الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَبِالِإِشَارَةِ إِنْ كَانَ أَخْرَسَ. وَأَمَّا الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُمَا مُبَاشَرَةً بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمَا إِلَّا بِالتَّبَعِيَّةِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: لَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ. وَالثَّانِي: يَتَوَقَّفُ. فَإِنْ بَلَغَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، تَبَيَّنَّا كَوْنَهُ مُسْلِمًا مِنْ يَوْمِئِذٍ. وَإِنْ وَصَفَ الْكُفْرَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لَغْوًا. وَقَدْ يُعَبِّرُ عَنْ هَذَا بِصِحَّةِ إِسْلَامِهِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا. وَالثَّالِثُ: يَصِحُّ إِسْلَامُهُ حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ الْكَافِرَةِ وَيُوَرَّثُ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ. وَعَلَى هَذَا، لَوِ ارْتَدَّ، صَحَّتْ رِدَّتُهُ، لَكِنْ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ. فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا، قُتِلَ.
قُلْتُ: الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الرِّدَّةِ بَعِيدٌ، بَلْ غَلَطٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبَوَيْهِ وَأَهْلِهِ الْكُفَّارِ لِئَلَّا يَفْتِنُوهُ. فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ الْكُفْرَ، هُدِّدَ وَطُولِبَ بِالْإِسْلَامِ. فَإِنْ أَصَرَّ، رُدَّ إِلَيْهِمْ. وَهَلْ هَذِهِ الْحَيْلُولَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، أَمْ وَاجِبَةٌ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: مُسْتَحَبَّةٌ، فَلْيَتَلَطَّفْ بِوَالِدَيْهِ لِيُؤْخَذَ مِنْهُمَا. فَإِنْ أَبَيَا، فَلَا حَيْلُولَةَ. هَذَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا. فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ، فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: إِذَا أَضْمَرَ الْإِسْلَامَ كَمَا أَظْهَرَهُ، كَانَ مِنَ الْفَائِزِينَ بِالْجَنَّةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا بِصِحَّةِ إِسْلَامِهِ بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا. قَالَ الْإِمَامُ: فِي هَذَا إِشْكَالٌ، لِأَنَّ مَنْ يُحْكَمُ لَهُ بِالْفَوْزِ لِإِسْلَامِهِ، كَيْفَ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ؟ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ يُحْكَمُ بِالْفَوْزِ فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا، كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.
فَصْلٌ
لِلتَّبَعِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَاثُ جِهَاتٍ. إِحْدَاهَا: إِسْلَامُ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَيُتَصَوَّرُ
ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْأَبَوَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا يَوْمَ الْعُلُوقِ، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ مُسْلِمٍ، فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ الْكُفْرَ، فَهُوَ مُرْتَدٌّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَا كَافِرَيْنِ يَوْمَ الْعُلُوقِ، ثُمَّ يُسْلِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ فِي الْحَالِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ الْإِسْلَامُ فِي حَالِ اجْتِنَانِ الْوَلَدِ أَوْ بَعْدَ انْفِصَالِهِ، وَسَنَذْكُرُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يَفْتَرِقُ فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ بِإِسْلَامِهِ. وَفِي مَعْنَى الْأَبَوَيْنِ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ، سَوَاءٌ كَانُوا وَارِثِينَ أَمْ لَمْ يَكُونُوا، فَإِذَا أَسْلَمَ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ، أَوْ أَبُو الْأُمِّ، تَبِعَهُ الصَّبِيُّ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَبُ حَيًّا قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ عَلَى الْأَصَحِّ. ثُمَّ إِذَا بَلَغَ هَذَا الصَّبِيُّ، فَإِنْ أَفْصَحَ بِالْإِسْلَامِ، تَأَكَّدَ مَا حَكَمْنَا بِهِ. وَإِنْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ، فَقَوْلَانِ. الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ مُرْتَدٌّ، لِأَنَّهُ سَبَقَ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ جَزْمًا، فَأَشْبَهَ مَنْ بَاشَرَ الْإِسْلَامَ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَمَا إِذَا حَصَلَ الْعُلُوقُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ، لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ أَوَّلًا وَأُزِيلَ تَبَعًا، فَإِذَا اسْتَقَلَّ، زَالَتِ التَّبَعِيَّةُ. وَيُقَالُ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُخْرِجٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ وَقَطَعَ بِالْأَوَّلِ. فَإِنْ حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ مُرْتَدًّا لَمْ يُنْقَضْ شَيْئًا مِمَّا أَمَضَيْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: إِمْضَاؤُهَا بِحَالِهَا، لِجَرَيَانِهِ فِي حَالِ التَّبَعِيَّةِ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّا نَتَبَيَّنُ بُطْلَانَهَا، وَنَسْتَدْرِكُ مَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ، حَتَّى يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ تَرِكَةِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَيَأْخُذَ مِنْ تَرِكَةِ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ مَا حَرَمْنَاهُ مِنْهُ، وَنَحْكُمُ بِأَنَّ إِعْتَاقَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ لَمْ يَقَعْ مُجْزِئًا. هَذَا فِيمَا جَرَى فِي الصِّغَرِ. فَأَمَّا إِذَا بَلَغَ وَمَاتَ لَهُ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ قَبْلَ أَنْ يُفْصِحَ بِشَيْءٍ، أَوْ أُعْتِقَ عَنِ الْكَفَّارَةِ فِي هَذَا الْحَالِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَوْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ كَانَ مُرْتَدًّا، أَمْضَيْنَا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَلَا تُنْقَضُ. وَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَافِرًا أَصْلِيًّا، فَإِنْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا إِرْثَ وَلَا إِجْزَاءَ عَنِ الْكَفَّارَةِ. وَإِنْ فَاتَ الْإِفْصَاحُ بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: إِمْضَاءُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ كَمَا لَوْ مَاتَ فِي الصِّغَرِ.
وَأَصَحُّهُمَا: نَتَبَيَّنُ الِانْتِقَاضَ، لِأَنَّ سَبَبَ التَّبَعِبَّيَةِ الصِّغَرُ وَقَدْ زَالَ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي الْحَالِ حُكْمُهُ فِي نَفْسِهِ، فَيُرَدُّ الْأَمْرُ إِلَى الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ. وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِفْصَاحِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ، وَرِثَهُ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ. وَلَوْ مَاتَ لَهُ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ، فَإِرْثُهُ عَنْهُ مَوْقُوفٌ. قَالَ الْإِمَامُ: أَمَّا التَّوْرِيثُ مِنْهُ، فَيَخْرُجُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْإِفْصَاحِ، هَلْ يُنْقَضُ الْحُكْمُ؟ وَأَمَّا تَوْرِيثُهُ، فَإِنْ أَرَادَ بِالتَّوَقُّفِ أَنَّهُ يُقَالُ: لَوْ أَفْصَحَ بِالْإِسْلَامِ، فَهُوَ قَرِيبٌ، وَيُسْتَفَادُ بِهِ الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ. وَأَمَّا لَوْ مَاتَ الْقَرِيبُ، ثُمَّ مَاتَ هُوَ، وَفَاتَ الْإِفْصَاحُ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ تَوْرِيثِهِ وَالتَّوْرِيثِ عَنْهُ. وَلَوْ قُتِلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَبْلَ الْإِفْصَاحِ، فَفِي تَعَلُّقِ الْقِصَاصِ بِقَتْلِهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوْ قُتِلَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَأَظْهَرُهُمَا: لَا، لِلشُّبْهَةِ وَانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ. وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَالَّذِي أَطْلَقُوهُ وَحَكَوْهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه: تَعَلُّقُ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ بِقَتْلِهِ، وَقِيَاسُ قَوْلِنَا: إِنَّهُ لَوْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا، أَنْ لَا نُوجِبَ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ عَلَى رَأْيٍ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا فَاتَ الْإِفْصَاحُ بِالْمَوْتِ يُرَدُّ الْمِيرَاثُ عَلَى رَأْيٍ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَصْحَابُ رضي الله عنهم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
الْمَحْكُومُ بِكُفْرِهِ إِذَا بَلَغَ مَجْنُونًا، حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّغِيرِ، حَتَّى إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ وَالِدَيْهِ تَبِعَهُ. وَإِنْ بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ. الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: تَبَعِيَّةُ السَّابِي، فَإِذَا سَبَى الْمُسْلِمُ طِفْلًا مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ صَارَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ كَالْأَبَوَيْنِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ، هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ،
وَشَذَّ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» فَذَكَرَ فِي كِتَابِ السِّيَرِ فِي الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ وَجْهَيْنِ، وَزَعَمَ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ تَنْبِيهًا عَلَى ضَعْفِهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَوْ سَبَاهُ ذِمِّيٌّ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ وَلَا فِي أَوْلَادِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى. فَعَلَى هَذَا، لَوْ بَاعَهُ الذِّمِّيُّ لِمُسْلِمٍ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ. وَلَوْ سُبِيَ وَمَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ قَطْعًا. فَلَوْ كَانَا مَعَهُ ثُمَّ مَاتَا، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا، لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ فِي ابْتِدَاءِ السَّبْيِ.
قُلْتُ: مَعْنَى «سُبِيَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ» ، أَنْ يَكُونَا فِي جَيْشٍ وَاحِدٍ وَغَنِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا فِي مِلْكِ رَجُلٍ. قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي كِتَابِ «الظِّهَارِ» : إِذَا سَبَاهُ مُسْلِمٌ، وَسَبَى أَبَوَيْهِ غَيْرُهُ، إِنْ كَانَ فِي عَسْكَرٍ وَاحِدٍ، تَبِعَ أَبَوَيْهِ. وَإِنْ كَانَ فِي عَسْكَرَيْنِ، تَبِعَ السَّابِيَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
حُكْمُ الصَّبِيِّ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلسَّابِي إِذَا بَلَغَ، حُكْمُ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ إِذَا بَلَغَ.
فَرْعٌ
الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبِيهِ، أَوْ لِلسَّابِي إِذَا وَصَفَ الْكُفْرَ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَافِرًا أَصْلِيًّا،
أَلْحَقْنَاهُ بِدَارِ الْحَرْبِ. فَإِنْ كَانَ كُفْرُهُ مِمَّا يُقِرُّ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ، قَرَّرْنَاهُ بِرِضَاهُ. وَإِنْ وَصَفَ كُفْرًا غَيْرَ مَا كَانَ مَوْصُوفًا بِهِ، فَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ مِلَّةٍ إِلَى مِلَّةٍ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ. وَأَمَّا تَجْهِيزُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَاتَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَبْلَ الْإِفْصَاحِ، فَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّهُ لَوْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا؟ وَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي ذَلِكَ وَيُقَامَ فِيهِ شِعَارُ الْإِسْلَامِ.
قُلْتُ: الَّذِي رَآهُ الْإِمَامُ هُوَ الْمُخْتَارُ أَوِ الصَّوَابُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظَّوَاهِرِ، وَظَاهِرُهُ الْإِسْلَامُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: تَبَعِيَّةُ الدَّارِ. فَاللَّقِيطُ يُوجَدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ دَارِ الْكُفْرِ. الْحَالُ الْأَوَّلُ: دَارُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ. أَحَدُهَا: دَارٌ يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ، فَاللَّقِيطُ الْمَوْجُودُ فِيهَا مُسْلِمٌ وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ. الثَّانِي: دَارٌ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَأَقَرُّوهَا فِي يَدِ الْكُفَّارِ بِجِزْيَةٍ، فَقَدْ مَلَكُوهَا، أَوْ صَالَحُوهُمْ وَلَمْ يَمْلِكُوهَا، فَاللَّقِيطُ فِيهَا مُسْلِمٌ إِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ، وَإِلَّا، فَكَافِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: مُسْلِمٌ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَلَدُ مَنْ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ.
الثَّالِثُ: دَارٌ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْكُنُونَهَا، ثُمَّ جَلَوْا عَنْهَا وَغَلَبَ عَلَيْهَا الْكُفَّارُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْ يُعْرَفُ بِالْإِسْلَامِ، فَهُوَ كَافِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: مُسْلِمٌ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ فِيهَا كَاتِمَ إِسْلَامِهِ. وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَعْرُوفٌ بِالْإِسْلَامِ، فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ. وَأَمَّا عَدُّ الْأَصْحَابِ الضَّرْبَ الثَّالِثَ دَارَ إِسْلَامٍ، فَقَدْ يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ الْقَدِيمَ يَكْفِي لِاسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ، وَرَأَيْتُ لِبَعْضِ
الْمُتَأَخِّرِينَ تَنْزِيلَ مَا ذَكَرُوهُ عَلَى مَا إِذَا كَانُوا لَا يَمْنَعُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا، فَإِنْ مَنَعُوهُمْ، فَهِيَ دَارُ كُفْرٍ.
الْحَالُ الثَّانِي: دَارُ الْكُفْرِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَاللَّقِيطُ الْمَوْجُودُ فِيهَا مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ. وَإِنْ كَانَ فِيهَا تُجَّارٌ مُسْلِمُونَ سَاكِنُونَ، فَهَلْ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ، أَوْ بِإِسْلَامِهِ تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَيَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ كَانَ فِيهَا أُسَارَى، وَرَأَى الْإِمَامُ تَرْتِيبَ الْخِلَافِ فِيهِمْ عَلَى التُّجَّارِ، لِأَنَّهُمْ مَقْهُورُونَ. قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي قَوْمٍ يَنْتَشِرُونَ، إِلَّا أَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْبَلْدَةِ، فَأَمَّا الْمَحْبُوسُونَ فِي الْمَطَامِيرِ، فَيَتَّجِهُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ أَثَرٌ كَمَا لَا أَثَرَ لِطُرُوقِ الْعَابِرِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِالْكُفْرِ، فَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْبُقْعَةِ أَصْحَابَ مِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَالْقِيَاسُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ أَصْوَنِهِمْ دِينًا.
فَرْعٌ
الصَّبِيُّ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ، إِذَا بَلَغَ وَأَفْصَحَ بِالْكُفْرِ، فَهُوَ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ كَالْمُسْلِمِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوِ السَّابِي. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَصْلِيٌّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُرْتَدٌّ. فَإِذَا قُلْنَا: أَصْلِيٌّ، فَهَلْ نَتَوَقَّفُ فِي حَالِ صِبَاهُ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي يُشْتَرَطُ لَهَا الْإِسْلَامُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، بَلْ نُمْضِيهَا كَالْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبِيهِ. وَالثَّانِي: نَتَوَقَّفُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُفْصِحَ بِالْإِسْلَامِ. فَإِنْ مَاتَ فِي صِبَاهُ، لَمْ يُحْكَمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ.
فَرْعٌ
اللَّقِيطُ الْمَوْجُودُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَوِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ نَسَبَهُ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، لَحِقَهُ
وَتَبِعَهُ فِي الْكُفْرِ، وَارْتَفَعَ مَا كُنَّا نَظُنُّهُ. وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. ثَانِيهِمَا: يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ. فَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُهُ، تَبِعَهُ فِي الدِّينِ كَمَا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ. وَحُجَّةُ الْمَذْهَبِ: أَنَّا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ، فَلَا نُغَيِّرُهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى كَافِرٍ. وَأَيْضًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ مِنْ مَسْلِمَةٍ، وَحِينَئِذٍ لَا يَتْبَعُ الدِّينُ النَّسَبَ. وَعَلَى الطَّرِيقَيْنِ، يُحَالُ بَيْنَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا وَصَفَ الْمُمَيِّزُ الْإِسْلَامَ. ثُمَّ إِذَا بَلَغَ وَوَصَفَ الْكُفْرَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَتْبَعُهُ فِيهِ، قُرِّرَ، لَكِنَّهُ يُهَدَّدُ، وَلَعَلَّهُ يُسْلِمُ، وَإِلَّا، فَفِي تَقْرِيرِهِ مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ.
فَرْعٌ
سَبَقَ أَنَّ اللَّقِيطَ الْمُسْلِمَ، يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ. فَأَمَّا الْمَحْكُومُ بِكُفْرِهِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: كَذَلِكَ، إِذْ لَا وَجْهَ لِتَضْيِيعِهِ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: جِنَايَةُ اللَّقِيطِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ. أَمَّا جِنَايَتُهُ، فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً، فَمُوجَبُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا نُخَرِّجُ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي التَّوَقُّفِ، كَمَا لَا نَتَوَقَّفُ فِي صَرْفِ تَرِكَتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ بَالِغًا، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِشَرْطِهِ. وَإِنْ جَنَى قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ قُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ عَمْدٌ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً فِي مَالِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَفِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَجِدَ. وَإِنْ قُلْنَا: خَطَأٌ، وَجَبَتْ مُخَفَّفَةً فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ، فَالتَّرِكَةُ فَيْءٌ، وَلَا تَكُونُ جِنَايَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَأَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً، نُظِرَ، إِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْسِهِ، أُخِذَتِ الدِّيَةُ وَوُضِعَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَقِيَاسُ مَنْ قَالَ بِالتَّوَقُّفِ فِي أَحْكَامِهِ: أَنْ لَا يُوجِبَ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ، وَلَمْ أَرَهُ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ، الْجَزْمُ بِالدِّيَةِ الْكَامِلَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى طَرَفِهِ، فَوَاجِبُهَا حَقُّ اللَّقِيطِ يَسْتَوْفِيهِ الْقَاضِي، وَيَعُودُ فِيهِ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ. وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا، فَإِنْ قُتِلَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: يَجِبُ قَطْعًا، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مَعْصُومٌ. وَإِنْ قُتِلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفْصَاحِ بِالْإِسْلَامِ، وَجَبَ قَطْعًا. وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُتَصَوَّرُ رِضَا كُلِّهِمْ بِاسْتِيفَائِهِ. وَإِنْ قُتِلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ قَبْلَ الْإِفْصَاحِ، فَعَلَى الْخِلَافِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ قَطْعًا، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْإِفْصَاحِ الْوَاجِبِ. وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى الطَّرَفِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. ثَانِيهِمَا: يَتَوَقَّفُ. فَإِنْ بَلَغَ وَأَفْصَحَ، تَبَيَّنَّا وُجُوبَهُ، وَإِلَّا، فَعَدَمُهُ. وَإِنْ كَانَ الْجَانِي عَلَى النَّفْسِ أَوِ الطَّرَفِ كَافِرًا رَقِيقًا، وَجَبَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُتَصَوَّرُ رِضَاهُمْ.
فَرْعٌ
إِذَا أَوْجَبْنَا لَهُ الْقِصَاصَ، فَقِصَاصُ النَّفْسِ يَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ إِنْ رَآهُ مَصْلَحَةً. وَإِنْ رَأَى الْعُدُولَ إِلَى الدِّيَةِ، عَدَلَ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ مَجَّانًا، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا قِصَاصُ الطَّرَفِ، فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ بَالِغًا عَاقِلًا، فَالِاسْتِيفَاءُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ اسْتِيفَاؤُهُ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَجُوزُ فِي الْمَجْنُونِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِإِفَاقَتِهِ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ، وَهَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَأَضْعَفُ وَجْهٍ حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ فِي جَوَازِ الِاقْتِصَاصِ، حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ. وَالْمَذْهَبُ: الْمَنْعُ قَطْعًا. وَإِذَا لَمْ يَقْتَصَّ، فَهَلْ لَهُ أَخْذُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ؟ نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَجْنُونًا فَقِيرًا، فَلَهُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا غَنِيًّا، فَلَا، وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا غَنِيًّا، أَوْ صَبِيًّا فَقِيرًا، فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ. وَحَيْثُ مَنَعْنَا الْأَرْشَ،
أَوْ لَمْ نَرَ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، يُحْبَسُ الْجَانِي إِلَى الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ، وَإِذَا جَوَّزْنَاهُ فَأَخَذَهُ، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، وَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَقْتَصَّ، فَفِي تَمَكُّنِهِ وَجْهَانِ شَبِيهَانِ بِمَا لَوْ عَفَا الْوَلِيُّ عَنِ الشُّفْعَةِ لِلْمَصْلَحَةِ فَبَلَغَ وَأَرَادَ الْأَخْذَ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ أَخْذَ الْمَالِ عَفْوٌ كُلِّيٌّ وَإِسْقَاطٌ لِلْقِصَاصِ، أَمْ سَبَبُهُ الْحَيْلُولَةُ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ؟ وَقَدْ يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْجَانِي كَإِبَاقِ الْمَغْصُوبِ.
قُلْتُ: الرَّاجِحُ الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَخْذِ الْأَرْشِ لِلَّقِيطِ، جَارٍ فِي كُلِّ طِفْلٍ يَلِيهِ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ بِلَا فَرْقٍ. وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ شَيْخِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَخْذُهُ، قَالَ: وَهَذَا حَسَنٌ إِنْ جَعَلْنَاهُ إِسْقَاطًا. وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَيْلُولَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ [لِلْوَصِيِّ أَيْضًا] .
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: نَسَبُ اللَّقِيطِ، وَهُوَ كَسَائِرِ الْمَجْهُولِينَ، فَإِذَا اسْتَلْحَقَهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ، لَحِقَهُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ «الْإِقْرَارِ» مَا يَشْتَرِطُ الِاسْتِلْحَاقَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُلْتَقِطِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لِلْمُلْتَقِطِ: مِنْ أَيْنَ هُوَ لَكَ؟ فَرُبَّمَا تَوَهَّمَ أَنَّ الِالْتِقَاطَ يُفِيدُ النَّسَبَ. وَإِذَا أُلْحِقَ بِغَيْرِ الْمُلْتَقِطِ، سُلِّمَ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَحَقُّ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ. وَاسْتِلْحَاقُ الْكَافِرِ، كَاسْتِلْحَاقِ الْمُسْلِمِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْجِهَاتِ الْمُثْبِتَةِ لِلنَّسَبِ. وَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ عَبْدٌ، لَحِقَهُ إِنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ، وَكَذَا إِنْ كَذَّبَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: لَا يَلْحَقُ قَطْعًا. وَقِيلَ: يَلْحَقُ قَطْعًا إِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي النِّكَاحِ، وَمَضَى زَمَانُ إِمْكَانِهِ، وَإِلَّا، فَقَوْلَانِ. وَالْمَذْهَبُ: اللُّحُوقُ مُطْلَقًا، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي إِقْرَارِ الْعَبْدِ بِأَخٍ أَوْ عَمٍّ. وَقِيلَ بِالْمَنْعِ هُنَا قَطْعًا، لِأَنَّ لِظُهُورِ نَسَبِهِ طَرِيقًا آخَرَ، وَهُوَ إِقْرَارُ الْأَبِ أَوِ الْجَدِّ، وَيَجْرِي فِيمَا لَوِ اسْتَلْحَقَ حُرٌّ عَبْدَ غَيْرِهِ وَهُوَ بَالِغٌ فَصَدَّقَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الْإِرْثِ الْمُتَوَهَّمِ بِالْوَلَاءِ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ هُنَا قَطْعًا، وَيَجْرِي فِيمَا لَوِ اسْتَلْحَقَ الْمُعْتَقُ غَيْرَهُ. وَالْمَنْعُ هُنَا أَبْعَدُ، لِاسْتِقْلَالِهِ بِالنِّكَاحِ وَالتَّسَرِّي. وَإِذَا صَحَّحْنَا اسْتِلْحَاقَ الْعَبْدِ،