الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رب العزة؟ 1!! وذكر مثل هذا الزمخشري في تفسيره، وقد نقلها؛ لأنها تساعده على إثبات مذهبه الفاسد وجماعته، وهو استحالة رؤية الله في الدنيا، والآخرة.
وهذا وأمثاله مما لا نشك أنه من الإسرائيليات المكذوبة، وموقف بني إسرائيل من موسى، ومن جميع أنبياء الله معروف، فهم يحاولون تنقيصهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
وقد تنبه إلى هذا الإمام أحمد بن المنير صاحب "الانتصاف من صاحب الكشاف"، فقال: وهذه حكاية إنما يوردها من يتعسف لامتناع الرؤية فيتخذها عونا وظهرا على المعتقد الفاسد، والوجه التورّك بالغلط على ناقلها، وتنزيه الملائكة عليهم السلام من إهانة موسى الكليم بالوكز بالرجل، والغمص في الخطاب2.
ويرحم الله الإمام الآلوسي حيث قال في تفسيره: "ونقل بعض القصاصين، أن الملائكة كانت تمر عليه حينئذ، فيلكزونه بأرجلهم، ويقولون: يا ابن النساء الحيض، أطمعت في رؤية ربك؟ وهو كلام ساقط لا يُعوَّل عليه بوجه؛ فإن الملائكة عليهم السلام مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل، والغمص في الخطاب3.
1 المرجع السابق ص 551.
2 تفسير الكشاف عند تفسير قوله: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} .
3 تفسير الآلوسي ج 9 ص 46 ط. منير.
12-
الإسرائيليات في ألواح التوراة:
ومن الإسرائيليات: ما ذكره الثعلبي والبغوي، والزمخشري، والقرطبي والآلوسي وغيرهم، عند تفسير قوله تعالى:{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} "الأعراف: 145" فقد ذكر في الألواح: مم هي؟ وما عددها؟ أقوالا كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين وعن كعب، ووهب، من أهل الكتاب الذين أسلموا مما يشير إلى منبع هذه الروايات، وأنها من إسرائيليات بني إسرائيل، وفيها من المرويات ما يخالف المعقول.
والمنقول، وإليك ما ذكره البغوي في هذا، قال:
قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَه} : يعني لموسى، {فِي الْأَلْوَاح} : قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة، وفي الحديث:"كانت من سدر الجنة، طول اللوح اثنا عشر ذراعا". وجاء في الحديث: "خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده"1.
وقال الحسن: كانت الألواح من خشب، وقال الكلبي: كانت من زبرجدة خضراء.
وقال سعيد بن جبير، كانت من ياقوت أحمر، وقال الربيع: كانت الألواح من برد2.
وقال ابن جريج: كانت من زمد، أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد من نهر النور!!
وقال وهب: أمر الله بقطع الألواح من صخرة صماء، لينها الله له، فقطعها بيده، ثم شققها بيده، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر، وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة، وكانت الألواح عشرة أذرع، على طول موسى!!
وقال مقاتل ووهب: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ} كنقش الخاتم.
وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى3.
فكل هذه الروايات المتضاربة التي يرد بعضها بعضا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم صلى الله عليه وسلم وإنما هي من إسرائيليات بني إسرائيل، حملها عنهم بعض الصحابة والتابعين.
1 لم يخرج البغوي كما هي عادته الحديثين ولم يبرز سندهما، وقد ذكر الآلوسي أن الحديث الأول رواه ابن أبي حاتم، واختار القول به إن صح السند إليه، وأما الحديث الثاني فقال: إنه مروي عن على، وعن ابن عمر، وعن غيرهما من التابعين "تفسير الآلوسي ج 7 ص 57".
2 الظاهر أنها بضم الباء وسكون الراء: الثوب المختط، وإلا فلو كانت من بَرَد بفتح الباء والراء حبات الثلج فكيف يكتب عليها؟
3 لا أدري كيف يقبل عقل أنها حمل سبعين بعيرا، وإذا لم يقرأها إلا أربعة فلماذا أنزلها الله؟
بحسن نية، وليس تفسير الآية متوقفا على كل هذا الذي رووه، والذي يجب أن نؤمن به، أن الله أنزل الألواح على موسى، وفيها التوراة1، أما هذه الألواح مم صنعت؟ وما طولها وما عرضها؟ وكيف كتبت؟ فهذا لا يجب علينا الإيمان به، والأَوْلى عدم البحث فيه؛ لأن البحث فيه لا يؤدي إلى فائدة، ولا يوصل إلى غاية،
ومن ذلك: ما يذكره بعض المفسرين في قوله تعالى: {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} فقد جعلوا التوراة مشتملة على كل ما كان وكل ما يكون، وهذا مما لا يعقل، ولا يصدق، فمن ذلك: ما ذكره الإمام الآلوسي في تفسيره قال: وما أخرجه الطبراني، والبيهقي في "الدلائل" عن محمد بن يزيد الثقفي، قال: اصطحب قيس بن خرشة، وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين، وقف كعب، ثم نظر ساعة، ثم قال: ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يراق ببقعة من الأرض مثله.
فقال قيس: ما يدريك؟ فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله تعالى به؟!! فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزل الله تعالى على موسى، ما يكون منه، وما يخرج منه إلى يوم القيامة!!
وهو من المبالغات التي روي أمثالها عن كعب ولا نصدق ذلك، ولعلها من الكذب الذي لاحظه عليه الصحابي الداهية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه على ما أسلفنا سابقا، ولا يعقل قط أن يكون في التوراة كل أحداث الدنيا إلى يوم القيامة.
والمحققون من المفسرين سلفا وخلفا على أن المراد أن فيها تفصيلا لكل شيء، مما يحتاجون إليه في الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح مما يلائم شريعة موسى وعصره، وإلا فقد جاء القرآن الكريم بأحكام وآداب، وأخلاق لا توجد في التوراة قط.
وقد ساق الإمام الآلوسي هذا الخبر؛ للاستدلال به لمن يقول: إن كل شيء عام،
1 وقيل: إن الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والصحيح الأول.