الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
إِذَا وَقَفَ وَقْفًا مُنْقَطِعَ الْآخِرِ، بِأَنْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي، أَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى عَقِبِهِ، وَلَمْ يَزِدْ، فَفِي صِحَّتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: الصِّحَّةُ. مِنْهُمُ الْقُضَاةُ: أَبُو حَامِدٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
وَالثَّانِي: الْبُطْلَانُ، وَصَحَّحَهُ الْمَسْعُودِيُّ وَالْإِمَامُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَقَارًا، فَبَاطِلٌ. وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا صَحَّ، لِأَنَّ مَصِيرَهُ إِلَى الْهَلَاكِ، وَرُبَّمَا هَلَكَ قَبْلَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ، فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْتَفِعُ الْوَقْفُ وَيَعُودُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ، أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ إِنْ كَانَ مَاتَ. وَأَظْهَرُهُمَا: يَبْقَى وَقْفًا، وَفِي مَصْرِفِهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ.
وَالثَّانِي: إِلَى الْمَسَاكِينِ.
وَالثَّالِثُ: إِلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مَصَارِفُ خُمُسِ الْخُمُسِ.
وَالرَّابِعُ: إِلَى مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ. فَإِنْ قُلْنَا: إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، فَيُعْتَبَرُ قُرْبُ الرَّحِمِ، أَمِ اسْتِحْقَاقُ الْإِرْثِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْبِنْتِ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ صِلَةُ الرَّحِمِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ، فَالْقَوْلُ فِي الْأَقْرَبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ لِلْأَقْرَبِ. وَهَلْ يَخْتَصُّ بِفُقَرَاءِ الْأَقَارِبِ، أَمْ يُشَارِكُهُمْ أَغْنِيَاؤُهُمْ. قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: الِاخْتِصَاصُ. وَهَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، أَمِ الِاسْتِحْبَابِ؟ وَجْهَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُصْرَفُ إِلَى الْمَسَاكِينِ، فَفِي تَقْدِيمِ جِيرَانِ الْوَاقِفِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّا لَوْ قَدَّمْنَا بِالْجِوَارِ، لَقَدَّمْنَا بِالْقَرَابَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
فَرْعٌ
قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى زَيْدٍ شَهْرًا، عَلَى أَنْ يَعُودَ إِلَى مِلْكِي بَعْدَ الشَّهْرِ، فَبَاطِلٌ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَعُودُ مِلْكًا بَعْدَ الشَّهْرِ، أَمْ يَكُونُ كَالْمُنْقَطِعِ حَتَّى يُصْرَفَ بَعْدَ الشَّهْرِ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ؟ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: التَّنْجِيزُ. فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي، أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ سَيُبْنَى، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَا وَلَدَ لَهُ، فَهَذَا وَقْفٌ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ. وَالثَّانِي: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مُنْقَطِعِ الْآخِرِ. وَالْمَذْهَبُ هُنَا الْبُطْلَانُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، فَإِنْ صَحَّحْنَا، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يُمْكِنِ انْتِظَارُ مَنْ ذَكَرَهُ كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي وَلَا وَلَدَ لَهُ، أَوْ عَلَى مَجْهُولٍ، أَوْ مَيِّتٍ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَهُوَ فِي الْحَالِ مَصْرُوفٌ إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَذِكْرُ الْأَوَّلِ لَغْوٌ. وَإِنْ أَمْكَنَ، إِمَّا بِانْقِرَاضِهِ كَالْوَقْفِ عَلَى عَبْدٍ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَإِمَّا بِحُصُولِهِ، كَوَلَدٍ سَيُولَدُ (لَهُ)، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: تُصْرَفُ الْغَلَّةُ إِلَى الْوَاقِفِ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْأَوَّلُ. وَعَلَى هَذَا، فَفِي ثُبُوتِ الْوَقْفِ فِي الْحَالِ وَجْهَانِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: تَنْقَطِعُ الْغَلَّةُ عَنِ الْوَاقِفِ، وَعَلَى هَذَا أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا: تُصْرَفُ فِي الْحَالِ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا، صُرِفَ إِلَى الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ، وَعَلَى هَذَا فَالْقَوْلُ فِي اشْتِرَاطِ الْفَقْرِ، وَسَائِرِ التَّفَارِيعِ عَلَى مَا سَبَقَ.
وَالثَّانِي: يُصْرَفُ إِلَى الْمَذْكُورِينَ بَعْدَهُ فِي الْحَالِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
فَرْعٌ
وَقَفَ عَلَى وَارِثِهِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَقُلْنَا: الْوَقْفُ عَلَى الْوَارِثِ
بَاطِلٌ، أَوْ صَحِيحٌ، فَرَدَّهُ بَاقِي الْوَرَثَةِ، فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ. وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَرَدَّهُ الْمُعَيَّنُ، وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ: إِنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، فَمُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ.
فَرْعٌ
إِذَا عَلَّقَ الْوَقْفَ، فَقَالَ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ، فَقَدْ وَقَفْتُهُ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ فِي مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ، وَأَوْلَى بِالْفَسَادِ.
فَرْعٌ
وَرَاءَ مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، أَوِ الْآخِرِ فَقَطْ صُوَرٌ.
إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلَ الْأَوَّلِ، وَالْآخِرِ وَالْوَسَطِ، فَصَحِيحٌ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعَهَا جَمِيعًا، فَبَاطِلٌ قَطْعًا.
الثَّالِثَةُ: مُتَّصِلَ الطَّرَفَيْنِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ، بِأَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ رَجُلٍ مَجْهُولٍ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا مُنْقَطِعَ الْآخِرِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ، وَيُصْرَفُ عِنْدَ تَوَسُّطِ الِانْقِطَاعِ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، أَوْ إِلَى الْمَسَاكِينِ، أَوِ الْمَصَالِحِ، أَوِ الْجِهَةِ الْعَامَّةِ الْمَذْكُورَةِ آخِرًا؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَنْقَطِعَ الطَّرَفَانِ دُونَ الْوَسَطِ، بِأَنْ وَقَفَ عَلَى رَجُلٍ مَجْهُولٍ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ فَقَطْ، فَإِنْ أَبْطَلْنَا مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُ أَيْضًا. فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَفِيمَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْإِلْزَامُ، فَلَوْ وَقَفَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوْ قَالَ: وَقَفْتُ بِشَرْطٍ
أَنِّي أَبِيعُهُ، أَوْ أَرْجِعُ فِيهِ مَتَى شِئْتُ، فَبَاطِلٌ، وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ إِلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى، كَالْعِتْقِ، أَوْ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَهَذَا شَرْطٌ مُفْسِدٌ. لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَفْسُدُ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْعِتْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَلَبَةِ، وَالسِّرَايَةِ. وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ، وَيَصِحَّ الْوَقْفُ. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ غَيْرِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ إِذَا مَاتَ، فَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَعَنِ الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ أُخِذَا مِنْ مَسْأَلَةِ الْعُمَرِيِّ. وَلَوْ وَقَفَ وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَحْرِمَ مَنْ شَاءَ، أَوْ يُقَدِّمَ أَوْ يُؤَخِّرَ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ عَلَى الْأَصَحِّ. هَذَا إِذَا أَنْشَأَ الْوَقْفَ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَلَوْ أَطْلَقَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُغَيِّرَ مَا ذَكَرَهُ بِحِرْمَانٍ، أَوْ زِيَادَةٍ، أَوْ تَقْدِيمٍ، أَوْ تَأْخِيرٍ، فَلَيْسَ لَهُ قَطْعًا. فَإِنْ صَحَّحْنَا شَرْطَهُ لِنَفْسِهِ، فَشَرْطُهُ لِغَيْرِهِ، فَفَاسِدٌ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ أَفْسَدْنَاهُ، فَفِي فَسَادِ الْوَقْفِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ كَالْعِتْقِ، أَمْ لَا؟ هَذَا مَجْمُوعُ مَا حَضَرَنِي مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ. وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُهُمْ بُطْلَانُ الشَّرْطِ، وَالْوَقْفِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا، وَشَذَّ الْغَزَالِيُّ، فَجَعَلَ هَذِهِ الصُّوَرَ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ.
الْأُولَى: وَقَفْتُ بِشَرْطِ أَنْ أَرْجِعَ مَتَى شِئْتُ، أَوْ أَحْرِمَ الْمُسْتَحِقَّ، وَأُحَوِّلَ الْحَقَّ إِلَى غَيْرِهِ مَتَى شِئْتُ، فَفَاسِدٌ. الثَّانِيَةُ: بِشَرْطِ أَنْ أُغَيِّرَ قَدْرَ الْمُسْتَحِقِّ لِلْمَصْلَحَةِ، فَهُوَ جَائِزٌ. الثَّالِثَةُ: يَقُولُ: أُغَيِّرُ تَفْصِيلَهُ، فَوَجْهَانِ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ فِيهِ لَبْسٌ، فَإِنَّ التَّحْوِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْأُولَى هُوَ التَّغَيُّرُ الْمَذْكُورُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ. فَصْلٌ
لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ الْوَقْفُ، فَأَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: يَتْبَعُ شَرْطَهُ كَسَائِرِ