الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ بَيَانِ مَثَلِ مَا بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ
[2282]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ عز وجل مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا، وَسَقَوْا، وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلًا، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ، وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)).
[خ: 79]
قوله: ((الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ)) مختصان بالنبات الرطب، والحشيش مختص باليابس، والكلأ بالهمزة يقع على اليابس والرطب، وبدون همزة للرطب.
وقوله: ((قِيعَانٌ)) جمع قاع، وهو الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها.
وهذا حديث عظيم رواه الشيخان البخاري ومسلم، وقد مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم فيه ما بعثه الله به من الهدى والعلم بالمطر الكثير، ثم قسم النبي صلى الله عليه وسلم الناس تجاه ما بعثه الله به صلى الله عليه وسلم إلى ثلاث طوائف، وشبهها بثلاثة أنواع من الأرض هي:
الأولى: أرضٌ طيبةٌ لمّا أصابها المطر قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.
الثانية: أجادب لا تنبت العشب والكلأ، ولكنها أمسكت الماء.
الثالثة: قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأً ولا عشبًا.
والناس على مثل هذه الأقسام الثلاثة:
القسم الأول: هم العلماء الذين تعلَّموا وتفقَّهوا وتبصَّروا في دين الله وفي شريعته واستخرجوا كنوزها، تعلموا وعملوا بعلمهم وعلمّوا الناس، هؤلاء مثلهم مثل الطائفة الطيبة التي قبلت الماء فاستفادت هي في نفسها، وأنبت الكلأ والعشب الكثير فاستفاد الناس من هذا الماء والعشب الكثير، وكذلك العلماء استفادوا لأنفسهم فعلموا وعملوا وأفادوا غيرهم من الناس وحتى الدواب.
القسم الثاني: مثل المحدثين الذي حفظوا الأحاديث وضبطوها واعتنوا بالرواية والرواة، وميزوا الصحيح من السقيم، وأوصلوها إلى من بعدهم، فاستفاد من بعدهم من هذه الأحاديث التي وجدوها نقية مخرَّجة مصحَّحة فاستفادت منها الطائفة الأولى، وتفقهوا في أحكامها وعملوا بها، فهؤلاء المحدثون أوصلوا الأحاديث إلى من بعدهم، فمثلهم مثل الأرض الأجادب التي أمسكت الماء حتى جاء الناس فاستقوا وشربوا وزرعوا ورعوا.
القسم الثالث: وهم الذين لم يتعلموا دين الله، ولم يعملوا به، فمثلهم مثل القيعان التي لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فلا تستفيد لنفسها ولا تفيد غيرها، هذا مثل لمن أعرض عن دين الله ولم يتفقه ولم يتبصر ولم يعمل به، فهو لم يستفد من العلم والهدى الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث فيه: جواز ضرب الأمثال، والمثل ينقل الإنسان من المحسوس إلى المعقول، والأمثال فيها فائدة، وقد أكثر الله تعالى من ضربها، وكذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} .
وفيه: فضل تعلم العلم.
وفيه: ذم الإعراض عن العلم، قال تعالى:{والذين كفروا عما أنذروا معرضون} ، فلا ينبغي للإنسان أن يكون معرضًا، بل ينبغي له أن يكون عنده إقبال ونشاط وجهاد للنفس حتى يكون مع المشمرين والمستفيدين والمقبلين.