه الّذي ولد به.
والخامسة: أن يسميه. (المرجع السابق) .
وقال الإمام ابن القيم: وسرّ التأذين- واللَّه أعلم- أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقنه كلمة التوحيد عند خروجه منها.
وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثره وإن لم يشعر، مع ما في ذلك من فائدة أخرى وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حتى يولد فيقارنه للمحنة التي قدرها اللَّه وشاءها، فيسمع شيطانه ما يصفعه ويغيظه أول أوقات تعلقه به.
وفي معنى آخر، وهو أن تكون دعوته إلى اللَّه وإلى دينه الإسلام، وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان، كما كانت فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها سابقة على تغيير الشيطان لها ونقله عنها، ولغير ذلك من الحكم. (تحفة المودود بأحكام المولود) : ص 16 وما بعدها.
[ (1) ](سنن أبي داود) : 3/ 261، كتاب الأضاحي، باب (21) في العقيقة، حديث رقم (2841) ، وأخرجه النسائي في العقيقة، باب كم يعق عن الجارية، حديث رقم (4225) بلفظ:
عق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين رضي الله عنهما بكبشين كبشين. قاله الخطابي في (معالم السنن) : 3/ 262.
[ (2) ](سنن النسائي) : 7/ 186، كتاب العقيقة، باب (4) كم يعق عن الجارية؟ حديث رقم (4230) مختصرا بسند آخر، ونحوه في (المستدرك) : 3/ 183، حديث رقم (4783/ 381) ، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في (التلخيص) : صحيح، (الاستيعاب) : 1/ 384، ترجمة رقم (555)، (مسند أحمد) : 7/ 539، حديث رقم (26655) .
[ (3) ] ما بين الحاصرتين مطموس في (خ) : ولم أجد له توجيها، ولم أجد لهذا الأثر مرجعا.
غداة أضر بالحسن السبيل
قال كاتبه: حسن: بفتح الحاء المهملة وسكون السين، وحسين: بفتح الحاء وكسر السين، هما ابنا عمر بن الغوث بن طيِّئ وفي (طبقات ابن سعد)، عن عمران بن سليمان قال: الحسن والحسين [اسمان] من أسماء أهل الجنة لم يكونا في الجاهلية، ولما قتل أبوه عليّ سنة أربعين، بايعه أكثر من أربعين ألفا كلهم قد بايع عليا قبل موته على الموت ليشتدّ بهم إلى حرب معاوية، وكانوا أطوع للحسن وأحب فيه منهم في أبيه، فبلغ الحسن مسير معاوية إليه في أهل الشام، فتجهز هو وذلك الجيش وسار عن الكوفة إلى لقائه، وجعل قيس بن سعد ابن عبادة الأنصاري على مقدمته في اثنى عشر ألفا [ (1) ] .
فلما نزل المدائن نادى مناد في العسكر، ألا إن قيس بن سعد قتل فانفروا، فثاروا ونهبوا سرادق الحسن حتى نازعوه بساطا تحته، فازداد لهم بغضا ومنهم ذعرا، وكتب إلى معاوية أنه يصير الأمر إليه على أن يشترط ألا يطلب أحدا من أهل الحجاز والمدينة والعراق بشيء كان في أيام أبيه، وكاد معاوية يطير فرحا، وبعث إليه برق أبيض وقال: اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه، فاصطلحا على ذلك، واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر بعده وأن يعطيه ما في بيت مال الكوفة- وهو خمسة آلاف ألف-
[ (1) ] وقيل: بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبد اللَّه بن عباس، (الكامل لابن الأثير) : 3/ 404، ذكر تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية ضمن حوادث سنة إحدى وأربعين.
وقيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة أبو الفضل، وقيل: أبو عبد اللَّه، وقيل: أبو عبد الملك الأنصاري الخزرجي الساعدي.
أمه فكيهة بنت عبيد بن دليم بن حارثة الخزرجية، توفي سنة (59)، وقيل: سنة (60) ، كان من فضلاء الصحابة، وأحد دهاة العرب وكرمائهم، وكان من ذوي الرأي الصائب والمكيدة في الحرب، مع النجدة والشجاعة، وكان شريف قومه غير مدافع، ومن بيت سادتهم. له ترجمة في:(أسماء الصحابة الرواة) : 133- 134، ترجمة رقم (139)، (الإصابة) : 5/ 473، ترجمة رقم (7182)، (الثقات) : 3/ 339، (تهذيب التهذيب) : 8/ 353، ترجمة رقم (702)، (الاستيعاب) : 3/ 1289، ترجمة رقم (2134)، (تلقيح فهوم أهل الأثر) :
368، (طبقات ابن سعد) : 6/ 52، (سير أعلام النبلاء) : 3/ 102، ترجمة رقم (21)، (تهذيب الأسماء واللغات) : 1/ 61، (تاريخ بغداد) : 1/ 177، ترجمة رقم (17)، (البداية والنهاية) : 8/ 107، (التاريخ الكبير) : 7/ 141، 154، (صفة الصفوة) : 1/ 363، ترجمة رقم (106)، (طبقات ابن سعد) : 6/ 52- 53.
وخراج دارابجرد [ (1) ] من فارس، وألا يشتم عليّ وهو يسمع، فالتزم شروطه كلها [ (2) ] ، وحقق اللَّه بذلك
قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الحسن: إن ابني هذا سيد، وعسى اللَّه أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين [ (3) ]، ثم قام الحسن في أهل العراق فقال: يا أهل العراق! إنه سخّى بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي، وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي [ (4) ] .
وتسلم معاوية الأمر لخمس بقين من ربيع الأول، وقيل من ربيع الآخر، وقيل من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وكانت خلافة الحسن خمسة أشهر ونصف، وقيل: ستة أشهر، ودخل معاوية الكوفة فقال له عمرو بن العاص: لتأمر الحسن أن يقوم فيخطب الناس ليظهر لهم عيه،
فخطب معاوية الناس، ثم أمر الحسن أن يخطبهم، فقام فحمد اللَّه بديهة ثم قال:
[ (1) ] دارابجرد: بعد الألف الثانية باء موحدة ثم جيم ثم راء ودال مهملة: ولاية بفارس، ينسب إليها كثير من العلماء، منهم: أبو علي الحسن بن يوسف الدارابجردي الخطيب، ودارابجرد: قرية من كورة إصطخر، وبها معدن الزئبق، ودارابجرد أيضا موضع بنيسابور، ينسب إليه أبو الحسن علي بن الحسين ابن موسى بن ميسرة الدارابجردي، ويقال دارابجرد. (معجم البلدان) : 2/ 478، موضع رقم (4549)، وقال في هامشه: دارابجرد: كورة بفارس نفيسة، عمّرها داراب بن فارس، قال الإصطخري: بها كهف الموميا، وقال أيضا: بناحية دارابجرد جبال من الملح الأبيض، والأصفر، والأحمر والأسود، ينحت منها الموائد والصحون، والغضائر وغيرها من الظروف، وتهدى إلى سائر البلاد، وبها معدن الزئبق. (هامش المرجع السابق)، نقلا عن (آثار البلاد) :188.
[ (2) ] قال ابن الأثير وكأن الّذي طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، ومبلغه خمسة آلاف ألف، وخراج دارابجرد من فارس، وألا يشتم عليا، فلم يجبه إلى الكفّ عن شتم عليّ، فطلب أن لا يشتم وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك، ثم لم يف له به أيضا، وأما خراج دارابجرد، فإن أهل البصرة منعوه منه وقالوا: هو فيئنا لا نعطيه أحدا، وكان منعهم بأمر معاوية. (الكامل في التاريخ) :
3/ 405، ذكر تسليم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية.
[ (3) ](مسند أحمد) : 6/ 37، حديث رقم (19994) ، 6/ 27، حديث رقم (19935) ، 6/ 18، حديث رقم (1978)، (المطالب العالية) : 4/ 73، حديث رقم (4000)، قال الحافظ: هو في صحيح البخاري من وجه آخر عن الحسن عن أبي بكرة.. وأخرجه البزار برجال الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه. ر: (مجمع الزوائد) : 9/ 178.
[ (4) ](تاريخ الطبري) : 5/ 159، ذكر بيعة الحسن بن عليّ، (الكامل في التاريخ) : 3/ 405.
أيها الناس، إن اللَّه هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، وإن الدنيا دول، وإن اللَّه عز وجل قال لنبيه: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ [ (1) ] ، وأشار إلى معاوية، فقال له معاوية: اجلس وحقدها علي عمرو وقال: هذا من رأيك [ (2) ] .
ولحق الحسن بالمدينة وأهل بيته، وحثهم فجعل الناس يبكون عند سيرهم، وقيل للحسن: ما حملك على ما فعلت؟ فقال: كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوما لا يثق بهم أحد [أبدا][ (3) ] إلا غلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر، لقد لقي أبي منهم أمورا [عظاما][ (3) ] ، فليت شعري، لمن يصلحون [بعدي][ (3) ] وهي أسرع البلاد خرابا.
وعرض له رجل في مسيره عن الكوفة فقال له: يا مسعود وجوه المؤمنين، فقال: لا تعد لي، فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أرى بنو أمية ينزون على منبره رجلا رجلا، فساءه ذلك، فأنزل اللَّه تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [ (4) ] ، وهو نهر في الجنة، وإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ] خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [ (5) ] تملكها بعدك بنو أمية [ (6) ] ،
ولم يف معاوية للحسن بشيء ما شرط.
[وقالت][ (7) ] طائفة للحسن [ (8) ] : يا عار المؤمنين، فقال: العار خير من النار [ (9) ] ،
وقال له أبو عامر سفيان بن ليلى: السلام عليك يا مذل المؤمنين! فقال له: لا تقل يا أبا عامر، فإنّي لم أذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك [ (10) ] .
[ (1) ] الأنبياء: 111.
[ (2) ](الكامل) : 3/ 407.
[ (3) ] زيادة للسياق من المرجع السابق.
[ (4) ] الكوثر: 1.
[ (5) ] القدر: 1- 3.
[ (6) ](الكامل) : 3/ 407.
[ (7) ] زيادة للسياق.
[ (8) ] هم أصحاب الحسن.
[ (9) ](الإصابة) : 2/ 72، ترجمة رقم (1721)، (الاستيعاب) : 1/ 386، ترجمة رقم:(555) .
[ (10) ](الاستيعاب) : 1/ 387.
ومات الحسن بالمدينة في ربيع الأول سنة خمس، وقيل: في سنة تسع وأربعين، وقيل سنة إحدى وخمسين [ (1) ] ، ودفن بالبقيع، واتهمت زوجته جعدة بنت الأحنف ابن قيس الكندي أنها سمته بتدسيس معاوية [ (2) ] ، حتى بايع لابنه يزيد، وكان سنة يوم مات ستا وأربعين سنة، وقيل: سبعا وأربعين سنة.
وكان أشبههم برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأحبهم إليه، وكان رحيما ورعا فاضلا، دعي ورعه وفضله إلى ترك ملك الدنيا رغبة فيما عند اللَّه، ورأى ذلك خيرا من إراقة الدماء في طلبها، وإن كان عند نفسه أحق بها من معاوية [ (3) ] ،
وقال: واللَّه ما أحببت منذ علمت ما ينفعني ويضرني أنا إلى أمر أمة محمد، على أن يهراق في ذلك محجمة [ (4) ] دم.
وحفظ الحسن عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحاديث ورواها عنه [ (5) ] ، ولم يتكلم بفحش قط، وحج خمس عشرة حجة ماشيا، وخرج من ماله مرتين، وقاسم اللَّه ماله ثلاث مرات، حتى إن كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا، ويعطي خفّا ويمسك خفّا، وفضائله كثيرة، وكان له من الولد: الحسن بن الحسن، وفيه العدد والبيت [ (6) ] ، وزيد، وله عقب كثير [ (7) ] ، وعمرو، والحسين، والقاسم، وأبو بكر، وطلحة [ (8) ] ، وعبد الرحمن، وعبد اللَّه، ومحمد، وجعفر، وحمزة، لا
[ (1) ] قال ابن عبد البر: كانت سنه يوم مات ستا وأربعين سنة، وقيل: سبعا وأربعين. (المرجع السابق) : 389.
[ (2) ] في هوامش (الاستيعاب) : نسبة السم إلى معاوية غير صحيحة، لما ينقل في (تاريخ ابن خلدون) :
إن ما ينقل من أن معاوية دسّ السم مع زوجته جعدة بنت الأحنف فهو من أحاديث الشيعة، وحاشا لمعاوية ذلك.
[ (3) ](الاستيعاب) : 1/ 387.
[ (4) ] المحجمة: قدر ما يسيل من الدم أثناء الحجامة.
[ (5) ] ذكره ابن حزم في (أسماء الصحابة الرواة) : 143- 144، ترجمة رقم (156) في أصحاب الثلاثة عشر حديثا رضي اللَّه تعالى عنهم، (تلقيح فهوم أهل الأثر) : 369،
قال أبو عمر رضي الله عنه: حفظ الحسن بن علي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أحاديث ورواها عنه، منها: حديث الدعاء في القنوت، ومنها: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة. (الاستيعاب) : 391.
[ (6) ] أمه خولة بنت منظور بن زبّان الفزارية.
[ (7) ] أمه أم بشر بنت أبي مسعود الأنصاري البدريّ.
[ (8) ] أمه أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد اللَّه.
عقب لواحد من هؤلاء [ (1) ] .
[ (1) ] إلا أن عمرا كان له ولد فقيه محدّث مشهور، واسمه محمد بن عمرو، انقرض عقبه، فأما عبد اللَّه والقاسم وأبو بكر، فإنّهم قتلوا مع عمهم الحسين، رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين، (جمهرة أنساب العرب) : 38- 39.