الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِْ} 1.
وقوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَة} فقد فسر بما يعده: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} 2.
وقوله تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} ، فقد فسر بما بعده:{إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} 3 إلى غير ذلك.
1 المائدة: 3
2 الواقعة: 7-11.
3 المعارج: 9-21
ب-
تفسير القرآن بالسنة:
فإن لم يوجد تفسير للقرآن في القرآن، فليبحث عما ثبت وصح في السنة، والأحاديث؛ فإنها شارحة للقرآن، ومبينة له، قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} 1، وقال تعالى:{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة} 2.
وعن المقدام بن معد يكرب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إنني أوتيت الكتاب ومثله معه 3؛ ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته 4 يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه؛ ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا أكل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلَّا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فعليه أن يعقبهم 5 بمثل قراه". رواه أبو داود في سننه.
قال الإمام الخطابي رحمه الله: قوله: "أوتيت الكتاب ومثله معه"،
1 النحل: 44
2 الجمعة: 2
3 هي السنن والأحاديث.
4 المراد أنه من أهل الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه.
5 روي مشددا، ومخففا من المعاقبة أي يأخذ من أموالهم بقدر الضرورة، وهو يدل على منزلة التكافل الاجتماعي في الإسلام.
وجهين: أحدهما: أن معناه: أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطي من الظاهر المتلو.
والثاني: أنه أوتي الكتاب وحيا يُتلَى، وأوتى من البيان مثله، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب، فيعمم ويخص، ويزيد عليه، ويشرح ما في الكتاب، فيكون في وجوب العمل به، ولزوم قبوله كالظاهر المتلوّ من القرآن.
وقوله: "يوشك رجل...." يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنها مما ليس له في القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض؛ فإنهم تمثلوا بظاهر القرآن، وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب، فتحيروا، وضلوا1.
وفي حديث معاذ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: "بم تحكم"؟ قال: بكتاب الله قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله، قال:"فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأي ولا آلو. أي لا أقصر، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال:"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله".
قال ابن كثير في تفسيره2: وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد.
وروى ابن المبارك عن الصحابي الجليل: عمران بن حصين أنه قال لرجل سأله عن أشياء وطلب منه أن يجيبه بالقرآن: "إنك رجل أحمق، أتجد الظهر في كتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة، ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجده في كتاب الله مفسرًا؟! إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر هذا، وقال مكحول: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، وقال الإمام أحمد بن حنبل: "إن السنة تفسر الكتاب وتبينه"3.
وهذا النوع من التفسير المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الطراز المعلم، ويجب الاعتماد في هذا النوع على الأحاديث الصحاح، والحسان، وتجنب الأحاديث الضعيفة والموضوعة،
1 تفسير القرطبي ج 1 ص 38.
2 تفسير ابن كثير والبغوي جـ1 ص 6، وقد اختلف العلماء في هذا الحديث؛ فمنهم من صححه ومنهم من حسنه ومنهم من ضعفه وممن صححه ابن القيم في إعلام الموقعين.
3 أعلام المحدثين ص 9.
فقد اختُلِقَ على النبي في تفسير القرآن كما اختُلِقَ عليه في غيره.
وقد قال الزركشي في البرهان: إنه قد صح من ذلك كثير.
ورد عليه السيوطي في الإتقان، فقال:"الذي صح من ذلك قليل جدا، بل أصل المرفوع في غاية القلة، وسأسردها في آخر الكتاب، إن شاء الله تعالى"1.
والحق: أني لا أوافق السيوطي على مقالته؛ وهي أنَّ ما صح في التفسير عن النبي قليل جدا، ولعل مراده القلة النسبية، أي بالنسبة إلى ما ورد عن الصحابة والتابعين، وإلا فقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه في ذلك كتابا كبيرا، وهو:"كتاب التفسير"، استغرق نحو جزء من ثلاثة عشر جزءا من تجزئة الإمام الحافظ ابن حجر في شرحه:"فتح الباري".
وليس أدل على ما ذهبت إليه مما ذكره الحافظ بعد ما فرغ من شرح: "كتاب التفسير"، قال: خاتمة: اشتمل كتاب التفسير على خمسمائة حديث، وثمانية وأربعين حديثا، من الأحاديث المرفوعة، وما في حكمها، الموصول من ذلك أربعمائة حديث، وخمسة وستون حديثا، والبقية معلق2، وما في معناه، المكرر من ذلك فيه، وفيما مضى أربعمائة وثمانية وأربعون حديثا، والخاص منها يعني من غير تكرار مائة حديث وحديث، وافَقَه مسلم على تخريج بعضها، ولم يخرج أكثرها؛ لكونها ليست ظاهرة الرفع، والكثير منها من تفاسير ابن عباس رضي الله عنهما وهي ستة وستون حديثًا، وفيه من الآثار3 عن الصحابة فمن بعدهم خمسمائة وثمانون أثرا...."4 وهذا يدل على أن ما صح في التفسير المرفوع غير قليل.
السبب في أن الصحابة لم ينقلوا عن النبي كل التفسير:
وليس من شك في أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن القرآن كله للصحابة، ولا سيما ما أشكل
1 الإتقان: ج 2 ص 178، 179.
2 المعلق في اصطلاح المحدثين: ما حذف من مبتدأ إسناده راوٍ أو أكثر، والمراد بأول السند من جهة الإمام الراوي وذلك مثل قول البخاري: وقال مجاهد كذا، وقال ابن عباس كذا.
3 أي الموقوفة على الصحابة.
4 فتح الباري جـ 8 ص 604، 605.
عليهم أو خفى عليهم المراد منه، ولكن لم ينقل إلينا عنه صلى الله عليه وسلم كل ما يتعلق بآيات القرآن؛ ولعل السبب في هذا: أنهم كانوا لفهمهم الكثير من آيات بمقتضى فطرتهم اللغوية، وعلمهم بالشريعة، رأوا ألا حاجة لنقل كل ما يتعلق بتفسير القرآن؛ ظنا منهم أن من يأتي بعدهم فهو مثلهم، أو يدانيهم وأيضًا فاشتغالهم بالجهاد، والفتوحات، ونشر الإسلام لم يدع لهم وقتا للتفرغ للعلم والرواية.
السبب في أن ما نقل عن النبي في التفسير أقل مما نقل في الأحكام:
وقد كان من حكمة الله البالغة: أن ما نقل عن النبي في تفسير القرآن ولا سيما فيما يتعلق بنشأة الكون، وأسرار الوجود، والآيات الكونية والنفسية أقل مما نقل في الأحكام؛ وذلك لأن الأحكام الشرعية ثابتة دائمة، لا تتغير بتغير الأزمان والعصور، أما الآيات الكونية والآفاقية والنفسية فهي مجال للنظر، والتفكر، والتدبر، ويختلف تناولها والاستفادة منها بتغير العقول، والفهوم، وتتطور بتطور الأزمان والأجيال، وهي عرضة للتقدم العلمي، فمن ثم كان موقف القرآن منها موقف الداعي إلى التفكر والتدبر، والملاحظة والتجربة والاستفادة بما أودعه الله فيها من أسرار، وخصائص، وسنن؛ وبذلك فتح القرآن للعقول أبواب التقدم العلمي على مصراعيها، حتى بلغ هذا التقدم إلى ما ترى وقد صيغت هذه الآيات الكونية والنفسية صياغة في غاية المرونة1، فمن ثم صلحت لكل زمان ومكان، وكان ذلك سرًّا من أسرار إعجاز القرآن الكريم.
وكذلك كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات الكونية؛ الحث على البحث فيها، والتفكر، والتدبر، والتنبيه إلى فوائدها دون الإخبار عن حقائقها وأسبابها، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في التفصيل في الآيات الكونية -كالسماوات، وجوهرها ومم خُلقت ومقدار ما بين كل سماء والأخرى- إلا شيء قليل جدا، وأغلب ما ورد في ذلك لم يصح، ولم يثبت عنه.
1 في القاموس المحيط "مرن مرانة، ومرونة: لان في صلابة...." وهذا ما أردته من مرونة الألفاظ القرآنية.
ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن الهلال: لم يبدو دقيقا، ثم يزيد، حتى يمتلئ نورا؛ أي يصير بدرا، ثم يعود دقيقا كما كان1 نزل القرآن منبها إلى الفائدة دون الإجابة عن الحقيقة العلمية مع أنها محطُّ السؤال قال عز من قائل:{يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} 2، والله سبحانه وتعالى وهو خالق الكون؛ علويّه وسفليّه، ومدبره، والعليم بكل أسراره كان يعلم الحقيقة العلمية ولا ريب، وكان من الممكن اليسير أن يعلمها لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ ليجيب بها، أو لعله أعلمه بها، ولكن جاء القرآن على هذا الأسلوب الحكيم بالتنبيه إلى الفائدة والغاية من هذا رحمة بالناس، ورفقا بعقولهم فليست كل العقول كانت متهيئة في هذا الزمن البعيد لتقبل الحقيقة العلمية، وقد يكون لبعضهم فتنة، فمن ثم ترك ذلك إلى العقول؛ لتصل إلى الحقيقة بعلمها وجدها، وبحثها، والعالم في تقدمه مدين لهذا المنهج القرآني، فهو الذي فتح للبشرية آفاق العلم، والمعرفة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس على قدر عقولهم، واستعداداتهم، وله في ذلك السياسة الحكيمة، والتوجيهات الرشيدة، وفي الأثر الصحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال:"ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". رواه مسلم في مقدمة الصحيح وروى البخاري في صحيحه تعليقا عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: "حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! ".
حديث منكر غريب:
ومهما يكن من شيء فقد فسَّر النبي صلى الله عليه للصحابة جلَّ القرآن، إن لم يكن كله، وأما الحديث الذي رواه ابن جرير الطبري بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت:"ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفسر شيئا من القرآن إلا آيًا بعدد، علمهن إياه جبريل عليه السلام" فإنه حديث منكر غريب؛ لأن جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري قال فيه البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث3.
وقد تكلم عليه الإمام ابن جرير بما حاصله: أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف.
1 تفسير ابن كثير والبغوي جـ1 ص 430.
2 البقرة: 189.
3 تفسير ابن كثير والبغوي جـ 1 ص 15.
عن الله تعالى مما أوقفه عليها جبريل، وهذا التأويل مقبول لو صح الحديث، ولكنه لم يصح.
أمثلة لتفسير القرآن بالسنة:
من ذلك: تفسير المغضوب عليهم: باليهود، والضالين: بالنصارى، في سورة الفاتحة، أخرج أحمد، والترمذي، وحسنه وابن حبان في صحيحه، عن عدي بن حاتم: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المغضوب عليهم هم: اليهود، وإن الضالين هم: النصاري" ويؤيد هذا التفسير، قوله تعالى:{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} 1 فإن المراد بهم: اليهود2، وقوله تعالى:{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} 3 وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود عنوانا على كل من فسدت إرادتهم، فعلموا الحق، وعدلوا عنه، والنصارى: عنوانا على الذين فقدوا العلم، والوصول إلى الحق، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق.
ومن ذلك تفسير الظلم في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} 4 روى أحمد والشيخان وغيرهم عن ابن مسعود، قال:"لما نزلت هذه الآية: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شق ذلك على الصحابة، فقالوا: يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} 5، إنما هو الشرك".
ومن ذلك: تفسير القوة بالرمي، في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّه
1 المائدة: 60.
2 تفسير: ابن كثير والبغوي جـ 3 ص 187.
3 المائدة: 77.
4 الأنعام: 82.
5 لقمان: 13 والمراد بالعبد الصالح لقمان.
يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} 1.
روى مسلم وغيره عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة؛ ألا وإن القوة الرمي؛ ألا وإن القوة الرمي؛ ألا وإن القوة الرمي".
وقد جاءت الكلمة القرآنية معجزة، فإن المراد بالقوة أسبابها، وهي كل ما يكون به القوة، ولما كانت أسباب القوة وهي أسلحة الحرب، وآلات القتال تختلف باختلاف العصور، جاءت الكلمة على هذه المرونة الفائقة، التي جعلتها صالحة لكل زمان ومكان.
وكذلك جاء المفسِّر معجزا كالمفسَّر "بفتح السين المشددة"، فهما من مشكاة واحدة، فالرمي: كلمة مرنة صالحة لتطور الأسلحة بتقدم الزمان، فإن كلمة الرمي: يدخل فيها الرمي بالقوس، والنبال، والرمي بالحراب، والرمي بالمجنيق، ويدخل فيها أيضا: كل ما استحدث فيما بعد، كالرمي بالمدفع، والقنابل الذرية، والهيدروجينية والصواريخ ونحوها، ومن ذلك تفسير الحساب اليسير: بالعرض، أخرج الشيخان وغيرهما، عن عائشة، قالت قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نوقش الحساب عذب"، قلت: أليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} 2 قال: "ليس ذاك الحساب؛ وإنما ذاك العرض"، وهذا لفظ مسلم.
والعَرْض "بفتح العين وسكون الراء" أي عرض أعمال المؤمن عليه، حتى يعرف منَّة الله تعالى عليه في سترها عن الناس في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة.
ومن ذلك تفسير الكوثر في قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} أخرج أحمد ومسلم عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكوثر: نهر أعطانيه ربي في الجنة" قال السيوطي: له طرق لا تحصى3. وفي الصحيحين عن أنس قال: "لما عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: "أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفا، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر".
1 الأنفال: 60
2 الانشقاق: 8
3 الإتقان في علوم القرآن جـ2 ص 191- 204.