الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} أي: إلا من عصمه الله تعالى: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} وهذا القول هو الأشهر والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله فأفرده بتصنيف على حدة.
وبعد أن ذكر بعض ما ذكره ابن جرير الذي ذكرناه آنفا عن ابن عباس، وتلاميذه، وغيره قال: والقول الأول أقوى، وأظهر؛ لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك1.
1 تفسير ابن كثير: ج4 ص 449 ط المنار.
التفسير الصحيح لقوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}
والصحيح في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه} أن الكلام تم عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِه} وليس من شك في أن همها كان بقصد الفاحشة، {وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ} .
الكلام من قبيل التقديم والتأخير، والتقدير: ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، فقوله تعالى:{وهم بها} ، جواب "لولا" مقدم عليها ومعروف في العربية أن "لولا" حرف امتناع لوجود، أي: امتناع الجواب لوجود الشرط، فيكون الهم ممتنعا لوجود البرهان الذي ركزه الله في فطرته، والمقدم إما الجواب، أو دليله على الخلاف في هذا بين النحويين، والمراد بالبرهان: هو حجة الله الباهرة الدالة على قبح الزنا وهو شيء مركوز في فطر الأنبياء، ومعرفة ذلك عندهم وصل إلى عين اليقين، وهو ما نعبر عنه بالعصمة، وهي التي تحول بين الأنبياء والمرسلين وبين وقوعهم في المعصية، ويرحم الله الإمام: جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما حيث قال: البرهان: النبوة التي أودعها الله في صدره، حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل.
وهذا هو القول الجزل الذي يوافق ما دل عليه العقل من عصمة الأنبياء، ويدعو إليه السابق واللاحق، وأما كون جواب لولا لا يجوز أن يتقدم عليها فهذا أمر ليس ذا خطر، حتى نعدل عن هذا الرأي الصواب، إلى التفسيرات الأخرى الباطلة، لهم يوسف عليه السلام والقرآن هو أصل اللغة، فورود أي أسلوب في القرآن يكفي في كونه أسلوبا عربيا فصيحًا، وفي تأصيل أي قاعدة من القواعد النحوية فلا يجوز لأجل الأخذ بقاعدة نحوية أن نقع في محظور لا يليق بالأنبياء كهذا.
وقد قال الإمام الآلوسي في تفسيره في الرد على المبرد في تشنيعه على قراءة حمزة -أحد القراء السبعة- في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ} 1 بجر لفظ الأرحام عطفا على الضمير المجرور من غير إعادة حرف الجر، وهو أحد القراء السبعة الذين قال أساطين الدين: إن قراءتهم متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع هذا، لم يقرأ به وحده، بل قرأ به جماعة من غير السبعة، كابن مسعود، وابن عباس، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وقتادة ومجاهد وغيرهم كما نقله ابن يعيش فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة، ونهاية الجسارة والبشاعة وربما يخشى منه الكفر، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور، هو مذهب البصريين، ولسنا متعبدين باتباعهم، وقد أطال أبو حيان في "البحر" الكلام في الرد عليهم، وادعى أن ما ذهبوا إليه غير صحيح، بل الصحيح ما ذهب إليه الكوفيون من الجواز، وورد ذلك في لسان العرب نثرا ونظما، وإلى ذلك ذهب ابن مالك"2.
وقيل: إن ما حصل من هَمِّ يوسف كان خطرة، وحديث نفس بمقتضى الفطرة البشرية، ولم يستقر، ولم يظهر له أثره، قال البغوي في تفسيره:"قال بعض أهل الحقائق: الهَمُّ هَمَّان: همٌّ ثابت، وهو إذا كان معه عزم، وعقد، ورضا، مثل هم امرأة العزيز، والعبد مأخوذ به، وهمٌّ عارض، وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار، ولا عزم مثل هم يوسف عليه السلام والعبد غير مأخوذ به، ما لم يتكلم به أو يعمل"3، وقيل: همت به هم شهوة وقصد للفاحشة، وهم هو يضربها، ولا أدري
1 النساء: 1.
2 تفسير الآلوسي: ج4 ص 184، وانظر البحر المحيط عند تفسير هذه الآية.
3 تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير: ج 4 ص 431.