الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سابع عشر: ظهور بركته صلى الله عليه وسلم في تكثير الماء القليل]
وأما ظهور بركته في تكثير الماء القليل الّذي كان في الميضأة،
فخرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة قال: حدثنا ثابت عن عبد اللَّه بن رباح، عن أبي قتادة قال: خطبنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء اللَّه غدا، فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، قال أبو قتادة: فبينما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يسير حتى ابهارّ [ (1) ] الليل وأنا إلى جنبه.
قال: فنعس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فمال عن راحلته، فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته، قال: ثم سار حتى تهوّر [ (2) ] الليل مال عن راحلته، قال: فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته، قال: ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الأوليين حتى كاد ينجفل، فأتيته فدعمته، فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قلت: أبو قتادة، قال: متى كان هذا مسيرك مني؟ قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة، قال: حفظك اللَّه بما حفظت به نبيه، ثم قال: هل ترانا نخفي على الناس؟ ثم قال: هل ترى من أحد؟ قلت:
هذا راكب آخر [ثم قلت هذا راكب آخر][ (3) ] حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب.
قال: فمال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الطريق [فوضع رأسه][ (3) ] ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا، فكان أول من استيقظ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره، قال:
فقمنا فزعين، ثم قال: اركبوا، فركبنا فسرنا حتى ارتفعت الشمس، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء، قال: فتوضأ منها وضوءا دون وضوء، قال:
[ (1) ] ابهارّ الليل: انتصف.
[ (2) ] تهوّر الليل: ذهب أكثره.
[ (3) ] زيادة للسياق من (صحيح مسلم) .
وبقي فيها شيء من ماء، ثم قال لأبي قتادة: احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ، ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما يصنع كل يوم، قال: وركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وركبنا معه.
قال: وجعل بعضنا يهمس إلى بعض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟
ثم قال: ما لكم فيّ أسوة؟ ثم قال: ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها، ثم قال: ما ترون الناس صنعوا؟.
قال: ثم قال: أصبح الناس فقدوا نبيهم، فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: يا رسول اللَّه، بعدكم لم يكن ليخلفكم، وقال الناس: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أيديكم، فإن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا، قال: فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار وحمى كل شيء وهم يقولون: يا رسول اللَّه! هلكنا عطشا، فقال: لا هلك عليكم، ثم قال: أطلقوا إلي غمري.
قال: ودعا بالميضأة، فجعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصب وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة، تكابوا عليها، فقال: رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أحسنوا الملأ، كلكم سيروى، قال: ففعلوا، فجعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصب وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: ثم صب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال لي:
اشرب، فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول اللَّه، فقال: ساقي القوم آخرهم.
قال: فشربت وشرب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال: وأتى الناس الماء جامين [ (1) ] .
رواء، قال: فقال عبد اللَّه بن رباح: إني لأحدث هذا الحديث في المسجد الجامع، إذ قال عمران بن حصين: انظر أيها الفتى كيف تحدث، فإنّي أحد الركب تلك الليلة، قال: قلت: فأنت أعلم بالحديث، فقال من أنت؟ قلت: من الأنصار، قال: حدّث فأنت أعلم بحديثكم، قال: فحدثنا القوم، فقال عمران: لقد
[ (1) ] جامين: نشاطا مستريحين.
شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدا حفظه كما حفظته [ (1) ] .
وخرجه البيهقي من حديث يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت عن عبد اللَّه بن رباح، عن أبي قتادة قال: كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: أن لا تدركوا الماء تعطشوا؟ فانطلق سرعان الناس يريد الماء، ولزمت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، فمالت برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم راحلته، فنعس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فمال فدعمته فادّعم، ومال فدعمته فادّعم، ثم مال [فدعمته] فادّعم ثم مال حتى كاد أن ينجفل عن راحلته فدعمته فانتبه فقال: من الرجل؟ فقلت: أبو قتادة، فقال: حفظك اللَّه بما حفظت به رسول اللَّه، ثم قال: لو عرسنا، فمال إلى شجرة فنزل فقال: انظر هل ترى أحدا؟ فقلت: هذا راكب، هذا راكبان، حتى بلغ سبعة، فقال: احفظوا علينا صلاتنا.
قال: فنمنا فما أيقظنا إلا حرّ الشمس، فانتبهنا فركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وسار وسرنا هنيهة ثم نزل فقال: أمعكم ماء؟ فقلت: نعم ميضأة فيها شيء من ماء، قال: فأتني بها فأتيته بها فقال: صبوا منها، فتوضأ القوم وبقي في الميضأة جرعة فقال: ازدهر بها يا أبا قتادة، فإنه سيكون لها شأن.
ثم أذن بلال فصلى الركعتين قبل الفجر، ثم ركب وركبنا، فقال بعضنا لبعض: فرطنا في صلاتنا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ما تقولون؟ إن كان أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان أمر دينكم فإليّ، قلنا: يا رسول اللَّه! فرطنا في صلاتنا، قال لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصلوها من الغد لوقتها، ثم قال: ظنوا بالقوم فقلنا: إنك قلت بالأمس: أن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا، فأتى الناس الماء، فقال: أصبح الناس وقد فقدوا نبيهم.
فقال بعض القوم: إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا، فأتى الناس الماء وفي القوم أبو بكر وعمر قالا: أيها الناس، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يكن ليسبقكم إلى
[ (1) ](مسلم بشرح النووي) 5/ 1910- 193، كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب (55) قضاء الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، حديث رقم (681) .
الماء ويخلّفكم، وإن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا- قالها ثلاثا- فلما اشتدت الظهيرة رفع لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول اللَّه! هلكنا عطشا، انقطعت الأعناق، قال: لا هلاك عليكم اليوم، ثم قال: يا أبا قتادة، ائتني بالميضأة، فأتيته بها، فقال: حل لي عن غمري- يعني قدحه- فحللته فأتيته به، فجعل يصب فيه ويسقي الناس، فقال: رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أحسنوا الملأ فكلكم سيصدر عن ري، فشرب القوم حتى لم يبق غيري ورسول اللَّه، فصب لي فقال: اشرب يا أبا قتادة، قلت: اشرب أنت يا رسول اللَّه، فقال: إن ساقي القوم آخرهم، فشربت ثم شرب بعدي، وبقي في الميضأة نحو مما كان فيها، وهم يومئذ ثلاثمائة
…
الحديث.
قال حماد: وحدثنا حميد عن بكر بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن رباح، عن أبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وزاد فيه: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه، فإذا عرس قرب الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى وأقام ساعده [ (1) ] .
وخرجه أيضا من طريق الحافظ أبي أحمد عبد اللَّه بن عدي قال: أخبرنا أبو يعلي، حدثنا شيبان بن سعيد بن سليمان- يعني الضّبعيّ- حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جهز جيشا إلى المشركين فيهم أبو بكر رضي الله عنه، فقال لهم: اغذوا السير، فإن بينكم وبين المشركين ماء، إن سبق المشركون إلى ذلك الماء شق على الناس وعطشتم عطشا شديدا أنتم ودوابكم، قال:
وذكر الحديث [ (2) ] .
قال البيهقي: وتمام الحديث فيما ذكر شيخنا أبو عبد اللَّه الحافظ، عن أبي محمد المزني، عن أبي يعلى بهذا الإسناد، وقال تخلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في ثمانية أنا تاسعهم، قال لأصحابه: هل لكم أن نعرّس قليلا ثم نلحق بالناس؟ قالوا: نعم
[ (1) ](دلائل البيهقي) : 6/ 132- 134، باب حديث الميضأة وما ظهر في ذلك من آثار النبوة ودلالات الصدق.
[ (2) ] المرجع السابق: 134- 135.
يا رسول اللَّه، فعرسوا فما أيقظهم إلا حرّ الشمس، فاستيقظ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، واستيقظ أصحابه فقال لهم: تقدموا واقضوا حاجتكم، ففعلوا ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: هل مع أحد منكم ماء؟ قال رجل منهم: يا رسول اللَّه. معي ميضأة فيها شيء من ماء، قال: جيء بها، فأخذها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فمسحها بكفه ودعا بالبركة فيها، فقال لأصحابه: تعالوا فتوضئوا، فجاءوا فجعل يصبّ عليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى توضئوا، وأذن رجل منهم وأقام، فصلى بهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقال لصاحب الميضأة: ازدهر بميضأتك فسيكون لها نبأ.
وركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل الناس وقال لأصحابه: ما ترون الناس فعلوا؟
قال: اللَّه ورسوله أعلم، فقال لهم: فيهم أبو بكر وعمر وسيرشد الناس، وقد سبق المشركون إلى ذلك الماء فشق على الناس وعطشوا عطشا شديدا، ركائبهم ودوابهم، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أين صاحب الميضأة؟ قال: هو ذا يا رسول اللَّه، قال جئني بميضأتك، فجاء بها وفيها شيء من ماء، فقال لهم: تعالوا فاشربوا، فجعل يصب لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى شرب الناس كلهم، وسقوا دوابهم وركائبهم، وملئوا كل إداوة وقربة ومزادة، ثم نهض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المشركين، فبعث اللَّه ريحا، فهرب وجوه المشركين، وأنزل اللَّه نصره وأمكن من أدبارهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا أسارى واستاقوا غنائم كثيرة، فرجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والناس وافرين صالحين [ (1) ] .
وقال الواقدي: حدثني [عبد اللَّه بن عبد][ (2) ] العزيز أخو عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي صعصعة المازني، عن خلاد بن سويد عن أبي قتادة قال: بينا نحن نسير مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الجيش ليلا وهو قافل من تبوك وأنا معه، إذ خفق خفقة وهو على راحلته، فمال على شقة فدنوت منه فدعمته، فانتبه فقال: من هذا؟ قلت: أبو قتادة يا رسول اللَّه، خفت أن تسقط فدعمتك، فقال:
حفظك اللَّه كما حفظت رسوله، ثم سار غير كثير ففعل مثلها فدعمته فانتبه فقال:
[ (1) ] المرجع السابق: 134- 135.
[ (2) ] زيادة للنسب من (مغازي الواقدي) .
يا أبا قتادة، هل لك في التعريس؟ فقلت: ما شئت يا رسول اللَّه، فقال: انظر من خلفك، فنظرت فإذا رجلان أو ثلاثة، فقال: ادعهم، فقلت: أجيبوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فجاءوا فعرّسنا ونحن خمسة برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وبقي إداوة فيها ماء وركوة لي أشرب فيها، فما انتبهنا إلا بحر الشمس، فقلت: إنا للَّه! فاتنا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: لنغيظن الشيطان كما غاظنا، فتوضأ من الإداوة ففضل فضلة فقال:
يا أبا قتادة، احتفظ بما في الإداوة والركوة فإن لها شأنا، ثم صلى بنا الفجر بعد طلوع الشمس، فقرأ بالمائدة، فلما انصرف من الصلاة قال: أما إنهم لو أطاعوا أبا بكر وعمر رشدوا، وذلك أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أرادا أن ينزلا بالجيش على الماء فأبوا عليهما، فنزلوا بفلاة من الأرض على غير ماء بفلاة من الأرض، فركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلحق الجيش عند زوال الشمس ونحن معه، وقد كادت تقطع أعناق الرجال والدواب عطشا، فدعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالركوة فأفرغ ما في الإداوة فيها، فوضع أصابعه عليها، فنبع الماء من بين أصابعه، وأقبل الناس فاستقوا وفاض الماء حتى رووا هم ورواحلهم [ (1) ] ، وكان في العسكر اثنى عشر ألف بعير، ويقال: خمسة عشر ألف بعير، والناس ثلاثون ألفا، والخيل عشرة آلاف.
وذلك قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأبي قتادة: احتفظ بالركوة والإداوة [ (2) ] .
[ (1) ] في (مغازي الواقدي) : «حتى تروّوا وأرووا خيلهم وركابهم» .
[ (2) ](مغازي الواقدي) : 3/ 1040- 1041.