الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المجلد الخامس]
بسم الله الرحمن الرحيم
فصل جامع في معجزات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل
[ (1) ]
أولا: إبطال الكهانة
[ (1) ]] فأما إبطال اللَّه تعالى الكهانة بمبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حتى انقطعت بعد ما كانت ظاهرة موجودة، قال ابن سيده: كهن له يكهن، وكهن كهانة، وتكهن تكهينا وتكهّنا: قضى له بالغيب، ورجل كاهن من قوم كهنة وكهان، وحرفته الكهانة.
واعلم أن الكهانة من خواص النفس الإنسانية، وذلك أن للنفس الإنسانية استعداد للانسلاخ عن البشرية إلى الروحانية التي فوقها، وأعلا هذا الانسلاخ صنف الأنبياء، فإنّهم فطروا على ذلك، فيحصل لهم من غير اكتساب ولا استعانة بشيء من المدارك، ولا من التصورات، ولا من الأفعال البدنية، ولا بأمر من الأمور، إنما هو انسلاخ من البشرية إلى [الملائكية][ (2) ] بالفطرة الإلهية في لحظة أقرب من لمح البصر، فاقتضت القسمة العقلية حركتها الفكرية بالإرادة، عند ما يتبعها النزوع لذلك، وهي ناقصة عن إدراك الأنبياء بالجبلة، وعند ما يعوقها العجز عن ذلك، فإنّها تتشبث بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة تنظر فيها، كالأجسام الشفافة، وعظام الحيوان، وتتكلم بالسجع، أو ترى ما ينسلخ من طير أو حيوان، فلا تزال تستعين بذلك في الانسلاخ الّذي تقصده، فيكون كالمشيع له..، وهذه القوة التي في هذا الصنف مبدأ لذلك الإرادي، هي الكهانة.
ولما كانت هذه النفوس مفطورة على النقص والقصور عن الكمال، كان إدراكها في الجزئيات أكثر من الكليات، وصارت متشبثة بها، غافلة عن الكليات، ولذلك تكون القوة المتخيلة فيهم في غاية القوة، لأنها آلة الجزئيات فتنفذ فيها نفوذا
[ (1) ] هذه العناوين ليست في (خ) .
[ (2) ] زيادة للسياق.
تاما، إما في النوم أو في اليقظة، وتكون عندها أبدا حاضرة تحضرها المتخيلة حضورا يكون لها كالمرآة ينظر فيها دائما، ولا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات، لأن ما يوحى إليه من الشياطين.
وأرفع أحوال الكهان من يستعين بالكلام المسجوع الموزون، ليشتغل به عن الحواس، ويقوى على ذلك الاتصال الناقص، فيهجس في قلبه عن تلك الحركة، والّذي يشيعها من ذلك الأجنبي ما يقذفه على لسانه، فربما صدق ووافق الحق، وربما كذب، لأنه يتمم نقصه بأمر أجنبي عن ذاته المدركة، ومباين لها غير ملائم، فيعرض له الصدق والكذب جميعا، ويكون غير موثوق به جميعا، وربما فزع إلى الظنون والتخمينات، حرصا منه على الظفر بالإدراك، وتمويها على السائلين له.
وأصحاب السجع أخف من سائر المعينات من المرئيات والمسموعات، فإن خفة المعين تدل على قرب ذلك الاتصال والإدراك، كما أن البعد فيه عجز ما، وإذا تقرر ذلك فنقول: قال اللَّه جل جلاله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً* وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً* وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً* وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً* وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً* وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً* وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً* وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [ (1) ] .
[ومعنى] هذه الآيات: قل يا محمد لأمتك: أوحى اللَّه إليّ على لسان جبريل، أنه استمع إليّ نفر من الجن- والنفر: الرهط كالحليل ما بين ثلاثة إلى عشرة- فقالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، أي في فصاحته، وقيل عجبا في بلاغة مواعظه، وقيل: عجبا في عظيم بركته، وقيل: قرآنا عزيزا لا يوجد مثله، يهدي
[ (1) ] الجن: 1- 10.
إلى الرشد، أي إلى مراشد الأمور، وقيل: إلى معرفة اللَّه، فآمنا به أي فاهتدينا به، وصدقنا أنه الّذي من عند اللَّه، ولن نشرك بربنا أحدا، أي لا نرجع إلى إبليس ولا نطيعه، لأنه الّذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر [لما][ (1) ] رمى الجن بالشهب.
وقيل: لا نتخذ مع اللَّه إلها آخر لأنه المنفرد بالربوبية، وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا، أي عظمته وجلاله. قاله عكرمة ومجاهد وقتادة، وعن مجاهد أيضا ذكره.
وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمة أيضا عنهم. وقال أبو عبيد: أي ذي الغناء منك الغنى. وقال ابن عباس: قدرته. وقال الضحاك: فعله. وقال القرطبي والضحاك أيضا: آلاؤه ونعمه على خلقه. وقال أبو عبيد والأخفش: ملكه وسلطانه. وقال السّدي: أمره. وقال سعيد بن جبير: وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا أي تعالى ربنا. وقيل غير ذلك.
ومعنى الآية: وأنه تعالى جلال ربنا أن يتخذ صاحبة أو ولدا للاستئناس بهما أو الحاجة إليهما، فإن الرب يتعالى عن ذلك، كما يتعالى عن الأنداد والنظراء وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا أي إبليس. قاله مجاهد وابن جريج وقتادة. ورواه أبو بردة ابن أبي موسى عن [أبيه][ (1) ] ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: سفيهنا: المشركون من الجن، والشّطط والاشتطاط: الغلو في الكفر. وقيل: الجور. وقيل: هو الكذب وَأَنَّا ظَنَنَّا أي حسبنا أن لن تقول الإنس والجن على اللَّه كذبا، فلذلك صدقناهم أن للَّه صاحبة وولدا، حتى سمعنا القرآن وتبينا به الحق، وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ أي أن [الرجل] [ (1) ] كان إذا نزل بواد قال:
أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، وكان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء اللَّه بالإسلام تعوذوا باللَّه وتركوهم، فَزادُوهُمْ رَهَقاً أي إثما، وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً أي ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث اللَّه رسولا إلى خلقه، يقيم به الحجة عليهم، وكان هذا هو توكيد الحجة على قريش، أي إذا آمن هؤلاء الجن بمحمد فأنتم أحق بذلك، وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ أي طلبنا خبرها كما جرت عادتنا، فوجدناها قد ملئت حرسا
[ (1) ] زيادة للسياق.
شديدا أي حفظة، يعني الملائكة، وشهبا جمع شهاب، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عند استراق السمع، وشديدا: من نعت الحرس، أي ملئت ملائكة شدادا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ أي من السماء، مقاعد أي مواضع يقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء، يعني أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهنة، فحرسها اللَّه حين بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالشهب المحرقة، فقالت الجن حينئذ: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً، يعني بالشهاب: الكوكب المحرق.
وقيل لم يكن انقضاض الكواكب إلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آية من آياته، وأنه كان من مبعثه أن رأت قريش النجوم يرمى بها في السماع عشرين يوما، وقد اختلف السلف: هل كانت الشياطين تقذف قبل المبعث؟ أو كان ذلك أمرا حدث لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقيل: كان ذلك قبل المبعث، وإنما زادت بمبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إنذارا بحاله، وهو معنى قوله تعالى:[مُلِئَتْ][ (1) ] أي زيد في حرسها، وهو قول الأكثرين، وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أي هذا الحرس الّذي حرست به لشر أريد بأهل الأرض أم أراد بهذا ربهم بهم رشدا؟
أي خيرا.
أخرج البخاري في التفسير من حديث سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال: إن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: إذا قضى اللَّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه [ (2) ] فوق بعض، ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدّد بين أصابعه، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال يوم كذا وكذا وكذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة
[ (1) ] زيادة للسياق والبيان.
[ (2) ] في (خ) : «بعضهم» .
التي سمع [ (1) ] من السماء [ (2) ] .
وقال تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ* وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ* لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ* دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ* إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [ (3) ] وقال: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ (4) ]، وقال: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ* وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ* إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ [ (5) ] .
وخرج عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن يحيى بن عروة بن الزبير عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول اللَّه! إن الكهان قد كانوا يحدثوننا بالشيء فنجده [ (6) ] حقا، قال: تلك الكلمة الحق [ (7) ] يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه ويزيد [ (8) ] فيها أكثر من مائة كذبة. خرجه مسلم [ (9) ] عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق، وخرجه البخاري [ (10) ] من وجه آخر عن معمر.
وقال الأوزاعي: حدثني ابن شهاب عن علي بن حسين، عن عباس رضي الله عنه قال: حدثني رجال من الأنصار أنهم بيناهم جلوس مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ رمي بنجم فاستنار، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذ
[ (1) ](خ) : «سمعت» .
[ (2) ](فتح الباري) : 8/ 689- 690، كتاب التفسير، باب (1) حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، حديث رقم (4800) .
[ (3) ] الصافات: 6- 10.
[ (4) ] الملك: 5.
[ (5) ] الحجر: 16- 18.
[ (6) ](خ) : «فيكون» وهي رواية البخاري.
[ (7) ](خ) : «من الحق» وهي رواية البخاري.
[ (8) ] في (خ) : «فيزيد» وهي رواية البخاري.
[ (9) ](مسلم بشرح النووي) : 14/ 475، كتاب السلام، باب (35) تحريم الكهانة وإتيان الكهان، حديث رقم (2228) .
[ (10) ](فتح الباري) : 10/ 266، كتاب الطب، باب (46) الكهانة، حديث رقم (5762) .
رمي بمثل هذا؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات الليلة رجل عظيم، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فإنّها [ (1) ] لا يرمي بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا عز وجل [ (2) ] إذا قضى أمرا سبحت [ (3) ] حملة العرش، ثم سبحت [ (3) ] أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا، ثم يقول الذين يلون حملة العرش [لحملة العرش:] [ (4) ] ماذا قال ربكم، [فيخبرونهم ماذا قال][ (4) ] فيستخبر أهل السموات بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا، فيخطف الجن السمع فيلقونه إلى أوليائهم ويرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو الحق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون.
وفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري: ولكنهم يرقون فيه ويزيدون. أخرجه مسلم من حديث الوليد بن مسلم عن الأوزاعي [ (5) ] .
ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري عن علي بن الحسين عن علي، عن عبد اللَّه بن عباس عن نفر من الأنصار، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال لهم: ما كنتم تقولون في هذا النجم الّذي يرمي به؟ قالوا: يا رسول اللَّه كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك ملّك ملك، ولد مولود مات مولود، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليس ذلك لذلك، ولكن اللَّه تبارك وتعالى، كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعه حملة العرش فسبحوا، فسبح من تحتهم لتسبيحهم، فسبح من تحت ذلك، ولا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحوا.
ثم يقول بعضهم لبعض: مم سبحتهم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم، فيقولون: ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا؟ فيقولون مثل ذلك حتى
[ (1) ] في (خ) : «فإنّه» .
[ (2) ] كذا في (خ)، وفي (مسلم) :«ولكن ربنا تبارك وتعالى اسمه» .
[ (3) ] كذا في (خ)، وفي (مسلم) :«سبّح» .
[ (4) ] زيادة للسياق والبيان.
[ (5) ](مسلم بشرح النووي) : 14/ 476- 477، كتاب السلام، باب (35) تحريم الكهانة وإتيان الكهان، حديث رقم (2229) وأخرجه الترمذي في صحيحه، في تفسير سورة سبإ، والإمام أحمد في (المسند) : 1/ 360، حديث رقم (1886) .
ينتهوا إلى حملة العرش، فيقولون لهم: مم سبحتم؟ فيقولون: قضى اللَّه في خلقه كذا وكذا- للأمر الّذي كان- فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيتحدثوا به فيسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف، ثم يأتوا به الكهان من أهل الأرض فيحدثوهم فيخطئوا ويصيبوا، فيتحدث به الكهان فيصيبوا بعضا ويخطئوا بعضا، ثم إن اللَّه حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها، فانقطعت الكهانة اليوم ولا كهانة [ (1) ] .
قال ابن إسحاق: وحدثني عمرو بن أبي جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن ابن لبينة، عن علي بن الحسين، بمثل حديث شهاب عنه، وقد روى هذا الحديث [عبد] الرزاق عن معمر عن الزهري وقال في آخره: قال: فقلت للزهري:
أو كان يرمى به في الجاهلية؟ فقال: نعم، قلت: يقول اللَّه تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً، قال: غلّظت واشتد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقي: وهذا يوافق ظاهر الكتاب لأنه قال خبرا عن الجن: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً، فأخبرت الجن أنه زيد في حراس السماء وشهبها، حتى امتلأت منها، وفي ذلك دليل على أنه كان قبل ذلك فيها حراس وشهب معدة معهم، والشهاب في (لسان العرب)[ (2) ] النار المتوقدة.
ثم ذكر الحديث البخاري ومسلم والترمذي، من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم [ (3) ] ، انطلق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق
[ (1) ](دلائل البيهقي) : 2/ 235- 236، باب بيان الوجه الّذي كان يخرج قول الكهان عليه حقا، ثم بيان أن ذلك انقطع بظهور نبينا صلى الله عليه وسلم أو انقطع أكثره.
[ (2) ](لسان العرب) : 1/ 510.
[ (3) ] قال النووي: لكن ابن مسعود أثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الجن: فكأن ذلك كان مقدما على نفي ابن عباس، وقد أشار إلى ذلك مسلم، فأخرج في (الصحيح) في كتاب الصلاة، حديث رقم (450) عقب حديث ابن عباس
هذا حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أتاني داعي الجن فانطلقت معه فقرأت عليه القرآن.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بالتعدد. قال العلماء هما قضيتان، وحديث ابن عباس في أول الأمر، وأول النبوة، ثم أتوا وسمعوا قُلْ أُوحِيَ.
عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، فقال: ما حال بيننا وبين خبر السماء إلا من [شيء][ (1) ] حدث، فاضربوا مشارق الأرض، ومغاربها، فانظروا ما هذا الّذي حال بينكم وبين خبر السماء، قال: فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الّذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة، عامدا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الصبح، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا واللَّه الّذي حال بينكم وبين خبر السماء، قال: فهنا لك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً، فأنزل اللَّه على نبيه:
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [ (2) ] ، [وإنما أوحي إليه قول الجن][ (3) ] . هذه سياقة الترمذي، وقال: حسن صحيح. قال البيهقي: فقد ذكرنا أن ذلك في أول ما علموا به.
وأما قولهم حيل بيننا وبين خبر السماء، فإنما أرادوا بما زيد في الحرّاس والشهب، واستدل لذلك بحديث يونس بن بكير، عن يونس بن عمرو عن أبيه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنّ الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيستمعون الكلمة من الوحي فيهبطون بها إلى الأرض، فيزيدون معها تسعا، فيجد أهل الأرض تلك الكلمة حقا والتسع باطلا، فلم يزالوا بذلك حتى بعث اللَّه
[ (1) ] زيادة للسياق من (جامع الأصول) .
[ (2) ] الجن: 1- 2.
[ (3) ] قال الحافظ: هذه الزيادة من كلام ابن عباس، كأنه يقرر فيه ما ذهب إليه أولا: أنه صلى الله عليه وسلم لم يجتمع بهم، وإنما أوحى اللَّه إليه بأنهم استمعوا، ومثله قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا [الأحقاف: 49] ، ولكن لا يلزم من عدم ذكر اجتماعه بهم حين استمعوا، أن لا يكون اجتمع بهم بعد ذلك.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة الجن، وفي صفة الصلاة، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر، ومسلم في الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والترمذي في التفسير، باب: ومن سورة الجن، والبيهقي في (دلائل النبوة) : 2/ 225- 226، 239، والإمام أحمد في (المسند) : 1/ 417، حديث رقم (2271) ، من مسند عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه تعالى عنه.
محمدا صلى الله عليه وسلم، فمنعوا تلك المقاعد، فذكروا ذلك لإبليس فقال: لقد حدث في الأرض حدث، فبعثهم فوجدوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن بين جبلي نخل، قالوا:
هذا واللَّه الحدث، وإنهم ليرمون، فإذا توارى النجم عنكم فقد أدركه لا يخطئ أبدا ولكنه لا يقتله، يحرق وجهه، جنبه، يده [ (1) ] .
وخرجه الترمذي من حديث إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره بمعناه ثم قال: هذا حديث حسن صحيح [ (2) ] .
واستدل البيهقي أيضا بحديث آدم بن أبي إياس قال: حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [ (3) ]، قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة عل الصفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير، ثم يقول: يكون العام كذا، ويكون [كذا][ (4) ] ، فتسمعه الجن فيخبرون الكهنة به، والكهنة [يقولون للناس] [ (5) ] :
يكون كذا [و][ (4) ] كذا فيجدونه كذلك، فلما بعث اللَّه محمدا صلى الله عليه وسلم دحروا، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم شاة، حتى أسرعوا في أمواله، فقالت ثقيف- وكانت أعقل العرب-: أيها الناس، أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وإن هذا ليس بانتثار ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي؟ والشمس والقمر والليل والنهار، قال:
فقال إبليس: لقد حدث اليوم في الأرض حدث، فأتوني من تربة كل أرض،
[ (1) ](دلائل النبوة للبيهقي) : 2/ 239- 240، وقال في هامشه: أخرجه أحمد في (المسند) ، ونقله ابن كثير في (البداية والنهاية) .
[ (2) ](سنن الترمذي) : 5/ 398، كتاب تفسير القرآن، حديث رقم (3324) ، وأخرجه أيضا النسائي في (الكبرى) ، في التفسير.
[ (3) ] سبأ: 33.
[ (4) ] زيادة للسياق من (البيهقي) .
[ (5) ] زيادة للبيان.
فأتوه بها، فجعل يشمها، فلما شم تربة مكة قال: من هاهنا جاء الحدث، فنصتوا فإذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد بعث [ (1) ] .
وقال محمد بن إسحاق: وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع، إذ كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره صلى الله عليه وسلم، ولا تلقي العرب لذلك فيه بالا حتى بعثه اللَّه، ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها، فلما تقارب أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه حجبت الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم، فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر اللَّه في العباد، يقول اللَّه تعالى لنبيه- حين بعثه وهو يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن السمع فعرفوا ما عرفوا وما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا- قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ
…
فذكر الآيات، فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها منعت من السمع قبل ذلك، لئلا يشكل الوحي بشيء من خبر السماء فيلبس على أهل الأرض ما جاءهم من اللَّه فيه لوقوع الحجة وقطع التهمة، فآمنوا وصدقوا، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، قالوا: يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ [ (2) ] الآية.
قال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدّث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمي بها هذا الحي من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية- أحد بني علاج- قال: وكان أدهى العرب وأمكرها رأيا، فقالوا له: يا عمرو! ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال: بلى، فانظروا، فإن كانت معالم النجوم التي [يهتدى][ (3) ] بها في البر والبحر، وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يرمى بها، فهو واللَّه طيّ الدنيا وهلاكها، وهلاك هذا الخلق الّذي فيها،
[ (1) ](دلائل البيهقي) : 2/ 240- 241.
[ (2) ] الأحقاف: 30.
[ (3) ] زيادة للسياق.
وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا لأمر أراد اللَّه به الخلق [ (1) ] .
وخرج البيهقي من طريق سعيد بن منصور قال: حدثنا خالد عن حصين عن عامر الشعبي قال: كانت النجوم لا ترمى حتى بعث اللَّه محمدا صلى الله عليه وسلم، فرمي بها فسيبوا أنعامهم، وأعتقوا رقيقهم، فقال عبد يا ليل: انظروا، فإن كانت النجوم التي تعرف فهي عند فناء الناس، وإن كانت لا تعرف فهو من أمر حدث، فنظروا فإذا هي لا تعرف، قال: فأمسكوا ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاءهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم [ (2) ] .
وخرّج من حديث عطية بن سعد العوفيّ، عن ابن عباس قال: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد، وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث اللَّه محمدا صلى الله عليه وسلم حرست السماء حرسا شديدا، ورجمت الشياطين فأنكروا ذلك وقالوا: لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [ (3) ] .
فقال إبليس لقد حدث في الأرض حدث [ (4) ]، واجتمعت إليه الجن فقال:
تفرقوا في الأرض فأخبروني ما هذا الخبر الّذي حدث في السماء؟.
وكان أول بعث بعث ركب أهل نصيبين، وهم أشراف الجن وسادتهم، فبعثهم إلى تهامة، واندفعوا حتى بلغوا الوادي- وادي نخلة- فوجدوا نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة، فاستمعوا، فلما سمعوه يتلو القرآن قالوا: أنصتوا- ولم يكن نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن- فلما قضى، يقول:
فلما فرغ من الصلاة ولّوا إلى قومهم منذرين، يقول: مؤمنين [ (4) ] .
وقال عكرمة رحمه الله: والسورة التي كان يقرأها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
…
، قال البيهقي: فهذا يوافق الحديث الثابت عن أبي اليسر عن
[ (1) ](المرجع السابق) .
[ (2) ](دلائل البيهقي) : 2/ 241.
[ (3) ] الجن: 10.
[ (4) ](دلائل البيهقي) : 2/ 241- 242.
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، إلا أن فيه زيادة ينفرد بها عطية العوفيّ، وهي قوله: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد.
وروى ذلك عن غير ابن عباس، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أنها لم تكن تحرس الحراسة الشديدة حتى بعث نبينا صلى الله عليه وسلم، فملئت حرسا شديدا وشهبا [ (1) ] .
وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه، وكانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بعث صلى الله عليه وسلم منعت من ذلك أصلا، وعلى هذا وجدنا الشعر القديم قاله بشر بن أبي حازم- وهو جاهلي-:
والعير يرهقها الغبار وحجبها
…
ينقضّ خلفهما كانقضاض الكوكب
وقال أويس بن حجر- وهو جاهلي-:
فانقض كالدرى يتبعه
…
نقع بنور يخالطه طيبا
وقال عوف بن الجزع- وهو جاهلي-:
يرد علينا العير من دون الغدا
…
والنور كالدري يتبعه الدم
وفي أيدي الناس كتب من كتب الأعاجم وسيرهم تنبئ عن انقضاض النجوم في كل عصر وكل زمان.
وقال السهيليّ: وإن وجد اليوم كاهن ولا يدفع ذلك بما أخبره اللَّه تعالى من طرد الشياطين عن استراق السمع، فإن التغليظ والتشديد كان في زمن النبوة، ثم بقيت منه- أعني استراق السمع- بقايا يسيرة، بدليل وجودهم على الندور في بعض الأزمنة وفي بعض البلاد.
وقد سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال: ليسوا بشيء، فقيل: إنهم يتكلمون بالكلمة فيكون كما قالوا: فقال: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة- بالدال- والزجاجة بالزاي أولى لما ثبت في الصحيح: فيقرها في أذن وليه
[ (1) ] المرجع السابق: 242.
كما تقر القارورة،
ومعنى يقرها، يصيبها ويفرغها. قال الراجز:
لا تقرعن في أذني بعدها
…
ما يستقر فأريك فقدها
وفي تفسير ابن سلام عن ابن عباس قال: إذا رأى الشهاب الجنّيّ لم يخطئه ويحرق ما أصاب ولا يقتله. وعن الحسن: يقتله في أسرع من طرفة العين.
قال: والّذي انقطع اليوم وإلى يوم القيامة: أن تدرك الشياطين ما كانت تدركه في الجاهلية الجهلاء، وعند تمكنها من سماع أخبار السماء، وما يوجد اليوم من كلام الجن على ألسنة المجانين، إنما هو خبر منهم عما يرونه في الأرض مما لا نراه نحن، كسرقة سارق أو خبيئة في مكان خفي أو نحو ذلك، وإن أخبر أنما سيكون، كان [تخرصا][ (1) ] وتظنينا، فيصيبون قليلا ويخطئون كثيرا.
وذلك القليل الّذي يصيبون فيه هو مما تتكلم به الملائكة في العنان، كما في حديث البخاري، فيطردون بالنجوم، فيضيفون إلى الكلمة الواحدة أكثر من مائة كذبة، - كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث-.
فإن قيل: قد كان صاف بن صياد، وكان يتكهن ويدعي النبوة، وخبأ له النبي صلى الله عليه وسلم خبيئا فعلمه، وهو الدخان، فقال: الدّخ، فأين انقطاع الكهانة في ذلك الزمان؟ قلنا: عن هذا جوابان.
أحدهما: ذكره الخطابي في أعلام الحديث، قال: الدخ نبات يكون بين النخل، وخبّأ له النبي صلى الله عليه وسلم فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ [ (2) ] ، فعلى هذا لم يصب ما خبّأ له النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: أن شيطانه كان يأتيه بخبر السماء لمكان القذف والرجم، فإن كان أراد بالدخ الدخان، فليس هذا من أخبار السماء، إذ يمكن أن يكون قرب من النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الآية سرا، فسمع منها ذكر الدخان بقوة جعلت في أسماعهم
[ (1) ] زيادة للسياق.
[ (2) ] الدخان: 10.
ليست لنا، فألقى الكلمة على لسان صاف وحدها، إذ لم يمكن للجني سماع سائر الآية، ولذلك قال له صلى الله عليه وسلم: اخسأ فلن تعدو قدرك، أي لن تعدو منزلتك من العجز عن علم الغيب، وإنما الّذي يمكن في حقه هذا القدر دون مزيد عليه. على هذا فسره الخطابي.