الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كيف يتفق هذا القول وقوله تعالى: {لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه} .
والقول الجزل الفحل هو ما ذكرناه أولا، والسر في إظهاره في هذا الأسلوب والله أعلم: تصوير المشهد المثير المغرى العرم، الذي هيأته امرأة العزيز لنبي الله يوسف، وأنه لولا عصمة الله له، وفطرته النبوية الزكية، لكانت الاستجابة لها، والهم بها أمرا محققا، وفي هذا تكريم ليوسف، وشهادة له بالعفة البالغة، والطهارة الفائقة.
19-
الإسرائيليات في سبب لبث يوسف في السجن:
ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين في مدة سجن يوسف عليه السلام وفي سبب لبثه في السجن بضع سنين، وذلك عند تفسير قوله تعالى:
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِين} [يوسف: الآية 42] .
فقد ذكر ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، وغيرهم أقوالا كثيرة في هذا، فقد قال وهب بن منبه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين1.
وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: اذكرني عند ربك. قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا، لأطيلن حبسك، فبكى يوسف، وقال: يا رب، أنسى قلبي كثرة البلوى فقلت كلمة، ولن أعود.
وقال الحسن البصري: دخل جبريل عليه السلام على يوسف في السجن فلما رآه يوسف عرفه، فقال له: يا أخا المنذرين، إني أراك بين الخاطئين؟! فقال له جبريل: يا طاهر يا ابن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين، ويقول لك: أما استحيت مني أن استشفعت بالآدميين؟! فوعزتي وجلالي لألبثنك في السجن بضع سنين، فقال يوسف: وهو في ذلك عني راضٍ؟ قال: نعم، قال: إذًا لا أبالي.
1 لا أدري ما المناسبة بين نبي الله، وبختنصر الذي أذل اليهود وسباهم؟
وقال كعب الأحبار: قال جبريل ليوسف: إن الله تعالى يقول: من خلقك؟ قال: الله عز وجل. قال: فمن حبَّبَك إلى أبيك؟ قال: الله، قال: فمن نجاك من كرب البئر؟ قال: الله، قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله، قال: فمن صرف عنك السوء، والفحشاء؟ قال: الله، قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟ 1، فلما انقضت سبع سنين قال الكلبي: وهذه السبع سوى الخمسة2 التي قبل ذلك جاء الفرج من الله، فرأى الملك ما رأى من الرؤيا العجيبة، وعجز الملأ عن تفسيرها، تذكر الساقي يوسف وصدق تعبيره للرؤى، فذهب إلى يوسف، فعبرها له خير تعبير، فكان ذلك سبب نجاته من السجن، وقول امرأة العزيز:{الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين} .
وأغلب الظن عندي: أن هذا من الإسرائيليات، فقد صورت سجن يوسف على أنه عقوبة من الله لأجل الكلمة التي قالها، مع أنه عليه السلام لم يقل هجرا، ولا منكرا، فالأخذ في أسباب النجاة العادية، وفي أسباب إظهار البراءة والحق، لا ينافي قط التوكل على الله تعالى، والبلاء للأنبياء ليس عقوبة، وإنما هو لرفع درجاتهم، وليكونوا أسوة وقدوة لغيرهم، في باب الابتلاء، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أشد الناس بلاء الأنبياء، فالأمثل، فالأمثل".
وقد روى ابن جرير ههنا حديثا مرفوعا فقال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو لم يقل -يعني يوسف- الكلمة التي قالها ما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند غير الله".
ولو أن هذا الحديث كان صحيحا أو حسنا: لكان للمتمسكين بمثل هذه الإسرائيليات التي أظهرت سيدنا يوسف بمظهر الرجل المذنب المدان وجهة، ولكن الحديث شديد الضعف، لا يجوز الاحتجاج به أبدا.
1 تفسير البغوي: ج4 ص 444، 445.
2 بعض المفسرين لا يكتفي بالسبع بل يضم إليها خمسا قبل ذلك ولا أدري ما مستنده في هذا؟ وظاهر القرآن لا يشهد له ولو كان كذلك لصرح به القرآن، أو لأشار إليه.